المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الموثقون في القرن الثاني الهجري: - توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

[رفعت بن فوزي عبد المطلب]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌مقدمة:

- ‌تمهيد

- ‌مدخل

- ‌السنة والحديث:

- ‌توثيق السنة والمراد منه:

- ‌نظرة عامة على التوثيق في القرن الأول الهجري:

- ‌دوافع التوثيق في القرن الهجري:

- ‌الموثقون في القرن الثاني الهجري:

- ‌القسم الأول: توثيق سند الحديث

- ‌الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد

- ‌مدخل

- ‌حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية:

- ‌حجية خبر الآحاد:

- ‌حجية المشهور عند الحنفية:

- ‌الفصل الثاني: توثيق الراوي

- ‌مدخل

- ‌ الإسلام:

- ‌ العقل:

- ‌ العدالة:

- ‌ الضبط:

- ‌الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه

- ‌السماع ومصطلحات الأداء عنه

- ‌ القراءة على الشيخ أو العرض:

- ‌ المناولة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ المكاتبة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ الإجازة ومصطلحات الأداء عنها:

- ‌ إعلام الشيخ:

- ‌ الوصية بالكتب:

- ‌ الوجادة:

- ‌التوثيق بالكتاب في نقل الحديث:

- ‌الفصل الرابع: المتصل والمنقطع من الأسانيد

- ‌عناية النقاد بالأسانيد واتصالها:

- ‌المرسل والاتجاهات في الأخذ به وتوثيقه وعدم الأخذ به:

- ‌القسم الثاني: توثيق متون السنة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله وعز وجل

- ‌الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة

- ‌الفصل الثالث: عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم

- ‌الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة

- ‌الفصل الخامس: عرض أخبار الآحاد على القياس

- ‌الفصل السادس: الرواية بالمعنى

- ‌الخاتمة:

- ‌ملخص الرسالة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌الموثقون في القرن الثاني الهجري:

‌الموثقون في القرن الثاني الهجري:

تدوين السنة:

64-

مما لا شك فيه أن الكتابة من أهم عوامل التوثيق إن لم تكن أهمها جميعها. وإذا كان واضحًا جليًّا أن السنة النبوية قد حفظها الله عز وجل بالكتابة ابتداء من القرن الثاني الهجري فما تلاه من القرون، فإنه قد أثيرت شبه واعتراضات حول كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين، أي في القرن الأول1.

65-

وزعم من آثار هذه الشبه والاعتراضات أن الحديث لم ينقل إلا بالرواية الشفهية في هذا العهد، عندما حفظه الصحابة رضوان الله عليهم ونقلوه إلى التابعين ونقله هؤلاء بهذه الطريقة إلى من بعدهم، حتى دونت السنة ابتداء من القرن الثاني الهجري، فأسهم الحفظ في الذاكرة والكتاب معًا في توثيق السنة وصونها.

66-

وأساس هذا الزعم ما روي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعن بعض صحابته من نهي عن كتابة الحديث. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:"لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وفي -رواية:"من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وكذلك ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال:"استأذنت النبي، صلى الله عليه وسلم أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي "وفي رواية: "استأذنا النبي، صلى الله عليه وسلم في الكتاب فأبى أن يأذن لنا". كما روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء عن أبي هريرة قال: "خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نكتبالأحاديث فقال: ما هذا الذي تكتبون؟.. قلنا: أحاديث سمعناها منك. قال: أكتابًا

1 أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو رية - الطبعة الثانية 1383هـ - 1964م - لبنان ص 209 - 220- الأضواء القرآنية: السيد صالح أبو بكر - 1974م، مطابع محرم الصناعية، ص15، 16.

ص: 43

غير كتاب الله تريدون؟. ما أضل الأمم من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة انتحدث عنك يا رسول الله؟. قال: "نعم، تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".

وفي رواية: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار"، وفي رواية أخرى:"أكتابًا مع كتاب الله؟. أمحضوا كتاب الله وأخلصوه". وهناك روايات أخرى عن أبي هريرة تفيد كلها هذا المعنى.

67-

ومع الروايات عن أبي سعيد، وأبي هريرة، رضي الله عنهما، روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ألا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه"، وفي رواية عنه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يكتب حديثه1".

هذه هي كل الروايات المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتخذها الزاعمون دليلًا على أن الحديث لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

68-

وزعموا أيضًا أنه لم يكتب في عهد الصحابة وبعد وفاة الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه؛ مستدلين بروايات موقوفة على بعض الصحابة تفيد رفضهم لكتابة الأحاديث، وهذه الروايات عن أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر2.

69-

ويدعمون زعمهم بعدم كتابة الحديث حتى أواخر القرن الأول بأن تيار كراهة الكتابة قد امتد إلى بعض التابعين أمثال محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي وأبي العالية والضحاك3.

1 المحدث الفاصل ص379 - تقييد العلم: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي "463هـ" تتحقيق د. يوسف العش، دمشق 1949هـ، الطبعة الأولى. ص29 - 35 وقد أتى في هذه الصفحات بطرق كثيرة لتلك الروايات، ولا غرو، فالكتاب مخصص لهذا الموضوع.

2، 3 تقييد العلم ص36 - 46.

ص: 44

وهذا كل ما قيل تقريبًا من أحاديث مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفة على الصحابة، ومنسوبة إلى بعض التابعين، ويتخذها الزاعمون دليلًا على عدم كتابة السنة في القرن الأول الهجري.

70-

ولا يتسع المجال هنا لمناقشة هذا الزعم بإفاضة، ونكتفي بإبداء ملاحظتين جديرتين بالنظر، حتى لا نذهب إلى ما ذهب

إليه هؤلاء فنجانب الصواب:

الملاحظة الأولى:

أن هذه الأدلة -على الرغم من أنها قليلة جدًّا- تتعارض مع ما صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصحابته والتابعين من إباحة الكتابة، بل وكتابتهم، الأحاديث فعلًا- كما سيتضح لنا بعد قليل.

الملاحظة الثانية:

والأحاديث المرفوعة منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم -على قلتها- لا تسلم من الطعن، والشك في صدورها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم:

فالحديث الأول منها، حديث زيد بن أسلم قال عنه الخطيب البغدادي: "تفرد همام بروايته هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعًا

ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد من قوله: غير مرفوع إلى النبي، صلى الله عليه وسلم"1.

ولا نريد أن نسلم بهذا القول، فنقلول: إنه موقوف؛ لأن الإمام مسلمًا قد روى هذا الحديث مرفوعًا، ولكننا نقول: إن تفرد همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مما يجعل أحاديث إباحة الكتابة الصحيحة أرجح منه لما ليس فيها من التفرد الذي في حديثنا هذا، كما سنرى.

