الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي رجوع الحاج كان الرخاء كثيراً إلى الغاية، وكذا كان بمكة لكن كانت بضائع اليمن لم تلحق الموسم فكانت الأنواع التي يحتاج الأجل الهدية غالية بحيث يساوي الذي قيمته عشرة دراهم أكثر من عشرين، وكان البرد شديداً جداً بحيث أصبح الناس في تيه بني إسرائيل، فوجدوا الماء جليداً حتى في القرب والزمزميات.
وفي هذه السنة قرر الظاهر ططر التاج عبد الرحمن بن الكركي في قضاء حلب، وكان تاني بك ميق نائب الشام سأل الظاهر في ذلك عوضاً عن علاء الدين ابن خطيب الناصرية فأجابه، فحضر علاء الدين القاهرة بسبب السعي في عوده.
وفي ليلة الأحد سادس ذي الحجة مات الظاهر ططر، فلما كان ليلة العيد اضمر جاني بك الصوفي الغدر فذكر بعض الناس ذلك لبرسباي، فخاف جاني بك وركب بباب السلسلة فاجتمع الأمراء عنده، فاتفق أنهم قصدوا بيت تنبغا المظفري ليأخذوه معهم فلما تكاملوا عنده اتفقوا على قبض جاني بك ويشبك، وهرب قرمش ثم قبض عليه وجهز الثلاثة للإسكندرية.
واستقر برسباي نظام الملك ومدبر دولة الصالح أحمد بن الظاهر ططر، واستقر طرباي أتابك العساكر المصرية، وسودن بن عبد الرحمن دويداراً، وتنبغا المظفري أمير سلاح، وأزبك رأس نوبة وجقمق حاجب الحجاب، وقجق أميراً كبيراً.
ذكر من مات
في سنة أربع وعشرين وثمانمائة من الأعيان
أحمد بن إبراهيم بن ملاعب، الفلكي الحلبي، أصله من سرمين، انتهت رئاسة حل الزيج وعمل التقاويم، وكان مقرباً عند الأمراء بحلب وتقاويمه رائجة في البلاد، وعليه اعتمادهم عند إرادة الحروب، وله إصابات كثيرة يحفظها الحلبيون، وسمعت القاضي ناصر الدين البارزي يبالغ في إطرائه، ووصفه غيره بقلة الدين وترك
الصلاة وانحلال العقيدة، وكان يقال عنه إنه يشرب المسكر، قال القاضي علاء الدين، ولم يكن عليه أنس أهل الدين، ونزح عن حلب خوفاً من الطنبغا القرمشي لكائنة جرت له معه، وهي أنه لما أراد أن يركب ومنع القرمشي قال له ابن ملاعب: ما هو جيد، فخالفه وركب فقتل، وذكر القاضي علاء الدين من إصاباته أنه قال لنوروز لما كان شيخ يحاصره بحماة كان استصحب ابن ملاعب معه فوعد بتخلخل عسكر شيخ ويحصل له نكدة، فلما أصبحوا لم يقع شيء إلى العصر فإن سهماً أصاب جبهة شيخ فجرحه فحصل في عسكره رهج واضطراب، قال: وسمعته مراراً يقول إن هذا الذي أقوله ظن وتجربة لا قطع فيه، وسكن صفد ومات بها في هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
أحمد بن أحمد بن عثمان، الدمنهوري، شهاب الدين المعروف بابن كمال، كان كثير الحج والمجاورة، وكان يعظ الناس بمكة عند باب العمرة، ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضبط أنه صلى عليه في يوم واحد مائة ألف مرة، مات في آخر المحرم عن بضع وسبعين سنة.
أحمد بن هلال، الحلبي شهاب الدين، اشتغل قديماً بالقاضي شمس الدين بن الخراط وغيره، وكان مفرط الذكاء، وأخذ التصوف عن شمس الدين البلالي، ثم توغل في مذهب أهل الوحدة ودعا وصال كثير الشطح وجرت له وقائع، وكان أتباعه يبالغون في إطرائه ويقولون: هو نقطة الدائرة - إلى غير ذلك من مقالاتهم المستبشعة.
الطنبغا القرمشي كان من أمراء الظاهر، ثم كان ممن انتمى بعد الظاهر إلى يشبك، ثم كان في الذين انتقلوا في البلاد الشامية في الفتن في الأيام الناصرية، وكان في الآخر مع شيخ، فلما ولي النيابة بحلب جعل حاجباً كبيراً، ثم قرره أتابكا وفي زمن
سلطنته ودخل معه مصر، ثم تنقل في الإمرية إلى أن استقر أتابكا، ثم جهز المؤيد إلى حلب كما تقدم وقتل بدمشق، وكان من خيار الأمراء رحمه الله.
