المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السماع ومصطلحات الأداء عنه - توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

[رفعت بن فوزي عبد المطلب]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌مقدمة:

- ‌تمهيد

- ‌مدخل

- ‌السنة والحديث:

- ‌توثيق السنة والمراد منه:

- ‌نظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري:

- ‌دوافع التوثيق في القرن الهجري:

- ‌الموثقون في القرن الثاني الهجري:

- ‌القسم الأول: توثيق سند الحديث

- ‌الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد

- ‌مدخل

- ‌حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية:

- ‌حجية خبر الآحاد:

- ‌حجية المشهور عند الحنفية:

- ‌الفصل الثاني: توثيق الراوي

- ‌مدخل

- ‌ الإسلام:

- ‌ العقل:

- ‌ العدالة:

- ‌ الضبط:

- ‌الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه

- ‌السماع ومصطلحات الأداء عنه

- ‌ القراءة على الشيخ أو العرض:

- ‌ المناولة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ المكاتبة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ الإجازة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ إعلام الشيخ:

- ‌ الوصية بالكتب:

- ‌ الوجادة:

- ‌التوثيق بالكتاب في نقل الحديث:

- ‌الفصل الرابع: المتصل والمنقطع من الأسانيد

- ‌عناية النقاد بالأسانيد واتصالها:

- ‌المرسل والاتجاهات في الأخذ به وتوثيقه وعدم الأخذ به:

- ‌القسم الثاني: توثيق متون السنة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله وعز وجل

- ‌الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة

- ‌الفصل الثالث: عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم

- ‌الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة

- ‌الفصل الخامس: عرض أخبار الآحاد على القياس

- ‌الفصل السادس: الرواية بالمعنى

- ‌الخاتمة:

- ‌ملخص الرسالة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌السماع ومصطلحات الأداء عنه

‌الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه

‌السماع ومصطلحات الأداء عنه

الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه

327-

لتلقي الحديث وأدائه أهمية كبيرة عند نقاد الحديث، وقد وضعوا مقاييس محددة في هذا المجال، يمكن بها الحكم على رواية الحديث بأنها صحيحة أو غير صحيحة.

والهدف من تلك الأسس في الدرجة الأولى توجيه الراوي إلى أن يسلك في تلقي الحديث وأدائه مسلكًا يحفظ به حديثه من التبديل والتغيير أو بعبارة أخرى وضع الضمانات التي تجعل الراوي موصلًا جيدًا -إن صح هذا التعبير- بين شيخه الذي أخذ منه الحديث وتلميذه الذي يروي له الحديث.

328-

وضروب تلقي الحديث مختلفة، والألفاظ التي يؤدي بها الراوي مختلفة كذلك، فالراوي قد يسمع الأحاديث من شيخه، وقد وقد يقرؤها عليه وقد يكتب الشيخ إليه ما عنده من أحاديث أو يناوله إياها، أو يجيزها له، أو يوصي له بها، أو يعلمه بها، وكل من هذه الضروب له ألفاظ ينبغي أن يلتزم بها عند الأداء، وإلا اعتبر غير صادق في روايته.

ويهمنا هنا أن نعرض آراء أئمة أهل القرن الثاني الهجري في دور كل وجه من هذه الأوجه في توثيق الحديث أو عدم توثيقه.

1-

السماع ومصطلحات الأداء عنه:

329-

وهو أن يقرأ الشيخ ما عنده من الأحاديث على تلاميذه فيسمعوا منه، وله أكثر من صورة، فقد يكون الشيخ محدثًا من حفظه، وقد يكون قارئًا من كتابه، وقد يكون ممليًا على تلاميذه1.

230-

والإملاء أعلى هذه الصور منزلة، وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة، فالشيخ مشتغل بالتحديث والإملاء من الكتاب والطالب مشتغل بالكتابة عنه، فهما بذلك أقرب إلى التحقيق وتبيين ألفاظ الحديث التي يمليها الشيخ، ويكتبها التلميذ. وقد جرت

1 الإلماع ص 69.

ص: 185

العادة في هذه الصورة أن تكون هناك مقابلة بين الأصل والكتاب بعد انتهاء السماع؛ لتصحيح خطأ أو تأكيد للصواب1.

