المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب قوة الإيمان وثمرته: - بيان المعاني - جـ ٢

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثاني]

- ‌تفسير سورة الجن عدد 40- 72

- ‌مطلب رواية الجن ورمي النجوم:

- ‌مطلب في كرامات الأولياء وعمر رضي الله عنه:

- ‌تفسير سورة يس عدد 41- 36

- ‌مطلب فيما بكتب من آثار الخلق:

- ‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام:

- ‌مطلب في انسلاخ الأنفس:

- ‌مطلب منازل الكواكب وكيفية جريانها:

- ‌مطلب في النفختين والذي لا يبلى من البشر:

- ‌مطلب تحية الله لعباده وتوبيخ المجرمين:

- ‌مطلب أوزان الشعر ومخالفة القرآن لها:

- ‌مطلب آيات الصفات ونعمة إذلال الحيوانات:

- ‌مطلب تفنيد من كفر القارئ انا بالفتح:

- ‌مطلب خلق النار من الشجر وكيفية أمر الله:

- ‌تفسير سورة الفرقان عدد 42- 25

- ‌مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول

- ‌مطلب لمعة من أسباب النزول:

- ‌مطلب استعمال من لمن لا يعقل وما لمن يعقل وبراءة المعبودين من العابدين:

- ‌مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:

- ‌مطلب بيان البرزخ بين العذب والمالح:

- ‌مطلب الأيام الستة ومعنى فاسأل به خبيرا:

- ‌مطلب البروج وأقسامها وما يتعلق بقضاء الورد:

- ‌مطلب إحياء الليل والآيات المدنيات وكلمات لغوية:

- ‌مطلب تبديل الحسنات بالسيئات وشهادة الزور:

- ‌مطلب قرة العين وسخنها والذرية:

- ‌تفسير سورة فاطر عدد 43- 35

- ‌مطلب جواز إضمار الموصول ولا مجال في طلب الرزق:

- ‌مطلب أصل الهدى والضلال من الله تعالى:

- ‌مطلب الفرق بين ميّت وميت وأن العزة من الله:

- ‌مطلب لكل حظّه من خلق آدم وأن العمر يزيد وينقص:

- ‌مطلب في إسماع الموتى:

- ‌مطلب عدم انقطاع آثار الأنبياء وعدم تكفير فاعل الكبيرة:

- ‌مطلب خشية الله تعالى:

- ‌مطلب نذر الموت ومعنى الغيب:

- ‌مطلب الأرض عائمة كالسماء:

- ‌تفسير سورة مريم عدد 44- 19

- ‌مطلب في الأسماء وما يستحب منها ويجوز ويحرم:

- ‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام:

- ‌مطلب وصية عيسى عليه السلام وما يقوله فيه قومه:

- ‌مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:

- ‌طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:

- ‌مطلب في انجاز الوعد وبحث بالوعيد:

- ‌مطلب أول من اخترع المهن وقصة إدريس عليه السلام:

- ‌مطلب في السجود وما يقول فيه وكلمة خلف:

- ‌مطلب في الأكل المسنون وإرث الجنة:

- ‌مطلب معنى الورود وأن مرتكب الكبيرة لا يخلد بالنار:

- ‌مطلب آخر الناس خروجا من النار وآخرهم دخولا في الجنة:

- ‌مطلب تبرأ المعبودين من العابدين وأصناف الحشر:

- ‌مطلب الشفاعة ومحبة الله:

- ‌تفسير سورة طه 45- 20

- ‌مطلب العرش ومعنى الاستيلاء عليه:

- ‌مطلب فوائد تكرار القصص:

- ‌مطلب جواب إمام الحرمين عن المكان ورفع الأيدي إلى السماء:

- ‌مطلب فضل الصلاة الفائتة:

- ‌مطلب عصا موسى وإعطاء محمد من نوع ما حدث للرسل وأعظم:

- ‌مطلب الوزير والوزر دائرة بلطف الله بموسى واجابة مطالبه:

- ‌مطلب لا صحة لما ورد من أن الله لم ينبىء نبيا إلا بعد الأربعين:

- ‌مطلب لكل نفس حظ من نشأة آدم، وقبر الإنسان من محل الذرة التي خلق منها:

- ‌مطلب معجزات موسى وأدب الرسل مع أقوامهم:

- ‌مطلب قوة الإيمان وثمرته:

- ‌مطلب من اين عرف جبريل السامري:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء ووقتها فيهم:

- ‌مطلب الاحتجاج على الله ورده:

- ‌تفسير سورة الواقعة عدد 46- 56

- ‌مطلب معنى المخلدين ومصير أولاد المشركين وآداب الأكل:

- ‌مطلب نساء أهل الجنة والذين يدخلونها بغير حساب:

- ‌مطلب صحة العطف على الضمير من غير تأكيد:

- ‌مطلب مس المصحف والحديث المرسل والموصول:

- ‌مطلب الفرق بين علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين:

- ‌تفسير سورة الشعراء عدد 47- 26

- ‌مطلب الحكمة من قوله تعالى (تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) :

- ‌مطلب في السحر وكيفية إهلاك قوم فرعون:

- ‌مطلب انفلاق البحر وأخلاق موسى عليه السلام وان كل آية لقوم هي آية لأمة محمد عليه السلام:

- ‌مطلب إيمان المقلد والفرق بين الوثن والصنم:

- ‌مطلب أكثر الموت من الأكل والشرب والحر والقر ومحبة الذكر الحسن:

- ‌مطلب عدم المغفرة للمشرك وعدم نفع المال والولد مع الكفر:

- ‌مطلب ما يقال في مواقف القيامة وعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور الدينية:

- ‌مطلب لا تضرّ خسّة الصنعة مع الإيمان ولا يكفي النسب بلا تقوى:

- ‌مطلب في إيمان اليأس والتأدب بآداب القرآن وآداب المنزل عليه:

- ‌مطلب ما قيل إن في القرآن لغات أجنبية لا صحة له وهي هذه كلها:

- ‌مطلب الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وتخصيص القلب بنزوله وماهية المنزل عليه:

- ‌مطلب لا تجوز القراءة بغير العربية الا إذا كانت دعاء أو تنزيها:

- ‌مطلب أن الأقارب أولى من غيرهم في كل شيء:

- ‌مطلب في الشعر مليحه من قبيحه والآيات المدنيات:

- ‌مطلب ما نسب من الشعر للخلفاء والأئمة وعهد ابي بكر:

- ‌تفسير سورة النمل 48- 27

- ‌مطلب بدء نبوة موسى وكيفية تكليمه:

- ‌مطلب أن الله تعالى خص الأنبياء بأشياء خاصة لأمور خاصة:

- ‌مطلب قصة ابن كثير مع جاره وعظمة ملك سليمان وكلام الطيور:

- ‌مطلب الصفات الممدوحة بالملك وحكم وأمثال:

- ‌تفسير سورة القصص عدد 49- 28

- ‌تفسير سورة الاسراء عدد 50- 17

الفصل: ‌مطلب قوة الإيمان وثمرته:

وتيقنوا أن هذا من قبل الله، وأن موسى ليس بساحر، فلم يسعهم إلا أن وقعوا على الأرض خاضعين لله مخبتين كما أخبر عنهم بقوله عز قوله «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً» على الأرض وبلسان واحد «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى» 70 وانقدنا لأمرهما، وأخر موسى رعاية لسجع الآي، على أن الواو لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا أي برب موسى وهرون، كما مر في سورة الأعراف في الآية 122 التي ذكرنا فيها هذه القصة إلا انها كررت هنا بأوسع مما هناك.

