الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة
672-
وكما عرض الأحناف أخبار الآحاد على الكتاب، فقبلوا منها ما وافقه وردوا ما خالفه، عرضوها أيضًا على السنة المشهورة، وعدوا أخبار الآحاد هذه من الأخبار المنقطعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطاعًا باطنيًّا، ذلك لأن الأخبار المشهورة أفادت اليقين القلبي، أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني، فالأولى أوثق صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد.
673-
وطبقوا هذا المقياس على بعض الآحاديث منها:
1-
حديث الشاهد واليمين الذي وقفنا معه وقفة طويلة آنفًا، ردوه هنا؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة، وهي ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وفي رواية: "على من أنكر"2.
674-
وبيان هذه المخالفة من وجهين:
1-
أحدهما: أن الشرع جعل الأيمان كلها في جانب المنكر دون المدعي؛ لأن اللام تقتضي استغراق الجنس، فمن جعل يمين المدعي حجة فقط خالف النص، ولم يعمل بمقتضاه وهو الاستغراق.
2-
وثانيهما: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسمًا مدعيًا.. وقسمًا منكرًا.. كما جعل الحجة قسمين أيضًا: قسمًا بينة وقسمًا يمينًا وحصر جنس اليمين في جانب، والبينة في جانب آخر، والعمل بخبر الشاهد واليمين يوجب ترك العمل بموجب هذا الخبر المشهور، فيكون مردودًا2.
675-
ومما يقوي الشك في حديث اليمين مع الشاهد -في نظر الأحناف
1 صحيح البخاري 6/ 43 "طبعة الشعب" بلفظ "اليمين على المدعى عليه" وكذلك مسلم في الأقضية وقد أخرج هذا الحديث البيهقي والدارقطني.
2 كشف الأسرار 3/ 733.
-ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور- طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين وإبراهيم النخعي والزهري، فقد قال الزهري والنخعي "أول من أفراد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية.. أضف إلى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض:"ليس لك منه إلا ذلك"، فهذا يقتضي الحصر ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف1 وقال صلى الله عليه وسلم:"شاهداك أو يمينه"2.
676-
ومن الأحاديث التي ردها أبو حنيفة رضي الله عنه عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له: "حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذن" 3 فالنبي صلى الله عليه وسلم أفسد البيع وأشار بقوله: "أينقص إذا جف" إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي عندما يجف، ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذ، ولهذا أفسد النبي صلى الله عليه وسلم البيع.
677-
رد أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" 4 فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة عن النخل من حين ينعقد إلى أن يدرك، ولا يغير من اسم ذاتها تعدد الأحوال وتغير الصفات عليها، كما لا يتبدل اسم الآدمي بتغير صفاته وتبدل أحواله. والدليل على ذلك ما روي أنه عليه السلام "نهى عن بيع التمر حين يزهي، فقيل: وما يزهي؟ قال: أن يحمر أو يصفر"5، فسماه تمرًا وهو بسر. وقال شاعرهم:
1 المصدر السابق 3/ 733 - 734.
2 صحيح البخاري 3/ 332 - 333.
3 سيأتي تخريج هذا الحديث والكلام في توثيقه - إن شاء الله تعالى.
4 أخرج الستة إلا البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". "نصب الراية 4/ 35".
5 صحيح البخاري 3/ 101.
وما العيش إلا نومة وتشرق
…
وتمر على رأس النخيل وماء
فعبر بالتمر عن الرطب مما يدل على أن اسم التمر لا يختص بالجاف من ثمرة النخيل.. وإذا ثبت أنه تمر، وقد شرط العقد، وهوالمماثلة في المقدار حالة العقد جاز البيع عملًا بالحديث المشهور وتركًا لحديث الآحاد الذي يخالفه، ولا ينظر إلى المماثلة في أعدل الأحوال أي: عندما يصير الرطب جافًّا فينقص مقداره، لسببين:
السبب الأول:
678-
أن شرط العقد يعتبر عند نفاذه، فيجب أن تعتبر المساواة في البدلين اللذين ورد عليهما العقد، وهما الرطب والتمر، فأما اعتبار حالة مفقودة يتوقع حدوثها فلا، فاعتبار الأعدل هنا كاعتبار الأجود، والأخير أسقطه الشرع، فلا ينظر إلى التفاوت في الجودة لقوله عليه الصلاة والسلام:"جيدها ورديئها سواء"1.