1 المصدر السابق، ص 31 - 32.

ص: 45

والحديث الثاني رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد، وعبد الرحمن هذا ضعيف عند أهل العلم، قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء، وقال أحمد: ضعيف، وقال الشافعي: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه: "أن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين"؟ قال: نعم، وضعفه آخرون، أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وعلي بن المديني والنسائي1.

فالحديث إذن ضعيف، لا يعتمد عليه.

ومثل هذا يقال فيما روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن راويه هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا.

يبقى من الأحاديث المرفوعة الحديث الذي نسب إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث فيه مقال أيضًا، ينزله عن درجة الصحيح إلى درجة الضعيف، ففي سنده كثير بن زيد، وروى ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل أن يحيى بن معين سئل عنه، فقال:"ليس بالقوي"، وقال النسائي فيه:"ضعيف"، وقال أبو زرعة:"صدوق فيه لين" كما روى له الذهبي في الميزان حديثًا فيه نكارة، وفيه علة فوق نكارته2، فلا يحتج به إذن، بالإضافة إلى أن المطلب الذي روى عنه كثير هذا الحديث لم يدرك زيد بن ثابت، فهو منقطع3.

وعلى هذا فلم يسلم من الضعف في هذه الأحاديث جميعها إلا حديث واحد تفرد به رواته، وقيل فيه: إنه موقوف على الصحابي -كما رأينا- وكما يقول صاحب الأنوار الكاشفة: "أما الأحاديث، فإنما هي حديث مختلف في صحته وآخر متفق على ضعفه"4.

1 الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند جـ2 ق2 ص233.

- ميزان الاعتدال، في نقد الرجال: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "874هـ" تحقيق علي محمد البجاوي - دار إحياء الكتب العربية الطبعة الأولى 1382هـ - 1963م. جـ2 ص564.

2 المصدرين السابقين: الأول جـ3 ق2 ص150 - 151 - الثاني جـ3 ص404.

3 الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحن بن يحيى المعلمي اليماني -المكتبة السافية- القاهرة 1378هـ - ص35.

4 المصدر السابق، ص34 - 35.

ص: 46

71-

أما الروايات أو الأحاديث الموقوفة على بعض الصحابة، فإننا إذا سلمنا بصحتها، فإنها:

أولًا: عن عدد قليل، على حين نرى أن كثيرًا من الصحابة قد كتبوا.

وثانيًا: أنه قد وردت روايات تفيد أن هذا البعص نفسه قد كتب أو أباح الكتابة.

72-

وإذا انتقلنا إلى الكتابة نجد أننا أمام نصوص وأحاديث كثيرة، مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وموقوفة على الصحابة والتابعين -تفيد أنهم أجازوا الكتابة أو كتبوا، وأن بعض الصحابة قد وثق الأحاديث بالتدوين والكتابة مما يدحض الزعم الذي يقول: إن الأحاديث لم تكتب في القرن الأول الهجري.

73-

وسنترك الأحاديث الضعيفة التي رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي اتخذها المنكرون للكتابة من أداتهم، ونقتصر على ما صح.

1-

وروى البخاري ومسلم وغيرهما أنه "لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خطب

فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"اكتبوا لأبي فلان". قال ابن حجر هو أبو شاه، وقيل للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول

الله صلى الله عليه وسلم.

2-

وروي البخاري بسنده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتد وجعه قال: "ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده

". ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبيح الكتابة ما دعا إلى كتابة هذا الكتاب، ولهذا يقول ابن حجر: "وفي هذا الحديث دليل على جواز كتابة العلم،

1 صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر "852هـ" طبعة دار الكتابة الجديد جـ1 ص184 - 185.

ص: 47

لأنه "هَمّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق"1.

3-

وروي البخاري أيضًا بسنده عن وهب بن منبه، عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".

ويقول البخاري: "تابعه -يعني وهب بن منبه- معمر عن همام عن أبي هريرة2".

وإذا كان حديث أبي شاه يحتمل أن يكون إذن الكتابة له خاصًّا لأنه كان أميًّا، وكان أعمى؛ فإن هذا الحديث بطرقه التي ذكرها البخاري وغيره أقوى في الاستدلال للجواز، لأن ابن عمرو لم يكن أميًّا، ولم يكن أعمى.

4-

وروي البخاري بسنده "عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، وفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟

قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر"3.

هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وغيرها- إن لم تدل على أن حديث أبي سعيد غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تقضي بتأويله، والجمع بينه وبينها4.

74-

ولا نقول -كما يقول بعضهم- إن حديث أبي سعيد هو المتأخر، فيكون ناسخًا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم، ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.

1 المصدر السابق جـ1 ص186، 187.

2 المصدر السابق جـ1 ص184، 185.

3 صحيح البخاري على فتح الباري جـ1 ص182 - 183.

4 الأنوار الكاشفة ص36.

ص: 48

75-

والذي يحتمل هو أن يكون حديث أبي سعيد هو المنسوخ، وقد نسخته هذه الأحاديث التي تبين إباحة الكتابة

أو أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، أما في غيره فيكون الإذن بالكتابة

أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في كتابة الأحاديث بعيدة عما يكتب فيه القرآن

أوالنهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك1.

76-

وعلى أية حال فقد فهم الصحابة -باستثناء أبي سعدي الخدري وأبي موسى الأشعري- أانه لا مانع من كتابة الأحاديث، وتوثيقها بها، وقاموا بتنفيذ ذلك، ومما روي لنا في هذا الصدد:

1-

أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب صحيفة سماها الصادقة2.

2-

وكتب أبو بكر لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدثه به جده3.

3-

وروي الرامهرمزي والخطيب البغدادي وابن عبد البر كل بإسناده أن عمر بن الخطاب قال: "قيدوا العلم بالكتاب4"، وصح مثله عن أنس رضي الله عنه5.

4-

وقد تقدم أن عند علي صحيفة فيها العقل، وفكاك الأسير، والنهي عن قتل المسلم بالكافر6.

1 فتح الباري جـ1 ص185. وانظر تاريخ الفقه الإسلامي: محمد علي السايس - مطبعة محمد علي صبيح - ص88.

2 تقييد العلم ص84 - 85 وفيه نصوص من هذا الكتاب.

3 صحيح البخاري: جـ2 ص146، 147 - تقييد العلم ص87 وفيهما نصوص من هذا الكتاب.

4 جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد البر "463هـ" المكتبة السلفية بالمدينة الطبعة الثانية 1388هـ - 1968م. جـ1 ص86 - المحدث الفاصل: ص377. تقييد العلم ص88.

5 سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ص54.