جقمق كان من أبناء التركمان، فاتفق مع بعض التجار أن يبيعه ويقسم ثمنه بينهما ففعل، فتنقل في الخدم حتى تقرر دويداراً ثانياً عند الملك المؤيد قبل سلطنته ثم استمر، وكان يتكلم بالعربي لا يشك من جالسه أنه من أولاد الأحرار، ثم استقر دويداراً كبيراً إلى أن قرره الملك المؤيد في نيابة الشام، فاظهر العصيان بعد موته فآل أمره إلى أن قتل صبراً في شعبان هذه السنة.
شيخ بن عبد الله المحمودي كان قدومه القاهرة على ما أخبرنا به في السنة التي قدم فيها أنص والد برقوق، فعرض على برقوق قبل أن يتسلطن فرام من صاحبه بيعه فاشتط في الثمن وكان ابن اثنتي عشرة سنة ولكن كان جميل الصورة، فاتفق موت الذي جلبه فاشتراه محمود تاجر المماليك بثمن يسير وقدمه لبرقوق فأعجبه، واستمر ينسب لمحمود وتربى في المماليك الكتابية ثم جعل خاصكياً ثم جعل من السقاة، ونشأ ذكياً فتعلم الفروسية من اللعب بالرمح ورمي النشاب والضرب بالسيف وغير ذلك، ومهر في جميع ذلك مع جمال الصورة وكمال القامة وحسن العشرة، وأمر عشرة في أيام الظاهر، وكان ممن سجن من ممالك الظاهر في فتنة منطاش بخزانة شمائل، فنذر إن نجاه الله منها أن يجعلها مسجداً، ففعل ذلك في سلطنته،
وتأمر على الحاج سنة مات الظاهر سنة إحدى وثمانون، ثم لم يزل في ارتقاء إلى أن ولي نيابة الشام، وجرت له من الخطوب والحروب ما مضى مفصلاً في الحوادث، وكانت مدة كونه في السلطنة ثماني سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وأقام في الملك عشرين سنة ما بين نائب ومتغلب وأتابك وسلطان، وكان شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرجوع إلى الحق محباً في العدل متواضعاً، يعظم العلماء ويكرمهم، ويحسن إلى أصحابه ويصفح عن جرائمهم، يحب الهزل والمجون لكن مستتراً، ومحاسنه جمة - والله يتجاوز عنه يمنه وكرمه! قال العيني في تاريخه: هو من طائفة من الجراكسة يقال لهم: كرموك، ويقال إنه من ذرية إينال بن أركماس بن شرباش ابن طنجا ابن جرباش بن كرموك، وكان كرموك كبير طائفته وكذلك نسله، ولما مات كان في الخزانة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار من الذهب على ما قيل، فلم تمض السنة وفيها دينار واحد.
ططر بن عبد الله الظاهري كان من مماليك الظاهر ثم كان في خدمة ابنه الناصر إلى أن أخرج إلى البلاد الحلبية بسبب جكم، فلما رجع الناصر إلى مصر استمر ططر مع جكم، ثم لما قتل جكم استقر أميراً بحلب وتمريغا المشطوب يومئذ النائب بحلب، فاستمر فيها مدة طويلة وهو في أثناء ذلك ينتمي لنوروز إلى أن وقع بين شيخ ونوروز وانكس نوروز استمر مع المؤيد، فلما اقتسما البلاد بعد قتل الناصر قدم مصر مع المؤيد، واستمر في خدمته إلى أن تسلطن وحاصره مع النوروزية وهو يظهر خدمة المؤيد ويداريه ويبالغ في ذلك إلى أن أمره طبلخاناة ثم أمره تقدمة، ثم لما توجه لقتال قانباي استنابه بالإصطبل، ثم لما مات المؤيد استقر نظام الملك وخرج بالعساكر إلى الشام، ثم تسلطن بعد أن رجع من حلب وقدم مصر، فلم تطل مدته كما مضى في الحوادث، وكان يحب العلماء ويعظمهم مع حسن الخلق والمكارم الزائدة والعطاء الواسع. ذكر
لي قبل أن يتسلطن قي ليلة المولد النبوي في ربيع الأول من هذه السنة أنه كان في آخر الدولة المؤيدية في الليلة التي مات في صبيحتها المؤيد قد ضاقت يده لكثرة ما كان يصرف وقلة متحصلة حتى أن شخصاً قدم له مأكولاً فأراد أن يكافيه عليه فلم يجد قي حاصله خمسة دنانير إلى أن أرسل يقترضها من بعض خواصه فكلهم يحلف أنه لا يقدر عليها إلى أن وجدها عند أحدهم قلم يكن بين ذلك وبين أن استولى على المملكة بأسرها وعلى جميع ما في الخزائن السلطانية التي جمعها المؤيد سوى سبعة أيام؛ وأمرني أن أكتب هذه الواقعة قال في التاريخ فإنها أعجوبة، ولما وصل إلى دمشق وقتل الطنبغا القرمشي ومن معه قرر في نيابة حلب إينال الساقي، ثم لما قدم حلب أقام بها أربعين يوماً أو أكثر وقرر في نيابتها تغرى بردى بن قصروه، وبعد السلطنة نقل تانى بك البجاسي من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس وقرر في نيابة حماة جارقطلي.
عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار.
الظفاري عفيف الدين، كان جده الأعلى عبد الوهاب انتزع ظفار من يد الجواد أي بكر بن إبراهيم بن المنصور عمر بن علي بن رسول، واستمر في ملكها وتناوبها أولاده إلى أن حاربهم علي بن عمر بن كثير الكثيري فانهزم عبد الله وأخوه أحمد، فأما أحمد فانقطع خبره، وأما عبد الله فاستمر يتنقل إلى البلاد إلى أن دخل مكة، ثم دخل القاهرة
وحيداً فقيراً فحضر عندي وشكى إلي حاله فبررته، وسكن بالجامع الأزهر مع الفقراء إلى أن مات.
عبد الرحمن القاضي جلال الدين بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق البلقيني، ولد في جمادى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وتفقه بأبيه، وكان ذكياً جداً فحفظ التدريب وبحث في الحاوي، ودخل مع أبيه إلى دمشق لما ولى القضاء وهو صغير، ولم يقف له في طول عمره على سماع شيء لا بمصر ولا بدمشق إلا على والده ومع ذلك فكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحافظة، وأول شيء ولى توقيع الدست، ثم ولى قضاء العسكر بعد موت أبيه بدر الدين، وكان شديد البأو تياها، ومن لم يقل له: قاضي القضاة، يغضب منه، وله مع القضاة وغيرهم وقائع، فلما تحقق موت صدر الدين المناوي ووثوب القاضي ناصر الدين ابن الصالحي على المنصب شق عليه وسعى إلى أن ولى في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثمانمائة كما تقدم، ثم سعى عليه الصالحي وعاد ثم مات فولى الإخنائي، ثم سعى على الإخنائي فعاد، ثم تناوب معه مراراً وفي آخرها استقرت قدمه من سنة ثمان وثمانمائة إلى أن صرف بالباعوني بعد قتل الناصر سنة خمس عشرة، ثم أعيد عن قرب من شهر واحد واستمر
إلى أن صرف بالهروي سنة إحدى وعشرين، ثم أعيد بعد عشرة أشهر فلم يزل إلى أن مات - وقد مضى بسط ذلك في الحوادث، وكان قد اعتراه وهو بالشام قولنج فلازمه في العود وحصل له صرع فكتموه، ولما دخل القاهرة عجز عن الركوب في الموكب فأقام أياماً عند أهله، ثم عاوده الصرع في يوم الأحد سابع شوال، ثم عاوده إلى أن مات وقت أذان العصر من يوم الأربعاء عاشر شوال، وصلي عليه ضحى يوم الخميس ودفن عند أبيه، وتقدم في الصلاة عليه الشيخ شمس الدين ابن الديري، قدمه أولاده، ولم تكن جنازته حافلة، وكان يذكر الناس في التفسير كل يوم جمعة من حين وفاة أبيه إلى شوال سنة ثلاث وعشرين، وكان ابتدأ فيه من الموضع الذي انتهى أبوه، وقطع عند قوله:" من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ".
عبد القادر بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يوسف الصلاح ابن الزكي الأرموي المسند، مات ليلة الاثنين ثاني عشر شوال من هذه السنة.