السبب الثاني:
679-
أن التفاوت الذي لا يكون حادثًا بصنع العباد مثل هذا التفاوت الذي يحدث بين الرطب والتمر بعد ما يصير الأول جافًّا -لا يكون معتبرًا ولا يفسد العقد؛ أما التفاوت الذي ينبني على صنع العباد كالحنطة والدقيق، والمقلي وغير المقلي، فإنه مفسد للعقد، ولهذا لا يجوز التفاوت بين النقد والنسيئة؛ لأنه حادث بصنع العباد وهو اشتراط الأجل.
680-
والحديث المشهور هنا يوجب أحكام ثلاثة:
أحدها: وجوب المماثلة شرطًا للجواز، فيجوز البيع حال وجود المماثلة بهذا النص.
1 قال الزيلعي: غريب، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد "الخدري" المتقدم "نصب الراية جـ4 وهو يشير إلى حديث:"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد" وقد أخرجه مسلم في البيوع في باب الربا.
ثانيها: أنه يدل على تحريم فضل قائم فعلًا؛ لأن المراد منه الفضل على الذات.
ثالثها: أن الفضل المحرم هو الفضل الذي تنعدم به المماثلة في المقدار.
681-
وخبر الواحد يخالفه في هذه الأحكام الثلاثة؛ لأنه أوجب حرمة البيع حال وجود المماثلة في المقدار، وأوجب حرمة فضل ليس قائمًا فعلًا، وإنما يوجد بعد جفاف الرطب، وليس موجودًا حال العقد، بل هو موهوم غير قائم -فإذا خالف خبر الآحاد الخبر المشهور في هذه الأحكام لم يقبل1.
682-
وقد حاول أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يؤيد ما ذهب إليه بتضعيف حديث الآحاد من جهة روايته، فيروى أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشداء عليه؛ لمخالفته خبر سعد المتقدم، فقال: الرطب لا يخلو: إما أن يكون تمرًا أو غير تمر، فإن كان تمرًا جاز العقد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"التمر بالتمر مثلًا بمثل"، وإن كان غير تمر جاز أيضًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم"، فروى له حديث سعد، كدليل عليه، فقال: هذاالحديث دار على زيد أبي عياش، وهو ممن لا يقبل حديثه"2.
683-
ويقول صاحب كشف الأسرار: واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك:"كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد أبو عياش ممن لا يقبل حديثه3؟. لكنه يلزم على قول أبي حنيفة هذا أن الحنطة المقلية التي هي مثل الرطب إن كانت حنطة يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الحنطة
1 كشف الأسرار 3/ 735.
2 الاختيار لتعليل المختار: عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود أبو الفضل مجد الدين الموصلي "683 هـ" تحقيق محيي الدين عبد الحميد -مكتبة الجامعة الأزهرية- القاهرة الطبعة الثانية 1372هـ - 1952/ 735 - 736.
3 كشف الأسرار 3/ 735 - 736.
بالحنطة مثلًا بمثل". وإن لم تكن حنطة ينبغي أن تجوز أيضًا، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ولكن الحكم بخلاف ذلك؛ لتفاوت قائم في الحال عند الاعتبار بأجزاء غير المقلي، وذلك من التفاوت الذي يبتني على صنع العباد، وما كان كذلك يفسد العقد -كما تقدم- ولهذا قال السرخسي: "ما ذكر أبو حنيفة رحمه الله حسن في المناظرات لدفع الخصم، ولكن الحجة لا تتم به لجواز قسم ثالث كما في الحنطة المقلية"1.
ومعنى ذلك أنه يجوز أن نعتبر الرطب قسمًا ثالثًا لا يكون تمرًا مطلقًا لفوات وصف اليبوسة عنه، ولا يكون غيره مطلقًا؛ لبقاء أجزائه عند صيرورته تمرًا كالحنطة المقلية؛ فهي ليست عين الحنطة على الإطلاق، لفوات وصف الإنبات عنها بالقلي، وليست غيرها لوجود أجزاء الحنطة فيها، وكذلك الدقيق بالنسبة للحنطة. إذن فالاعتماد على المقياس الذي اعتمدوه أولى2.
684-
ومما هو جدير بالذكر أن أبا يوسف ومحمدًا صاحبي أبي حنيفة عملا بحديث سعد رضي الله عنه، وليس معنى ذلك أنهما لا يأخذان بنفس هذ المقياس؛ أي عرض أحاديث الآحاد على الأحاديث المشهورة كلا، وإنما يريان أنه لا تعارض بين هذين الحديثين، فالمشهور تناول التمر، والرطب ليس بتمر عادة؛ أي: عرفًا، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو حلف لا يأكل الرطب، فأكله بعدما صار تمرًا لم يحنث.. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون المشهور متناولًا لما تضمنه حديث سعد رضي الله عنه، فلا تتحقق المخالفة، فيجب العمل به على رأيهما.
