المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام: - بيان المعاني - جـ ٢

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثاني]

- ‌تفسير سورة الجن عدد 40- 72

- ‌مطلب رواية الجن ورمي النجوم:

- ‌مطلب في كرامات الأولياء وعمر رضي الله عنه:

- ‌تفسير سورة يس عدد 41- 36

- ‌مطلب فيما بكتب من آثار الخلق:

- ‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام:

- ‌مطلب في انسلاخ الأنفس:

- ‌مطلب منازل الكواكب وكيفية جريانها:

- ‌مطلب في النفختين والذي لا يبلى من البشر:

- ‌مطلب تحية الله لعباده وتوبيخ المجرمين:

- ‌مطلب أوزان الشعر ومخالفة القرآن لها:

- ‌مطلب آيات الصفات ونعمة إذلال الحيوانات:

- ‌مطلب تفنيد من كفر القارئ انا بالفتح:

- ‌مطلب خلق النار من الشجر وكيفية أمر الله:

- ‌تفسير سورة الفرقان عدد 42- 25

- ‌مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول

- ‌مطلب لمعة من أسباب النزول:

- ‌مطلب استعمال من لمن لا يعقل وما لمن يعقل وبراءة المعبودين من العابدين:

- ‌مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:

- ‌مطلب بيان البرزخ بين العذب والمالح:

- ‌مطلب الأيام الستة ومعنى فاسأل به خبيرا:

- ‌مطلب البروج وأقسامها وما يتعلق بقضاء الورد:

- ‌مطلب إحياء الليل والآيات المدنيات وكلمات لغوية:

- ‌مطلب تبديل الحسنات بالسيئات وشهادة الزور:

- ‌مطلب قرة العين وسخنها والذرية:

- ‌تفسير سورة فاطر عدد 43- 35

- ‌مطلب جواز إضمار الموصول ولا مجال في طلب الرزق:

- ‌مطلب أصل الهدى والضلال من الله تعالى:

- ‌مطلب الفرق بين ميّت وميت وأن العزة من الله:

- ‌مطلب لكل حظّه من خلق آدم وأن العمر يزيد وينقص:

- ‌مطلب في إسماع الموتى:

- ‌مطلب عدم انقطاع آثار الأنبياء وعدم تكفير فاعل الكبيرة:

- ‌مطلب خشية الله تعالى:

- ‌مطلب نذر الموت ومعنى الغيب:

- ‌مطلب الأرض عائمة كالسماء:

- ‌تفسير سورة مريم عدد 44- 19

- ‌مطلب في الأسماء وما يستحب منها ويجوز ويحرم:

- ‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام:

- ‌مطلب وصية عيسى عليه السلام وما يقوله فيه قومه:

- ‌مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:

- ‌طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:

- ‌مطلب في انجاز الوعد وبحث بالوعيد:

- ‌مطلب أول من اخترع المهن وقصة إدريس عليه السلام:

- ‌مطلب في السجود وما يقول فيه وكلمة خلف:

- ‌مطلب في الأكل المسنون وإرث الجنة:

- ‌مطلب معنى الورود وأن مرتكب الكبيرة لا يخلد بالنار:

- ‌مطلب آخر الناس خروجا من النار وآخرهم دخولا في الجنة:

- ‌مطلب تبرأ المعبودين من العابدين وأصناف الحشر:

- ‌مطلب الشفاعة ومحبة الله:

- ‌تفسير سورة طه 45- 20

- ‌مطلب العرش ومعنى الاستيلاء عليه:

- ‌مطلب فوائد تكرار القصص:

- ‌مطلب جواب إمام الحرمين عن المكان ورفع الأيدي إلى السماء:

- ‌مطلب فضل الصلاة الفائتة:

- ‌مطلب عصا موسى وإعطاء محمد من نوع ما حدث للرسل وأعظم:

- ‌مطلب الوزير والوزر دائرة بلطف الله بموسى واجابة مطالبه:

- ‌مطلب لا صحة لما ورد من أن الله لم ينبىء نبيا إلا بعد الأربعين:

- ‌مطلب لكل نفس حظ من نشأة آدم، وقبر الإنسان من محل الذرة التي خلق منها:

- ‌مطلب معجزات موسى وأدب الرسل مع أقوامهم:

- ‌مطلب قوة الإيمان وثمرته:

- ‌مطلب من اين عرف جبريل السامري:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء ووقتها فيهم:

- ‌مطلب الاحتجاج على الله ورده:

- ‌تفسير سورة الواقعة عدد 46- 56

- ‌مطلب معنى المخلدين ومصير أولاد المشركين وآداب الأكل:

- ‌مطلب نساء أهل الجنة والذين يدخلونها بغير حساب:

- ‌مطلب صحة العطف على الضمير من غير تأكيد:

- ‌مطلب مس المصحف والحديث المرسل والموصول:

- ‌مطلب الفرق بين علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين:

- ‌تفسير سورة الشعراء عدد 47- 26

- ‌مطلب الحكمة من قوله تعالى (تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) :

- ‌مطلب في السحر وكيفية إهلاك قوم فرعون:

- ‌مطلب انفلاق البحر وأخلاق موسى عليه السلام وان كل آية لقوم هي آية لأمة محمد عليه السلام:

- ‌مطلب إيمان المقلد والفرق بين الوثن والصنم:

- ‌مطلب أكثر الموت من الأكل والشرب والحر والقر ومحبة الذكر الحسن:

- ‌مطلب عدم المغفرة للمشرك وعدم نفع المال والولد مع الكفر:

- ‌مطلب ما يقال في مواقف القيامة وعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور الدينية:

- ‌مطلب لا تضرّ خسّة الصنعة مع الإيمان ولا يكفي النسب بلا تقوى:

- ‌مطلب في إيمان اليأس والتأدب بآداب القرآن وآداب المنزل عليه:

- ‌مطلب ما قيل إن في القرآن لغات أجنبية لا صحة له وهي هذه كلها:

- ‌مطلب الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وتخصيص القلب بنزوله وماهية المنزل عليه:

- ‌مطلب لا تجوز القراءة بغير العربية الا إذا كانت دعاء أو تنزيها:

- ‌مطلب أن الأقارب أولى من غيرهم في كل شيء:

- ‌مطلب في الشعر مليحه من قبيحه والآيات المدنيات:

- ‌مطلب ما نسب من الشعر للخلفاء والأئمة وعهد ابي بكر:

- ‌تفسير سورة النمل 48- 27

- ‌مطلب بدء نبوة موسى وكيفية تكليمه:

- ‌مطلب أن الله تعالى خص الأنبياء بأشياء خاصة لأمور خاصة:

- ‌مطلب قصة ابن كثير مع جاره وعظمة ملك سليمان وكلام الطيور:

- ‌مطلب الصفات الممدوحة بالملك وحكم وأمثال:

- ‌تفسير سورة القصص عدد 49- 28

- ‌تفسير سورة الاسراء عدد 50- 17

الفصل: ‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام:

وهي أيضا من جملة ما هو مدوّن في هذا اللوح الجليل لم يرد فيها ما يفيد القطع عن ماهيته وكميته وكيفيّته غير وصفه بهذا الاسم، لذلك ينبغي الإمساك عنه وان نكل علمه الى الله كالآيات المتشابهات، وغاية ما قيل فيه عند المسلمين انه جسم، ولا يخفى أن كل جسم متناهي الأبعاد كما تشهد به الأدلة، وان ما كان وسيكون الى يوم القيامة متناه كما تشهد به الآثار، والمطلق منها محمول على المقيد هذا وقد فسر بعض العلماء الامام بعلم الله الأزلي كما فسر أمّ الكتاب في قوله تعالى «وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» الآية 39 من سورة الرعد قوله «هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ» الآية 7 من سورة آل عمران ج 3 والآية الرابعة من سورة الزخرف في ج 2 فيكون بمعنى كل شىء على العموم بحيث يشمل ما في الدنيا وما في الآخرة وأحوال الجنة وما يتجدد فيها لأهلها دون انقطاع ولا تناه وكذلك النار قال صاحب أبدال الامالي:

ولا يفنى الجحيم ولا الجنان

ولا أهلوهما أهل انتقال

وكذلك أحوال النار وأهلها وجميع ما يقع في الدنيا من التجدد على نحو ما يحكى من بيان الحوادث الكونية في الجفر الجامع على طراز أعلى وأشرف، ولهذا قال غير واحد إن القرآن الكريم يشتمل على كل شيء في الدنيا حتى على أسماء الملوك ومدد ملكهم وأسباب انقراضهم، ويشتمل على ما في الآخرة أيضا.

‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام:

قال تعالى «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا» أي صف لهم يا محمد «أَصْحابَ الْقَرْيَةِ» جزم أكثر المفسرين بأنها انطاكية أي كيف كان أهلها «إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ» 13 من قبل عيسى عليه السلام ليدعوهم إلى ترك الأوثان وعبادة الرحمن والإخلاص في توحيد الملك الديان، فاذكر لقومك يا سيد الرسل قصتهم «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ» ردأ لعيسى وعضدا لانهاض دعوته وتقوية لبعثها في النفوس رجلين «اثْنَيْنِ» من حوارييّه. هذا إذا كان المرسل هو الله عز وجل، أو أن عيسى عليه السلام أرسلهما بأمر الله تعالى كأنه كان هو المرسل، لانّ

ص: 28

أمر المأمور بما أمره به آمره أمر لآمره، وهو اولى من القول بأن عيسى نفسه أرسلهما من تلقاء نفسه، لأن الرسول لا يعمل شيئا إلا بوحي من مرسله. وهذان الرسولان على ما قيل هما حنا وبولس عليهما السلام، فلما قربا من القرية رأيا حبيبا النجار يرعى أغنامه، فسلما عليه فقال: من أنتما؟ قالا رسولا عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه، فقال: ما جاء بكما إلى هنا من القدس؟ قالا: أتينا لندعوكم لعبادة الله وحده، ونحذركم من عبادة الأوثان، فقال: ما آيتكما على ذلك؟ قالا: آيتنا إبراء الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله، وان الذي أرسلنا يفعل هذا ويحيي الموتى بإذن الله. فأخذهما إلى منزله وعرض عليهما بنته المريضة المزمنة، فلمساها بيدهما فقامت بإذن الله صحيحة سليمة، ثم أتى لهما بمرضى آخرين فلمساهم فشفاهم الله على يديهما، فحلت به العناية وأسلم، وشاع خبرهما في المدينة بأنهما يشفيان المرضى دون عقاقير، فاستدعاهما ملك المدينة إذ ذاك واسمه انطيخش وقال لهما أولنا دون آلهتنا آلهة؟ قالا نعم. قال من هو؟ قالا الذي أوجدك وآلهتك. فأخذهما وحبسهما وضربهما. وهذا مغزى قوله تعالى «فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» قويناهما بإرسال رسول ثالث وهو على ما قيل شمعون عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام لما استبطأهما ولم يأت خبر منهما ولا عنهما أرسل بأمر الله رسولا آخر ليسير خبرهما ويبصر ما جرى لهما، فتوجه إلى انطاكية ودخلها متنكرا، وبعد أن استقر صار يختلط مع عامة أهلها ليقف على حالهم ويتعرف على رفيقيه، ولم يزل حتى عرفهما بالسجن من أجل دعوتهما وجود إله هو إله الملك والخلق أجمع، فاتصل بحاشية الملك وصار يعاشر كلا منهم بما يليق به ويكلم كلا بحسب مقامه بما آتاه الله من حنكة وحكمة ولين جانب وخلق واسع، حتى استمال الجميع من الخادم إلى الوزير ثم صار يعرض لهم أنه يود مقابلة الملك وأنه يحبه، وقد أنسوا به ولم يريدوا فراقه، فرفعوا أمره للملك وأخبروه بما هو عليه من لياقة ولباقة، فاشتاق إليه واستحضره، فلما كلّمه أنس به وأكرمه ورضي عشرته وأثنى على حاشيته الذين قدموه له نظرا لما كان يعاملهم به من التقية توصلا

ص: 29

لإنقاذ صاحبيه، وصار يجالس الملك ويقص عليه ما يؤنسه، حتى جاء على ذكر الرسولين في جملة حديثه معه وسأله عنهما وسبب حبسهما، فقال له الملك إنهما تجارأا وذكرا أن لهما إلها غير آلهتنا حتى انهما دعوني لعبادته، فأنفت منهما وأمرت بحبسهما.

