الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله". {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} لأنفسهم بشركهم بالله {مِنْ أَنْصَارٍ} أي ناصر ينصرهم ويمنعهم من دخول عذاب الله، ولا شفيع ينقذهم مما يحل بهم. {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فقوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} إما من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى، وتقولهم عليه فلا ناصر لهم على ذلك، وإمَّا من كلام عيسى. والظاهر (1) أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنَّه من تجاوز الحد، ووضع الشيء في غير موضعه: فلا ناصر له ولا مساعد فيما افترى وتقول، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقه من دعوى أنَّه إله وأنه ظلم، إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجبًا وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي له من عذاب الله تعالى في الآخرة، ذكره أبو حيان. وصيغة الجمع في قوله: {مِنْ أَنْصَارٍ}، للإشعار بأنَّ نصرة الواحد غير محتاج إلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره، وإنما ينفى بالتعرض لنفي نصرة الجمع، والمراد بالظالمين هنا المشركون، بقرينة ما قبله، إذ الظالمون من المسلمين لهم ناصر وهو النبي صلى الله عليه وسلم لشفاعته لهم يوم القيامة. انتهى "كرخي".
73
- {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} ؛ أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى أحد آلهة ثلاثة، وهذا قول المرقوسية والنسطورية من النصاوى. وفي تفسير قولهم هذا طريقان:
أحدهما: وهو قول أكثر المفسرين: أنهم أرادوا بهذه المقالة أن الله تعالى ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، وأن الألوهية مشتركة بينهم، وأن كل واحد منهم إله. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى للمسيح:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} . ففي قوله: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} : حذف تقديره: إن الله أحد آلهة ثلاثة، أو واحد من ثلاثة آلهة، قال الواحدي: ولا يكفر من قال: إن الله ثالث ثلاثة، ولم يرد به أنه ثالث آلهة ثلاثة، لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، ويدل عليه قوله تعالى في سورة
(1) البحر المحيط.
المجادلة: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ
…
} الآية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
والطريق الثاني: ما حكاه المتكلمون عن النصارى: أنَّهم يقولون: إنَّ الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم - أجزاء - أب وابن وروح قدس. وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن واختلاط الماء بالخمر، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد، وهذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدًا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فسادًا ولا أظهر بطلانًا ولا أقبح لفظًا من مقالة النصارى: الله ثالث ثلاثة، عليهم لعائن الله تعالى، ولا يجوز في العربية في ثالث ثلاثة إلا الإضافة، ولا يجوز النصب، لأنك لا تقول ثلثت الثلاثة.
واعلم: أن النصارى أخذت عقيدة التثليث من قدماء الوثنيين، ليست في أصل دينهم، ثم رد الله سبحانه وتعالى عليهم ما قالوه بلا روية ولا فكر ولا بصيرة فقال:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ} ؛ أي: وما من إله في الوجود {إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} ؛ أي: إلا إله موصوف بالوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، يعني: إنَّه ليس في الوجود إله واحد موصوف بالوحدانية - لا ثاني له، ولا شريك له، ولا والد له، ولا صاحبة له - إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الإله الذي لا تركيب في ذاته ولا في صفاته، فليس ثم تعدد ذوات وأعيان، ولا تعدد أجناس وأنواع، ولا تعدد جزئيات وأجزاء، وهذه الجملة حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة والحال أنه لا إله موجود إلا الله.
ثم توعدهم على هذه المقالة فقال: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا} ؛ أي: لم ينته النصارى {عَمَّا يَقُولُونَ} ؛ أي: عن هذه المقالة الخبيثة، يعني مقالة التثليث، ويتركوه ويعتصموا بعروة التوحيد، ويعتقدوه، وعزتي وجلالي {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ
(1) البحر المحيط والخازن.