685-
وقد رجح أصوليو الأحناف رأي إمامهم الأعظم مجيبين عنه بأنه قد ثبت استعمالًا أن الرطب من جنس التمر، لكن اليمين قد تختلف باختلاف الداعي مع قيام الجنسية، والرطوبة في الرطب وصف داع إلى المنع مرة، وإلى الإقدام أخرى، فيتقيد اليمين بالوصف من أجل هذا
…
3.
1 المبسوط، شمس الدين السرخسي - مطبعة السعادة. مصر- 12/ 185 - 186.
2 كشف الأسرار 2/ 735 - 736.
3 المصدر السابق 3/ 736.
مناقشة الإمام الشافعي:
686-
ونذهب إلى ناصر السنة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لنرى ماذا يقول فيما ذهب إليه الأحناف من عرض الآحاد على السنة المشهورة، وفي هذا المثال الذي عرضنا فيه رأي أبي حنيفة مطبقًا فيه هذا المقياس.
687-
يرى الإمام الشافعي أن عرض الآحاد على السنة المشهورة بهدف تضعيف بعض الأحاديث وردها مع ثبوتها سندًا يتعارض مع طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم التي أمر الله عز وجل بها في كتابه، يقول:"وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره"1.
688-
من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يحرم بيع الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خصص به حديث:"التمر بالتمر مثلًا بمثل"2.
689-
وقد ابتدأ الإمام الشافعي الكلام في هذه المسألة بإثبات هذا الحديث وغيره مما يحرم بيع التمر بالتمر لعدم وجود المساواة بينهما:
روي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة" والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا 3.
وهذا الحديث صحيح، لاتصاله والثقة في رواته، وقد أخرجه الشيخان في صحيحهما4.
1 الرسالة 330.
2 الموطأ "طبعة الشعب" ص 385.
3 الموطأ "طبعة الشعب" ص 386 - وانظر تعريف المزابنة في اختلاف الحديث ص320، وتعريفات أخرى لها في صحيح البخاري "طبعة الشعب في ص 96 - 99 جـ3".
4 صحيح البخاري 3/ 98 - 99، صحيح بشرح النووي 4/ 35.
وروى عن مالك عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان أن زيدًا أبا عياش أخبره عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شراء التمر بالرطب، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم:"أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك1.
689-
وإذا كان قد سبق القول من أبي حنيفة في زيد أبي عياش الذي مدار هذا الحديث عليه وأنه ممن لا يقبل حديثه مما يلزم منه أن هذا الحديث ضعيف -فقد أثبت آخرون أنه صحيح لسببين:
أولهما:
أن هذا الحديث رواه الإمام مالك، وهو كما نعرف: لا يروي إلا ما تأكد من صحته، وعن العدول الضابطين، ومن أجل ذلك ترك الكثرة من أهل الصلاح في المدينة؛ لأنهم غير ضابطين. يقول الحاكم بعد رواية هذا الحديث:"هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم لكل ما يرويه في الحديث إذا لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة"2.
ثانيهما:
690-
قال الخطابي: إن بعض الناس تكلم في إسناد هذا الحديث، وقال: زيد أبو عياش مجهول، وليس الأمر على ما توهمه، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته.. وقال المنذري: كيف يكون مجولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن
…
والترمذي صحيح حديثه
…
1 الموطا ص386، اختلاف الحديث ص319.
2 المستدرك 2/ 38، 39.
3 نصب الراية 4/ 14.
وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وما علمت أحدًا ضعفه. وقال ابن الجوزي: قال أبو حنيفة: زيد أبوعياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل.
691-
لكنني لا اعتقد أن أبا حنيفة ضعفه لجهالته، فهو يقبل حديث المجهول في الفروق الثلاثة الأولى كما سبق أن ذكرنا.
الحديث صحيح إذن، ولا يجوز في نظر الشافعي أن يترك، وتاركه لأي سبب كان -بعد هذا- مخالف لأمر الله تعالى بطاعة رسول الله في كتابه الكريم.