عبد الوهاب بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب، البقاعي الفاري - بالفاء والراء الخفيفة - الدمشقي أبو نصر تاج الدين الزهري، ولد سنة سبع وستين، وحفظ التمييز وغيره، واشتغل على والده وعلى النجم ابن الجابي والشريشي وغيرهم، ونشأ هو وأخوه عبد الله على خير وتصون، ودرس في حياة أبيه بالعادلية الصغرى واستمرت بيده إلى أن مات، ودرس بعد أبيه بالشامية البرانية، وولي إفتاء دار العدل، وناب في الحكم
مدة طويلة، وولاه الأمير نوروز القضاء بإتقان الفقهاء عليه بعد موت الإخناي فباشره مباشرة حسنة، فلما غلب المؤيد على نوروز صرفه ولم يعرض له بسوء فلزم الشباك الكمالي بجامع دمشق يفتي وبالشامية يدرس، وكان حسن الرأي والتدبير ديناً، وله حظ من عبادة إلا أنه لم يكن مشكوراً في مباشرة الوظائف؛ مات في شهر ربيع الآخر. قال القاضي تقي الدين الأسدي: كان يستحضر التمييز إلى آخر وقت، وكان عاقلاً ساكناً، كثير التلاوة يقوم الليل، كثير الأدب والحشمة، طاهر اللسان؛ مات في ربيع الأول.
علي المعروف بالشيخ حدندل، كان أحد من يعتقد وهو مجذوب؛ مات في صفر.
قجقار القردمي، أحد الأمراء الكبار، ولي نيابة حلب في زمن المؤيد سنة عشرين ثم نقله منها إلى دمشق أميراً، ثم أقدمه القاهرة وأمره، فلما مات المؤيد أراد أن يتسلطن فعوجل وأمسك قبل دفنه ثم قتل في هذه السنة، وكان جواداً مهاباً، مثير الحشمة والأدب، وكأنه بلغ الستين، وملت في سلطنة الناصر تنقلت به الأحوال إلى أن صار في صحبة المؤيد لما ولي نيابة حلب فاستمر إلى أن تسلطن فأمره تقدمة
فصار من أمراء الألوف، ثم ولاه نيابة حلب سنة عشرين عوضاً عن اقباي، فلما توجه السلطان إلى الروم كان في صحبته فقرره في حصار كركر مع عدة أمراء، فلما طرق قرأ يوسف البلاد فر قجقار إلى حلب، فبلغ السلطان ذلك فغضب عليه ثم رضى عنه وجهزه إلى الشام بغير إمرة، ثم أعيد لما رجعوا إلى القاهرة، ثم تجهز مع ولد السلطان إلى بلاد ابن قرمان، فلما عاد عظم قدره، وامتدت عينه عند ضعف المؤيد إلى السلطنة وحرص على ذلك، فسبقه ططر فقبض عليه فكان آخر العهد به.
كردى بك أمير التركمان بالعمق ابن كدير التركماني، استولى على العمق من أعمال حلب بعد موت ابن صاحب الباز، وكان يقع بينه وبين أمراء حلب فتارة يصافيهم وتارة ينابذهم، وكان قد كثر جمعه بعد قتل جكم وطمع في الاستيلاء على ما حوله من القلاع فجمع له تمربغا المشطوب نائب حلب في أيام الناصر عسكراً وقصده وهو بطرف العمق من جهة الشمال فوقعت الوقعة، وكانت الكسرة على العسكر الحلبي فقوى تمر كردي بك، وكان إذا ولي دمرداش نيابة حلب يطمئن ويصانعه بخلاف غيره، ولما ولي الملك المؤيد نيابة حلب في أواخر دولة الناصر، نازله بالعمق وكردى بك تحت الجبل بالقرب من بقراس، فهجم كردى بك بعسكره على شيخ، فثبت له إلى أن وقعت الكسرة على عسكر كردى بك فانهزم وتشتت عسكره، واستمر كردى بك هارباً وخرج الناصر طالباً القبض على شيخ ونوروز، فكان من أمره ما كان وقتل وصارت السلطنة للمؤيد، فلما ولي دمرداش نيابة حلب حضر كردى بك ووافقه على معاملة الأمير طوخ وهو نائب حلب، فقوى طوخ ورجع كردى بك وصحبته دمرداش إلى العمق، ثم توجه إلى مصر وآل أمره إلى القتل، واستمر كردى بك في بلاده وأظهر طاعة المؤيد، فلما مات ودخل الظاهر ططر حلب في سنة أربع وعشرين حضر كردى بك، واتفق أن ططر كان من
جملة الأمراء صحبة تمربغا المشطوب فتذكر الواقعة لما رآه فأمر بشنقه، فقتل وشنق وعلقت رأسه بجف كلب، وذلك في آخر رجب من هذه السنة؛ وكان كردى بك قليل الشر للمسافرين والقوافل في أيامه آمنة - نقلته من ذيل تاريخ حلب.