‌مطلب قوة الإيمان وثمرته:

قال جار الله الزمخشري سبحان الله ما أعجب أمرهم. قد القوا حبالهم وعصيهم والجحود ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة بالشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين! فذهب الغيظ بفرعون أقصاه «قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» بالايمان به ولهذا أقول «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» وأنتم تلاميذه فيه «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ» اليد اليمنى مع الرجل اليسرى وبالعكس مبالغة في الضرر «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» جزاء عملكم هذا، وفي هنا دالة على الاستعلاء لأن حروف الجر تخلف بعضها كما قدمناه في تفسير الآية 104 من سورة الأعراف المارة «وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً» نحن فرعون ملك مصر أم موسى وهرون الذين آمنتم بهما «وَأَبْقى» 71 أدوم هددهم بهذا لأنهم خذلوه خذله الله وعلى أمل أنهم يرجعون عن إيمانهم «قالُوا» بلا خوف ولا جزع «لَنْ نُؤْثِرَكَ» مهما كنت وملكك فلا نفضلك ولا نختارك أبدا «عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ» الواضحات على صدق موسى وأخيه «وَالَّذِي فَطَرَنا» لا نفعل ذلك ولا نرجع عن إيماننا حيث تبين لنا أنك مبطل بدعواك الربوبية وأن إله موسى هو الإله الحق الذي لا رب غيره لهذا الكون وقد اقسموا على أحقية موسى لأنهم رأوا الحق معه وقد حلت بهم الهداية ومن يهد الله فلا مضل له، وجواب

ص: 209

القسم مقدم عليه وهو لن نؤثرك ويجوز العطف على ما جاءنا وعليه يكون المعنى لن نختارك على ما جاءنا ولا نختار عبادتك على عبادة الذي خلقنا والاول اولى قيل انهم لما سجدوا كشف الله عن بصيرتهم قرأوا منازلهم في الجنة لذلك صارحوه بقولهم «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» به من تعذيبنا لنلحق بربنا، فإنك «إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا» 72 الفانية التي لم يبق لنا بها رغبة ولم تعد تخالج قلوبنا رهبة مما فيها من العذاب بعد أن رأينا من إله موسى ما رأينا «إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا» السابقة «وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ» أيضا لعله يغفره لنا لأنا عرفنا موسى ليس بساحر حين المناظرة معه قبل المباراة، وذلك أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى قائما، فأراهموه، فرأوا عصاه تحرسه، فقالوا لفرعون إن الساحر إذا نام بطل سحره فهذا ليس بساحر، وأرادوا الامتناع عن مناظرته، فأكرههم عليها، ولقد تناجوا فيما بينهم وتنازعوا ولم يلقوا له بالا ولم يؤثر فيهم تهديده، فقالوا «وَاللَّهُ خَيْرٌ» ثوابا وأعظم عقابا منك «وَ» خيره «أَبْقى» 73 وأدوم من خيرك لأنه باق، وخيرك وشرك زائل، والخير الباقي خير من الفاني، والشر الفاني أهون من الباقي وهذه الجملة بمقابلة «أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى» قال الحسن رض الله عنه سبحان الله لقوم كفارهم أشد الكافرين كفرا ثبت في قلوبهم الإيمان بطرفة عين، ولم يتعاظم عندهم أن قالوا لفرعون في أبهته «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» في ذات الله، والله ان أحدهم (يريد أهل زمانه) اليوم ليصحب القرآن ستين عاما ثم يبيع دينه بشيء حقير. هذا قوله رضي الله عنه في زمنه قبل الف ومئتى سنة وكسور، فكيف بأهل زماننا هذا الذي عمّت فيه البلايا وكسرت به الرزايا، وقل فيه الحياء، وازداد فيه العناء وكثر فيه الشقاء، فالتّقي يعاب، والشقي يهاب، وصاحب الحق مقصور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ثم أنظر رعاك الله كيف تنورت بصائرهم إذ قالوا له «إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً» بما اكتسبه من أعمال قبيحة في هذه الدنيا «فَإِنَّ لَهُ» في الآخرة جزاء إجرامه «جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها» فيستريح من عذابها «وَلا