692-
وترك الإمام الشافعي السند قليلًا ليبين علة نهي النبي، صلى الله عليه وسلم، عن بيع الرطب بالتمر، وهي أن الرطب ينقص إذا يبس، فيصير الأمر أن يباع تمر بتمر أقل منه، كما يباع تمر بآخر لا يدرى كم مكيله؛ لأن مقداره الذي علمناه وهو رطب سينقص بعد ما يجف، وهذا لا يجوز لأنه يكون ربًا. يقول الإمام الشافعي مبينًا هذا: "وأصل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس في معنى المزابنة إذا كان ينقص إذا يبس، فهو تمر بتمر أقل منه، وهو لا يصلح بأقل منه، وتمر بتمر لا يدرى كم مكيله، أحدهما من الآخر.. الرطب إذا يبس فصار تمرًا لم يعلم كم قدره من قدر التمر
…
وهكذا قلنا: لا يصلح كل رطب بيابس في حال من الطعام إذا كا ن من صنف واحد"1.
693-
وهكذا وجدنا عناية من الشافعي بتوثيق متن الحديث ببيان أنه يتمشى مع الأصول الشرعية الأخرى.
694-
وإذا كان الشافعي لا يجيز بيع الرطب بالتمر عملًا بخبر الواحد، فإنه يجيز ذلك في حالة واحدة وهي حالة "العرية"، وهي كما عرفها الإمام الشافعي أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصة من التمر، يخرص الرطب رطبًا، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرًا، ويقبض التمر قبل أن يتفرق البائع والمشتري2.
1 اختلاف الحديث ص320.
2 المصدر السابق ص321، وانظر تعريفًا آخر لها في الموطأ ص387 "طبعة الشعب".
3 المصدر السابق ص319 وانظر الرسالة ص333.
695-
والشافعي رضي الله عنه، يجيز العرايا اتباعًا للسنة أيضًا، فقد روي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن حثمة:"أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بكيلها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا".. وروي حديثًا آخر في ذلك فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر". قال عبد الله بن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا"1.
696-
وأحاديث العرايا هذه صحيحة، ومن هنا أخذ الشافعي بها في جواز بيع العرايا، ويكون نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر والمزابنة من الجمل التي مخرجها عام، ويراد بها الخاص؛ أي: النهى عام ما عدا العرايا التي خصصته، فهي لا تدخل في نهيه، صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن أمر يأمر به إلا أن يكون منسوخًا، ولا نعلم في ذلك نسخًا2.
697-
وكانت إجازة الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع من البيع تلبية لحاجة الناس حينئذ؛ فقد شكى بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر، ويحل موعده، وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون به، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فأرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبًا3.
698-
وإذا كان الشافعي في بيان تحريم بيع الرطب بالتمر بالسنة يرد على الأحناف ويتهمهم بأنهم يظهرون القول في بعض الأحاديث من الشبه، وخاصة في المجمل والمفسر منها، ويشبهون على قوم من أهل الحديث ليس لهم بصر بمذاهبه -فإنه في بيان تحليل بيع العرايا يتهم قومًا بعدم جواز
1 اختلاف الحديث ص319- وانظر الرسالة ص 333.
2 المصدر السابق ص 321.
3 المصدر السابق ص327.
بيعها تاركين السنة الصحيحة التي سبق أن ذكرناها -مدعين أن العرايا داخلة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر، قال الشافعي:"وخالفونا معًا في العرايان فقالوا: لا نجيز بيعها، وقالوا: نرد إجازة بيعها بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر وهي داخلة في المعنيين"1.
699-
وهنا يدخل الشافعي معهم في نقاش شبيه بالذي فعله سابقًا مع الأحناف في ردهم بعض الأحاديث، وعدم جوازهم العمل بها كمخصص لعام الكتاب، أو تقيد لمطلقه، فيقول: إن الحجة على هؤلاء "في أن يطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحل ما أحل، ونحرم ما حرم" وهم يتناقضون في آرائهم؛ لأنهم يقولون: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" كما يقول الحديث؛ لكنهم يخرجون عليه في القسامة، فيغرمون من حلف، ويعطون من لم تقم له البينة، وهم خرجوا عليه؛ لأن عمر رضي الله عنه فعل ذلك، وحجتهم "أن عمر لا يجهل قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخالفه" أما كان الأولى أن يكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أدل على قوله من قول غيره؟ فيأخذون بحديث جواز بيع العرية، ويكون هذا الحديث دالًّا على أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، الآخر في تحريم المزابنة وبيع الرطب بالتمر عام خصص به رخصة؟!.. وقياسًا على قولهم في عمر: إنه صلى الله عليه وسلم لا يجهل قول نفسه ولا يخالفه2.
700-
وإذا كان الشافعي رضي الله عنه قد أثبت حديث سعد وحديث العرية، وبين أنهما من الأخبار التي خصصت أخبارًا أخرى عامة فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، مما لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا حديث المصراة2.
