الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة
وفي تاسع عشر المحرم وصل الأمير طرباي نائب طرابلس فسلم على السلطان وخلع عليه، فأقام خمسة أيام ورجع إلى بلده.
وفي شهر رمضان منها استقر دولات خجا الظاهري في ولاية القاهرة عوضاً عن التاج، واستقر التاج في بقية - وظائفه، وكان هذا ظالماً غاشماً، ولي كشف الوجه القبلي فتعدى الحد في العقوبة حتى كان يأمر بأن ينفخ في دبر من يريد عقوبته حتى تندر عيناه وينفلق دماغه، ثم ولي كشف الوجه البحري، ثم استقر في الولاية فجمع كل من في سجن الوالي من أولى الجرائم فأطلقهم، وحلف جهد يمينه أنه متى ظفر بأحد منهم وسطه وفعل ذلك ببعضهم فكفوا، وركب في الليل وطاف وأكثر من ذلك، وألزم الباعة بكنس الشوارع ورشها ووقيد القناديل في حوانيتهم كل ليلة، ومنع النساء من الخروج إلى الترب أيام الجمع، فاستمر على ذلك قدر شهرين ثم أعيد التاج.
وفي الخامس من صفر انتشر بمصر جراد كثير في الآفاق ولكن لم يحدث منه شر، ووردت الأخبار بأنه وقع فيما بين بغداد وتبريز فلم يدع خضراء وكثر فساده، وعم الغلاء حتى حدث منه الشدائد وأعقبه الوباء المفرط، وفيه أعيد آقبغا الجمالي لكشف الوجه القبلي، وفي ربيع الآخر نزل بعض المماليك من الطباق لنهب بيت الوزير وكان استعد لهم
فلم يظفروا به ولا بشيء منه، فلما أصبح استعفى من الأستادارية، فقرر السلطان فيها الصاحب بدر الدين بن نصر الله في ثالث عشري ربيع الآخر، فباشرها شهرين ثم انفصل وأعيد آقبغا الجمالي في جمادى الآخرة، وسبب ذلك أنه كان حصل من الصعيد بالظلم والعسف مالاً كثيراً فرافعه بعض الناس فسعى في الحضور فأجيب، فسعى في الأستادارية على أن يزن عشرة آلاف دينار ويلتزم بالتكفية فأجيب، ثم حوقق على جهات احتاط عليها فزيد على الذي وعد به خمسة آلاف دينار فالتزم بها.
وفيها أجريت العيون حتى دخلت مكة فامتلأت برك باب المعلي ومرت على سوق الليل إلى الصفا فعم النفع بها، وكان القائم على ذلك سراج الدين ابن شمس الدين بن المراق كبير التجار بدمشق، وصرف على ذلك من مال نفسه شيئاً كثيراً، وفي السابع والعشرين من جمادى الآخرة صرف القاضي زين الدين التفهني من قضاء الحنفية وأعيد العيني، وكانت علة التفهني طالت لأنها ابتدأت به من ذي الحجة، فأقام مدة وعوفي ثم انتكس واستمر، وتداولته الأمراض إلى أن أشيع موته، واستقر في قضاء الحنفية بدر الدين العينتابي، وبلغ التفهني ذلك فشق عليه وركب في اليوم الثاني إلى القرافة حتى شاهده الناس ليتحقق أن العينتابي يقول عليه أنه بلغ الموت لكن لم يفد ذلك فلما دخل شوال مات، وكان مولده سنة بضع وستين. فإن القاضي شمس الدين البساطي ذكر أنه يعرفه من سنة ثمانين وهو بالغ، وكان في غضون مرضه نزل لولده شمس الدين محمد - عن تدريس الصرغتمشية، فشق ذلك على العينتابي وقام فيه وقعد، فصده ناظر الجيش عنه، وأمضى السلطان النزول، فلما مات التفهني صودر ولده على خمسمائة دينار، وكان
التفهني سمع الحديث من النجم ابن الكشك وغيره واشتغل على جماعة من المشايخ، وأول من نوه به كاتب السر الكلستاني، وكان أصله من تفهنة إحدى القرى الغربية وأبوه طحان، ومات وهو صغير فرباه أخوه شمس الدين محمد، فلما ترعرع دخل القاهرة ونزل في كتاب السبيل بالصرغتمشية، ثم صار عريفاً بالمكتب، ثم نزل في الطلبة ثم نزل في طلبة الشيخونية، فلما نوه به الكلستاني ناب في القضاء وحمدت سيرته، ولازم الاشتغال وحسن خطه، وكتب على الفتاوى فأجاد، وكان حسن الأخلاق كثير الاحتمال شديد السطوة، إذا غضب لا يطاق وإذا رضي لا يكاد يوجد له نظير - رحمه الله تعالى.
