الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شاء بحسب الحكم والمصالح التي يعلمها سبحانه، فأوفوا بعقوده وعهوده، ولا تنكثوها ولا تنقضوها، فهو مالك الكل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.
2
- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} ؛ أي: معالم دين الله وأحكامه؛ أي: لا تتهاونوا مأمورات الشرع، ولا منهياته، ولا تنتهكوا حرمتها بترك المأمورات وفعل المنهيات، بل احترموا شعائر الله وأحكامه، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، وهذا عام، وذكر ما بعده من المعطوفات من ذكر الخاص بعد العام. وقيل:{شَعَائِرَ اللَّهِ} ما أراد جعله أمارات تعلمون بها الهدى من الضلال؛ كمناسك الحج، وسائر فرائض دينه من حلال وحرام، وحدود حدها لكم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا شعائر دين الله حلالًا لكم، تتصرفون فيها كما تشاؤون، بل اعملوا بما بيَّنه لكم، ولا تتهاونوا بحرمتها وتحولوا بينها وبين المتنسكين بها، وتصدوا الناس عن الحج في أشهر الحج.
وقيل: {الشعائر} : الهدايا المشعرة؛ أي: المعلمة، وأشعارها: أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة، حتى يسيل دمه، فيكون ذلك علامة على أنه هدي، وهو سنة في الإبل والبقر، دون الغنم.
والمعنى: لا تحلوا أخذ الهدايا المشعرة بسرقة أو غصب أو نهب من صاحبها. وقال أبو حيان {الشعائر} : هي جميع ما حرمه الله تعالى مطلقًا، سواء كان في الإحرام أو في غيره، والمعطوفات الأربعة بعده مندرجة في عموم قوله:{لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} ، فكان ذلك تخصيصًا بعد تعميم.
والمعنى: لا تحلوا محرمات الله تعالى فعلًا واعتقادًا، بأن ترتكبوها وتعتقدوا حلها. {وَلَا} تحلوا {الشَّهْرَ الْحَرَامَ} ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ورجب، ولا تنتهكوا حرمتها؛ بأن تقاتلوا فيها أعداءكم من المشركين، كما رُوي عن ابن عباس وقتادة.
{وَلَا} ، تحلوا {الْهَدْيَ}: الذي يهدى به إلى البيت الحرام من الأنعام أو غيرها، للتوسعة على من هناك من عاكفٍ وبادٍ؛ تقربًا إلى الله تعالى؛ وذلك بأن تمنعوا بلوغه محله من بيت الله بأخذه غصبًا وذبحه، أو سرقته أو حبسه عند من أخذه. {وَلَا} تحلوا {الْقَلَائِدَ}؛ أي: ذوات القلائد من الهدي؛ أي: ولا تحلوا الهدايا ذوات القلائد، وكأنه قال: لا تحلوا الهدي مقلدًا ولا غير مقلد، وخص المقلد بالذكر؛ لأنه أكرم الهدي وأشرفه، والقلائد: جمع قلادة، وهي ما يعلق في عنق البعير ونحوه من حبل أو غعل؛ إشعارًا بأنها هدي. {وَلَا} تحلوا {آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} ، أي: ولا تحلوا قتال قوم قاصدين البيت الحرام لزيارته بحج أو عمرة، فتصدوهم عن ذلك بأي وجه كان. وقرأ عبد الله وأصحابه {ولا آمي البيت الحرام} بالإضافة. وقوله:{يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} حال من الضمير المستكن في آمّين؛ أي: حالة كون الآمّين يطلبون ربحًا وزيادة من ربهم بالتجارة المباحة، أو المعنى: طالبين ثوبًا من ربهم ورضوانًا منه بالحج أو العمرة، يحول (1) بينهم وبين عقوبته في الدنيا؛ لئلا يحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم، وهذا على قراءة الجمهور بالياء .. كلام مع المشركين، كما روي عن قتادة أنه قال: هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم، وفي رواية أخرى عنه: والرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجل لهم العقوبة.
