الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على وتيرة واحدة، وسؤالهن هذا من تجاهل العارف لأنه مذكور في الكتب المتقدمة بالعبرانية بلفظ رحمان كما ذكر موسي (موشى) . وقالوا على طريق الاستفهام الإنكاري «أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا» يا محمد؟ كلا لا نفعل أبدا «وَزادَهُمْ» طلب السجود والأمر به «نُفُوراً» 60 عن الإيمان بالله ورسوله وجاهروه بعدم الامتثال.
واعلم أن هذه السجدة من عزائم السجود فتجب على القارئ والسامع، وقدمنا ما يتعلق بالسجود لله في الآية الأخيرة من سورة الأعراف وص والنجم المارات فراجعها.
مطلب البروج وأقسامها وما يتعلق بقضاء الورد:
قال تعالى «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً» قال ابن عباس هي منازل الكواكب السيارات السبع وقد بيناها أول سورة البروج المارة وسميت بروجا تشبيها لها بالمنازل لمنازل هذه الكواكب، ومعناها القصور، فالأسد بيت الشمس، والسرطان بيت القمر، والحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهي مقسومة على الطبائع الأربع فالحمل والأسد والقوس مثلثة ناريّة، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية، وقسمنا في الآية 38 من سورة يس المارة ما يتعلق بالمنازل مفصلا فراجعها، ولهذين البحثين صلة في الآية 16 من سورة الحجر في ج 2 تستكمل به ما يتعلق بها ان شاء الله «وَجَعَلَ فِيها سِراجاً» شمسا «وَقَمَراً مُنِيراً» 61 مضيئا راجع الآية 13 من سورة الإسراء الآتية تجد تمام هذا البحث «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً» لبعضهما يعقب الواحد الآخر ويقوم مقامه بالعمل، فإذا فات الإنسان عمله بالليل قضاه بالنهار، وإذا فاته بالنهار أتى به بالليل، والمراد هنا اختلافها في الزيادة والنقصان أيضا والسواد والبياض وذهاب أحدهما ومجيء الآخر دون فاصلة، وانما جعلهما يخلف كل منهما الآخر لمقتضى الحكمة والمصلحة «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ» في عبادة ربه فيهما وما فاته من ذكره أو نسيه في أحدهما أو لم يتمكن من إتمام
الأذكار المأثورة التي رتّبها على نفسه في الليل قضاه في النهار، وكذلك بالعكس روى الطيالسي وابن أبي حاتم أن عمر رضي الله عنه أطال صلاة الفجر، فقيل له صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ قال إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه. وتلا هذه الآية. ومن التذكر المأجور عليه أن يتفكر في كيفية تسخيرهما واختلافهما وانتظام سيرهما، ويستدل بذلك على عظمة مبدعهما ومدبرهما، ويستفاد من ظاهر الآية أن الأوراد التي قد اعتادها السادة الصوفية بارك الله فيهم لها أصل في النوع مقتبس من هذه الآية المؤيدة بفعل عمر رضي الله عنه، وفيهما دليل على تقننها وأن قضاء ما فات منها لازم على النفوس الطاهرة التي ترى ما التزمته على نفسها من الذكر واعتادته لازما عليها قضاؤه استنباطا من الأصول الفقهية مثل من شرع في نفل وأبطله وجب عليه قضاؤه، مع أنه نفل «أَوْ أَرادَ شُكُوراً» 62 بأداء نوع من العبادة وردا خاصا له شكرا لنعم ربه وإفضاله عليه لانه لو استغرق زمنه كله في شكر ربه لم يؤد حقه ورحم الله الشيخ بشيرا الغزي إذ يقول في مقدمته منظومة الشمسية في علم المنطق:
لو أن كل الكائنات ألسنة
…
تثني على علاه طول الأزمنه
لم تقدر الرحمن حق قدره
…
ولم تؤد موجبات شكره
ويؤذن عطف إرادة الشكر على التذكر إرادة فعل النافلة بعد الفريضة وتلاوة الأذكار المأثورة بعدها والتفكر في بدايع صنع الله مما ينور القلب ويطلعه على علم ما لم يعلم. فاغتنم أيها العاقل واستكثر من الذكر المشروع ولا تنظر لأقوال المتطفلين على الدين الذين (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) الآية 7 من سورة الروم في ج 2 أجارنا الله من الغفلة وحمانا من العطلة، ووفقنا لما به الفلاح والنجاح هذا وقد قرأ زيد بن علي وطلحة وغيرهما (أَنْ يَذَّكَّرَ) بالتخفيف مضارع ذكر وهي قراءة جائزة وتؤيد ما ذكرناه، ومما يوثقه أيضا وصف الله تعالى عباده بقوله «وَعِبادُ الرَّحْمنِ» الذين دأبهم ذكره وشكره العارفون به «الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» بالسكينة والوقار متواضعين
لا يمرحون ولا يختالون ولا يتبخترون. راجع الآية 36 من الإسراء الآتية، وقد أضافهم جل شأنه لنفسه للعلم بأنهم المخصوصون بإفضاله المنعم عليهم بصفة كماله، لأن العبودية فعل المأمورات وترك المنهيات، لا لرجاء الثواب والنجاة من العقاب الذين تقتضيهما معنى العبادة، بل لمجرد إحسان الله تعالى ومطلق أمره ونهيه، استحقاقا لذاته المقدسة «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» 63 أي ومن صفاتهم أيضا يقولون قولا يدل على المتاركة والإغضاء عند ما يجابههم السفيه وقليل الأدب والساخر والمستهزئ بما لا ينبغي أن يقال لمثلهم، ولفظ الجاهل يدخل فيه ما ذكرنا إذ لم يرد فيه في هذه الآية من هو دون البلوغ ولا عديم العلم، وهذا الجواب الذي علمه الله لخيرة خلقه على نهاية من الاستحسان أدبا ومروءة، وأسلم للغرض، وأوفق للورع، ولا وجه لقول من قال أن المراد به السلام المعروف لأنه جاء في الآية 92 من سورة النساء مع أن سورة النساء مدنية وهذه مكية ولم يؤمر فيها بعد بالسلام بل هو سلام متاركة وتوديع لا سلام تحية واستقبال مثله قول سيدنا إبراهيم لأبيه (سلام عليك) الآية 48 من سورة مريم الآتية وفسره بعضهم «بسداد» أي أراد قولا من سداد القول ولينه، وهو داخل فيما ذكرته أي أنهم يحلمون ولو تعدى عليهم ولا يسفهون وإن تسوفه عليهم، ولا يجهلون وإن جهل عليهم، ولا يتمثلون بقول صاحب المعلقة عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فؤق جهل الجاهلينا
وذلك لأنهم تركوا نفوسهم وأقبلوا على ربهم فلم تبق عندهم أنفة الجاهلية، ولهذا نهي عن مخالطة الجهال بذلك المعنى لئلا يكون في عدادهم قال علي كرم الله وجهه:
فلا تصحب أخا الجهل
…
وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى
…
حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء
…
إذا ما هو ماشاه
وللقلب على القلب
…
دليل حين يلقاه