وفي شعبان صرف القاضي شهاب الدين بن المحمرة عن قضاء الشام واستقر كمال الدين البارزي وخلع عليه يوم الجمعة ثاني شعبان مع استمراره في كتابة سر الشام، فلما بلغ الشام توجه إلى بيت المقدس فصام شهر رمضان هناك وقدم بعد شوال إلى القاهرة، وكان لما سار إلى الشام استناب بدر الدين ابن الأمانة في تدريس الشيخونية وجمال الدين ابن المجبر في مشيخة الصلاحية، فلما تمادت إقامته هناك استنجز مرسوم السلطان بالاستقلال، فلما عاد إلى القاهرة استعاد الوظيفتين منهما بإذن السلطان ولم يلتفت إلى شرط الواقف أن من غاب عن وظيفته أزيد من مدة مجاورة الحاج أخرج منها، وهذا بخلاف شرط سعيد السعداء فإن شرط واقفها أن من غاب عن وظيفته يعود إليها إذا عاد ولو طالت غيبته، فحجة ابن الأمانة قائمة وحجة ابن المجبر داحضة.
وفيها وصل من زنوك الصين عدة ومعهم من التحف ما لا يوصف فبيع بمكة،
وفيها أسر حمزة بن قرايلك صاحب آمد، ساره ناصر الدين أمير ماردين وسجنه، لأن أباه كان يغير على معاملة مادرين ويكثر الفساد، فسار قرايلك حتى نازل ماردين وحاصرها مدة إلى أن ملكه، وهرب ناصر الدين أميرها وخلص حمزة بن قرا يلك، واستمرت ماردين في يد قرايلك.
وفي رجب قدم نائب الشام أيضاً مطلوباً فوصل في حادي عشري رجب وخلع عليه في ثاني عشري رجب، واستقر أتابك العساكر عوضاً عن جار قطلي وخلع على جار قطلي بنيابة الشام عوضه، وتوجه في أول شعبان منها.
وفيها صمم السلطان على السفر إلى البلاد الشمالية بسبب قرا يلك وتجهز غالب الناس ولم يبق إلا السفر، فقدم قاصد قرا يلك وصحبته مفاتيح قلعة ماردين وكان قد غلب عليها وقتل صاحبها، ففتر العزم في هذه السنة.
وفيها أراد السلطان عمل دار العدل كما كانت في أيام الظاهر برقوق، فبادروا إلى ترميمها وإصلاح ما تشعث منها، وجلس يوماً ثم ترك. وفيها حج ركب المغاربة وركب التكرور ومعهم بعض ملوكهم. وفيها اشتد تحجير السلطان على التجار وألزمهم بعدم بيع بضائعهم إلا بإذنه، ثم جمعهم في رمضان وسألهم أن يبيعوا عليه جميع ما عندهم من الفلفل بسعر خمسين الحمل، فشق عليهم ولم يجدوا بداً من المطاوعة وكانوا قد باعوه عليهم من قبل السلطان قبل ذلك بسعر ثمانين، فذكر له بعضهم ذلك فلم يلتفت إليه، ثم كتب مراسيم وأرسلت الشام والحجاز والإسكندرية أن لا يبيع أحد البهار ولا يشتريه إلا السلطان،
وفي ذي القعدة عقد مجلس حضره القضاة الأربعة وقرقماس الحاجب الكبير بإذن السلطان بسبب ما حكم به نائب الحنفي من هدم دار ابن النقاش. وكان السبب في ذلك أن علم الدين البلقيني كان سأل ناظر الجيش أن يتنزع له من كاتبه نظر جامع طولون ونظر الناصرية ليسكت عن طلب العود للقضاء والسعي فيه، فرضي كاتبه بذلك وفوض له ذلك وأخذ به توقيعاً سلطانياً، فمن حمقه أنه هنأ السلطان بعيد الفطر فسأله عن أمر النظرين فشكر السلطان فقال له: ينبغي أن يشكر القاضي الذي أعطاك، فقال: أنا ما أعطاني إلا السلطان، وهذا غاية في الحمق والجهل، فإن الواقف شرط النظر للقاضي الشافعي فلو ولاه السلطان لغيره لم تصح ولايته، فلما بلغني ذلك صرحت بعزله، فما بالي بذلك واستمر يتحدث فيهما افتياتاً من غير مبالاة، فلا استمر على التحدث في جامع طولون استخرج من أوراق أخيه محضراً كان كتبه على ابن النقاش يتضمن أن أمين الدين الطرابلسي حيث كان قاضي الحنفية حكم عليه بسد السراب الذي فتحه في جدار الجامع ليستطرق منه إلى الدخول وان البيت الذي بناه من جملة حريم الجامع فيكون له حكم المسجد، وسأل القاضي بدر الدين العينتابي