الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا خرّ على وجهه لهول ما يسمع ويرى فيا ويل أهلها، ويا سعادة من زحزح عنها اللهم أجرنا منها وأبعدنا عنها «وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً» شديدا لعذابهم إذ فيها مواقع ضيقة وأخرى واسعة ومتوسطة ولكل منها ناس «مُقَرَّنِينَ» بالسلاسل مصفدين بالحديد بجوامع تجمع بين أيديهم وأعناقهم قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزج بالرمح، والكرب مع الضيق أشد منه مع السعة كما أن الروح مع السّعة أروح منه مع الضيق «دَعَوْا هُنالِكَ» في ذلك المكان الضيق الهائل منها تمنوا أن يصيبهم «ثُبُوراً» 13 هلاكا قاضيا عليهم ليتخلصوا مما هم فيه وأشد من الموت ما يتمنى معه الموت، وأول بعض المفسرين دعوا ينادوا، أي قالوا يا هلاكاه والأول أولى. أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على صاحبه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم، حتى يقف على النار فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، وفي بعض الروايات: أول من يقول ذلك إبليس، ثم يتبعه أتباعه.
وظاهره شمول الاتباع كفرة الإنس والجن.
مطلب لمعة من أسباب النزول:
قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي جهل خاصة مع ان هذا الحديث يفيد أنها في إبليس وأتباعه ولا يخفى أن الآية عامة فدخل فيها إبليس وأبو جهل وأتباعهما وغيرهم ممن قدر عليه ان يعذب فيها فلا تختص فيمن نزلت فيهم إذ لم يوجد ما يقيدها أو يخصصها في أبي جهل أو إبليس أو غيرهما ويعلم أن جل الأقوال الواردة في أسباب النزول منشأوها موافقة الآية، لمن جعلوها نازلة فيه أو تلاوتها عند ما يناسبها، وان مطلق التلاوة لمطلق سبب مناسب للآية لا يكون سبب النزول كما ان الموافقة لا تكون مدارا للتخصيص، وإنما المخصص هو منزل الآيات، فما وجدنا فيها صريحا في ذلك أو صريحا من قول المنزل عليه صرفناه إليه، وإلا لا لأن غالب كلام الله عام والماضي منه قليل، وذلك لأن القرآن العظيم لم يخص الله
تعالى به زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فقط بل عام لكل الأزمان وموافق لكل العصور ومطابق لجميع الدهور، بخلاف الكتب المتقدمة لأن لها حدا بنزول ما بعدها غالبا، والقرآن خاتمه الكتب الإلهية، وقد أنزل على خاتم النبيين، فهو صالح لكل أوان لآخر الدوران، جعلنا الله من المتمسكين به العالمين بما فيه المنتفعين بأوامره ونواهيه قال تعالى «لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً» من هول النار وكنتم تجحدونها «وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً» 14 لا غاية له فليس بنافع دعاؤكم اليوم لأنكم لم تنتفعوا بدعاء الرسل أمس قال تعالى «فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» الآية 50 من سورة المؤمن فيا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء الذين لا ينظرون عاقبة أمرهم «ذلِكَ» المذكور في العذاب الموصوف بالسعير الموعود به المكذبون «خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» بها المصدقون بما جاءكم به رسلهم من الله «كانَتْ لَهُمْ» بمقابل تصديقهم الرسل وامتثالهم أوامرهم «جَزاءً وَمَصِيراً» 15 لهم الآن في الآخرة، وجاء بلفظ الماضي بدل المضارع المناسب الإخبار بالمستقبل لتحققه، لأن وعد الرسل من وعد الله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) الآيتين 87 و 122 من سورة النساء في ج 3 (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) الآية 111 من سورة التوبة «لَهُمْ» أي أولئك المنقون «فِيها ما يَشاؤُنَ» مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين من كل ما يخطر بالبال في الآخرة، لأن بالهم الدنيوي بعيد عن تلك الخطرات الأخروية لأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخطرات الآخرة غير خطرات الدنيا وبينهما ما بينهما «خالِدِينَ» في نعيمها دائمين دائبين إذ لو انقطع لكان مشوبا بشيء من الغم والآخرة لا غم فيها لأنه غير منقطع، قال:
أشد الغم عندي في سرور
…
تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقد «كانَ» وجود ما يريدونه فيها «عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا» 16 عنه للطائعين الذين كانوا يقولون في الدنيا (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) الآية 194 من آل عمران والاستفهام في صدر الآية المفسرة تقريري يفهم جوابه من المقام لأن