قال له حينما دعواك إلى غير دينك هل سألتهما وسمعت منهما عن آلهتهما شيئا؟

قال لا إذ حال الغضب بيني وبين ذلك حتى اني أمرت بضربهما. قال إن رأى حضرة الملك إحضارهما ليطلع على ما عندهما من هذه الدعوة العظيمة، فدعاهما بالحال وفوضه بخطابهما، فقال لهما من أرسلكما إلى هنا؟ قالا الله الذي خلق كل شيء لا شريك له. قال لهما صفاه لنا وأوجزا، قالا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال شيء عظيم هذا، ما آيتكما عليه؟ قالا ما يتمناه الملك، فتذاكر مع الملك صرا وقال لهما عندنا غلام مطموس العينين فهل تقدران أن تجعلاه بصيرا؟ قالا نعم، فأمر الملك بإحضاره فدعوا له، فانشق له موضع العينين فعملا بندقتين من طين ووضعاهما في موضع العينين، ودعوا الله فصارتا مقلتين يبصر بهما ذلك المطموس، فتعجبا من ذلك، ثم همس شمعون في أذن الملك، وقال لو سألت آلهتك تصنع مثل هذا لكان لك بها الشرف، فقال الملك ليس عليك سر مكتوم إن آلهتنا نفسها لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، فكيف لمثل هذا تصنع؟ فلم يرد أن يطعن بآلهته ليستدرجه على الإيمان ولئلا يتهمه مبدئيا بأنه ليس على دينه، وأراد أن يظهر شيئا يقسره على الإيمان عفوا، فقال له لنمتحنهما بأكثر من هذا، قال الملك هيا، فقال لهما شمعون إن أحيا إلهكما ميتا آمنا به وتركنا كما، قالا هات، فقال له الملك إن ابن الدهقان مات منذ سبعة أيام، فقال شمعون مر بإحضاره، فأمر فأحضروه له، فصارا يدعوان علانية ويطلبان من الله إحياءه، وصار شمعون يدعو ربه سرا ويؤمن على دعائهما، فأحياه الله، فقال لهما شمعون كلّماه، فإذا كان حيا حقا فليذكر لنا شيئا عن موته، فسألاه فقال: أيها الملك إني مت منذ سبعة أيام على الشرك الذي تدين به أنت، وأدخلت في سبعة أودية من النار، فأحذركم ما أنتم عليه، وآمنوا أيها الناس كلكم يا لله رب هؤلاء، فإني رأيت السماء

ص: 30

فتحت ونظرت فيها شابا حسن الوجه يشفع إلى هؤلاء الثلاثة، وأشار إلى شمعون وصاحبيه.

فعجب الملك من ذلك وآمن بهم وآمن معه خلق كثيرون من قومه، وأصر الآخرون على كفرهم. هذا ما نقله الأخباريون بقصص الأنبياء عن هؤلاء الرسل الثلاثة أخذا من قوله تعالى (فَكَذَّبُوهُما) أما ما قصه الله تعالى على نبيه فيهم فهو ما بينه بقوله جل قوله «فَقالُوا» الثلاثة إلى أهل أنطاكية «إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ» 14 من قبل الله أو من قبل رسوله على الوجهين المارّين، فأجابوهم بقولهم «قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا» لا مزية لكم علينا توجب اتباعنا لكم واختصاصكم بما تدعونه «وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ» الذي تدعونه إلها لكم ولسائر الخلق «مِنْ شَيْءٍ» من الوحي ولم يرسل رسولا كما تزعمون، وكان هذا بمقابلة قولهم لهم أتينا ندعوكم لعبادة الرحمن، ثم قالوا «إِنْ» ما «أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» 15 بدعواكم هذه «قالُوا» لهم أيضا «رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ» 16 استشهدوا بربهم إذ لا شاهد لهم من أهل القرية على ذلك، لأنهم لم يتعرفوا على أحد من أهلها أول مجيئهم وأكدوا قولهم بأن الدالة على التوكيد واللام المؤكدة لها، لأنه جواب عن إنكار يحتاج لزيادة التأكيد بخلاف قولهم الأول في الآية 14 المارة لأنه إخبار ابتداء، ثم قالوا لهم إنا لم نأت لقسركم على ما نريده بكم من الخير لأنا لم نؤمر بذلك «وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» 17 الظاهر المكشوف الذي لا غبار عليه الموثق والموضح بالآيات الدالة على صدقنا «قالُوا» أهل القرية لهم «إِنَّا تَطَيَّرْنا» تشاءمنا «بِكُمْ» لأنكم تدعون إلى إله واحد وترفضون الأوثان وإنا لا نعلم بوجود آلهة غير آلهتنا وقد هالنا ما سمعناه منكم وو الله «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا» عن مقالتكم هذه وتتركونا وما نحن عليه «لَنَرْجُمَنَّكُمْ» بالأحجار «وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ» 18 خبر ما وحرفا تتمنون معهما الموت «قالُوا» لا تتشاءموا بنا إذ ما بنا شؤم لأنا رسل الله وإنما «طائِرُكُمْ» الذي تتشاءمون منه هو «مَعَكُمْ» لأنه ناشىء عن كفركم وتكذيبكم لما جئناكم به دون أن تسألونا عن آية صدقنا «أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ» فيما به سعادتكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة أطيرتم وصرتم