331-

وكثير من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نقل بهذا الضرب من ضروب التلقي. وقد أسلفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على أن يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أو ممن سمع منه، وكذلك كان التابعون وتابعو التابعين2.

332-

وقد كانت لهم القدوة في ذلك من واقع تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فقد كان يسمعهم ما جاء به من القرآن والسنة، كما حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن تنقل أحاديثه سماعًا؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم" وروي مثله عن ثابت بن قيس3

كما روي زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وروي مثله عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما4.

333-

ولهذا وجدنا معظم المحدثين -في القرن الثاني- يأخذون أحاديثهم بهذا المنهج، يقول أحد تلاميذ يزيد بن هارون: سمعته في المجلس ببغداد، وكان يقال: إن في المجلس سبعين ألفًا5.

334-

ويرى شعبة بن الحجاج أن القيمة الحقيقية للأحاديث والتي تستحق أن تؤخذ من شيخه إنما هي تلك التي أخذها الأخير سماعًا، يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال للحديث "حدثنا" عنيت به فوقفته

1 فتح المغيث 2/ 17 - كشف الأسرار 3/ 760.

2 انظر في تمهيد هذا البحث ص 18 - 19 و52 - 53.

3 شرف أصحاب الحديث ص37 - 38.

4 المصدر السابق ص17 - 19.

5 أدب الإملاء ص16.

ص: 186

عليه، وإذا لم يقل:"حدثنا" لم أعن به1. وكان أحمد بن حنبل يرى ذلك ويفضل أن يأخذ أحاديثه بالسماع دون غيره، يقول: لما خرجت إلى عبد الرزاق أخبروني أن معاذ بن هشام على الطريق، فملت إليه، ومعي ثلاثة ظهور مملوءة من حديثه، فصادفته، فقرأ علي شيئًا، وقال: أنا عليل لا أقدر على أكثر من هذا، ولكن اقرأها علي، فأبيت2. وممن كانوا يؤثرون السماع على غيره كذلك وكيع بن الجراح الذي يفخر ويقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا"3 ومحمد بن سلام4 وأبو مسهر الدمشقي وسفيان الثوري5.

335-

ويقول القاضي عياض: إنه أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين6. وهو كذلك لأنه أبعد عن الخطأ والسهو، فيؤدي إلى المقصود وهو تحمل الحديث بأمانة وبصفة تامة7.

336-

ومن أجل ذلك فقد تتبع النقاد الأحاديث التي نقلت سماعًا والتي لم تنقل كذلك حتى تتبين القيمة الحقيقية لها، وقد أورد ابن أبي حاتم في تقدمة المعرفة نقودًا كثيرة تدل على ذلك، سواء أكان هذا النقد متعلقًا بالرواة المعاصرين لهم أو السابقين عليهم:

337-

يروى أن شعبة كان يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم، ويقول: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن8 سالم ويقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث التيمي عن

1 تقدمة المعرفة ص 169.

2 الكفاية "م" ص 395.

3 تقدمة المعرفة ص 230.

4 الكفاية "م" ص 395.

5 تقدمة المعرفة ص 68 و117.

6 الإلماع ص 69.

7 أصول السرخسي 1/ 375.

8 ص 157.

ص: 187

أنس في القبلة للصائم، فقال: لا شيء، لم يسمعه1. ونفى شعبة بن الحجاج أن يكون بعض التابعين قد سمع من الصحابة2. وكان ابن المبارك يغمز عمر بن هارون في سماعه من جعفر بن محمد، وكان عمر "194 هـ" يروى عنه ستين حديثًا أو نحو ذلك3.

338-

ويقول سفيان الثوري عن أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية: إنها كانت من كتاب، ويفسر بن أبي حاتم هذا فيقول: يعني أنها ليست بسماع، وقد وهنها سفيان من أجل ذلك4. ويقول سفيان أيضًا: إن الأعمش لم يسمع حديث إبراهيم عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الضحك في الصلاة5.