محمد بن إبراهيم، البوصيري شمس الدين الشافعي، كان خيراً ديناً، كثير النفع للطلبة، يحج كثيراً، ويقصد الأغنياء لنفع الفقراء، وربما استدان للفقراء على ذمته ويوفي الله عنه، وكانت له عبادة، وتؤثر عنه كرامات، مات في سادس ربيع الآخر.
محمد بن أحمد، ناصر الدين الهذباني الكردي الطبردار، كان من أبناء الأجناد، فتعلق بمجالسة العلماء فصحب الكمال الدميري ثم نور الدين الرشيدي، وكان يتدين ويسرد الصوم ويواظب الجماعة ولا يقطع صلاة الصبح بالجامع الأزهر، يقوم نحو ربع الليل يتمشى من منزله بحارة بهاء الدين إلى الأزهر فيصلي به الصبح كل يوم، وكان يكتسب من التجارة في الحوائص ثم كبر وترك، لازمني مدة، وكان على ذهنه أشياء.
محمد بن خليل بن هلال، عز الدين الحاضري الحلبي الحنفي، ولد في إحدى الجماديين سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ورحل إلى دمشق فأخذ بها عن جماعة منهم ابن أميلة، قرأ عليه سنن أبي داود والترمذي، ودخل القاهرة فأخذ عن الشيخ ولي الدين المنفلوطي والشيخ جمال الدين الأسنوي، ورحل إلى القاهرة مرة أخرى وجمع على العسقلاني إمام الجامع الطولوني، وتفقه ببلده وحفظ كتباً نحو الخمسة عشر كتاباً في عدة فنون، وأخذ عن الشيخ حيدر وغيره، ورافق الشيخ برهان الدين سبط ابن العجمي، وأخذ عن مشايخها كثيراً سماعاً واشتغالاً، وقرأ على شيخنا العراقي في علوم الحديث وأجاز له، ولازم العلم إلى أن انفرد وصار المشار ببلاده، وولي
قضاء بلده ودرس وأفتى، وكان محمود الطريقة مشكور السيرة، مات في شهر ربيع الأول، وصليت عليه صلاة الغائب بالجامع الأزهر في أواخر جمادى الأولى، قال البرهان المحدث بحلب - ومن خطه نقلت: لا أعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير والتواضع والدين المتين والمحافظة على صلاة الجماعة والذكر والتلاوة والاشتغال بالعلم، قلت: وكان المؤيد يكرمه ويعظمه - رحمها الله تعالى. محمد بن سويد شمس الدين المصري أخو بدر الحسن مات في هذه السنة بالصعيد محمد بن عبد الرحمن، ابن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله، الفاسي رضى الدين أبو حامد الحسني المكي، ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وسمع الحديث وتفقه ودرس وأفتى، وولي قضاء المالكية في شوال سنة سبع عشرة عوضاً عن مستنيبه وابن عمه القاضي الشيخ تقي الدين، ثم عزل عن قرب فناب عن القاضي الشافعي، مات في ربيع الأول، وكان خيراً ساكناً متواضعاَ ذاكراً للفقه، وأخوه محب الدين أبو عبد الله محمد كان أسن من أخيه، أجاز له ابن أميلة وغيره، ومهر في الفقه.
محمد بن البرجي، بهاء الدين، ولي الحسبة مراراً ووكالة بيت المال وكان قد صاهر الشيخ سراج الدين على ابنته فولد له منها ولده بدر الدين محمد، ثم ماتت فتزوج بدر الدين ابن الشيخ المدعوة بلقيس فأولدها أولاداً، وكان استقر في شهادة العمائر السلطانية بواسطة ططر، ومات في أول صفر عن سبعين سنة.
يوسف الصفي - نسب إلى الصف من الإطفيحية، كان شيخاً مهاباً كثير البر والإيثار للفقراء قائماً بأحوالهم يأخذ لهم من الأغنياء، واتفق في آخر عمره
أن شخصاً جاء فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول لي قل للشيخ يوسف يزورنا، فحج ثم رجع الى القدس ثم رجع فمات، وله كرامات كثيرة.
لون الدين السطحي، كان مقيماُ بسطح جامع الحاكم وللناس فيه اعتقاد، انقطع ثلاثين سنة لا يخرج من منزله إلا يوم الجمعة، يغتسل ويعود، وكانت جنازته مشهودة.