أن يأذن لأحذ نوابه أن يحكم بذلك، فأسند ذلك للقاضي ناصر الدين الشنشي، فحكم وعرض ذلك على السلطان، فاستعظم الناس هدم البيت المذكور بعد مضي أربعين سنة أو أكثر، وشاهد ذلك أكابر العلماء والأئمة، فأمر السلطان بعقد مجلس، فلما اجتمعوا ادعى مدعي على ولد ابن النقاش بأن البيت في أيديهم يجب هدمه، لأنه عمر في حريم الجامع فله حكم المسجد، وأنه يجب عليهم أجرة المثل عن المدة الماضية في تركة أبيهم إلى أن مات ثم في المدة التي منذ مات يجب من ريعه، فأجاب بأن أباه استأذن القاضي جلال الدين البلقيني في استئجار المذكورة فأذن لنائبه القاضي ولي الدين العراقي في النظر في ذلك فاستوفى الشروط وأذن لبعض العدول في إجارته فأجره بأجرة معينة - مدة معينة ليبني في ذلك الزمان ما أراد واتصل ذلك بالعراقي وحكم به، وذلك مصير منهم إلى أن الأرض المذكورة ليست مسجداً؛ فاتصل ثبوت ذلك بالقاضي المالكي في المجلس لكونها شهادة على الخط ثم اتصل بالشافعي، فحكم بابقاء البناء المذكور وعدم التعرض لهدمه، وكان ابن النقاش قد سد الإستطراق المذكور فحاول العلم
أن يهدم ما سده ثم يبني، فلم يوافقه أحد، وانفصل المجلس على ذلك وقصر حكم نائب الحكم بأن الساحة المذكورة الدائرة حول الجامع من حريم الجامع وأن لها حكم الجامع على ما بناه فيه مما لم يتقدم به حكم أحد من الحكام، وحصل للعلم والحنفي من ذلك حنق زائد، فأما العلم فبذل جهده في السعي ليعود إلى القضاء فتعذر عليه ذلك، وأما الحنفي فصار يمتنع من حضور المجالس مع الشافعي ولله الحمد.
وأدير المحمل في هذه السنة في ثالث رجب، وفي هذه السنة منع الناس من السفر في وسط السنة إلى الحجاز صحبة ابن المرأة خشية عليهم من نهب العرب، وكان كسر الخليج في الخامس من مسرى، وانتهت الزيادة في هذه السنة إلى أحد وعشرين إصبعاً من ثمانية عشر ذراعاً في آخر مسرى، ووصل المبشر يوم الجمعة خامس عشرى ذي الحجة، فقطع المسافة في أربعة عشر يوماً، وهذا أسرع ما سمع في ذلك.
وفي سابع عشر شعبان وهو الثالث والعشرون من برموده أرعدت السماء وأمطرت مطراً غزيراً، في هذه السنة تقطع غالب الجسور التي عملت للنيل، فشرق بسبب ذلك كثير من الأراضي، وفي أول رمضان تراءى الناس الهلال فخفى عليهم، فشهد به إثنان بعد العشاء فثبت، فلما أصبح السلطان استغرب ذلك لكونه تراءى هو ومن معه ومكانهم بالقلعة مرتفع جداً وكانت السماء صاحية، فاستدعى بالشهود فحضروا عنده، فامتحنهم بأن فرق بينهم وبأن
ألزمهم أن يشيروا إلى الجهة التي رأوا الهلال فيها في أول ليلة، ففعلوا فلم يخطئوا فمضى الأمر، واتفق في هذه السنة أنهم لم يروا الهلال ليلة الترائي، ثم ثبت في اليوم الثاني من ذي الحجة، فتوافق العيدان في المعنى المذكور، وفيه أكثر السلطان من الركوب إلى الصيد والتنزه حتى ركب في يوم واحد إلى بيت ناظر الجيش ثم إلى بيت ناظر الخاص فحملا له تقادم جليلة، وفيه استقر الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخات في كتابة السر مضافاً للوزارة في ثالث شوال عوضاً عن ابن السفاح، وكان السلطان أرسل إلى شهاب الدين ابن الكشك قاضي الحنفية بدمشق بأن يحضر ويستقر في كتابة السر، فأرسل بالإعتذار وبذل مالاً على الكف عنه، فأجيب واستقر كريم الدين، فباشر قليلاً ثم صرف بعد قليل لما حضر ابن البارزي، وفي ذي القعدة استقر القاضي عز الدين عبد العزيز بن علي البغدادي في قضاء الحنابلة بدمشق وفي أواخر جمادى الأولى صرف العينابي من الحسبة، واستقر صلاح الدين بن بدر الدين بن نصر الله.