وقرأ حميد بن قيس والأعرج (2): {تبتغون} بالتاء، خطابًا للمؤمنين، والمعنى: على الخطاب: إن المؤمنين كانوا يقصدون قتالهم والغارة عليهم، وصدهم عن المسجد الحرام، امتثالًا لأمر الله تعالى وابتغاء مرضاته، إذ أمر تعالى بقتال المشركين وقتلهم، وسبي ذراريّهم، وأخذ أموالهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقرأ الأعمش {ورضوانًا} بضم الراء، وتقدم في آل عمران .. أنها قراءة أبي بكر عن عاصم، حيث وقع إلا في ثاني هذه السورة، فعنه فيه خلاف.
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
وفي، "الخازن": فصل: اختلف (1) علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال قوم: هذه الآية منسوخة إلى هنا؛ أي: إلى قوله: {آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} ؛ وذلك لأنّ قوله تعالى: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام وفي الحرم، وذلك منسوخ بقوله تعالى:(4){فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وقولُه:{وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} يقتضي حرمة منع المشركين عن البيت الحرام، وذلك منسوخ بقوله تعالى:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ، فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن بالهدي والقلائد كافر، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأكثر المفسرين. وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم.
والظاهر: ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية؛ لإجماع العلماء على أن الله عز وجل قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها، وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه وذراعيه جميع لحاء شجر الحرم لم يكن ذلك أمانًا له من القتل، إذا لم يكن قد تقدم له عقد ذمة أو أمان، وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين؛ لقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ، والله تعالى أعلم، انتهى.
ثم صرح بما فهم من قوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فقال. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} ؛ أي: وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة، أو من أرض الحرم {فَاصْطَادُوا} الصيد الذي حُرِّمَ عليكم بالإحرام؛ أي: في غير الحرم إن شئتم؛ لأنّه إنما حُرِّم عليكم الصيد في أرض الحرم، وفي حال الإحرام فقط، وقد زال شبب حرمته، والأمر (2) فيه أمر إباحة؛ لأنّه ليس واجبًا على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد، نظير قوله تعالى؛ {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} معناه: أنه قد أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
(1) الخازن.
(2)
الخازن.
وقرىء (1): {وإذا أحللتم} وهي لغة في حل، يقال: أحل من إحرامه، كما يقال: حلَّ من إحرامه. وقرأ (2) أبو واقد، والجراح، ونبيح، والحسن بن عمران:{فاصطادوا} - بكسر الفاء -، قال الزمخشري: قيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداءِ بها. {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} ؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم وعدواتهم لكم؛ أي: شدة بغضكم لقوم من أهل مكة بسبب {أَنْ صَدُّوكُمْ} ومنعوكم {عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ؛ أي: عن العمرة عامَ الحديبية على {أَنْ تَعْتَدُوا} وتبغوا عليهم؛ أي: لا يحملنكم بغضكم قومًا لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام على ظلمكم واعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي من البغض.
والمعنى: ولا (3) يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على أن تعتدوا عليهم؛ لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام، وقد كان المشركون صدوا المؤمنين عن العمرة عام الحديبية، فنهى المؤمنين أن يعتدوا عليهم عام حجة الوداع، وهو العام الذي نزلت فيه هذه السورة؛ لأجل اعتدائهم السابق.
وقرأ الجمهور: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} - بتشديد النون -. قرأ الحسن (4)، وإبراهيم، وابن وثاب، والوليد عن يعقوب:{يجرمنْكم} بسكون النون، جعلوا نون التوكيد خفيفة. وقرأ النحويان (5)، وابن كثير، وحمزة، وحفص، ونافع:{شنآن} : بفتح النون. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر:(شنْآن) بسكونها، والأظهر في الفتح: أن يكون مصدرًا، وقد كثر مجيء المصدر على فعلان - بفتح العين -، وجوّزوا أن يكون وصفًا، وأما مجيء المصدر على فعْلان - بفتح الفاء، وسكون العين - .. فقليل. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير {إن صدوكم} بكسرة الهمزة، على أنها شرطية، ويؤيدها قراءة ابن مسعود {إن صدوكم} وأنكر ابن جرير والنحاس
(1) الفتوحات.
(2)
البحر المحيط.
(3)
المراغي.
(4)
البحر المحيط.
(5)
أبو عمرو والكسائي.