6 ص48 من هذا البحث.

ص: 49

وروى أبو خيثمة بسنده الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه قال: "من يشتري مني علمًا بدرهم". قال أبو خيثمة: "يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم1. وزاد ابن سعد في روايته: "فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا2.

ومما يدل على أن حديث علي كان مكتوبًا أن أبي مليكة كتب إلى ابن عباس وسأله أن يكتب له كتابًا، ويخفى عنه، فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيار وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء3. وكما يقول شيخنا الحافظ التجاني:"هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السنة4".

5-

ويبدو أن الحسن قد أخذ عن أبيه رضي الله عنهما هذا، فعن شرحبيل بن سعد، قال: جمع الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال:"يا بني إنكم اليوم صغار قوم، أوشك أن تكونوا كبار قوم، فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فيلكتبه. وفي رواية زادت: "وليضعه في بيته"5.

6-

وكتب ابن عباس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتي أبا رافع الصحابي، ويقول:"ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا"؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها6. وقد شهدت بهذا الصحابية الجليلة سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: رأيت عبد الله ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم7.

1 كتاب العلم: أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي "160 - 234هـ" تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. المطبعة العمومية بدمشق. ص144.

2 الطبقات الكبرى: محمد بن سعد، دار التحرير بالقاهرة 1388هـ - 1968م مصورة عن الطبعة الألمانية المحققة. جـ6 ص116.

3 صحيح مسلم بشرح النووي جـ1 ص68، 69.

4 سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ص54.

5 تقييد العلم ص91.

6 المصدر السابق ص91، 92.

7 الطبقات الكبرى جـ2 ص123.

ص: 50

وحدث أبو خيثمة أن ابن عباس كان يحض على قيد العلم1، ويروي ابن سعد أنه كانت له كتب حمل بعير2.

7-

وكتب أنس بن مالك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مر أنه نقل كتاب أبي بكر في الصدقة3، وقد روي مسلم بسنده أنه كتب حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كتاب أبي بكر4

وقد مر أيضًا أنه صح عنه قوله: "قيدوا العلم بالكتاب

ويروي الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عماي: النضر وموسى ابنا أنس عن أبيهما أنس بن مالك أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمها5.

8-

وإذا كان أبو هريرة لا يكتب، ويحفظ الحديث حفظًا جيدًا ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالحفظ6 - فإن تلاميذه قد كتبوا له حديثه7، وأخذ هذه الكتب، فحفظها عنده، حتى لا يغير في حديثه أو يبدل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما ينسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا -كما روى البخاري- ثمانمائة نفس8.

9-

وكتب سمرة بن جندب رضي الله عنه ما رواه من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحيفته مشهورة عند المحدثين، وقد تكون هذه الصحيفة هي رسالته إلى أبنائه، تلك الرسالة التي تضم - كما يرى

1 كتاب العلم ص144.

2 الطبقات الكبرى جـ5، ص216.

3 انظر هذا البحث ص49.

4 مسلم بشرح النووي جـ1 ص205 - 207، وفيه نص ما كتبه.

5 تقييد العلم ص96. والمحدث الفاصل ص367 ويروى أنه كانت عنده مجال من الكتب "مجلة".

6 صحيح البخاري "ط الشعب" 9/ 133.

7 العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن محمد بن حنبل "164 - 241هـ "تحقيق د. طلعت فوج بيكيت ود. إسماعيل جراح أوغلي. أنقرة 1963. جـ1 ص43 - كتاب العلم: ص142- جامع بيان العلم جـ1 ص89.

8 فتح الباري جـ1 ص184.

ص: 51

ابن سيرين -علمًا كثيرًا، وقد نقل البخاري بعضًا منها، وقد تكون غيرها كما ذكر بعض الباحثين1.

10-

وكتب جابر بن عدب الله، رضي الله عنه صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله، وقيل: إن مجاهد بن جبر كان يحدث2 منها، وإذا علمنا أن هذا الصحابي الجليل قد حمل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا نافعًا -كما يقول الذهبي3- أدركنا أنه قد دون الكثير من هذا العلم في هذه الصحيفة، وقد أخرج مسلم في جامعه الصحيح من هذه الصحيفة في مناسك الحج ما يقرب من الثلاثين حديثًا، وكان أطولها ذلك الحديث الذي رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حجة الوداع، فقد استغرق هذا الحديث أكثر من أربع صحائف كاملة من كتاب مسلم، ويصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم وصفًا كاملًا4.

11-

وروى الدرامي بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي أجاز كتابة العلم، فقد سأله أحد تاميذه، وهو الحسن بن جابر عن كتابته، فقال: لا بأس بذلك5.

12-

وكتب عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسله إلى بعض أصحابه6.

1 تاريخ التراث العربي: فؤاد سزكين، ترجمة د. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر - القاهرة 1971م، ص254.

2 الطبقات الكبرى: جـ5 ص344.

3 تذكرة الحفاظ جـ1 ص43.

4 صحيح مسلم بشرح النووي جـ3 ص313 - 356.

5 سنن الدارمي جـ1 ص127 - تقييد العلم ص98- سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ص62.

6 صحيح البخاري جـ4 ص62 طبعة دار الشعب بالقاهرة، انظر ص30، 77 أيضًا ففي هذه المواضع أجزاء من الحديث الذي كتبه.

ص: 52

13-

وجمعت أسماء بنت عميس رضي الله عنها بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم1.

14-

وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم بعض الحديث2. ويروي أبو خيثمة بسنده الصحجيح عن وراد كاتب المغيرة، قال: أملى علي المغيرة، وكتبته بيدي3.

15-

ويروى أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج إلى السوق نظر إلى كتبه4، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث.

هذا ما ستطعنا أن نجمعه ونشير إليه في هذه العجالة عن كتابة الصحابة رضوان الله عليهم للحديث.

ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا كان اتجاهًا عامًّا

كيف ذلك وقد روي أن بعضهم نهى عن الكتابة؟

76-

نقول: لعلنا قد لمسنا أن بعض من قيل: إنهم كرهوا الكتابة قد ثبت عنهم أنهم أجازوها أو كتبوا، مما يجعلنا نرى أن الكراهة كانت في بعض الحالات، وليست في جميعها

وهذه الأخبار نفسها تحمل في طياتها ذلك الاتجاه العام إلى كتابة الأحاديث، والإلحاح من أجل كتابتها والإحساس بتلك الحاجة: فهذا عمر رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن، "فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها5"

هكذا تقول الرواية!!

وهذا أبو بكر رضي الله عنه هم بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى

1 السنة قبل التدوين ص446.

2 صحيح البخاري جـ2 ص153.

3 كتابة العلم ص117.