1 اختلاف الحديث ص 324.
2 اختلاف الحديث ص 325 - 326.
3 صر الناقة يصرها صرًّا وصر بها شد ضرعها. والمصراة: هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس، ويقال منه: صريت الماء وصريته
…
=
701-
وحديث المصراة رواه مالك فقال: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر"1.
702-
وهذا الحديث صحيح، وقد رواه الشيخان وغيرهما2.
وروى الشافعي حديثًا آخر بإسناد صحيح فقال: أخبرنا سفيان عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم -مثله، إلا أنه قال: ردها وصاعًا من تمر لا سمراء "الحنطة".
703-
ومع صحة هذين الحديثين لم يأخذ بهما أبو حنيفة رضي الله عنه، وقال: إن هذا من المنسوخ.
أولًا: لمخالفتهما عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 2. وقال جل شأنه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} 4. والصاع ليس بمثل ولا قيمة لما أخذه المشتري من اللبن. وقد تقدم القول في عرض الحديث على القرآن الكريم.
= وصريت الشاة تصرية إذا لم تحلبها أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها والشاة مصراة.. "اللسان" وقال الشافعي: والتصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها لذلك، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها، بنقصانه كل يوم عن أوله. وهذا غرور للمشتري "مختصر المزني على الأم جـ2 ص184 - 185" وانظر "تحقيق الرسالة ص 556 للأستاذ أحمد شاكر عليه رحمة الله تعالى".
1 الموطأ "طبعة الشعب" ص 424. وانظر اختلاف الحديث 332 - 333.
2 صحيح البخاري "طبعة الشعب" 3/ 93 - صحيح مسلم بشرح النووي 4/ 15 وانظر نيل الأوطار 5/ 327.
3 البقرة: 194.
4 النحل: 126.
ثانيًا: هذا الحديث مخالف لحديث آخر مشهور، وأخذ به جمهور الفقهاء وهو حديث1:"الخراج بالضمان"، وهذا الحديث رواه الشافعي فقال: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة بن
1 يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة؛ عبدًا كان أو أمة أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن على البائع شيء، والباء في الضمان متعلقة بمحذوف تقديره، الخراج مستحق بالضمان: أي بسببه. "النهاية لابن الأثير" وقال الأستاذ أحمد شاكر في تحقيقه الرسالة: "رواه البيهقي في السنن 5/ 321 - 322 من طريق الشافعي ورواه الطيالس رقم 1464 عن ابن أبي ذئب بالقصة مختصرة، ورواه كثير من العلماء عن ابن أبي ذئب فبعضهم اختصر القصة وبعضهم اقتصر على الحديث المرفوع "الخراج بالضمان" وأسانيده في أبي داود 3/ 304 - 305 - أحمد 6/ 80 و116 و161 و208 و237، والمستدرك للحاكم 2/ 15
…
وقد رواه أيضًا: "مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام، وفيه قصة أخرى، قال أبو داود: هذا إسناد ليس بناك، وقال الترمذي في حديث ابن أبي ذئب عن مخلد": هذا حديث حسن، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، ثم رواه مختصرًا من طريق عمرو بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال: هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام بن عروة، واستغرب محمدج بن إسماعيل البخاري هذا الحديث من حديث عمرو بن علي.
وفي عون المعبود في الكلام على حديث مخلد: "قال المنذري: قال البخاري: هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال الترمذي: فقلت له: فقد روي هذا الحديث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة؟ فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، يعني مخلد بن خفاف. فقال: لم يرو عنه غير بن أبي ذئب وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجة"
…
والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.. وقد ذكرنا أن مخلدًا ثقة وقد روى عنه غير ابن أبي ذئب، خلافًا لما زعمه أبو حاتم، فقد نقل الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب أن حديثه هذا رواه أيضًا الهيثم بن جميل عن يزيد ابن عياض عن مخلد. فظهرت صحة الحديث بينة "تحقيق الرسالة ص 449 - 450".
والحديث ذكره الإمام الشافعي في الرسالة هكذا: "أخبرنا من لا أتهم عن ابن أبي ذئب عن مخلد ابن خفاف قال: "ابتعت غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى في مثل هذا أن "الخراج بالضمان". فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي. فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به له". "الرسالة ص448 - 449".
الزبير عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال:"الخراج بالضمان" ويضيف الشافعي إلى هذا قوله مبينًا سبب هذا الحديث: "وأحسب، بل لا أشك -إن شاء الله- أن مسلمًا1 نص الحديث، فذكر أن رجلا ًابتاع عبدًا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب، فقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان".