ص: 31

تهددوننا بسببه لا، لا تفعلوا شيئا «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ» 19 في الضلال متجاوزون الحد في الشرك والعصيان، مفرطون فيما يعود لنفعكم، لأنا لم نعمل معكم شيئا يوجب رجمنا «وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى» يهرول اسمه حبيب النجار المار ذكره في القصة، الذي رأى آيات الرسولين وأنس بهما قبل حضور الرسول الثالث، وكان في غار يتعبد فيه عند فراغه من عمله، قالوا وكان يتصدق بنصف ما يربح، وقد مر في القصة أنه كان راعيا، إذ علم أن قومه كذبوا الرسل وقصدوا قتلهم، وهذا على القول بأنهم لم يؤمنوا، أوهم الذين لم يؤمنوا مع الملك لأن نسق الخطاب لا ينطبق على نسق القرآن، لأن الحكاية ذكر فيها أن التكذيب والضرب والحبس وقع على الرسولين الأولين فقط وأنهم آمنوا بعد حضور الثالث، والقرآن يسكت عما وقع مع الأولين ويتكلم عن الثلاثة معا «قالَ» الراعي حبيب «يا قَوْمِ» اتركوا الرسل لا تعتدوا عليهم فيصيبكم منهم معرة، وإذا أردتم الخير لأنفسكم «اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ» 20 إلى ما يدعوكم إليه بغية نجاتكم من عذاب الله وكأنه التفت إلى الرسل وقال لهم أتطلبون أجرا على ما تدعون الناس إليه قالوا لا نحن أبعد الناس عن طلبه

فالتفت إلى قومه وقال «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً» على إرشادكم لطريق الهدى والسداد «وَهُمْ مُهْتَدُونَ» 21 من قبل الله الذي أرسلهم فاقبلوا هدايتهم مجانا إلى خير الدنيا والآخرة واتبعوهم على ما هم عليه تربحوا رضاء الله خالقكم من غير أن تخسروا شيئا من دنياكم فقالوا له إذا أنت على دينهم مؤمن بربهم الذي فطرهم على هذا الدين الذي جاؤا يدعوننا إليه، ولذلك تحبذ دعوتهم فقال لهم «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي» خلقني وهو رحمه الله يعبد الذي فطره وإنما أرادهم بذلك، أي وما لكم لا تعبدون الذي فطركم مثلي لأني أعبده حقا أي أيّ شيء خذلكم وصرفكم عن عبادته «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» 22 حتما في الآخرة، لأن مصير الكل إليه خاطب نفسه رحمه الله في هذه الجملة وهو يريدهم فيها لأنه أبلغ في الزجر، وأمعن في الوعظ، وأحرى للقبول، وأبعد عن اللجاجة، ثم قال لهم «أَأَتَّخِذُ مِنْ

ص: 32

دُونِهِ»

أي الإله الواحد الذي آمنت به «آلِهَةً» أصناما مثلكم لا تضر ولا تنفع، كلا لا أفعل، وإنما أتخذ الله الإله الواحد الفعال لما يريد الذي لا رب غيره إلها لي وهو إله الخلق أجمع، واعلموا يا قومي إني «إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ» إله هؤلاء الرسل وإلهي وإله العالمين وخالق الكون وما فيه «بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ» أي شفاعة الأوثان التي اتخذتموها آلهة وترجون شفاعتها فلا تنفعني إذا حل بي الضر من الإله الواحد القادر «شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ» 23 من مكاره الدنيا ولا من عذاب الآخرة لأنها أحجار وأخشاب لا تعصم نفسها من التعدي عليها فكيف تنفع غيرها؟ وإذا كان كذلك فكيف أتخذها آلهة «إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» 24 لا يقبل التأويل لشدة وضوحه ولا يخفى على أحد، ثم أقبل على الرسل وخاطبهم علنا بقوله «إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» 25 واشهدوا على إيماني فلا أبالي بما يصيبني منهم. أخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه قال لما قال صاحب يس (حبيب النجار المذكور إذ شهر بذلك) : يا قوم اتبعوا المرسلين، خنقوه ليموت، فالتفت إلى الأنبياء فقال: آمنت بربكم فاسمعون، فأسرع إليه قومه فقتلوه رجما بالحجارة. قال السدي رموه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي، حتى مات. وجاء في الحديث انه نصح قومه حيا وميتا، رحمه الله فلما مات شهيدا ولقي ربه «قِيلَ» له من قبل ملائكة الرحمة «ادْخُلِ الْجَنَّةَ» فأدخلت روحه فيها رحمه الله ودفن جثمانه في سوق انطاكية بالمحل الذي قتل فيه، وقبره معروف حتى الآن يزوره الغادي والبادي، ولما أحست روحه الطاهرة بنعيم الجنة ورأت ما فيها من السرور والروح تتصل بجسدها أحيانا «قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» 26 ما صرت إليه من النعيم «بِما غَفَرَ لِي رَبِّي» ما اقترفته من الذنوب وستر لي ما جنيته من العيوب وما أكرمني به في الجنة الدائمة، فلو علموا ذلك لآمنوا بالرسل، والله يعلم أنهم لم يؤمنوا، إذ لم تكتب لهم السعادة. وما هنا، مصدرية، أي بالغفران الذي غفره لي وعظمته وما ينتج عنه من خير وأجاز بعض القراء كونها استفهامية، أي بأي شيء غفر لي وهو هجره دينهم والصبر على أذاهم.