339-

وكانوا يفتشون في أحاديث كل راو، فيحصون ما سمعه من الشيوخ الذين يروى عنهم وما لم يسمعه منهم، يقول شعبة: لم يسمع الحكم ابن عتيبة من مقسم إلا ستة أحاديث6. ويقول أيضًا: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، وعدها يحيى بن معين: "قول علي رضي الله عنه: القضاء ثلاثة، وحديث لا صلاة بعد العصر، وحديث يونس بن متى"7.

ومثل هذا كثير في كتب نقد الحديث ورواته، ويدلنا على أنهم كانوا يهتمون بأن يكون الحديث مسموعًا، ومنقولًا بالسماع من ناقليه.

340-

وحتى يكون السماع جيدًا رأى علماء القرن الثاني أنه لا يجوز إلا لمن يضبط ويعقل ما يسمع، واختلفوا: فبعضهم حدد سنًّا معينة لبدء السماع، وبعضهم رأى من المعتبر من ذلك هو الضبط والعقل، فقد سئل

1 ص 237، ومثل هذا عن يحيى في ص239، 240، 241، 243.

2 ص 129 - 132.

3 ص 273.

4 ص 71، 81، 82.

5 ص 72 وانظر هذا الحديث في نصب الراية 1/ 51، 52.

6 ص 139.

7 ص 127.

ص: 188

أحمد بن حنبل "عن سماع الصغير متى يصح؟ قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل، وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرًا، فقال: قد يكون صغيرًا يضبط. قيل له: فالكبير، وهو لا يعرف الحديث. قال: إذا كتب الحديث فلا بأس من يرويه"1، وممن كان يذهب إلى هذا الأوزاعي فهو يقول عن الصغير:"إذا ضبط الإملاء جاز سماعه، وإن كان دون العشر"2.

341-

وروى عن يحيى بن معين أنه قال: حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة أو خمس عشرة3، وحدد يزيد بن هارون بثلاث عشرة سنة. وهما بهذا قد حددوا سن البلوغ أو قريبًا منه.

342-

أما الذين أجازوا أن يكون السماع للصغير أقل من ذلك، فقد نظروا إلى الصحابة الذين تحملوا الحديث، وسمعوه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهم صغار كالحسن بن علي وعبد الله بن الزبير بن العوام، والنعمان بن بشير وأبو الطفيل الكناني، والسائب بن يزيد، والمسور بن مخرمة ومحمود بن الربيع، فهؤلاء وغيرهم تحملوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، قولًا أو فعلًا، وهم صغار جدًّا4.

343-

والواقع أن من يجيزون سماع الصبي قبل مرحلة البلوغ أو قريبًا منها قليلون على الرغم من أنهم يحتجون بهؤلاء الصحابة الذين تحملوا الحديث في صغرهم، ويحتجون بفعل بعض الأئمة مثل سفيان بن عيينة الذي سمع من الزهري وهو صغير وفي أذنه قرط، وقال عنه الزهري: ما رأيت طالبًا للعلم أصغر منه5.

1 الكفاية "م:"114.

2 المصدر السابق "م"115.

3 المصدر السابق "هـ" ص62.

4 الكفاية "م" ص 105، 107، 111.

5 المحدث الفاصل "المخطوط" ص32.

ص: 189

344-

وقد ذهبت الكثرة إلى غير ذلك حتى يكون تحمل الحديث مثل أدائه يشترط فيهما البلوغ - كما رأينا في توثيق الراوي.

345-

وأعرضوا عن سماع بعض الصحابة في الصغير؛ لأن سماع بعضهم على هذا النحو إنما هو ضرورة تقدر بقدرها، فهم لا يستطيعون رفض رواية ما عقله الصحابة الصغار عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإلا فاتهم سماعه من غيرهم.

346-

وبعد الصحابة كثر الناقلون للأحاديث. فما عند التابعي من حديث تجده عند غيره. ولهذا يحتج نعيم بن حماد لعدم صحة السماع إلا بعد البلوغ بفعل التابعين، ويقول:"قلما من كان يثبت الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء وسؤالهم ومذاكرتهم"1.

وينقد سفيان بن عيينة بعض الروايات والرواة على هذا الأساس فيقول مثلًا: لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن، وقيل لنعيم بن حماد الذي يروي عنه هذا القول: لِمَ؟ قال: لأنه كان صغيرًا2.

