الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسالة
5
الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الدَّلِيل على نفي الحكم أَو بَقَاء مَا هُوَ ثَابت بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الملقب بالاستصحاب حجَّة على الْخصم عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي رض
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بَان جاحدي الرُّسُل ونفاة النبوات لَا يكلفون دَلِيلا على النَّفْي بل إِقَامَة الدَّلِيل على صِحَة النُّبُوَّة على الْأَنْبِيَاء وَلَو لم يكن عدم الدَّلِيل حجَّة للنافي لطولبوا بِالدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير} فَإِنَّهُ احتجاج بِعَدَمِ الدَّلِيل وَلِأَن النَّافِي متمسك بِالْعدمِ والعدم غير مُحْتَاج إِلَى الدَّلِيل فينعدم الحكم لعدم دَلِيله
وَذَهَبت الْحَنَفِيَّة إِلَى أَنه لَيْسَ بِحجَّة على الْخصم مُطلقًا
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَن حَاصِل الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الدَّلِيل آيل إِلَى الْجَهْل بِالدَّلِيلِ إِذْ لَا سَبِيل لأحد من الْبشر على حصر الدَّلَائِل أجمع بل يجوز أَن يعلم انسان دَلِيلا يجهله غَيره لتَفَاوت النَّاس فِي الْعلم فَكَانَ الْمُتَعَلّق بِعَدَمِ الدَّلِيل مُتَعَلقا بِالْجَهْلِ وَالْجهل لَا يكون حجَّة على أحد بل يكون عذرا لَهُ فِي الِامْتِنَاع عَن الحكم
وَيتَفَرَّع عَن هَذَا الأَصْل مسَائِل
مِنْهَا أَن الصُّلْح على الْإِنْكَار بَاطِل عِنْد الشَّافِعِي رض لِأَن الله تَعَالَى خلق الذمم بَريَّة عَن الْحُقُوق فَثَبت بَرَاءَة ذمَّة الْمُنكر بِخلق الله عز وجل وَلم يقم الدَّلِيل على شغل ذمَّته فَلَا يجوز شغلها بِالدّينِ فَلَا يَصح الصُّلْح
وَعِنْدهم يَصح لِأَن عدم الدَّلِيل لَيْسَ بِحجَّة لإبقاء مَا ثَبت بِالدَّلِيلِ فَيجوز شغل ذمَّته بِالدّينِ فَيصح الصُّلْح
وَمِنْهَا أَن الْكَلْب الْمعلم إِذا أكل من فريسته مرّة وَاحِدَة لم تحرم تِلْكَ الفريسة على أحد الْقَوْلَيْنِ عندنَا وَلم يحرم مَا مضى من فريسته قولا وَاحِدًا استصحابا للْحلّ الثَّابِت قبل الْأكل فَإِنَّهُ ثَابت يَقِينا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رض يحرم الْجَمِيع فَإِن علمه أَمر خَفِي لَا يطلع عَلَيْهِ فَيعْتَبر السَّبَب الظَّاهِر الْمظهر لَهُ وَهُوَ الإمتناع عَن الْأكل إِذْ بِهِ ظهر الْعلم فالإقدام على الْأكل يظْهر ضِدّه وَهُوَ الْجَهْل فَأَنَّهُ السَّبَب الظَّاهِر الْمظهر لَهُ
وَمِنْهَا أَنه لَا يقْضى على الناكل بِمُجَرَّد نُكُوله بل يعرض الْيَمين
على الْمُدَّعِي عندنَا لِأَن الأَصْل أَن لَا يحكم إِلَّا بِمَا يعلم أَو يظنّ ظنا يُقَارب الْعلم فَإِذا أعوز بَقينَا على النَّفْي استصحابا للبراءة الْأَصْلِيَّة
وَعِنْدهم يقْضى بِهِ تَنْزِيلا للامتناع عَن الْحجَّة مقَام نفس الْحجَّة بِنَاء على الْقَرَائِن المطرحة شرعا فِي إِثْبَات الْحُقُوق ونفيها
وَمِنْهَا إِذا تداعى رجلَانِ دَارا فِي يَد ثَالِث وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة على أَن الْملك فِي جَمِيع الدَّار لَهُ تَعَارَضَت الْبَيِّنَتَانِ وتساقطتا وَصَارَ كَانَ لَا بَيِّنَة عندنَا وتقر الدَّار بيد الثَّالِث تمسكا بالاستصحاب
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رض تسْتَعْمل الْبَيِّنَتَانِ وتقسم بَينهمَا
وَمِنْهَا أَن التَّدْبِير الْمُطلق لَا يمْنَع البيع عندنَا لِأَن البيع
كَانَ جَائِزا قبل التَّدْبِير وَلَا معنى للتدبير إِلَّا تعلق عتق بِالْمَوْتِ فَهُوَ كَقَوْلِه إِن مت فِي مرضِي هَذَا فَأَنت حر
وَعِنْدهم يمْنَع لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاق عتق بعد الْمَوْت فَأشبه الِاسْتِيلَاء
وَمِنْهَا إِن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا أعتق نصِيبه من العَبْد الْمُشْتَرك وَكَانَ الْمُعْتق مُعسرا عتق نصِيبه وَبَقِي الْبَاقِي على ملك مَالِكه كَمَا كَانَ وَلَا يستسعى العَبْد فِي أَدَاء قيمَة بَاقِيَة عِنْد الشَّافِعِي رض لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق مِنْهُ صَنِيع يَسْتَدْعِي وجوب الضَّمَان عَلَيْهِ وَوُجُوب الْقيمَة فَمَا إِذا كَانَ الشَّرِيك الْمُعْتق مُوسِرًا ثَبت نصا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رض يستسعى العَبْد فِي أَدَاء قيمَة بَاقِيَة لِأَن الْإِعْتَاق لَا يتَجَزَّأ وَقد احْتبسَ حق الشَّرِيك عِنْده فَتجب عَلَيْهِ السّعَايَة وَإِن لم يُوجد مِنْهُ صَنِيع كَالثَّوْبِ إِذا وَقع فِي صبغ
إِنْسَان فانصبغ بِهِ فانه يجب على رب الثَّوْب ضَمَان الصَّبْغ لاحتباس ملكه عِنْده وان لم يُوجد مِنْهُ جِنَايَة
وَمِنْهَا أَن الدِّيَة لَا تكمل فِي الشُّعُور الْخمس عندنَا وَهِي شعر الرَّأْس واللحية والحاجبين والأهداب والشاربين بل حُكُومَة عدل لن الأَصْل أَن لَا يجب كَمَال الدِّيَة بِإِتْلَاف الْبَعْض غير أَن الشَّرْع علق كل الدِّيَة بِإِتْلَاف الطّرف لِأَنَّهُ تَفْوِيت مَنْفَعَة الْجِنْس فَيصير الشَّخْص كالهالك فِي حق ملك الْمَنْفَعَة والشعور لَيست من هَذَا الْقَبِيل فَبَقيَ على الأَصْل وَهُوَ امْتنَاع كَمَال الدِّيَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رض فِي كل وَاحِد مِنْهَا دِيَة كَامِلَة
إِذا فسد المنبت لِأَنَّهُ فَاتَ بِهِ الْجمال على الْكَمَال فَيجب فِيهِ دِيَة كَامِلَة كَمَا فِي الْأذن ومارن الْأنف