ص: 33

وقال الكسائي لو كان ذاك أي جعل ما استفهامية، لقال بم بدون الألف مثل عمّ يتساءلون، وبمثل قوله:

علام أقول الرمح أثقل عاتقي

إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت

على الاستفهام لأن اللغة الفصحى حذف الألف إذا جرت بحرف الجر فرقا بينها وبين ما الموصولة، ولا تثبت الألف مع حرف الجر إلا ضرورة لقوله:

على ما يشتمني لئيم

كخنزير تمرّغ في رماد

وقول الآخر:

إنا قتلنا بقتلانا سراتكم

أهل اللواء فقيما يكثر القتل

فأثبتت ما للضرورة في البيتين، ولا ضرورة هنا لأنه ليس بشعر فتبين أنها هنا مصدرية والله أعلم «وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» 27 فيها وذلك لما رأت روحه من إكرام الملائكة لها وإكرامهم إياها تمنى رحمه الله المغفرة والكرامة لقومه رحمة بهم وشفقة عليهم ليرغبهم في الإيمان ويحملهم على طاعة الرسل، فلما قتلوه ولم يسمعوا نصحه ولم يلتفتوا إلى رأفته بهم غضب الله عليهم، فعجل عقوبتهم المبينة في قوله جل جلاله «وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ» لأن أمر إهلاكهم أيسر لدينا من ذلك «وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ» 28 جندا من الملائكة لإهلاكهم لأنهم أخس من ذلك «إِنْ كانَتْ» عقوبتهم في الإهلاك ما هي «إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً» من بعض أملاكنا فأمر جبريل فصاح بهم «فَإِذا هُمْ خامِدُونَ» 29 جميعا لا حراك بهم، القاعد قاعدا والقائم قائما والمضجع مضجعا.

روي أن الله تعالى بعث عليهم جبرائيل عليه السلام فأخذ بعضادتي باب مدينتهم وصاح بهم صيحة فماتوا جميعا، وقد شبهت الصيحة بالنار على سبيل الاستعارة المكنية وجيء بالخمود وتخييل لها وقوله خامدون رمزا إلى أن الحي كشعلة من نار، والميت كالرماد، وهو كذلك قال لبيد:

وما المرء إلا كالشهاب وضوءه

يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

وما المال والأهلون الا ودائع

ولا بد يوما أن ترد الودائع

ص: 34

قال تعالى «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» إذا لم يؤمنوا بالرسل ويا ويلهم من يوم الحسرة راجع تفسير الآية 29 من سورة مريم الآتية، ثم بين سبب هذه الحسرة بقوله عز قوله «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» 30 يسخرون من قوله لا يسمعون نصحه، وهذه نظير الآية 10 من سورة الحجر في ج 2، ومعنى الحسرة العم والندم على ما فات لأن الإنسان من شدة الندم على صنعه الضر وتضييعه فرصة تلاقيه بالخير، وإهماله أوقاته سدى يركبه غم لا نهاية له بعده، ونزلت الحسرة منزلة العقلاء بإدخال حرف النداء عليها كأنه قال يا حسرة احضري، فهذه الحال من الأحوال التي يجب أن تحضري فيها لأهميتها والمعنى أنهم أحقاء بان يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون لرفضهم الخير الذي جاء إليهم من الله عفوا دون طلب،