347-

ولهذا يفسر ذهاب ابن عيينة للزهري وهو صغير على أن ذلك كان للدربة والمران كما يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين مع أنهم غير مكلفين بها إلا بعد البلوغ.

وتذكر بعض الروايات، أن سن ابن عيينة يوم أن ذهب إلى الزهري كانت خمس عشرة3، وهي حد البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد4.

وقد اعتبر في هذه السن صغيرًا بالنسبة إلى غيره من الذين كانوا لا يذهبون إلا المحدثين يسمعون منهم الأحاديث إلا بعد ذلك، ولهذا يقول الرامهرمزي:"وقد دل قول الزهري": ما رأيت طالبًا للعلم أصغر من أبن عيينة" على أن

1، 2 الكفاية م ص 103.

3، 4 المحدث الفاصل "المخطوطة" ص 23، 24.

ص: 190

طلاب الحديث في عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يذكر عن أهل الكوفة"1.

348-

ومما يدل أيضًا على أنهم كانوا يعتبرون سن الخامسة عشرة سنًّا مبكرة في تلقي الأحاديث قول ابن جريح لوكيع: باكرت العلم، وكان لوكيع ثماني2 عشرة سنة.

349-

وكان رأيهم في ذلك أن يتفرغ الصغير أولًا لحفظ القرآن والتعبد حتى يدرك قيمة ما يحمله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة3.

وقال أبو الأحوص "176هـ": كان الشاب يتعبد عشرين سنة، ثم يطلب الشيء من الحديث، وإذا كان أبو الأحوص من أهل الكوفة، فلعله في هذا يعبر عن الكوفيين جميعًا الذين قال عنهم الخطيب: إنه لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد4.

350-

وحتى يؤتي سماع الحديث ثمرته من وعي الحديث وضبطه يجب على السماع أن يكون يقظًا وقت سماعه، غير متساهل أو غافل أو نائم، ولهذا رأى كثير من أئمة الحديث ترك رواية من يتساهل في سماعه، يقول أحمد بن حنبل: رأيت ابن وهب وكان يبلغني تسهيله -يعني في السماع فلم أكتب عنه شيئًا، ويقول عثمان بن أبي شيبة إنه رأى ابن وهب في مجلس ابن عيينة، وهو ينام وقت السماع فتركه، وروي مثل ذلك عن ابن المديني حيث يقول:"قال لي ابن وهب: هات كتاب عمرو بن الحارث حتى أقرأه عليك، فتركته على عمد حين كان رديء الأخذ"5.

1 المصدر السابق ص24، 25.

2، 3 الكفاية "هـ" ص 54.

4 الكفاية "هـ" ص 54.

5 المصدر السابق ص 151 - 152.

ص: 191

351-

وقد حدثت بعض الحالات التي تحول دون سماع التلميذ من شيخه في المجلس أو عدم رؤيته وهو يحدث، واعتبرها بعض الأئمة من السماع، ولا ضير على التلميذ أن يحدث عنه شيخه إذا تلقى منه في هذه الحالات، وهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات -كما يعبر الأصوليون.

أولها: عظم مجلس الشيخ، فلا يصل سماعه إلى بعض التلاميذ، وينوب عنه مستمل يبلغ منلم يسمع عبارة الشيخ، شكى أبو مسلم المستملي إلى ابن عيينة أن الناس لا يسمعون، فقال: أسمعهم أنت. وقال الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعي مع الحلقة، فربما يحدث، فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه.

وروي عن حماد بن زيد أنه قال لمن استفهمه: كيف قلت؟ قال: استفهم ممن يليك.

وقد أجازوا ذلك لأنه قد ثبت أن بعض الصحابة لم يسمع من رسول الله بعض الحديث ونسبه كله إلى سماعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي فقال:"كلهم من قريش" وقد أخرجه مسلم عنه كاملًا، من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه1.

ثانيًا: الكلمة التي يدغمها الشيخ، وهي معروفة، فلا يسمعها التلميذ كاملة، قال الإمام أحمد: أرجو ألا تضيق روايته عنه، ولكن بعض الرواة كان يتحرج فلا يكتب إلا ما سمعه. ومن هؤلا خلف بن سالم المخرمي "231هـ" وخلف بن تميم، قال الأخير: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث، أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت لزائدة بن قدامة؟ فقال: لا تحدث منها إلا بما حفظ قلبك، وسمع أذنك، فألقيتها2.

