الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمدًا رسول الله.
وعلى هذين القولين فالمراد من قوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر عن نبيهم، فإنه لو حصل ذلك .. لكان من أعظم المحن.
والثالث: أنها نزلت في شأن المشركين أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان في غزوة ذي أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع، وهي السابعة من مغازيه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة فلمَّا صلوا .. ندم المشركون في عدم إكبابهم عليهم، وقالوا: ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم، فقيل لهم: إن للمسلمين بعد هذه الصلاة صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم، فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة، فرد الله تعالى كيدهم بأن أنزل جبريل بصلاة الخوف.
التفسير وأوجه القراءة
4
- وقوله: {يَسْأَلُونَكَ} : شروع منه في بيان ما أحله الله لهم، بعد بيان ما حرمه عليهم؛ أي: يسألك المؤمنون يا محمد {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} ؛ أي: أي شيء أحل لهم؟ أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالًا، ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم؟ والسائلون هم: عاصم بن عدي، وسعد بن أبي خيثمة، وعويمر بن ساعدة، كذا قاله عكرمة كما مر في مبحث أسباب النزول، أي: يسألك المؤمنون ماذا أحل الله لهم من الطعام؛ {قُلْ} لهم يا محمد في الجواب {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} ؛ أي: أحل الله سبحانه وتعالى لكم أيها المكلفون المستلذات والمشتهيات التي تستطيبها النفوس السليمة الفطرة، المعتدلة المعيشة بمقتضى طبعها، فتأكلها باشتهاء واستلذاذ مما لم يرد بتحريمه نص من كتاب، أو سنة، وما أكله الإنسان كذلك يسيغه ويهضمه بسهولة ويتغذى بها غذءًا صالحًا، وما يستخبثه ويعافه لا يسهل عليه هضمه ويضرّه غالبًا، فما حرّمه الله تعالى في الآية السابقة خبيث بشهادة الله الموافقة للفطرة المعتدلة، وأصحاب الفطر السليمة يعافون أكل الميتة حتف أنفها، وما ماثلها من فرائس السباع، والمترديات،
والنطائح، والدم المسفوح، وكذلك الخنزير يعافه من يعرف ضرره وانهماكه في أكل القاذورات.
والخلاصة: أحل لكم أيها المكلفون ما يستطاب أكله ويشتهى دون ما يخبث أو يعاقب {و} أحل لكم أيضًا {ما علمتم من الجوارح} ؛ أي: صيد ما علمتموه من الكواسب، وسُمِّيت جوارح؛ لأنها تجرح الصيد؛ أي: من الحيوان الذي يكسب لكم بالاصطياد من سباع البهائم والطير؛ كالكلب، والباز، حال كونكم {مُكَلِّبِينَ}؛ أي: معلّمين الجوارح كيفية الاصطياد، جمع مكلب، والمكلب: معلم الكلاب لكيفية الاصطياد، ويقرأ {مكلبين} - بالتشديد والتخفيف - يقال: كلبت الكلب وأكلبته فتكالب، أي: علمته فتعلم الاصطياد، ذكره أبو البقاء، وحالة كونكم {تُعَلِّمُونَهُنَّ}؛ أي: تعلمون تلك الجوارح الاصطياد {مِمَّا عَلَّمَكُمُ} من طرق التعليم، ومن الحيل في الاصطياد، والجملة الفعلية حال ثانية من ضمير علمتم، والمقصود من التكرار: المبالغة في اشتراط التعليم، وأن يكون من يعلم الجوارح نحريرًا في علمه، موصوفًا بالتأديب.
قال أبو حيان (1): وأقصى غاية التعليم: أن يشلى فيستشلى، ويدعى فيجيب، ويزجر بعد الظفر فينزجر، ويمتنع من أن يأكل من الصيد. وقوله:{مُكَلِّبِينَ} ؛ أي: معلمين، حال مؤكدة لعلمتم، وفائدة هذه الحال - وإن كانت مؤكدة فكان يستغنى عنها - أن يكون المعلم مؤتمرًا بالتعليم، حاذقًا فيه، موصوفًا به، واشتقت هذه الحال من الكلب، وإن كانت جاءت غايةً في الجوارح على سبيل التغليب؛ لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتقت من لفظه؛ لكثرة ذلك في جنسه.
