الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من مخاطبتهم باللين واللطف وعدم تغليظ القول، وضرب الأمثال بهم ليقبل ويؤخذ به، وإلا عاد عليه نصحه شرا، وعلى غيره خسرا، وكسب عداوتهم من مودتهم.
طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:
كأن قائلا يقول ماذا قال آزر لابنه عند سماعه هذه النصائح الواجبة القبول؟
أصر على عناده، وقابل ذلك الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة بقوله له أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ» استفهام انكار على نوع من التعجب، أنف عن عبادتها وسماه باسمه احتقارا ولم يقابله بالمثل، فيقول يا ولدي حنانا بل هدده بقوله مقسما بآلهته «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ» عما صدر منك «لَأَرْجُمَنَّكَ» بالحجارة حتى تموت وأقول لك من الآن اذهب عني «وَاهْجُرْنِي» لا تأت إلي ولا أراك واتركني على ما أنا عليه ولا تدعني إلى ما ذكرت هجرا «مَلِيًّا» 46 طويلا أبدا، مأخوذ من الإملاء أي الإمداد، وكذا الملاءة بتثليث الميم ومن هذا الملوان الليل والنهار، يريد عدم تكليمه له مادام حيا، ونصب الظرفية كما في قول المهلهل:
فتصدعت صم الجبال لموته
…
وبكت عليه المرملات مليا
فانظر يا رعاك الله إلى الكلام الصادر عن نور المعرفة، وإلى الكلام الناشئ عن الكفر، وتفكر في رقة الإيمان كيف تخاطب غلظة الكفر، وقساوة الشرك كيف تقابل لين الإيمان، وأنعم نظرك في جواب العارف بعد تهديده من ذلك وقد طرده طردا أبديا مع تهديده بالقتل «قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ» يا أبت هنا تعلم (الدّن ينضح بما فيه) وقول عيسى عليه السلام (كل ينفق ما عنده) السلام هنا والمباركة كالذي أشرنا إليه في تفسير الآية 63 من سورة الفرقان، وبعد هذا كله لم يقطع أمله من إيمانه بسائق الرأفة عليه من عذاب الله امّا لحق التربية وجزاء لواجب الأبوّة فقال عليه السلام «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي»
عما وقع منك تجاهه لقاء نصحي، وأسأله أن يرزقك الإيمان به وحده وترك الشرك الذي أنت عليه «إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا» 47 بليغا بالبر والإكرام إذ أنقذني من ظلمة الكفر وهداني إلى نور الإيمان، وجعلني نذيرا لعباده من عذابه، وبشيرا لهم بثوابه وصيّرني بهم رءرفا رحيما وعودني أن يجيب دعائي بجزيل كرمه وأفضاله علي (يقال احتفى بالرجل إذا بالغ في إكرامه واعتنى به) راجع الآيتين 95 و 187 من سورة الأعراف المارة، ثم قال مجيبا لزجر أبيه وتحذيره من البقاء معه «وَأَعْتَزِلُكُمْ» على جهة التعظيم لأن المخاطب واحد، وفيه إشارة إلى أنه لم يزل محافظا على أدبه معه مراعيا حقه وان ما صدر منه عليه لم يؤثر في قلبه الطاهر، وهكذا الأنبياء العارفون لا يمنعهم من القيام بالإرشاد تعدي الناس عليهم «وَ» أعتزل أيضا «ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع «وَأَدْعُوا رَبِّي» وحده لأن يوفقي إلى مهاجر أجد فيه من يسمع نصحي ويجيب دعوتي ويؤمن بربي «عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي» خلقه إلى عبادته «شَقِيًّا» 48 خائبا ضائعا مخذولا، بل موفقا واجدا أهلا لعبادته، وفيه تعريض بأنهم يدعون غير الله وأنهم يشقون بذلك. واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها، ويجوز أن يكون على ظاهره، لأن الدعاء من العبادة، والعبادة مشتملة على الدعاء، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من الله عز وجل لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب، ثم هاجر عليه السلام إلى الشام فإلى بيت المقدس، قال تعالى «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل «وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا» 49 وهذا من ألطاف الله بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم، إذ أنه عليه السلام هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله، وأنعم عليهم بما