ص: 210

يَحْيى»

74 حياة طيبة تركن نفسه إليها، تقدم نظيرتها من الآية 13 من سورة الأعلى المارة «وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً» في الآخرة «قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ» في دنياه علاوة على إيمانه «فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى» 75 ثم بين هذه الدرجات بقوله «جَنَّاتُ عَدْنٍ» خلود دائمة كثيرة «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» أبدا لا تحول لهم عنها وذلك الجزاء الحسن عند الله «جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» 76 في دنياه وتطهر من الشرك والمعاصي. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء. وفي رواية: كما ترون الكوكب الدريّ، وان أبا بكر وعمر منهم وأنعما. يقال فلان أحسن من فلان وأنعم أي أفضل، يعنى أن أبا بكر وعمر منهم وازداد تناهيا

الى الغاية فهما أهل لهذا، انتهى ما حكى الله عن هؤلاء السحرة البررة أهل التقوى وأهل المغفرة الذين أصبحوا كفارا وأمسوا أبرارا، قال تعالى «وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى» بعد أن حصل له اليأس من إيمان فرعون لعدم تأثير تلك الآيات العظام فيه وهي المار ذكرها في الآية 129 فما بعدها من سورة الأعراف بعد آيتي العصا واليد المارتين قلبها، ثم بين ذلك الإيحاء بقوله عز قوله «أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي» بني إسرائيل واترك فرعون وقومه لأنه مصر على الكفر «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً» لا ماء فيه ولا طين بمجرد ضربك يكون كذلك، ثم سر أنت وإياهم فيه (لا تَخافُ دَرَكاً) من فرعون وقومه إن يلحقوكم «وَلا تَخْشى» 77 غرقا فيه أنت ولا قومك، فامتثل أمر ربه وامر بني إسرائيل فتهيأوا وسار بهم الى جهة البحر (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) حين بلغه أمرهم ولكنه لم يلحقهم حتى دخلوا البحر كلهم، فدخله على أثرهم هو وجنوده فصار بنو إسرائيل يخرجون من الطرف الآخر والقبط يدخلون من طرفه الأول، لذلك بقي منفرجا حتى لم يبق من بني إسرائيل نسمة فيه، ولم يبق أحد من قوم فرعون خارجه، لأن بني إسرائيل لما لحقهم القبط بقوا سائرين في البحر وتعقبهم القبط حتى توسطوه ليتم

ص: 211

مراد الله، فأطبقه عليهم دفعة واحدة، وذلك قوله تعالى، «فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ» 78 كلمة تهويل لكيفية الفرق الذي أصابهم فعلاهم وغمرهم بأمواجه وزبده الناشئ من شدة تلاطم أمواجه بسبب انهيار المياه بعضها على بعض التي كان الله أوقفها كالجبال الشامخة، حيث شق منها اثنى عشر طريقا لكل سبط طريق كما سيأتي بيانه في الآية 60 فما بعدها من سورة الشعراء الآتية، لذلك، بقي منفرجا على حاله ولم ينطبق شيئا فشيئا. قال تعالى «وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى» 79 نفسه ولا قومه الصواب وأكذب الله قوله «وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» كما سيأتي في الآية 29 من سورة المؤمن من ج 2، ونجى الله موسى وقومه وصدق له وعده بإهلاك عدوه وإعلاء كلمته، ثم شرع يعدد نعمه على بني إسرائيل فقال «يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ» فرعون وقومه الذين استرقوكم وأذلوكم «وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ» حيث وعد الله موسى أنه يأتيه في ذلك المكان المبارك والبقعة المقدسة لينزل عليه التوراة، وإنما نسب المواعدة إليهم لأن منافعها لهم إذ فيها عزهم وفوزهم وشريعتهم ومعالم دينهم «وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى» 80 راجع ماهيتها في الآية 160 من سورة الأعراف المارة،

