الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النساء الحسان المتعليات عليها بدليل قوله «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ» خلقناهن وأبدعناهنّ «إِنْشاءً» 35 جديدا بخلاف ما كن عليه في الدنيا، وذلك أن العرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على طريق الاستعارة، والقرآن جاء بلغتهم، وعلى هذا يكون المعنى مرفوعة بالفضل والجمال والأدب والصون على نساء الدنيا، والله جل شأنه يشير بذلك إلى نساء المؤمنين، المؤمنات أصحاب اليمين لأنهن لأزواجهن الأخيرين في الدنيا «فَجَعَلْناهُنَّ» بعد أن كنّ ثيبات صيّرناهن «أَبْكاراً» 36 كنساء الجنة عذارى كأنهن لم يطمثن «عُرُباً» حسنات التبعل متحببات لأزواجهن «أَتْراباً» 37 مستويات في السن أمثالا في الخلق عمر الواحدة ثلاث وثلاثون سنة.
مطلب نساء أهل الجنة والذين يدخلونها بغير حساب:
جاء عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث وثلاثين. وعليه فمن كانت عند موتها دون هذا السن أبلغت إليه، ومن كانت فوقه ردت إليه، لأنه سن الكمال في النساء، كما أن الأربعين سن الكمال في الرجال، ومما يدل على هذا ما رواه البغوي بسنده عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز (وهذا من جملة مزحه صلى الله عليه وسلم إنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا) قال فولت تبكي قال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى قال (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ) إلخ قال عجائز تركن الدنيا عمشا رمضا فجعناهن أبكارا إلخ.
وهذا الخير الكثير المار ذكره كله «لِأَصْحابِ الْيَمِينِ» 38 وعشرة أمثاله نسأل الله أن يجعلنا منهم «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ 39 وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ» 40 تقدم تفسير مثله، وقد روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن دويم قال:
لما أنزل الله عز وجل (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) بكى عمر رضي الله
عنه فقال يا نبي الله آمنا برسول الله وصدقناه، ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل الله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال قد أنزل تعالى فيما قلت، فقال رضينا عن ديننا وتصديق نبينا، فقال صلى الله عليه وسلم من آدم إلينا ثلّة، ومنا إلى يوم القيامة ثلة، ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط تصغير رهط وهو دون العشرة وتستعمل للأربعين كما مر في الآية الأولى من سورة الجن المارة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع إلي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض القوم في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج رسول الله عليهم فقال ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون (أي لا يقرأون على الناس ولا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم من تعاويذ وغيرها لأنهم متوكلون على الله تاركون الأسباب لمسببها) ولا يتطيرون (يتشاءمون من شيء) وعلى ربهم يتوكلون في كل أمورهم.
فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل آخر فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال سبقك بها عكاشة.
وليعلم أن الآية الأخيرة غير ناسخة للأولى، لأن الأولى في السابقين الأولين، وهم قليل بالنسبة للأمم قبلهم، ولذلك قال تعالى وقليل من الآخرين، والآية الثانية في أصحاب اليمين وهم كثير، ولذلك قال وثلة من الآخرين، وما جاء في بكاء عمر وحزنه في الحديث السابق المروي عن عروة والحديث الذي رواه أبو هريرة في معناه وزاد فيه فنسخت، وقليل من الآخرين أي منهم، فيكثرهم الفائزون
في الجنة من الأمم السوالف، ولذلك حزن عمر رضي الله عنه وقال له صلى الله عليه وسلم ما قال مما أذهب حزنه، لأن الحديث لا ينسخ القرآن كما نوهنا به في المقدمة في بحث الناسخ والمنسوخ، على أنه ليس فيه نسخ كما زعم بعضهم، وإذا صح ما جاء في حديث أبي هريرة من قوله فنسخت (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فينبغي تأويله بأن يقال أراد به فأزالت حسبان عمر، أي بذكر نحوه في الفائزين بالجنة من هذه الآية غير السالفين، فتدبر.
ثم بدأ يشرح أحوال الأشقياء حفظنا الله منهم ومما هم صائرون إليه فقال عز قوله «وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ» 41 فيه تهويل من عظيم ما هم صائرون إليه من شدة العذاب، لأنهم يومئذ يكونون «فِي سَمُومٍ» أشد الرياح حرا يكاد حرها يدخل في مسام الأديم «وَحَمِيمٍ» 42 ماء متناه في الحرارة والغليان يعطونه إذا اشتد عطشهم فيزيد ببلائهم أجارنا الله من ذلك «وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» 43 دخان بالغ من السواد أقصاه، ثم وصفه بأنه «لا بارِدٍ» لأنه ناشىء عن دخان حار «وَلا كَرِيمٍ» 44 لأنه لا ينفع من يأوي إليه ليستظل به لأن كرم الظل الاسترواح به من وهج الحر، وإنما صيّرهم الله إلى هذه الحالة السيئة بسبب «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ» الوقوع في هذا العذاب في دنياهم «مُتْرَفِينَ» 45 بنعم الله وقد تقووا بها على معصيته فاستعملوها لغير ما خلقت لها «وَكانُوا» مع ذلك في دنياهم أيضا «يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» 46 يداومون على الذنب الذي يتحنث منه ويتأثم به، يقال بلغ الغلام الحنث أي زمن ما يكون مؤاخذا به على عمله السيء ويعد عليه إثما إذ قبل البلوغ لا يعتد به ولا يعاقب عليه، وقد وصفه بالعظيم ليعلم أن المراد منه الشرك بالله، إذ لا أعظم منه ذنبا «وَكانُوا يَقُولُونَ» بعضهم لبعض فضلا عن ذلك «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ» 47 استفهام إنكار وسخرية بالله ورسله الذين أخبروهم بالبعث بعد الموت الذي ينكرونه وخوفوهم عاقبته ويقولون أيضا «أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ» 48 يبعثون أيضا، زيادة في الاستهزاء، وقد جاء هنا العطف على المضمر من غير تأكيد في الضمير المنفصل كما في نحو (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الآية 35 من البقرة في ج 3، ومثلها