704-
وبمقتضى هذا الحديث لا يكون اللبن مضمونًا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري مدة بقائها عنده ينفق عليها2.
705-
إذن فقد خالف حديث المصراة كتاب الله وهذا الحديث المشهور فيرد، وهذا ما فعله أبو حنيفة رضي الله عنه ومحمد، وفي بعض الروايات أبو يوسف أيضًا، وفي رواية أخرى يقول ما يقول به زفر والشافعي من العمل بالحديثين وعدم ردهما3.
706-
إن الشافعي رضي الله عنه يرى هنا أن الحديث ثابت، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب الأخذ به ولا يقال:"لم وكيف" يقول: "وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس منه إلا التسليم فقولك قول غيرك فيه "ولم وكيف" خطأ، لكنه لا يكتفي بإثبات صحة الحديث عن طريق صحة رواته وإسناده، بل يترك هذا -وإن كان هو المقياس الوحيد عنده لإثبات الحديث -ليبين من خلال متن الحديث أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلف ولا يتعارض ولا يتناقض، ومن هنا فليزل ما يحاول البعض به أن يزعم أن حديث المصراة يتعارض مع حديث الخراج بالضمان، ليترك الأول بحجة أنه منسوخ بالحديث الثاني.
707-
يقول: إن في حديث المصراة شيئًا ليس في حديث "الخراج
1 مسلم بن خالد الزنجي. من رواة هذا الحديث.
2 أبو حنيفة: د. محمد يوسف موسى "دراسات إسلامية" 3 مكتبة نهضة مصر بالفجالة ص82.
3 البيوع والمعاملات المالية المعاصرة: د. محمد يوسف موسى. الطبعة الثانية 1372هـ - 1954م- دار الكتاب العربي بمصر. ص75.
بالضمان"، وموضوع كل منهما مختلف عن الآخر؛ ذلك أن البائع عندما أراد أن يبيع الشاة أو الناقة المصراة كان يبيع شيئين الشاة أو الناقة ومعهما اللبن الذي في الضرع، وهذا كمن يبيع النخلة وعليها ثمرها؛ وقد كان يملك أن يحلبه قبل البيع كما يملك أن يقطع الثمر قبل أن يبيع النخلة. "فاللبن مبيع مع الشاة وهو سواها، وكان في ملك البائع" فإذا حلبه المشتري، ثم أراد أن يردها بعيب التصرية ردها وصاعًا من تمر؛ كثر اللبن أو قل. كان قيمته أو أقل من قيمته؛ لأن ذلك شيء وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن جمع فيه بين الإبل والغنم التي هي مختلفة الأثمان وألبانها كذلك.
708-
أما الخراج الذي يستحق بالضمان فشيء آخر مختلف تمامًا، وهو ما لا يكون في ملك البائع وقت البيع، وفي حالة الشاة المصراة لو أمسكها المشتري بعد حلب اللبن المصرى، حتى اكتشف فيها عيبًا آخر فإن ردها ردها ولا يرد اللبن الذي حلبه بعد لبن التصرية؛ لأن هذا حدث في ملك المشتري، ولم يكن في ملك البائع، وفي عدم رد اللبن إنما ينفذ قوله صلى الله عليه وسلم:"الخراج بالضمان" ومثل هذا أن يبتاع عبدًا فإنما اشتراه بعينه، وما حدث له بعد ذلك من خدمة أو خراج أو مال أفاده فهو للمشتري؛ لأنه حادث في ملكه لم تقع عليه صفقة البيع، فهو كلبن الشاة الحادث بعد لبن التصرية في ملك مشتريها.
وكذلك نتاج الماشية يشتريها فتنتج ثم يظهر منها على عيب، فيردها دون النتاج، وكذلك لو أخذ لها أصوافًا أو شعورًا أو ألبانًا وكذلك لو أخذ للحائط ثمرًا إذا كان يوم يردها بحالها كيوم أخذها أو أفضل1.
709-
ليس هناك -إذن- من تناقض ولا مجال لأن تقول كيف نرد المصراة مع صاع من تمر؛ لأن الله تعبد خلقه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بما شاء، لا معقب لحكمه، فعلى الناس اتباع ما أمروا به، وليس لهم فيه إلا التسليم و"كيف" إنما تكون في قول الآدميين الذين يكون قولهم تبعًا لا متبوعًا2.
1 اختلاف الحديث ص333 - 334.
2 اختلاف الحديث ص339.
