الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُهِينًا}؛ أي: ذا إهانة وإذلال لهم يهانون به في الآخرة جزاءً على كفرهم.
والخلاصة (1): أن الكافرين بالرسل فريقان:
فريق: لا يؤمن بأحد منهم؛ لإنكارهم النبوة وزعمهم أن ما أتى به الأنبياء من الهدى والشرائع هو من عند أنفسهم لا من عند الله تعالى، وأكثر الملحدين والشوعيين في هذا العصر من ذلك الفريق.
وفريق آخر: يؤمن ببعض الرسل دون بعض، كقول اليهود: نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد فهما ليسا برسولين؛ لأن النسخ عندهم من المستحيل، وكقول النصارى: نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد، وكل من الفريقين مستحقون للعذاب، ولا عبرة بما يدعونه إيمانًا. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، أي: وأعددنا لكل كافرٍ، سواء أكان منهم أم من غيرهم عذابًا فيه ذل وإهانة لهم؛ جزاء كفرِهِم الذي ظنوا فيه العزة والكرامة، ذاك أن من آمن بالله ولم يؤمن بوحيه إلى رسله .. لا يكون إيمانه صحيحًا، ولا يهتدي إلى ما يجب عليه من الشكر، ولا يعرف كيف يعبده على الوجه الذي يرضيه، ومن ثم ترى أمثال هؤلاء ماديين، لا تهمهم إلا شهواتهم، كما أن من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، كأهل الكتاب .. لا يعتد بإيمانه؛ لأن الإيمان بالرسالة على الوجه الحق إنما يكون بفهمها وفهم صفات الرسل ووظائفهم وتأثير هدايتهم، ومن فهم هذا حق الفهم .. علم أن صفات الرسل قد ظهرت بأكملها في محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهو قد جاء بكتاب حوى ما لم يحوه كتاب آخر، مع أنه نشأ بين قوم أميين، ونقل كتابه وأصول دينه بالتواتر القطعي والأسانيد المتصلة دون غيره من الكتب.
152
- وبعد أن ذكر حال الفريقين السابق ذكرهما ذكر حال فريق ثالث فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} ؛ أي: والذين صدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوة جميع أنبيائه، وأن جميع ما جاؤوا به من عند الله حق وصدق {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ}؛ أي: من الرسل بالإيمان به، بل آمنوا بجميعهم، وهم المؤمنون، وإنما
(1) المراغي.
جاز دخولما {بَيْن} على {أحدٍ} ؛ لأنه عام في الواحد المذكَّر والمؤنَّث وتثنيتهما وجمعهما {أُوْلَئِكَ} المذكورون من المؤمنين بالله وبجميع الرسل {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} الله تعالى؛ أي: سوف يعطيهم الله سبحانه وتعالى في الآخرة أجورهم الوافرة وثوابهم الكامل على الإيمان بالله وبرسله.
وقرأ عاصم في رواية حفص (1){يُؤْتِيهِمْ} بالياء؛ ليعود الضمير على اسم الله قبله. وقرأ الباقون، {نؤتيهم} بالنون على الالتفات، ومقابله: وأعتدنا والقراءتان متواترتان، فلا أولوية لإحداهما على الأخرى، خلافًا لمن توهمه. {وَكاَنَ اَللهُ} سبحانه تعالى {غَفُورًا} لهفوات من صح إيمانه ولم يشرك بربِّه أحدًا، ولم يفرِّق بين أحد من رسله {رحِيمًا} به، يعامله بالإحسان ويضاعف حسناته ويزيد على ما وعد تفضلًا منه ورحمة.
والخلاصة: والذين آمنوا بالله وجميع الرسل وعملوا بشريعة آخرهم علمًا منهم بأن جميعهم مرسل من عند الله تعالى، وما مثلهم إلا مثل ولاة يرسلهم السلطان إلى البلاد، ومثل الكتب التي جاؤوا بها مثل القوانين التي يصدر السلطان مراسيم للعمل بها، فكل وال منهم إنما ينافذ أوامر السلطان، وكل قانون يعمل به؛ لأنه منه، وكل قانون جديد ينسخ ما قبله ويمنع العمل به، وأولئك يؤتينهم الله أجورَهم بحسب حالهم في العمل؛ لأنهم وقد صح إيمانهم به وبرسله يهديهم إلى العمل الصالح؛ إذ هو الأثر اللازم لذلك الإيمان الصحيح.
ولم يقل في هؤلاء أنهم هم المؤمنون حقًّا كما في {أُوْلَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ حَقًا} لئلا يدور بخلد أحد أن كمال الإيمان يوجد بدون العمل الصالح، فيغتر بذلك ويترك العمل النافع، وهذا مما يتلاءم مع نصوص الدين، فقد وصف الله تعالى المؤمنين حقًّا بقوله:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)} .
(1) البحر المحيط.