1 تدريب الراوي 2/ 25، 26.

2 المصدر السابق 2/ 27.

ص: 192

ثالثها: إذا حدث الشيخ من وراي حجاب، ولم يره التلميذ، فبعضهم شرط أن يرى السامع وجه المحدث، وهو يحدثه، وإلا فلا يجوز له أن يحدث بما سمع، يقول شعبة بن الحجاج:"إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه فلا ترو عنه"1. ولكن جمهور العلماء أباح ذلك؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتماد على صوت ابن أم مكتوم المؤذن، في حديث: "إن بلالًا يؤذن بليل" الحديث، مع غيبة شخصه عمن يسمعه. وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين، وهن يحدثن من وراء الحجاب2.

الأداء عن السماع:

352-

وإذا أراد الراوي أن يؤدي الحديث الذي سمعه من شيخه فله أن يؤديه بتلك الألفاظ التي تدل على السماع، مثل:"حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت، وقال لنا، وذكر لنا".

353-

ويقول القاضي عياض: إنه لا خلاف في جواز استعمال مثل هذه الألفاظ3.

354-

ولكنها ليست في منزلة واحدة، فأرفع العبارات "سمعت" وكان الزهري يؤثرها عندما يحدث عن أنس رضي الله عنه. ويبين الخطيب البغدادي السبب في كونها أرفع هذه العبارات بأن أحدًا لا يستعملها في وجوه الأداء عن طرق للتحمل ليست لها قيمة كبيرة في توثيق الحديث مثل الإجازة والمكاتبة. كما لا تستعمل في التدليس4.

355-

ثم يتلوها لفظ "حدثنا أو حدثني" وكانت أقل من "سمعت"؛ لأن بعض أهل العلم كان يستعملها فيما أجيز له، وروي عن الحسن أنه كان

1 المحدث الفاصل "المطبوع" ص 599.

2 تدريب الراوي 2/ 27 - 28.

3 الإلماع ص 69.

4 الكفاية م ص413.

ص: 193

يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل البصرة، وهو منهم، وهو لم يسمع منه شيئًا. ولم تستعمل "سمعت" في شيء من ذلك.

وممن كان يؤثر "حدثنا" على غيرها من العبارات الإمام أحمد بن حنبل وقد كان يحمل عبد الرزاق الصنعاني على ذلك1.

356-

ثم يتلو "حدثنا""أخبرنا". وهو كثير في الاستعمال، حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيرها، منهم حماد بن مسلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبيد الله بن موسى، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد بن هارون2، وإنما استعمل من استعملها ورعًا ونزاهة لأمانتهم فلم يجعلوها للينها بمنزلة "حدثنا ونبأنا" ولهذا قال أحمد بن حنبل:"أخبرنا" أسهل من "حدثنا"، حدثنا شديد3.

وإذا كان ابن الصلاح يقول: إن هذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ -فإنه يبدو أنه كان بعد القرن الثاني الهجري.

ويبين ابن الصلاح أن هناك وجهًا من وجوه تفضيل "أخبرنا" و"حدثنا" على "سمعت" وهو أنه ليس في "سمعت" دلالة على أن الشيخ رواه الحديث، وخاطبه به. وفي "حدثنا" و"أخبرنا" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له"4.

357-

وأما نبأنا وأنبأنا فهما قليلتا الاستعمال، "وممن كان يستعملهما في السماع سماك بن حرب وحماد بن زيد5.

358-

ويرى ابن الصلاح أن استعمال "قال لي" و"ذكر لي" إنما هو لائق بمن سمع في المذاكرة والمناظرة6، وهو بهذه أشبه من "حدثتا".

1 المصدر السابق ص 414، 415.

2 المصدر السابق م ص 413، 414.

3 تدريب الراوي 2/ 9.

4 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 167.

5 الكفاية م ص 414 - 415.

6 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 167.