وقلنا لهم حينما طلبوا منا في التيه أكلا وشربا «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» من لذاته وحلاله واشربوا من الماء الذي انبعته لكم من الصخرة وتظللوا بالغمام الذي سخرناه لكم من دون كسب ولا تعب، ولذلك سماه الله طيبا إذ لم تتطرق اليه الشبهة «وَلا تَطْغَوْا فِيهِ» فتتجاوزوا الحد الذي سننّاه لكم فتبطروا بسبب هذا الرزق الطيب المبارك فتكفروا بنعمته بعدم الشكر والرضاء أو تتقووا فيه على المعاصي فيزول عنكم «فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» عقوبتي لعدم تقديركم فضلي «وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى» 81 في النار وهلك هلاكا لا نجاة بعده «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ» كثير المغفرة كما إني شديد العقوبة على الكافر عظيم العفو «لِمَنْ تابَ» من الشرك والمعاصي «وَآمَنَ» بي وبرسولي وكتابي «وَعَمِلَ صالِحاً» بأداء ما فرضته عليه

ص: 212

والشكر بما أنعمت به عليه «ثُمَّ اهْتَدى» 82 بقي مستقيما على الحق شاكرا للنعم حتى الوفاة، ثم ان موسى عليه السلام أمر قومه بالدوام على عبادة الله وأوصى أخاه هرون بمراقبتهم على النحو المبين في الآية 143 من سورة الأعراف المارة واختار جماعة من أشراف قومه ليذهب بهم إلى مناجاة ربه وتلقي التوراة الشريفة حسبما أمره بذلك وتقدمهم على أن يأتوا بعده على أثره، ولما وصل وناجاه ربه بقوله «وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى» 83 وقد اخترتهم بأمرى، وأمرتك أن تأتي بهم معك لأشرفك بكتابي «قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي» مقبلين إليك يا رب «وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ» فقد مر عليهم يا «رَبِّ لِتَرْضى» 84 عليّ زيادة على رضاك وكان تقدمه عليهم بسائق شدة شوقه إلى مناجاة ربه، وأمرهم أن يتبعوه دون توان، وهذا هو الميقات الأول الذي ذكره في الآية 143 من سورة الأعراف المارة، ولا ميقات غير هذين، وقال بعض العلماء إن المواقيت أكثر من اثنين وأوصلها بعضهم إلى ستة، ولكن لم أقف على ما يثبت ذلك، لأن المواقيت التي عينها الله لموسى هي عبارة عن ميقات تلقي التوراة وميقات طلب المغفرة عن الذين عبدوا العجل فقط، أما المواقيت التي ناجى بها ربه عفوا فقد تزيد على ذلك، وسيأتي لهذا البحث صلة عند ذكر الآيات التي فيها ذكر الميقات إن شاء الله، وبينما سيدنا موسى ينتظر تشريفه بكلام ربه من أجل التوراة، وقد مضت ايام ولم تأت جماعته الذين اختارهم للحضور معه، إذ باغته ربه بقوله جل قوله «قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ» بسبب استعجالك ذلك «وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» 85 موسى بن ظفر وكان منافقا مظهرا للإسلام، وهو من عظماء بني إسرائيل من قبيلة السامرة الموجود بقاياهم الآن في جبل نابلس، قيل إنهم أربعون بيتا لم يزيدوا ولم ينقصوا حتى الآن حيث صاغ لهم عجلا وزعم أنه آلهتهم وأمرهم بعبادته راجع كيفية صياغته وإضلالهم به في الآية 148 من سورة الأعراف المارة، وإضافة الإضلال إلى السامري من قبيل اضافة الأشياء إلى مسبب في الظاهر، أما في الحقيقة فإن الموجد لها في الأصل هو الله تعالى وحده. ثم أمره الله أن يعود إليهم وينقذهم مما هم فيه،