وغيرُهما قراءة كسر إن، وقالوا: إنما صد المشركون الرسول والمؤمنين عام الحديبية، والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، والحديبية سنة ست، فالصد قبل نزول الآية. والكسر يقتضي أن يكون بعد؛ ولأن مكة كانت عام الفتح في أيدي المسلمين، فكيف يصدون عنها وهي في أيديهم؛ وهذا الإنكار منهم لهذه القراءة صعب جدًّا؛ فإنها قراءة متواترة؛ إذ هي في السبعة، والمعنى معها صحيح، والتقدير: إن وقع صد في المستقبل مثل ذلك الصد الذي كان زمن الحديبية، وهذا النهي تشريع في المستقبل، وليس نزول هذه الآية عام الفتح مجمعًا عليه، بل ذكر اليزيدي: أنها نزلت قبل أن يصدوهم، فعلى هذا القول يكون الشرط واضحًا. وقرأ باقي السبعة: بفتح الهمزة، جعلوه تعليلًا للشنآن، وهي قراءة واضحة؛ أي: شنئان قوم من أجل أن صدوكم عام الحديبية عن المسجد الحرام. والاعتداء: الانتقام منهم، بإلحاق المكروه بهم.
{وَتَعَاوَنُوا} أيها المؤمنون {عَلَى الْبِرِّ} ؛ أي: على فعل المأمورات {و} على {التقوى} ؛ أي: وعلى اجتناب المنهيات. وقيل: تعاونوا على البر والتقوى؛ أي: على العفو والإغضاء (1)، ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى؛ أي: ليعن بعضكم بعضًا على ما يكسب البر والتقوى {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ} ؛ أي: على ترك المأمورات {وَالْعُدْوَانِ} ؛ أي: على فعل المحظورات؛ أي: ولا يعن بعضكم بعضًا على الإثم والعدوان، وقيل: ولا تعاونوا على الانتقام والتشفي، والبر (2): فعل المأمور، والتقوى: ترك المحظور، والإثم: ترك المأمور، والعدوان: فعل المحظور. وقال المراغي: البر: التوسع في فعل الخير، والتقوى: اتقاء ما يضر صاحبه في دينه أو دنياه، والإثم: كل ذنب ومعصية، والعدوان: تجاوز حدود الشرع والعرف في المعاملة، والخروج عن العدل فيها، وفي الحديث:"البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس". رواه مسلم وأصحاب السنن.
وروى أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد الجهني: أنه قال: أتيت
(1) النسفي.
(2)
النحويان هما أبو عمرو والكسائي.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم" قلت: نعم - وكان قد جاء لأجل ذلك - فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما في نفسه وأجابه، فقال:"استفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك".
والأمر بالتعاون (1) على البر والتقوى .. من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن؛ إذ يوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضًا على كل ما ينفع الناس، أفرادًا وجماعات، في دينهم ودنياهم، وعلى كل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم.
وقد كان المسلمون في الصدر الأول يتعاونون على البر والتقوى بدون حاجة إلى ارتباط بعهد، كما تفعله الجماعات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيًا لهم عن غيره، ولكن لما نكثوا ذلك العد .. صاروا في حاجة إلى تأليف هذه الجماعات؛ لجمع طوائف المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب التعاون على البر والتقوى. وقلما ترى أحدًا الآن يعينك على عمل من أعمال البر إلا إذًا كان مرتبطًا بعهد معك لغرض معين، ومن ثم كان تأليف الجماعات مما يتوقف عليه أداء هذا الواجب غالبًا.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: خافوا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب مناهيه، ولا تستحلوا شيئًا من محارمه {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {شَدِيدُ الْعِقَابِ} والانتقام لمن خالف أمره، ففيه وعيد شديد وتهديد عظيم. والمعنى: واتقوا الله بالسير على سننه التي بيّنها لكم في كتابه وفي نظم خلقه، حتى لا يصيبكم عقابه بالإعراض عن هدايته، فهو شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه ومراعاة سننه في خلقه؛ إذ لا محاباة ولا هوادة في عقابه، فهو لم يأمر بشيء إلا إذا كان نافعًا، ولم ينه عن شيء إلا إذا كان ضارًّا وكذلك بعدم مراعاة السنن؛ لأن لذلك تأثيرًا في خلق الإنسان وعقائده وأعماله، وكل ذلك مما يوقعه في الغواية، وينتهي به إلى سوء العاقبة، وهذا العقاب يشمل عقاب الدنيا والآخرة، كما جاء في بعض
(1) المراغي.