وفي شوال قتل نصراني وقع في حق داود عليه السلام فحبس مدة ليسلم فأصر فقتل.
وفي هذه السنة ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق، وتعصب الشيخ
علاء الدين البخارى نزيل دمشق على الحنابلة وبالغ في الحط على ابن تيمية وصرح بتفكيره، فتعصب جماعة من الدماشقة لابن تيمية، وصنف صاحبنا الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين جزءاً في فضل ابن تيمية وسرد أسماء من أثنى عليه من أهل عصره فمن بعدهم على حروف المعجم مبيناً لكلامهم وأرسله إلى القاهرة، فكتب له عليه غالب المصريين بالتصويت، وخالفوا علاء الدين البخارى في إطلاقه القول بتفكيره وتفكير من أطلق عليه أنه شيخ الإسلام، وخرج مرسوم السلطان على أن كل أحد لا يعترض على مذهب غيره ومن أظهر شيئاً مجمعا عليه سمع منه، وسكن الأمر؛ واستقر جارقطلي في نيابة الشام في ثامن عشرى رجب، وفيه ألزم أهل سوق الخيل أن لا يبيعوا لمعم فرساً ولا لجندي من أولاد الناس، ثم بطل ذلك عن قرب، وفيه وقع الفناء في الخيول، فأخذت الناس من الربيع ثم شفع فيهم فأعيد أكثرها، وتوجه عدة من الأمراء إلى بلاد الريف لأخذ الخيول من أيدي الفلاحين.
وفي ثالث ربيع الآخر أمر السلطان بإخراج من في السجون على الديون والمصالحة عنهم، وفي أولها اهتم السلطان بأمر الأسعار وأمر بإخراج البذر من حواصله للأراضي البائرة، فكثر الزرع وفرح الناس بذلك وتراجع السعر
وفيها مات جينوس بن ثاني الفرنجي متولي قبرس الذي كان أسر، ووصل الخبر بذلك في ذي القعدة، واستقر ولده مكانه فبذل الطاعة لصاحب مصر والتزم بما كان أبوه التزم به وأرسل مع رسل السلطان إليه بذلك أربعة وعشرين ألف دينار وكان السلطان الأشرف جهز إلى جوان ابن جينوس الفرنجي متولي قبرص رسولاً، فقابله بالإكرام وقبل الأرض قائماً أمام الكتاب وأجاب بالطاعة وأنه نائب عن السلطان، وجهز المال الذي كان تأخر على والده وجهز سبعمائة ثوب صوف ملونة، وسألوا السلطان أن يكون عندهم نائب من جهته، فأرسل إليهم أميراً ومعه أربعون مملوكاً.
وفيها اشتهر خراب الشرق من بغداد إلى تبريز، وكثر الغلاء حتى بيع الرطل اللحم بنصف دينار، وأكلوا الكلاب والميتات، ثم فشا الوباء في العراق والجزيرة وديار بكر. وفيها أمر القضاة بإحضار جميع نوابهم إلى السلطان ليعرفهم، ففعلوا ذلك في أول ذي القعدة، ثم أمروا بتأخير النواب، فسألهم السلطان عن النواب فوقع الكلام إلى أن قال السلطان: يستقر للشافعي خمسة عشر وللحنفي عشرة وللمالكي سبعة وللحنبلي خمسة، فامتثلوا ذلك ثم قال: لا يستنب أحد من غير مذهبه بالقاهرة وأما الضواحي فيستنيب الشافعي عز الدين الحنبلي في قضاء الشام عوضاً عن نظام الدين ابن مفلح.