ص: 194

وبعض العلماء قال -أداء عن السماع-: "قال" و"ذكر" من غير "لي" وهذا يحمل على السماع إذا عرف اللقاء وسلم هذا الراوي من تهمة التدليس، لا سيما إذا عرف من حاله أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه من شيخه كحجاج بن محمد الأعور الذي روى كتب ابن جريج عنه بلفظ:"قال ابن جريح" فحملها الناس عنه على أنها سماع، واحتجوا بها1. وقد نبه همام ابن يحيى بأنه عندما يقول:"قال قتادة" فإنما سمعه من قتادة2.

وقد عرف بعض الرواة الذين يستعملونها في غير السماع مثل ابن وهب. يقول الإمام أحمد مبينًا ذلك: "كان بعض حديثه سماعًا، وبعضه عرضًا، وبعضه مناولة، وكان ما لم يسمعه يقول: "قال حيوة، قال فلان"3.

359-

وإذا كان في الإمكان أن يختار واحدة من الألفاظ التي ذكرناها -من سمع من الشيخ على الرغم من التفاوت في قيمتها وفي شيوعها، فإنه يجب عليه- عند بعض الأئمة الذين يعتد بآرائهم -أن يلتزم الصدق في عبارة الشيخ ولا يتعداها، فإذا قال:"أخبرني" لا يجوز أن يقول عنه "حدثني" بدلًا منها، قال الإمام أحمد: إذا قال الشيخ: "حدثنا" قلت: "حدثنا"، وإذا قال:"أخبرنا" قلت: "أخبرنا"، تتبع لفظ الشيخ، فإنما هو دين تؤديه عنه، ولا تقل "لأخبرنا""حدثنا" ولا "لحدثنا""أخبرنا" إلا على لفظ الشيخ"، وفي كلام له آخر: "اتبع لفظ الشيخ في قوله "حدثنا" و"حدثني" و"سمعت" و"أخبرنا"ولا تعده، فإن كانت قراءة بينت القراءة

ولا تغير لفظ الشيخ، إنما تريد أن تؤدي لفظه كما تلفظ به"4.

وممن ذهب إلى ذلك أيضًا يحيى بن سعيد القطان، ومن كلامه في هذا الشأن:"إذا قال -أي الشيخ- "حدثنا" فلا يعجبني أن أقول"حدثني"، وربما قال: "حدثني" فأشك، فأقول: قال: "حدثنا"، فأما إذا قال "حدثنا" فلا أستجيز أن أقول: قال: "حدثني"، ومراده بذلك التزام الدقة في مراعاة لفظ الشيخ5.

1 تدريب الراوي 2/ 11.

2 الكفاية "م" ص 419.

3 المصدر السابق ص 419.

4 المصدر السابق ص 423.

5 المصدر السابق ص 425 - 427.

ص: 195

360-

وليس بواجب عند كافة أهل العلم -كما يقول الخطيب البغدادي- أن يفرق الراوي بين "حدثني" و"حدثنا" فكل منهما تحكيان عن تحديث الواحد والجماعة، وممن نص على ذلك أحمد بن حنبل، وعبد الله ابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان1.

361-

وممن خصص لكل لفظ حالة معينة عبد الله بن وهب، روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أنه قال:"إنما هو أربعة: إذا قلت "حدثني" فهو مما سمعت من العالم وحدي، وإذا قلت: "حدثنا" فهو مما سمعته مع الجماعة، وإذا قلت: "أحبرني" هو مما قرأت على المحدث، وإذا قلت: "أخبرنا" فهو مما قرئ على المحدث وأنا أسمع"2.

362-

وإذا قال الراوي: "حدثنا فلان عن فلان" فإن "عن" هنا تحمل على السماع بشرطين:

الأول: إذا عرف أن هذا الراوي قد لقي الذي حدث عنه بهذه العبارة وسمع منه.

الثاني: إذا لم يكن هذا الراوي قد عرف بالتدليس؛ قال الإمام الشافعي، وقد سئل: لم قبلت رواية من يقول: "عن". وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ -قال: "المسلمون عدول أصحاء الأمر في أنفسهم

وقولهم عنه خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم

وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا" وقوله: "حدثني فلان عن فلان": -سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذا الطريق قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان"، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبأن لنا عورته في روايته"3.

1 الكفاية ص 425 - 27.

2 المصدر السابق ص 425.

3 الرسالة ص 378 - 379.

ص: 196