4 الجامع لأخلاق الراوي: الخطيب البغدادي ورقة 100أمخطوط بدار الكتب المصرية - والسنة قبل التدوين ص352.

5 تقييد العلم ص49، 50.

ص: 53

أن يحرقها؛ لا لأن الرسول نهى عنها، ولكن خاف أن تُؤْثَر عنه وتنقل، وقد يكون فيها حديث غير صحيح1.

77-

وهذا هو أبو سعيد الذي روى الحديث المرفوع في كراهة الكتابة وروى عنه غيره من الموقوفات يلح دائمًا عليه تلاميذه: "إنا نخاف أن نزيد أن ننقص، فلو أنا كتبنا؟ "

ويذهب الأمر بابنه إلى أن يخالف أباه ويكتب حديثه2.... والعجب في الأمر أنه مع هذا الإلحاح لا نجد أبا سعيد يرى علة لهذا المنع إلا أنه لا يريد أن يجعل الحديث كالقرآن في مصاحف، ويريد لهم أن يحفظوا كما حفظ هو وغيره منالصحابة، ولكنه لا يذكر أن العلة هي أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك3، وهذا يضاف إلى ما قيل من أن المرفوع عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو موقوف عليه.

78-

وابن مسعود وأبو موسى اللذان قيل: إنهما كرها الكتابة جهد بعض تلاميذهما أن يكتبا حديثهما مثل ابن أبي سعيد

حقيقة تقول الروايات إنهما اكتشفا ذلك فمحواه

ولكن هل اكتشفا كل الحديث الذي كتب دون أن يشعرا؟. إن الروايات تقول: إنهما محوا ما اكتشفاه بمحض الصدفة4

والكلام في هذا طويل

لكن هذا ليس مجاله

7-

ومع هذا فليس عجبًا أن تبرز بعض الضوابط لكتابة الأحاديث عند الصحابة، والتي تمت وظهرت واضحة بعد ذلك، أي بعد أن كثرت الكتابة في القرن الثاني الهجري الذي نتكلم عنه.. ومن هذه الضوابط حفظ الكتاب حتى لا تمتد إليه يد آثمة بالتغيير، وقد سبق أن روي هذا

1 تذكرة الحفاظ جـ1 ص5.

2 تقييد العلم ص36 - 38.

3 تقييد العلم ص36 - 37.

4 المصدر السابق ص39 - 41.

ص: 54

عن الحسن بن علي رضي الله عنه1. وعن أبي هريرة رضي الله عنه2. وكان علي رضي الله عنه يحفظ الصحيفة التي كتبها في "الديات" في قراب سيفه3.

80-

ونشأت طريقة القراءة على الشيخ مع طريقة السماع في تلقي الأحاديث. وروي عن علي كرم الله وجهه قوله: القراءة على العالم بمنزلة السماع4. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له عن الأمر الأمور، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل، فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه أو كتب من كتبه، فجعلوا يستقرئونه، وجعل يقدم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تلهت5 من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، أو كتب من كتبي فليقرأ علي، فإن إقراري له به كقراءتي عليه"6. ومن تلاميذه الصحابة من كان يجمع بين القراءة والسماع كما كان يفعل بشير بن نهيك مع أبي هريرة7.

81-

كما روي عن بعضهم أنه كره تلقي الحديث من الكتب دون سماع أو قراءة، روى عن عمر رضي الله عنه قوله: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه، حتى يختلط سواده مع بياضه8.

88-

ونجمل هذا التطواف مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

1 ص50 من هذا البحث.

2 ص51 من هذا البحث.

3 فتح الباري جـ1 ص182 - 183.

4 المحدث الفاصل ص428 - 429.

5 تله الرجل إذا تحير، والأصل وله إلا أن العرب قد تقلب الواو تاء "الكفاية 263".

6 الكفاية في علم الرواية: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي "463هـ".

دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد بالهند 1357هـ - ص263 وقد اعتمدت على طبعة أخرى ولذلك سأشير إلى هذه بالحرف "هـ". والأخرى "م".

7 المصدر السابق ص: 375.

8 المصدر السابق ص: 353.

ص: 55

في عنياتهم بحديث رسولهم صلى الله عليه وسلم وتوثيقهم له، أو بعبارة أخرى: وضع البذور لأسس هذا التوثيق فنقول: إنهم وضعوا الأسس التالية:

1-

الحرص على سماع الحديث.

2-

حفظ الأحاديث والتثبت في روايتها.

3-

التنقيب عن الرواة.

4-

حرص بعضهم على الإسناد.

5-

عرض بعضهم الحديث على النصوص الثابتة والمبادئ الإسلامية.

6-

تدوين بعضهم للسنة، ووضع ضوابط للرواية من هذا التدوين.

التابعون وتوثيقهم للسنة:

89-

وتسلم راية حمل السنة وروايتها وحفظها وتوثيقها بعد الصحابة رضوان الله عليهم التابعون

وكانت هناك الدوافع نفسها التي دفعت الصحابة إلى العناية بالسنة وتوثيقها.

90-

وجدت أمور دفعتهم إلى أن يزيدوا من هذه العناية وهذا التوثيق، فعندما وقعت الفتنة قبلي استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، واستمرت بعد ذلك كان بعض من أهلها لم ينالوا شرف الصحبة، ولم يكن عندهم من الإيمان ما يعصمهم من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادوا في الأحاديث مما يصور بدعهم وأهواءهم.

ولهذا فقد كان واجبًا على التابعين أن يزيدوا في توثيقهم للسنة، حتى يميزوا بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها مما وضعه الوضاعون الذين يريدون نصرة ما يروجون له بالباطل1.

1 حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفعت قفوزي عبد المطلب - مجمع البحوث الإسلامية "ملحق بمجلة الأزهر عدد ربيع الثاني 1395هـ" ص 35، 36.

ص: 56

ومن وسائل توثيق التابعين للسنة:

1-

نقد الرجال:

91-

كانت الوسيلة لنقل السنة هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو كذبه هو صدق ناقليه أو كذبهم -بالدرجة الأولى- ولهذا فقد اهتم التابعون بدراسة الرجال، والبحث عما إذا كانوا عدولًا، فيقبل حديثهم، أو مجرحين فلا يقبل منهم ما يروون. ومن أجل هذا تكلموا في رواة الأحاديث بما يبين تعديلهم أوتجريحهم، وممن تكلم في ذلك مما يذكره ابن عدي -ونقله عنه السخاوي- الأئمة: الشعبي، وابن سيرين، وابن جبير، وإن كان كلامهم قليلًا؛ لأن التابعين أكثرهم عدول، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض بوفاة الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد1، ولك لقرب العهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولشيوع الورع والتقوى تأسيًا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان إيمانهم قويًّا رائعًا

ظاهرًا في حركاتهم وسكناتهم.