ثم التفت الى أهل مكة بعد الانتهاء من هذه القصة فقال عز قوله «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ» الخالية من أهل كل عصر. وسموا قرونا لاقترانهم في الوجود، والرؤية هنا علمية لا بصرية لأن أهل مكة لم يحضروا هلاك من قبلهم من الأمم الخالية حتى يروه عيانا بل علموه بالأخبار المتناقلة عن الأجيال بمشاهدة آثار المهلكين من أطلال مساكنهم، اما أهل الفيل أبرهة ومن معه فلا يعدون من القرون الخالية لأنهم كانوا في زقهم وآبائهم ومنهم من شاهد ما وقع بهم، راجع تفسير سورة الفيل المارة «أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ» 31 لان الهالك في الدنيا لا يرجع إلى الدنيا، وإنما مصيره الآخرة ينم على هذا قوله «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» أي الأوان هنا بمعني لا النافية أي ما كل إلا جميع لدينا، قيل إنها مخففة وما زائدة وعليه يكون المعنى انه إي الحال والشان كل جميع لدينا، والأول أولى إذ لا زائد في كتاب الله «جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» 32 يوم القيمة للحساب والجزاء أفلا يعتبر أهل مكة بهم ويتحققوا أن مصيرهم كمصيرهم بل انهم سيموتون ويرجعون إلينا فنحاسبهم ونعاقبهم، وقرىء لما بالتخفيف، وعليه تكون ما للتأكيد وان مخففة من الثقيلة، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه، ويكون المعنى ان

ص: 35

كلهم مجموعون محضرون ليوم الدين «وَآيَةٌ لَهُمُ» لمنكري البعث أهل مكة وغيرهم دالة على إحياء الأموات «الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ» الجافة اليابة التي لا نبات فيها قد «أَحْيَيْناها» بعد موتها بانزال المطر وإخراج النبات فيها «وَأَخْرَجْنا مِنْها» من النبات الخارج فيها بسبب الغيث «حَبًّا» نكره ليعم جميع الحبوب مما يأكله الإنسان والحيوان «فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» 33 جميعهم وقدم المتعلق بالكسر على المتعلق بالفتح لإفادة الحصر أي كأنهم لا يأكلون غيره، لأن مغظم أكلهم منه «وَجَعَلْنا فِيها» أيضا بسبب الغيث جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ» 34 الكثيرة مياها متدفقة غزيرة لا تنضب وانما فعلنا ذلك «لِيَأْكُلُوا» كافه خلقنا من ثمره الحاصل من حبه ومن الأشجار الأخرى وذلك كله بسبب الغيث المسبب لحمأة الأرض، وأعاد بعض المفسرين ضمير ثمره الى الله جل شأنه وتوجيهه أن الثمر نفسه فعل الله وخلقه إلا أن فيه آثارا من فعل البشر، فيكون أصل الكلام من ثمرنا كما قال تعالى وفجرنا فنقل الكلام في التكلم الى الغيبة على طريق الالتفات، والأول أولى وأليق بالمقام وأنسبه للسياق، إذ لا داعي هذا التكلف مع ظهور المعنى على الأول «وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ» أي ذلك الحب والثمر البديع الصنع بل هيّء لهم بصنع الله لأن الزرع ليس زرعهم بل من فعل الله والغرس ليس غرسهم بل من عمل الله وان أتعابهم التي صرفوها في ذلك هي من قدرة الله، لأنه لو لم يقدرهم على ذلك لما قدروا على شيء أصلا ولو شاء لحرمهم منه بتسليط آفة سماوية عليه أو أرضية فيقطع عنهم الماء أو يرسل حرا أو بردا أو آفة فيدمره، راجع تفسير الآية 63 فما بعدها من سورة الواقعة الآتية والآية 96 من سورة الصافات في ج 2 ويجوز أن يكون المراد ليأكلوا من ثمره رأسا أو مما عملته أيديهم منه كعصير العنب والبرتقال والثمر وسائر الفواكه وما يعقدونه منها أو يخرجونه بغيره كالحلويات والمعجنات وغيرها من أنواع السكاكر والمأكولات، فهذه كلها من الدلائل على صحة الإحياء بعد الموت «أَفَلا يَشْكُرُونَ» 35 نفعا هذه عليهم واثباتنا لها

