الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر مؤمن بالكواكب، والمراد بالأنواء مطالع النجوم في المشرق عند سقوط ما يقابلها بالمغرب، وكانت العرب تسند بعض الحوادث كالأمطار والرياح وغيرها إلى تلك الأوقات، ويطلق النوء على النجم أيضا إذا مال إلى الغروب وقدم في هذه الآية الأنعام على الناس لا لفضلها، بل لأنها قنية الناس وعامة منافعهم ومعايشهم منها من تقويم الأسباب على المسببات كما قدم أحياء الأرض على إسقاء مخلوقاته لأنه السبب في حياتها
قال تعالى «وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً» 51 ينذرهم بأسنا ويخوفهم عقابنا، فما بالهم استكثروا علينا إرسالك عليهم يا خاتم الرسل ألم يعلموا أن من قدر على إرسال واحد يقدر على إرسال أكثر إذ لا يعجزنا إرسال الأنبياء الكثيرين كما فعلنا ذلك في بني إسرائيل ومن قبلهم، ولكن قضت حكمتنا أن نختم الرسل بك ونعمم رسالتك إلى كافة الخلق وإجلالا لشأنك، وقد حملناك ثقل إنذار العامة خلافا للرسل قبلك، إذ أرسلناهم خاصة لأناس دون آخرين لتستوجب لدينا بصبرك عليهم واجتهادك على نصحهم وعنايتك وجدك بما عهدناه إليك، ما أعددناه إليك من الكرامة العظيمة والدرجة الرفيعة وحسن المنقلب في دار كرامتنا «فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ» فيما يريدونك عليه من الإمساك عن كلامنا الذي نوحيه إليك لإرشادهم، وما يندبونك إليه من اتباع دينهم المعوج، وهذا في حقه محال إلا أن فيه تهيج وإلهاب المؤمنين على التصلب بدينهم تجاه الكفرة وتحريكهم إلى التقدم في أمر دينهم كما يدل عليه قوله تعالى «وَجاهِدْهُمْ بِهِ» عظهم بالقرآن بكل جهدك وازجرهم وأغلظ عليهم بالوعظ «جِهاداً كَبِيراً» 52 شديدا يقطع أملهم عما يريدونه من الميل إلى دينهم ويستميلهم إلى الإيمان بالله وحده.
مطلب بيان البرزخ بين العذب والمالح:
ومن دلائل توحيده قوله «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ» أرسل «الْبَحْرَيْنِ» في
مجاريهما متجاورين متلاحقين بقدرته وأهل المرج الخلط يقال مرج الأمر إذا اختلط والمرج المكان الواسع الجامع للكلأ والماء، وفيه أنواع كثيرة من النبات، ويسمى المرعى مرجا لاختلاط النبات فيه «هذا عَذْبٌ» حلو ماؤه «فُراتٌ» قاطع للعطش لشدة عذوبته المائلة للحلاوة «وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ» ضد الأول على طرفي نقيض، والأجاج الشديد الملوحة المائل إلى المرارة، وفي الإشارة إشارة إلى بعدها عن بعضها بدليل قوله جل قوله «وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً» حاجزا عظيما يمنعهما من التمازج. وجاء بالفارسية كلمة (برزة) بمعنى برزخ وجاء في سورة الرحمن بينهما برزخ لا يبغيان الآية 20 في ج 3 فالتنوين في هاتين الآيتين يدل على عظم هذا البرزخ الفاصل بينهما وهو كذلك حيث يوجد بينهما مسافات كثيرة قبل التلاقي «وَحِجْراً مَحْجُوراً» 53 تنافر مفرطا كأن أحدهما يتعوذ من الآخر، وقد ذكرنا في تفسير الآية، المارة أنهم يستعملون هاتين الكلمتين مقام الاستعاذة عند طروء ملمة أو هجوم عدو أو وقوع نازلة أو حدوث مهم، والمراد من إيجاد هذا البرزخ العظيم بين العذب والملح لزوم كل منهما صفته التي هو عليها، لئلا ينقلب العذب ملحا ولا الملح عذبا، وهو في مكانه لم يختلط بغيره مهما بقي، وذلك من كمال قدرة الله لا بطبيعة الأرض ولا بطبيعة الماء، وإلا لكان الكل عذبا أو ملحا. وما قيل إنهما بحران متلاصقان حلو ومالح لم يشاهدهما أحد، أو أن أحدهما في الأرض والآخر في السماء وأنهما يلتقيان في كل عام كما ذكره بعض المفسرين قيل لا يرتضي ولا ينبغي أن يقال، لأن الله كلم الناس على لسان نبيه بما يفهمون ويعقلون وهو لا يعجزه جعلها كذلك، لأنه القادر على أكثر من ذلك، إلا أنه لا حاجة لذكر غير المعقول والجنوح إليه عند وجود المعقول المشاهد، على أنه لا ينكر وجود عيون ماء حلو تنبع في وسط البحر وعلى شواطئه تشرب منها الناس وتذهب إليها بالزوارق كما في البحرين، حيث يوجد نبع ماء فيه يتدفق بقوة وينساب مع ماء البحر على سطحه ويمتاز عنه بلونه ويصير كالخط المستطيل، إلى أن يندمج فيه. ولهذا البحث صلة في تفسير الآية 14 من سورة فاطر الآتية