92-

وعلى هذا لم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة عرف بالعدالة والضبط يقول الإمام الشافعي، رضي الله عنه: "كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة، يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب2.

93-

بالإضافة إلى ذلك فقد أحصوا أخطاء الرواة ليعرفوا حقيقة ما يروون، يقول الإمام الشعبي:"والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة3".

2-

الاهتمام بالإسناد:

94-

ونمت بذور الإسناد التي عرفناها عند الصحابة رضوان الله عليهم، والتزم بعضهم به؛ كي يتبين لهم رجال الحديث، فيلتقوا بهم،

1 الإعلان بالتوبيخ ص163.

2 السنة قبل التدوين: ص237 وما رجع إليه - المحدث الفاصل ص405.

3 تذكرة الحفاظ جـ1 ص82.

ص: 57

أو يسألوا غيرهم عنهم، فيقفوا على حالهم، ومن هذا ما يرويه الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بعدي من أمتي -أو- سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لايجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية

"، قال عبد الله بن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر، كذا وكذا

فذكرت له هذا الحديث، قال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.

95-

ويبين الإمام ابن سيرين السر وراء الاهتمام بالإسناد، فيقول: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم2.

3-

الحفظ والسماع والتثبت في الآداء:

96-

واقتدى التابعون بالصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الاحتياط في حمل الحديث وفي أدائه، فوجدناهم يحرصون على سماع الأحاديث، حتى ولو كانت في بلد آخر غير الذي يعيشون فيه، يقول أحدهم:"إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه3"، ويقول أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم4.

97-

ولم يجز كل واحد منهم أن يلقي الحديث قبل أن يتثبت فيه وقبل أن يتأكد من أنه لن يحرفه عن وجهه الصحيح، يقول الإمام الشعبي،

1 صحيح مسلم بشرح النووي جـ3، ص120.

2 المصدر السابق جـ1، ص71 وانظر الجرح والتعديل جـ1 ق1، ص28.

3، 4 سنن الدرامي جـ1، ص140.

ص: 58

مصورًا عبء الرواية: "يا ليتني انفلت من علمي كفافًا؛ لا عليّ ولالي1"، ويقول أيضًا ما يدل على محاسبته لنفسه في رواية الحديث:"كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث2"، ومن أجل هذا حفظوه في صدورهم، فكان قتادة، مثلًا -كما يروي الرامهرمزي- إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل، حتى يحفظه3، وكانوا يستعينون على الحفظ والتثبت فيه بالمذاكرة ونبه أكثر من واحد منهم عليها4.

وقد تركت رواية الكثيرين لأنهم غير متثبتين في روايتهم، وإن كانوا عدولًا، فعن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من أهله5.

4-

نقد متن الحديث:

98-

وكانت لهم نظرات في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن السند، فكان إبراهيم النخعي -مثلًا- يترك بعض أحاديث أبي هريرة، ويبرر ذلك بفعل بعض الصحابة، وموقفهم من هذه الأحاديث، وكان يقول: "كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة، ويدعون

ولو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع6، وهو بهذا ينكر حديث أبي هريرة:"ولد الزنا شر الثلاثة7". وقد رده هنا، كما نرى، بالقياس، وروي هذا عن الشعبي أيضًا.

99-

وقد رد إبراهيم النخعي أيضًا حديث فاطمة بنت قيس، وحديث

1 تذكرة الحفاظ، جـ1، ص88.

2 المصدر السابق جـ1 ص83.

3 المحدث الفاصل: ص402، عال يعود ويعيل أمرهم اشتد وتفاقم

والاسم العويل القاموس "ع ول".

وزاوله زوالًا ومزاولة عالجه وحاول طلبه. القاموس مادة "زول" والمعنى هنا نشط، ولم يهدأ حتى يحفظ.

4 المحدث الفاصل: ص546.

5 المحدث الفاصل، ص407.

6 أصول السرخسي 1- 340 - كشف الأسرار 2 - 698.

7 الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: ص118.

ص: 59

التغريب للعانس وحديث الشاهد واليمين؛ لمعارضتها -في رأيه- للقرآن. كما رد أحاديث القنوت في الفجر، لأنه لو صح لاشتهر عن جمع من الصحابة، أي أنه فيما تعم به البلوى1.

تدوين السنة في عهد التابعين:

100-

وكان للتابعين دور في تدوين السنة لا يقل أهمية في توثيق الحديث عن دور الصحابة إن لم يزد عليهم.

101-

وممن كتب الحديث منهم أو أجاز كتابته لحفظه سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نهيك، وهمام بن منبه، وكثير بن أفلح، وسعيد بن جبير، وعبيدة بن عمرو السلماني، وابن عقيل، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن يزيد الجرمي، وأبو المليح عامر بن أسامة بن عمير، وقتادة بن دعامة السدوسي وغير هؤلاء كثيرون2.

102-

ويطول بنا الأمر إن استقرأنا صحف هؤلاء وكتبهم وما فيها من علم ومن سنة. إلا أننا ننبه إلى أن هؤلاء كانوا همزة الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين الأوائل في بداية القرن الثاني.

103-

وقد حفظ لنا التاريخ مثلًا "صحيفة همام بن منبه" التي كتبها عن أبي هريرة، ونقلها المصنفون بعد ذلك في القرن الثاني وما بعده3.

1 انظر مناقشة كل هذا ورأي إبراهيم مفصلًا في رسالة "إبراهيم النخعي، وفقهه بين معاصريه من الفقهاء- رسالة ماجستير نال بها الزميل محمد عبد الهادي سراج درجة الماجستير من كلية دار العلوم -جامعة القاهرة عام 1971. ص306- 312.

2 انظر عن كتب هؤلاء وغيرهم: تقييد العلم: 99 108 المراسيل: عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي "327هـ" - مكتبة المثنى ببغداد 1386 - 1967. ص109 - 41 - 66. وكتاب العلل ومعرفة الرجال: 1/ 104 - 360/ 247.

3 نشر هذه الصحيفة الدكتور محمد حميد الله مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق المجلد 28 سنة 1953ص 96 - 116، 270 - 281، 443 - 467.

ص: 60

وقد نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضع واحد، ويسند واحد في أول الأحاديث1.

104-

وكتب أبي قلابة عبد الله بن يزيد الجرمي انتقلت إلى أيوب السختياني2. وأبو قلابة "104هـ" قد لقي من الصحابة سمرة بن جندب وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم، وأرسل عن حذيفة وعائشة3.