ص: 36

بالحجج والدلائل لإفناعهم على الإيمان بالإله الواحد والرسل والحياة الأخرى ووجود الجنة لمن أطاعنا والنار لمن عصانا، وهذا استفهام انكار لانكارهم وجحودهم واستقباح لعدم شكرهم نعم الله عليهم وكأنهم لم يكتفوا بهذه البراهين على ذلك «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها» من أصناف الحيوان والجماد والنّبات «مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ» 36 مما لم يطلعهم الله على علمه ومعرفته ولم يتوصلوا لها بعد لعدم وقوفهم على عظيم قدرته وسعة ملكه وما عرفه الناس المادة الكهربائية الا عثورا، ومن يعش ير لأنا رأينا أشياء لم يرها أسلافنا ولم يحلموا بها، ولو ذكرت لهم لكذبوها فقد كذبوا حديث الدجال من أنه إذا ظهر يبلغ خبره المشرق والمغرب بيوم واحد، وها ان المذياع (الراديو) يسمع أخباره أهل المشرق والمغرب بلحظة واحدة، وسيرى أحفادنا ما لم نره نحن من عظيم مكونات الله التي

سيطلع عليها خلقه بأوقاتها المقدرة عنده، فسبحان من لا يحيط بعلمه غيره، ثم ذكر برهانا على إمكان الحياة الأخرى بقوله عظم قوله «وَآيَةٌ لَهُمُ» على قدرتنا باعادة الخلق كما بدأناه ليتيقن هؤلاء المنكرون عظمتنا وحجة ما جاءهم به رسلنا «اللَّيْلُ نَسْلَخُ» نكشط ونقشط ونكشف (ويأتى بمعنى السّرى والتنفس)«منه النّهار» فلا نبقي معه شيئا من ضوء الشمس مثل نزع القميص الأبيض عن الزنجي الأسود، لأن ما بين الأرض والسماء ظلمة فيكسو بعض ذلك الفضاء ضوء شمس فيكون كيت مظلم أسرج فيه سراج، فاذا انطفأ السراج أظلم البيت «فَإِذا هُمْ» أي جميع المخلوقات التي كساها ضوء الشمس «مُظْلِمُونَ» 37 بعد انسلاخ النهار بظلام الكون في المحيط الموجودين فيه، وينصرف أيضا للقسم الآخر منه، إذ تكون الحال في موضع ليلا وفي آخر نهارا وفي موضع صبحا وفي غيره مساء، وفي قطر ضحى وآخر عصرا وهكذا، ثم ذكر آية ثالثة لهؤلاء المنكرين على الحياة الآخرة بقوله عز وجل «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها» لمقدار تنتهي إليه في منازلها بالنظر لما نراه لأن سيرها محدود غايته المستقر الذي قدره الله لها وقد صرح إمام الحرمين وغيره بأن الشمس تطلع عند

ص: 37

قوم وتغرب عند آخرين فبآن واحد طالعة في مكان غائبة في غيره، فيطول الليل عند أناس ويقصر عند آخرين، وبين الليل والنهار اختلاف ما في الطول والقصر عند خط الاستواء، وفي أقصى بلاد البلغار قد يطلع الفجر قبل غياب الشفق، فلا وقت لصلاة العشاء عندهم إلا أنهم يقدرونه تقديرا بحسب الساعات، وفي عرض تسعين لا تزال طالعة ما دامت في البروج الشمالية ولا تزال غاربة في البروج القبلية، فنصف السنة في ذلك المكان ليل ونصفها نهار وقامت الأدلة على عدم سكونها عند غروبها والا لكانت ساكنة عند طلوعها بناء على ان غروبها في أفق، طلوع في غيره وأيضا هي قائمة على أنها لا تفارق فلكها، أما ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها» قال مستقرها تحت العرش، فالمستقر اسم مكان، وظاهر الحديث الذي لا غبار عليه أن للشمس مستقرا أي قرارا حقيقيا، وقال النووي وجماعة من أهل العلم بظاهره أيضا لا سيما وأنه مروي عن أبي ذر وهو من عرفت مكانته وما هو عليه من الصدق والأمانة، والآية نصت على أن جريانها لمستقر لها أيضا، ولا يمكن التوفيق بين الآية والحديث وبين ما يقوله أهل الهيئة إلا إذا قلنا إن الشمس وسائر الكواكب مدركة عاقلة كما ينبىء عن هذا قوله تعالى «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» الآية الآتية ومثلها الآية 34 من سورة الأنبياء في ج 2 حيث لسند الفعل الى ضمير العقلاء مثله في قوله «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً» الآية 4 من سورة يوسف في ج 2 حيث جمعها جمع من يعقل أيضا، وما جاء في هذا الحديث في رواية أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس أتدري أين تذهب؟ قال الله ورسوله أعلم. قال إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) - أخرجاه في الصحيحين- والمتبادر من الاستيذان

ص: 38