710-
والحق أننا مع الإمام الشافعي في أن الحديث متى صح من حيث الثقة في رواته لا ينبغي أن نرفضه أو نرده ونتركه وخاصة إذا لم تكن هناك من الأدلة على نسخه، ولا نعرضه على حديث آخر حتى ولو كان مشهورًا؛ لأن الشهرة وإن كانت تبعث على الاطمئنان القلبي إلا أنها لا تصح مقياسًا لرفض أحاديث أخرى لم تشتهر؛ إذ قد يكون مبعث شهرتها الحاجة إليها في كثير من المسائل والمشاكل الفقهية؛ لا لأن الذين رووها أوثق من الذين رووا الأحاديث التي لم تشتهر، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على حديث "المصراة" وعلى حديث "الخراج بالضمان" فالثاني لأنه يطبق في حالات كثيرة؛ في الحيوان وغير الحيوان اشتهر على الرغم مما قيل في إسناده، وحديث "المصراة" لم يبلغ من الشهرة مثل ما بلغ لأنه لا يطبق إلا في حالات قليلة، في الشياه أو الإبل المصراة ومع هذا فلم يتكلم في إسناده مثل ما تكلم في إسناد "الخراج بالضمان".
711-
وكما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟!! هذا من أبطل الباطل"1.
712-
وإذا كان الإمام الشافعي رضي الله عنه قد رفض عرض السنة على السنة من أجل رد بعضها والعمل ببعضها الآخر -فإنه استخدم ذلك لترجيح بعض الأحاديث الصحيحة على بعضها الآخر وعونًا على الفهم الصحيح لها والمعنى الذي أراده صلى الله عليه وسلم منها:
713-
فقد رويت أحاديث في الإسفار والتغليس بالفجر، ولا شك أن وقت التغليس أسبق من وقت الإسفار، فالوقت إذن مختلف والأحاديث تبعًا لذلك مختلفة أيضًا.
714-
روى الشافعي عن سفيان عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أسفروا بالصبح، فإن ذلك أعظم لأجوركم أو قال: للأجر.
1 إعلام الموقعين 2/ 251.
وهذا كما نراه في الإسفار.
715-
وروي في التغليس عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كن نساء من المؤمنات يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهن متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفهن أحد من الغلس.
قال: وروي زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق هذا، وروي مثله عن أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي عن النبي عليه الصلاة والسلام.
716-
واختار الشافعي التغليس فقال: إذا انقطع الشك في الفجر الآخر وبان معترضًا، فالتغليس بالصبح أحب إلينا، ورأى بعض الناس الإسفار بالفجر أحب إليهم. وبين سبب اختياره للتغليس فقال: إنه أولى الحديثين بمعنى كتاب الله وأثبتهما عند أهل الحديث1 وأشبههما بجمل سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأعرفهما عند أهل العلم. فالسنة هنا أو جمل السنن -كما عبر- إنما هي عامل فقط من عوامل الترجيح مع معنى كتاب الله تعالى، وكون الحديثين أثبت من الآخر.
717-
ثم بين السنة الأخرى التي رجحت حديث التغليس فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أول الوقت رضوان الله"، وسئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها".
718-
وعقب الشافعي على هذا بقوله: "ورسول الله لا يؤثر على رضوان الله ولا على أفضل الأعمال شيئًا"2.
719-
ويحرص الشافيع جهده ألا يترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت إسنادًا؛ فيزيل ما بين الحديثين من اختلاف، فيقول الله تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعل من الناس من سمعه فقدم
1 اختلاف الحديث ص209 - فقد بين الإمام الشافعي ذلك.
2 اختلاف الحديث ص209 وانظر الرسالة ص282 وما بعدها.
الصلاة قبل أن يتبين الفجر، فأمرهم أن يسفروا حتى يتبين الفجر الآخر. فلا يكون معنى حديث رافع أن يؤخر الفجر عن وقته الأول، ولا يكون مخالفًا للحديث الأول، ويكون كلاهما على هذا النحو -ثابتًا"1.
720-
ومما يدل على ذلك ويؤكده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئًا ولا يحرمه، فأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم الطعام". يعني من أراد الصيام2.
721-
وقد أيدت السنة سنة أخرى عند الشافعي حتى لا يقال: إنه ذهب إلى رأي مخالف للسنة، فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجب الغسل إلا من الجنابة، وأخذ هذا الحكم من قول الله تعالى:{وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} 3 وقال: إن الوجوب لا يتعدى الغسل من الجنابة إلى شيء آخر إلا أن تدل السنة على غسل واجب، فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها.