وأيوب "231هـ" الذي أخذ كتبه ورواها قد تتلمذ عليه من أهل القرن الثاني ومن المصنفين الأوائل في الحديث شعبة ومعمر والحمدان والسفيانان وغيرهم4.

وهكذا هيأ هؤلاء التابعون بتدوينهم علم الصحابة المادة المدونة لمن تصدوا لتصنيف المؤلفات الجامعة في الحديث، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.

105-

وقد وضع التابعون مع هذا التدوين ضوابطه وأسسه التي تجعل الأحاديث تنتقل به انتقالًا صحيحًا؛ فلا يعتريها تحريف أو تبديل:

ومن هذه الضوابط المعارة والقابلة حتى يتلافى ما فيها من أخطاء أثناء النقل، يقول هشام بن عروة، قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم. قال: عارضت، قلت: لا. قال: لم تكتب. ويقول يحيى بن أبي كثير "129هـ" من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج5. وكذلك عرضها على الشيخ حتى يقيمها، قيل لنافع، مولى ابن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني، حتى أقيمه لهم6.

1 المسند 2/ 312- 319.

2 المحدث الفاصل ص459، 460.

3 تذكرة الحفاظ 1/ 94.

4 تذكرة الحفاظ 1/ 94.

5 المحدث الفاصل، ص44.

6 أدب الإملاء والاستملاء: أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني "562هـ - 1166م" طبعة ليدن 1952. ص78.

ص: 61

106-

وكذلك حفظ هذه الكتب، بعضهم بحفظها في ذاكرته، وبعضهم يحفظها في مكان أمين، وكان قتادة يحفظ صحيفة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا1، وكان الحسن بن علي يحفظ قول أبيه المكتوب في ربعة لا يخرجه منها إلا عند الحاجة إليها2. وهذا الحفظ هو ما عبر عنه الحسن البصري منهم بقوله:"إن لنا كتبًا نتعاهدها"3، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًّا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا حفظًا له4.

107-

وكانت هذه الكتب تراجع بالسماع أو بالقراءة على الشيخ حتى لا تقرأ محرفة، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا، حتى يسمعه من ثقة5، واستفتي أيوب الناس فيما آل إليه من كتب أبي قلابة وصيه هل يحدث بما فيه مع أن بعضه انتقل إليه وجادة، ولهذا توقف ابن سيرين وقال له: لا آمرك ولا أنهاك6.

واعتنى الأئمة في القرن الهجري بهذه الناحية عناية شديدة فتناولوا هذه الكتب، ونبهوا على ما انتقل منها سماعًا أو عرضًا، وما لم ينقل كذلك فلا يعتمد عليه كثيرًا وخاصة إذا كان بطريق الوجادة، كما سنرى إن شاء الله تعالى.

108-

هكذا رأينا أن التابعين، مثل الصحابة رضوان الله عليهم في الحفاظ على السنة صحيحة نقية، وأبعدوا عنها ما ليس منها بما وضعوا من أسس وطرائق لتوثيقها، والتي تمثلت في:

1 الطبقات الكبرى جـ7 قسم 2 ص2.

2 العلل ومعرفة الرجال 1/ 104.

3 كتاب العلم، ص135 - تقييد العلم ص100.

4 تذكرة الحفاظ 1/ 93.

5 الكفاية "هـ" ص53.

6 المحدث الفاصل، ص459.

ص: 62

1-

نقد الرجال.

2-

والاهتمام بالإسناد.

3-

والحفظ والسماع والتثبت في الأداء.

4-

ونقد بعضهم لمتن الحديث وعرضه على النصوص أو القياس.

5-

وتدوين السنة، ووضع ضوابط لهذا التدوين.

السنة في القرن الثاني:

109-

وبانتهاء عصر التابعين يبدأ عصر تابعي التابعين، أو ندخل في القرن الثاني الهجري الذي هو مناط بحثنا، من حيث بيان أسس التوثيق فيه للسنة واتجاهات هذا التوثيق.

وقبل أن ندخل في غمار هذا نطل إطلالة عابرة على ما جد في هذا القرن عن سابقه، بما يحمل من عوامل ودوافع أخرى للتوثيق والعناية بالسنة، والموثقين في هذا القرن الذين سنتعامل معهم من خلال دراستنا.

دوافع التوثيق في القرن الثاني:

110-

ببداية هذا القرن بَعُد العهد عن العصر الأول للإسلام، عصر النبوة، وجدت أمور لم تكن موجودة في القرن الأول الهجري، أو كانت موجودة في بدايتها، ولكنها تطورت في القرن الثاني، واحتاج الأمر معها إلى عناية أكبر بالسنة.

111-

ويمكن إجمال ما جد في القرن الثاني الهجري، والذي يعتبر من الدوافع القوية إلى مواصلة السير في طريق التوثيق، وإنما أسسه واتجاهاته في النقاط التالية:

1-

توفي الصحابة الذين كانوا يحفظون السنة، ويوشك أن يتوفى التابعون الذين تلقوها منهم.

ص: 63

2-

كثر الوضع في الحديث، ويرجع ذلك إلى وجود قوم من أتباع التابعين ليس عندهم من التورع عن الكذب، والحيطة ما عند الصحابة وجل التابعين.

112-

والحقيقة أنه قد نشأت في القرن الثاني كل اتجاهات وضع الحديث ودوافعه تقريبًا:

فالخلافات السياسية كانت على أشدها في هذا القرن، وكان الرافضة أكثر الفرق كذبًا فيه، وقد سئل الإمام مالك عن الرافضة، فقال:"لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون". وقال شريك بن عبد الله القاضي، وكان معروفًا بالتشيع مع الاعتدال فيه:"أحمل من كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا". وقال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا جعلناه حديثًا، وقال الشافعي: "ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة1.

وقد قابلهم الجهلة من أهل السنة بوضع الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة الذين وضع فيهم الرافضة ما ينقصهم ويذمون به2".

ووضع المتعصبون الجهلاء لمعاوية والأمويين بعض الأحاديث؛ دعوة لهم بين الناس وتثبيتًا لأقدام خلافتهم، وكذلك الحال بالنسبة للعباسيين3.

1 آداب الشافعي ومناقبه، عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي "240 - 327هـ" تحقيق عبد النبي عبد الخالق مكتبة الخانجي 1372هـ - 1953م ص187، 189 - الكفاية "هـ" ص126. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص79 - 80.

2 الحديث والمحدثون: محمد محمد أبو زهر - الطبعة الأولى: 1378هـ - 1958م ص97 - 98. والرافضة هم فرقة من الشيعة كفرت بعض الصحابة، وعندهم الإمام هو المصدر الأول والأخير للإسلام "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: أبو الحسين الملطي "377هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، المثنى ببغداد 1388هـ - 1968م ص25، 26.