وقرأ ابن عباس وابن الحنفية (2): {وما عُلِّمتم} مبنيًّا للمفعول، أي: من أمر الجوارح والصيد بها، وقرأ أيضًا:{مُكْلِبين} من أكلب. وفعل وأفعل قد يشتركان، وظاهر قوله:{وَمَا عَلَّمْتُمْ} حصول التعليم من غير اعتبار عدد، وكان
(1) البحر المحيط.
(2)
البحر المحيط.
أبو حنيفة لا يجد في ذلك عددًا، وقال أصحابنا: إذا صاد الكلب وأمسك ثلاث مرات .. فقد حصل له التعليم، وقال غيرهم: إذا فعل ذلك مرة واحدة .. فقد صار معلَّمًا.
وقوله: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} ؛ أي: إن تعليمكم إياهن ليس من قبل أنفسكم، إنّما هو من العلم الذي علمكم الله، وهو أن جعل لكم روية وفكرًا، بحيث قبلتم العلم، فكذلك الجوارح، يصير لها إدراك ما وشعور بحيث يقبلن الائتمار والانزجار، وفي قوله:{مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} إشعار ودلالة على فضل العلم وشرفه، إذ ذكر ذلك في معرض الامتنان، ومفعول علم وتعلمونهن الثاني محذوف، تقديره: وما علمتموه طلب الصيد لكم، لا لأنفسهن تعلمونهن ذلك، وفي ذلك دلالة على أن صيد ما لم يعلم حرام أكله؛ لأن الله تعالى إنما أباح ذلك بشرط التعليم، والدليل على ذلك الخطاب في {عَلَيْكُمْ} في قوله:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وغير المعلم إنما يمسك لنفسه، وقوله:{مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} ؛ أي: من الأدب الذي أدبكم به تعالى، وهو اتباع أوامره واجتناب نواهيه، فإذا أمر فائتمر، وإذا زجر فانزجر .. فقد تعلم مما علمنا الله تعالى. انتهى. والفاء في قوله:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} تفريعية (1)؛ لأنّ الجماة مفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، و {مِنْ} في قوله:{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} للتبعيض؛ لأنّ بعض الصيد لا يؤكل، كالجلد، والعظم، والفرث، وما أكل الكلب منه؛ أي: كلوا بعض ما أمسكنه لكم، وهو الذي لم يأكلن منه.
أي: فكلوا (2) من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم؛ أي: تصيده لأجلكم، فتحبسه وتقفه عليكم بعدم أكلها منه، فإنْ أكلت منه .. فلا يحل أكل ما فضل عنها عند الجمهور؛ لأنه مثل فريسة السبع المحرمة في الآية السالفة. {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ}؛ أي: سموا الله على ما علمتم من الجوارح عند إرساله إلى الصيد؛
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
أي: قولوا: بسم الله عنده، وإن نسيتم .. فلا حرج عليكم، فعلى هذا (1) يكون الضمير في عليه عائدًا إلى {ما علمتم من الجوارح}؛ أي: سموا الله عليه عند إرساله، وفي: الضمير عائد إلى ما أمسكن عليكم، والمعنى: سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، وقيل: يحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الأكل، يعني: واذكروا اسم الله عليه عند الأكل، وسيأتي بيان هذه في سورة الأنعام عند قوله:{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إن شاء الله تعالى.
والتسمية واجبة عند أبي حنيفة ومستحبه عند الشافعي. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال:"إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك إلا أن يأكل الكلب، فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه، وإن خالط كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" وفي رواية: "فإنك لا تدري أيها قتل"، وسألته عن صيد المعراض فقال:"إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، فإن وقع في الماء فلا تأكل". متفق عليه. وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنَّا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال:"أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب: فإن وجدتم غيرها .. فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها .. فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل". أخرجه أبو داود بسند جيد.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ولا تقدموا على مخالفته، فتأكلوا من صيد الجوارح الغير المعلمة، أو مما تمسك عليكم من
(1) الخازن.