ص: 213

لأنهم عكفوا على عبادته ولم يصغوا، لقول هرون ونقبائهم، قال تعالى حكاية عن حال موسى عليه السلام بعد أن أنزل عليه التوراة الشريفة وأسمعه ما أسمعه من أمر قومه «فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً» شديد الغضب على ما فاته من كلام ربه وعلى ما وقع من قومه، وكان حاملا صحف التوراة كما تفيده الآية 151 من سورة الأعراف المارة، ولما وصل «قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً» بإنزال الكتاب عليكم، قيل كانت ألف سورة وكل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا إلا أن ظاهر القرآن يخالفه ويفيد أن موسى حملها، بدليل قوله (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) في الآية المارة وقوله (أَخَذَ الْأَلْواحَ) في الآية 152 من الأعراف أيضا. ثم قال موبخا صنيعهم «أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ» بمفارقتي حتى فعلتم ما فعلتم، ألم أترك عندكم من تسترشدون به، أعصيتم أمره، واشتد غضبه حتى ألقى الألواح على الأرض، وزاد في تقريعهم فقال «أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي» 86 الذي أعطيتمونيه بأنكم تبقون على ديني حتى أرجع من ميقات ربي «قالُوا» الذين عبدوا العجل «ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا» باختيارنا لأن السامري غلب على أمرنا بكيده ولو أنا ملكنا أمرنا لما خالفناك، وان الذي يفتن لا يملك نفسه «وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً» أثقالا هو الحلي الذي استعرناه «مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ» القبط

حين خرجنا من مصر فعدها السامري علينا أوزارا وجمعه منا، وأوقد نارا وألقاه فيها، وبقينا ننتظرك حتى تحضر فنرى رأيك فيه، ولم نعلم ما يكنّه لنا ولا ما يؤول إليه أمر الحلي «فَقَذَفْناها» في تلك النار تبعا لأمره «فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ» 87 ما معه في النار أيضا على زعمنا أن ما ألقاه من الحلي، ولم نعلم أنه من تراب وطء فرس جبريل عليه السلام الذي كان احتفظ به قبلا لهذه الغاية «فَأَخْرَجَ لَهُمْ» للقائلين المذكورين «عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ» صراخ وذلك بعد أن صاغ العجل من الحلي وضع فيه ذلك التراب «فَقالُوا» للسامري وجماعة من بني إسرائيل الذين انقادوا إليه «هذا» العجل الذي ظهر لكم من من حلي القبط «إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى»

ص: 214

الذي ذهب إليه «فَنَسِيَ» 88 غفل موسى عنه هنا، وذهب إلى الطور بطلبه، قال تعالى مبكتا قلة عقولهم «أَفَلا يَرَوْنَ» يا موسى هؤلاء الجهلة العتاة «أَلَّا يَرْجِعُ» أن العجل الذي صاغه لهم السامري لا يرجع «إِلَيْهِمْ قَوْلًا» إذا كلموه، ولا يجيبهم إذا دعوه «وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا» بدفعه عنهم «وَلا نَفْعاً» 89 بجلبه إليهم فكيف يعتقدون إلهيته «وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ» عبادتهم له عند ما أرادوا العكوف عليه حال وجودك في المناجاة «يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ» بإضلال السامري لكم بأنه إله فأعرضوا عنه فإنه ليس بشيء بعد «وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ» الذي هو أهل لأن يعبد وخص الرحمن من أسمائه تعالى ليستميلهم عنه ويعلمهم انهم إذا رجعوا يغفر لهم ما فرط منهم (فَاتَّبِعُونِي» على دين الحق دين موسى، واتركوه فإنه ليس بإله ولا يليق أن يكون إلها «وَأَطِيعُوا أَمْرِي» 90 فيما نهيتكم عنه، تأمل أيها القارئ هل ترى أحسن من هذا الوعظ؟ بدا بزجرهم، ثم دعاهم إلى معرفة الله، ثم إلى معرفة النبوة، ثم إلى اتباع الشرع. وانظر كيف قابلوه

«قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى» 91 فاعتزلهم هرون، والذين لم يشتركوا معهم في العبادة وقد سبب هذا الحادث تخلف الوفد الذي انتقاه موسى بحضور إنزال التوراة، بعد أن أخبر الله موسى بهذا الحادث رجع إلى قومه حاملا التوراة، فسمع صراخهم، فقال هذا صوت الفتنة التي أخبرني بها ربي، ورأى أخاه هرون واقفا مع جماعته بعيدا عنهم، فألقى التوراة وبادر فأخذ شعر رأسه بيمينه وشعر لحيته بشماله «قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ» من المجيء إليّ واخباري بما فعلوا «إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا» 92 عن الهدى وعبدوا العجل ولم يصغوا لنهيك «أَلَّا تَتَّبِعَنِ» حالا فتعلمني بفعلهم «أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي» 93 بوجوب القيام بما يعلمهم؟ وهذا أمر عظيم كان يجب عليك أن تتداركه قبل كل شي ءالَ يَا بْنَ أُمَّ»

يستعطفه ويسترحمه ليكف عنه، ولم يقل يا بن أبي لما قاست أمه من الهم والغم والخوف بسببه، فيحمله على العطف عليه فقال تلطف بي تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي»

لأني لم آل جهدا بنصحهم وصدهم، فقد أمرتهم

ص: 215

وزجرتهم فلم يقبلوا منيِ نِّي خَشِيتُ»

إن تركتهم على ما هم عليه وأتيتكَ نْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ»

لأنهم صاروا حزبين حزبا معي وحزبا مع السامري وبقيت معهم خوفا من أن تقول لي تركتهمَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي»

94 تراعيه وتعمل بوصيّتي فيهم، لأني رأيت من المصلحة بقائي بينهم حتى لا يتقاتلوا من من أجل عبادته، وأن لا يلحق من لم يعبده إلى من عبده. فلما رأى موافقة قوله للواقع وانه لم يقصر في مهمته، تركه، وأقبل على السامري «قالَ فَما خَطْبُكَ» الخطب هو الأمر العظيم الذي يكثر التخاطب فيه وهو مقلوب الخبط ففيه اشارة لعظم خبط السامري في الأمر، أي ما حملك على ما فعلت «يا سامِرِيُّ» 95 أصدقني «قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ» علمت شيئا لم يعلمه بنو إسرائيل «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ» فرس «الرَّسُولِ» جبريل لأني رأيت المحل الذي يدوسه يخضر حالا، فعلت أن لذلك شأنا، وهذا هو الذي أشار اليه عن بني إسرائيل في قوله ما لم يبصروا به أي لم يفقهوه ولم يلقوا له بالا «فَنَبَذْتُها» أي تلك القبضة في جوف العجل الذي صنعته من حليّ القبط التي كانت مع بني إسرائيل جمعتها وألقيتها في حفرة لحضورك، كي ترى رأيك فيها ثم عنّ لي أن أصوغها عجلا، ففعلت ثم طرحت فيها ذلك التراب فدبت فيها الحياة وصرخ فقلت لهم هذا هو إله موسى الذي ذهب اليه فعكفوا عليه وصاروا يسجدون له كلما صاح، وكان ما كان على النحو الذي تقدّم في القصة في تفسير الآية 48 من الأعراف «وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي» 96 وزينته ولم يسبقني على ذلك أحد بل من اختراعي هذا ما أخبر به عدو الله السامري من صياغة العجل فمن أين جاز اليهود تحريفه ونسبته الى هرون، وحاشاه، كما جاء في الإصحاح 22 من التوراة في فصل الخروج، لأن الله أخبرنا بأن هرون براء من ذلك، وان السامري معترف به، والله أصدق القائلين. وهذا من جملة التحريف الذي أوقعه اليهود وأخبرنا الله عنه في القرآن «قالَ» موسى بعد أن سمع قوله «فَاذْهَبْ» من بيننا «فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ» ما عشت «أَنْ تَقُولَ» لمن يريد أن يقربك

ص: 216