3 السنة ومكانتها في التشريع ص81.

ص: 64

ووضع بعض المتعصبين من الخوارج الأحاديث، إفسادًا لما عليه خصومهم1.

وكثرت حركات الزندقة في هذا العصر، ودس هؤلاء الزنادقة الكثير من الأحاديث في العقائد والأخلاق، والحلال والحرام، وقد أقر زنديق أمام المهدي العباسي بأنه وضع مائة حديث تجول بين الناس وفي أيديهم2.

وكانت هناك العصبية للجنس وللقبيلة وللغة وللبلد ولأئمة الفقه، وكل هذا كان دافعًا إلى وضع الأحاديث، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم3.

وهناك القصاص الذين يتاجرون بالقصص ويستغلون سذاجة بعض الناس وجهلهم، فيروجون بضاعتهم بوضع الأحاديث التي تستميل إليهم هؤلاء، وتستثير فيهم العاطفة، فيدفعون إليهم الكثير من الأموال4.

وكانت الخلافات المذهبية فقهية وكلامية

والجهل بالدين مع الرغبة في الخير، وترغيب الناس في التدين وترك الفسوق، والتقرب إلى الحكام بما يوافق أهواءهم -كل هذا كان موجودًا في القرن الثاني الهجري5 ودفع بعض أهله إلى الكذب في الأحاديث والزيادة فيها ما ليس منها.

113-

3- ومما جد في القرن الثاني، وكان من دوافع التوثيق استطالة السند وتعذر مقابلة جميع الرواة الذين يوصلون الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت الأحاديث المنقطعة، أو ما في إسنادها مجاهيل من الرواة.

114-

4- كما نشأت المذاهب الفقهية والاختلاف بينها، مما أدى

1 الحديث والمحدثون: ص86 - 87.

2 المدخل في أصول الحديث: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري "405هـ" المطبعة العلمية بحلب: 1351هـ - 1932م. ص18.

3 السنة ومكانتها في التشريع: ص85.

4 المدخل في أصول الحديث ص22 - 24.

5 المدخل في أصول الحديث: ص19 - 22 والسنة ومكانتها في التشريع ص86 - 87.

ص: 65

إلى أن يبذل أئمة كل مذهب توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وكل هذا تمخضت عنه حركة هائلة في توثيق الحديث، وخاض غمارها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك رضوان الله عليهم أجمعين. وقام الإمام الشافعي في وجه من ينكرون حجية السنة؛ لأنها غير موثقة، حتى يتاح للفقهاء أن يعملوا بها دون منازع.

115-

وسنرى من خلال بحثنا ملامح هذا التوثيق، وسماته، ونتائجه المباركة في إرساء الأسس التي حررت السنة، وأبعدت عنها الدخيل والموضوع والمحرف، وأبقت بعضها بعد أن رفضه بعضهم، وهذا أيضًا من أوجه التوثيق.

115-

5- لم تدون السنة في القرن الأول تدوينًا شاملًا وفي مصنفات وإنما كانت في صحائف، أما الآن، وفي القرن الثاني، فقد بدئ في هذا التصنيف، فقد أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بجمعها، وكتب إلى الآفاق أن:"انظروا إلى حديث رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فاجموه". وفي كتابه إلى أهل المدينة ما بيّن سبب إقدامه على هذه الخطوة، وهو خوفه من دروس العلم وذهاب العلماء.

116-

وامتثل العلماء لهذا الأمر، وجدوا في جمع السنن، ومن أوائل من قاموا بذلك الإمام ابن شهاب الزهري "124هـ" الذي أمره الخليفة عمر بذلك.

ووجد في كل مدينة من يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السنة. وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف، وفتاوى الصحابة والتابعين وأظهر مثل لذلك موطأ الإمام مالك الذي نرى فيه الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين. وعمل أهل المدينة ورأي مالك نفسه4.

1 السنة قبل التدوين، ص329 ومصادره.

2 صحيح البخاري 1- 36.

3 العلل: علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني "161 - 234هـ" تحقيق محمد مصطفى الأعظمي -المكتب الإسلامي 1392هـ- 1972م. ص 40 - 43.

3 الموطأ: مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي -طبعة دار الشعب بالقاهرة- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص103.

ص: 66

117-

ثم خطا التأليف خطوة أخرى على أيدي أئمة عاشوا في القرن الثاني، وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء الأئمة جمع الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضع واحد، فألفت المسانيد ومنها مسند أبي داود الطيالسي "204هـ"، ومسند أحمد بن حنبل "164 - 241هـ"

وهؤلاء لم يميزوا الحديث الصحيح من الضعيف، وإنما جمعوا هذا وذاك في مسانيدهم1.

118-

وتبع التصنيف في السنة أو تعاصر معه التألأيف في الرواة ناقلي الأحاديث من حيث بيان من روى عنهم، ومن رووا عنه، وتاريخ وفاة كل منهم وولادته، وبيان موطن كل منهم، ومعرفة أسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وبيان العدول منهم والمجرمين2.

119-

ومع التصنيف في السنة والتأليف في الرواة ألف أهل هذا القرن في علل الحديث، أي في كشف الصحيح منها من غيره ببيان ما في بعضها من خلل خفي في المتن أو في الإسناد3.

120-

وإزاء كل هذا كان لا بد من وضع الضوابط والأسس التي تصون مسار السنة وتجعل انتقالها صحيحًا في أيدي الرواة، وكان هذا على أيدي أئمة عاشوا في هذا القرن.

من هم هؤلاء الأئمة

وهل كانوا قادرين على القيام بهذا العمل؟ الواقع أن هذا هو ما يهمنا معرفته؛ كي ندرك مدى توفيقهم في هذا المهمة، وكي نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تجيز بعض الأحاديث ولا تجيز بعضها الآخر.

الموثقون في القرن الثاني:

120-

والحق أن هذا القرن كان غنيًّا بالموثقين للحديث، وأشهرهم من الفقاء والمحدثين الأئمة الأربعة، مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد

1 السنة ومكانتها في التشريع ص339.

2 السنة قبل التدوين ص261 - 276.

3 نشأة علوم الحديث ومصطلحه ص223 - 224.

ص: 67

ابن حنبل ومعهم سفيان الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج وصاحبا أبي حنيفة: محمد وأبو يوسف

وغير هؤلاء.

121-

ويضيق بنا المقام إن استعرضنا حياة كل واحد من هؤلاء؛ ففي كل منهم ألفت المجلدات، وما وفت بحقوقهم

وما يمكننا هنا ويفيدنا أن نسلك ما سلكه ابن أبي حاتم الرازي، فنقدمهم بصفاتهم التي أهلتهم لهذه المهمة، مهمة الحديث ونقده، وهو سيساعدنا بجزء كبير في هذا المجال1.