ومن دلائل توحيده قوله «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ» المني وأطلقه بعض المفسرين على الماء الذي خمّر به طينة آدم عليه السلام ولكنه لا ينطبق على المعنى لأن آدم لم يخلق من الماء وحده بل من الماء والطّين تأمل «بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً» ينسب إليه كالذكور من نوعه «وَصِهْراً» يصاهر به الغير كالإناث، أي أنه جل شأنه قسم البشر المخلوق من النطفة للقسمين المذكورين قال تعالى «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» الآية قبل الأخيرة من سورة القيامة المارة «وَكانَ رَبُّكَ» سابقا ولاحقا «قَدِيراً» 54 على ما أراده وجعله طبق مراده، فجعل من المني الواحد المعرفة بالماء وهو النطفة المختلطة من ماء الزوجين ذكرا وأنثى، وقد يكونا في بطن واحدة، وجعل النسب المذكور فيقال فلان بن فلان وفلانه بنت فلان، والصهر للأنثى فيقال فلان صهر فلان إذا تزوج ابنته وأخته، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية الأولى من سورة النساء في ج 3، هذا وقد ذكر الله تعالى خمس آيات، من ألم تر إلى هنا مدعمات بالدلائل على عجائب قدرته وبديع صنع وحدانيته، ليتذكر بها من تذكر من الذين أرسل إليهم محمد إبان نزولها وبعده وإلى قيام الساعة، وكأنها مع الأسف لم تتل عليهم ولم يسمعوا بها ولم يلقوا لها بالا لقوله تعالى «وَيَعْبُدُونَ» أولئك الكفرة مع بيان هذه الآيات المعجزات والبيّنات أوثانا يخصونها بالعبادة «مِنْ دُونِ اللَّهِ» خالقهم وخالقها ومانحهم هذه النعم العظيمة «ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ» عبدوها أولا لأنها جماد لا تحس بعبادتهم لها، ويتركون عبادة النافع الضار الإله الواحد ويجحدون وجوده «وَكانَ الْكافِرُ المتوغل بكفره «عَلى رَبِّهِ» الذي يرى آثار نعمه عليه ويحس بها عند الحاجة قال تعالى (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) الآية 67 من سورة الإسراء الآتية، وينسونه عند الفرج ويكون «ظَهِيراً» 55 معينا لنفسه وللشيطان على ربه اللطيف به المعطوف عليه، وذلك أنه يتابع الشيطان بما يوسوس إليه على عبادة الصنم ويعاونه في إغوائه على معصية الله فيغفله وينساه حتى إذا
أدركته الشدة رجع إليه واعترف بربوبيته، فإذا زالت تلك الشدة عنه،
وأغدق عليه من المال والولد وغمره في خيره وأقر عينه، نسى ربه وأعرض عنه ولجأ إلى أوثانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه الآية عامة في كل كافر هذا شأنه، وما قيل إنها نزلت في أبي جهل وإخوانه الكفرة على فرض صحته لا يخصصها بهم بل تبقى على عمومها، لأن العبرة دائما لعموم اللفظ ما لم يقيد أو يخصص، وما قيل إن ظهيرا بمعنى مهين أخذا من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك، ويكون المعنى حينئذ وكان الكافر مهينا عند الله لا خلاق له عنده، بداعي أن فعيلا بمعنى مفعول كما ذكره الطبري ونقله عنه غيره فهو قيل غير معروف، لأن المعروف أن ظهر بمعنى معين لا بمعنى مظهور به وهو كما ترى، قال تعالى «وَما أَرْسَلْناكَ» يا سيد الرسل «إِلَّا مُبَشِّراً» بالثواب العميم لأهل الإيمان «وَنَذِيراً» 56 بالعقاب الجسيم لأهل العصيان المصرين على كفرهم «قُلْ» يا حبيبي لهؤلاء الذين يقولون لك نجمع لك مالا لتكون أغنانا كما مر في الآية الثامنة «ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ» على تبليغكم هذا القرآن «مِنْ أَجْرٍ» لي مطلقا «إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ» بإنفاق شيء من ماله لصلة رحمه أو فقراء قومه أو غيرهم من أبناء السبيل واليتامى والأرامل إنفاقا خاصا «إِلى رَبِّهِ» يبتغي بذلك الإنفاق «سَبِيلًا» 57 طريقا طلبا لمرضاته وليوصله إلى نعيم جناته، لأن هذا من جملة ما أوحى إلي به ربي وأمرني بتبليغه وجعل عليه الخير الكثير والأجر الكبير، قل لهم هذا يا حبيبي «وَتَوَكَّلْ» في جميع أمورك «عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» فهو أحق من يتوكل عليه وأوجب من يفوض الأمر إليه، لأن من يتوكل على من يموت انقطع أمله منه بموته، ومن يتوكل على الميت طبعا كالأصنام فهو أشر حالا وأسوأ مآلا أيضا. أخرج ابن الدنيا في التوكل والبيهقي في شعب الإيمان عن عقبة بن أبي بثيث قال: مكتوب في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت. ولما قرأ بعض السلف هذه الآية قال لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وكيف يثق به وهو متقلّب إن لم يمت يرجع عن قوله، فتوكل على الله وحده أيها العاقل «وَسَبِّحْ