722-
والشافعي لم يعلم دليلًا من السنة على وجوب الغسل من غير الجنابة.
723-
ولكن ماذا يفعل فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ظاهره الوجوب كغسل يوم الجمعة، وفيه الأحاديث الصحيحة؟ ومنها ما رواه عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" وهذا أمر ظاهره الوجوب، وما رواه أيضًا عن مالك عن صفوان بن مسلم عن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وهذا أكثر صراحة من الأول في الوجوب.
724-
هل ترك الشافعي هذه السنة الصحيحة حينما قال: إن غسل يوم الجمعة غير واجب؟! وكيف يتركها وهو المدافع عن كل ما ثبت عن
1 اختلاف الحديث ص210.
2 الرسالة ص291.
3 سورة النساء: 43.
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن السنة الأخرى الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي تعينه على الفهم الصحيح لهذه الأحاديث.
725-
وبعرض هذه على تلك يتبين أنه يأخذ بها جميعها ولا يترك منها شيئًا -فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث أخرى في غسل يوم الجمعة يؤكد أن الوجوب هنا وجوب في الاختيار وفي النظافة ونفي الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل وجب حقك عليّ، إذا رأيتني موضعًا لحاجتك، ولسان العرب واسع يحتمل هذا ويحتمل أن الغسل واجب لا يجزى غيره فكان الاحتمال الأول أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث، وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل يوم الجمعة أيضًا.
726-
ما هي هذه الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الأحاديث التي تؤكد أن الوجوب في غسل يوم الجمعة وجوب في الاختيار وفي النظافة؟
يروي الشافعي عن مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟! فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. وكان الرجل الداخل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه1.
ولم يزد الأمر على ذلك مما يدل على أنهما فهما الأمر على الاستحباب لا على الوجوب بدليل أن عثمان لم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك ولم ينكر عليهما من حضر الخطبة من الصحابة التي حدث في أثنائها الحوار بين عمر وعثمان رضي الله عنهما.
727-
وذكر الشافعي بعد هذا حديثًا آخر ليؤكد المعنى الذي أراده النبي أن الوجوب ليس معناه الفرض فتترك الأحاديث التي لا تدل على
1 مسلم 2/ 496.
الوجوب فقال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم1؟ " كما روي من حديث البصريين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" 2.
728-
وهكذا خرج الشافعي بعرض السنة على السنة بذلك الفهم الصحيح لبعض الأحاديث ولم يفعل كالذين أخذوا بظاهر الأحاديث الأولى من وجوب الغسل يوم الجمعة للصلاة3. وهم بهذا خالفوا السنة الصحيحة وتركوا ما تدل عليه، وهو بهذا وثقها جميعها، وأخذ بها كلها ولم يترك منها شيئًا، لأنها ثابتة، ولا يجوز أن يترك الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
729-
وندرك من كل هذا أن الأحناف استعملوا مقياس عرض السنة على السنة المشهورة من أجل توثيقها أو عدم توثيقها، وهم في هذا يقدمون عناية أخرى في نقد متن الحديث غير عنايتهم هم وغيرهم في نقد إسناده ورواته، وأن الإمام الشافعي وإن كان قد عارض في هذا المقياس لأنهم تركوا به بعض الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به؛
1 مسلم 2/ 497.
2 قال النووي: حديث حسن في السنن مشهور "مسلم بشرح النووي 2/ 498" - اختلاف الحديث ص 177 - 181. وانظر شبيهًا بهذا في باب من أصبح جنبًا في شهر رمضان ص 232 وما بعدها.
3 قال النووي: اختلف العلماء في غسل يوم الجمعة، فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب. قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث -يعني الأحاديث التي رواها مسلم- واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان مبينًا في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه ولا لزموه". صحيح مسلم 2/ 498.
إلا أنه استخدمه لتاكيد ثبوته وتوثيق بعض السنن، وهي عناية تدل على أن الذين التزموا بأن صحة السند دليل على صحة المتن لم يغفلوا العناية بالمتن ولم يغلقوا أنفسهم على الاهتمام فقط بالسند دون النظر في معاني الحديث وملاءمتها للأصول الإسلامية. والذي فعله الشافعي هنا هو ما فعله في عرض السنة على القرآن؛ لتأكيد ثبوتها وما سيفعله في عرضها على القياس والمعقول وغير ذلك كما سنرى - إن شاء الله.
وننتقل إلى مقاييس أخرى من مقاييس الحنفية في توثيق متون الأحاديث.