122-

ومن هذه الصفات التي أهلتهم للتوثيق وجعلتهم جديرين به ويطمأن إلى أحكامهم فيه:

1-

معرفتهم بمادة التوثيق، وهي الأحاديث، فحفظوا الكثير منها، وربما حفظ بعضهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة كي يبينها للناس ليتجنبوها. وقد قدم لنا ابن أبي حاتم، وجود هذه الصفة في الكثيرين منهم، وأثبت المعرفة الواسعة بالأحاديث لمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ووكيع ابن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني2.

123-

وللخلاف بين المحدثين ومدرسة أبي حنيفة لم يذكر أحدًا منهم، وقد اتهم أبو حنيفة من جانب بعض المحدثين بقلة بضاعته للحديث، لكن الحقيقة أنه كان من العارفين بالحديث3، ولكن مقاييسه المتشددة، وتركه

1 في كتابه "تقدمة المعرفة" فقد ألفه من أجل هذا: ص219.

2 عبد الرحمن ابن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث ص188، وفيها الإشارة إلى صفحات تقدمة المعرفة التي يوجد فيها ما يدل على هذه الصفة عند هؤلاء الأئمة.

3 الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين عبد القادر التميمي الداري الغزي المصري "1005هـ" تحقيق. د. عبد الفتاح محمد الحلو -القاهرة 1390- 1970، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. ص109 - 113.

ص: 68

بعض الأحاديث تبعًا لها هو ما أثار هؤلاء الخصوم عليه، وسنعرف الكثير من هذه المقاييس أثناء بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، يقول ابن خلدون: "وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة

والإمام أبوحنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل

ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه واعتباره ردًّا وقبولًا1".

124-

ولا تقل معرفة أبي يوسف ومحمد عن معرفة غيرهم من الفقهاء أو المحدثين، نلمس ذلك عند أبي يوسف في كتابه الخراج، فليس فيه صحيفة إلا فيها حديث، هذا مع ملاحظة كبر حجم الكتاب، وكونه في موضوع واحد2. كما نلمس معرفة محمد الواسعة بالحديث في مؤلفاته: الآثار، والموطأ، والأصل، والحجة، والسير الصغير والكبير، والاكتساب ولا غرو فقد طلب الحديث منذ صغره، و"أخذ عن أعلام المحدثين في عصره، ورحل من العراق في سبيله أكثر من مرة3".

125-

2- ويتحلى موثقو الحديث هؤلاء بأنهم من الفقهاء بالسنن والآثار، ولسنا في حاجة إلى إثبات ذلك عند الأئمة الأربعة، وقد أثبت ذلك لغيرهم ابن أبي حاتم فذكر علم الأوزاعي وفقهه، وكذلك وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بنمهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل4.

126-

3- معرفة هؤلاء الأئمة الواسعة برواة الآثار. معرفة تمكنهم من الحكم عليهم ومعرفة العدول منهم والمجرحين.

1 مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون - دار الشعب بالقاهرة، ص409 - 410.

2 كتاب الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم "113 - 183هـ" المكتبة السلفية بالقاهرة.

3 الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي د. محمد السيد على الدسوقي "رسالة دكتواره في دار العلوم - جامعة القاهرة 1391هـ - 1971م. انظر الفصل الثاني: الإمام محمد محدثًا من ص 336 وما بعدها والنص من ص334.

1 رسالة عبد الرحمن بن أبي حاتم، ص187 - 188.

ص: 69

وقد كان للأئمة الأربعة وغيرهم هذه الصفة التي أهلتهم لأن يأخذوا بأحاديث ويحكموا بصحتها، ويتركوا أحاديث أخرى، لأن رواتها ليسوا على درجة من العدالة، أو الضبط1.

127-

4- وجود الصلاح والتقوى والورع والزهد فيهم وطهارة الخلق وسخاء النفس. وهذا يجعلنا نطمئن إلى أحكامهم في توثيق الأحاديث، وأنهم لا يبتغون بهاعرضًا من أعراض الدنيا وقد زهدوا فيها، ولا تصدر عن إحن شخصية وقد برأهم الله منها2.

128-

5- كانوا أصحاب عقل سديد، ومنطق حسن وبراعة في الفهم3، وهذا أعانهم على اكتشاف العلل الموغلة في الخفاء من الأحاديث.

129-

6- وكانت فيهم جرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم ولا يبتغون جاهًا عند سلطان أو يرهبونه، فلا تصدر عنهم الأحكام رغبة في هواه أو يخفونها خوفًا من بطشه. وقد ذكر ابن أبي حاتم مواقف مشهورة لكثير منهم، وقفوا فيها مع الحق، حتى ولو أغضب ذلك حاكمًا أو خالف ما يدعو إليه4. وقد بلغ الأمر بأبي حنيفة أنه عد من يغشى السلطان طائعًا غير جدير بقبول روايته والسبب في ذلك كما يقول: "أما إني لا أقول إنهم يكذبون، أو يأمرونهم

بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة

1 عبد الرحمن بن أبي حاتم ص188 - الطبقات السنية جـ1، ص111 - الإمام محمد بن الحسن، ص351 - آداب الشافعي ص185، 195 - 196، 201، 203، 204، 205، 223 - 224، 305، 307.

2 عبد الرحمن بن أبي حاتم 189 - آداب الشافعي: ص91، 101 - 106 حياة الإمام أبي حنيفة: السيد عفيفي -القاهرة 1350- المكتبة السلفية ص70 - 90 - مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "748هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، وأبي الوفا الأفغاني -لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر أباد بالهند ص9 - 10، 12 - 17، 25 - 27، 42 - 48، 55.

3 عبد الرحمن بن أبي حاتم 189 - حياة الإمام أبي حنيفة، ص91 - 107 - آداب الشافعي، ص: 129 - 130.

4 عبد الرحمن بن أبي حاتم ص189 - حياة الإمام أبي حنيفة، ص70 - 71 آداب الشافعي: ص78، 189 - 191.

ص: 70

بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين1"، "من يغشون السلطان والشيعة".

130-

هذه هي أهم الصفات التي تحلى بها موثقو الأحاديث، وهي صفات كما نرى تؤهل هؤلاء حقًّا إلى أن يوفقوا إلى الصواب فيما تصدوا إليه من تصحيح الأحاديث، أو تضعيف ما لم يصح منها. وهذا يجعلنا نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تميز الصحيح من غيره.

والآن

وبعون من الله وتوفيقه وهدايته - مع أسس توثيقهم للسنة واتجاهاتهم في هذا التوثيق

1 الكفاية هـ ص: 126.

ص: 71