الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على الشيخ مثلًا، ولهذا نرى جمهور الذين قبلوها يخصصها بعبارة مشعرة بها حتى لا تلتبس بالسماع، أو العرض، أو المناولة، أو المكاتبة، كأن يقول الراوي عند الأداء "أجاز لي فلان" أو "حدثني إجازة" أو "أخبرني إجازة"1.
438-
ونقل عن الأوزاعي أنه خصص الإجازة بقوله: "خبرني" أو "خبرنا" وهو اصطلاح لا يطلق على غير هذا الضرب من ضروب التلقي. ومما هو جدير بالذكر أن الأوزاعي كان يقول عن الإجازة مثل المناولة يتدين بأحاديثها، ولا يحدث بها2. وتخصيصه مثل هذا اللفظ يجعلنا نفهم أنه لا يريد الأداء عن الإجازة بلفظ "حدثنا" أو "حدثني" -كمنا فهمنا ذلك في المناولة. وعلى هذا فليس هناك تعارض كما يقول السيوطي2.
439-
ولم يشذ عن الجمهور إلا سفيان الثوري وابن جريج، والإمام مالك في بعض الروايات عنه.. فقد قالوا بجواز أن يقول الراوي:"حدثني" أو "أخبرني" مطلقًا من غير قيد3.
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص195.
2 تدريب الراوي 2/ 30 وانظر ص211 من هذا الكتاب.
3 المصدر السابق 2/ 51، 52.
6-
إعلام الشيخ:
440-
أن يعلم الشيخ التلميذ أن هذا الحديث من روايته، أو أن هذا الكتاب من سماعه فقط دون إذن له في الرواية عنه، أو يأمره بألا يرويه عنه، أو يقول له الطالب: هو روايتك أحمله عنك، فيقول له: نعم، أو يقره على ذلك ولا يمنعه1.
هل وجد هذا المنهج في القرن الثاني الهجري؟:
441-
يرى القاضي عياض أنه وجد في القرن الثاني الهجري بدليل أن الزهري فعله مع عبيد الله العمري، وهما إمامان، ويروى أن عبيد الله "147 هـ" قال: "كنا نأتي الزهري بالكتاب من حديثه، فنقول له:
1 الإلماع ص107 - 108.
يا أبا بكر، هذا من حديثك؟ فيأخذه، فينظر فيه، ثم يرده إلينا، ويقول: نعم، هو من حدثني. قال عبيد الله: نأخذه وما قرأه علينا ولا استجزناه أكثر من إقراره بأنه من حديثه".
ثم يعقب القاضي عياض على هذه الرواية بقوله: "فهذا مذهب الزهري إمام هذا الشأن، وعبيد الله العمري أحد أئمة وقته بالمدينة، وآخرين من أقرانهم أبهمهم من أصحاب الزهري، ومن هم إلا مالك وابن عمه أبو أويس ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد وطبقتهم"1.
442-
كما يذكر رواية عن ابن جريح تقول: إنه جاء إلى هشام ابن عروة فقال له: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك؟ قال: نعم، ويعقب الواقدي على هذه الرواية، فيقول: سمعت ابن جريح بعد ذلك يقول: "أخبرنا هشام بن عروة"2.
443-
ونشك في أن هذا الضرب قد وجد في القرن الثاني الهجري كمنهج صحيح من مناهج الرواية يقره إمام مثل ابن شهاب الزهري.
444-
أما هاتان الروايتان اللتان تقولان: إن عبيد الله العمري وابن جريحوآخرين كانوا يجيزونه -فنظن أنهما لم تنقلا على الوجه الصحيح، بدليل أنهما وردتا على غير هذا الوجه عند غير القاضي عياض، وفي بعضها أن ابن شهاب كان يجيز رواية الكتاب ولا يكتفي بالأعلام، ولنعرض لروايات الرامهرمزي، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر.
445-
يروي الرامهرمزي: عن عبد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك ويحمل عنه ما قرئ عليه "..ويلتقي الرامهرمزي مع القاضي في بعض سند هذه الرواية. وليس فيها -كما ترى عند القاضي عياض- أن عبيد الله هو الذي كان يأتي بالكتب -وهذا ما بنى عليه القاضي عياض استدلاله، كما أن الرامهرمزي قد أوردها دليلًا على
1 الإلماع ص114.
2 المصدر السابق ص115.
الإجازة وصحتها، مما جعل بعض الباحثين يعقب عليها بأنه كان ينظر في هذه الكتب ويجيزها1.
ومما يبعد أن يكون عبيد الله هو الذي يفعل ذلك مع الزهري ويؤكد أن رواية القاضي عياض على غير وجهها الصحيح، أنه هو الذي كان يرتضيه الزهري قارئًا دون غيره من أقرانه مثل مالك ومحمد بن إسحاق2، فهو كان يأخذ أحاديثه عرضًا، ولم يكن في حاجة إلى غير هذا.
446-
ورواية الخطيب البغدادي أوضح من هذه، فهي تقول: إن عبيد الله بن عمر قال: كان الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم،.. وفي رواية أخرى: كان يؤتى بالكتاب من كتبه، فيتصفحه، وينظر فيه، ثم يقول: هذا حديثي أعرفه، خذه عني، وفي رواية ثالثة: كنت أرى الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم3.
ففي هذه الروايات نلاحظ ما لاحظناه عن الرامهرمزي من أن الذي يأتي بالكتاب ليس هو عبيد الله، وإنما حكى ما رآه.
كما نلاحظ أن هناك إذنًا بالرواية، والإعلام لا يكون فيه هذا، وفي الرواية الوسطى مناولة تزيد على الإجازة كما عرفنا.
447-
ويورد ابن عبد البر رواية الخطيب، ويبين أنها من قبيل المناولة فيقول:"هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة"4.
448-
أما رواية ابن حريج فقد أوردها الخطيب في باب الإجازة، وهي تدل على ذلك، لأنها تقول: "جاء ابن جريح بكتاب، فقال: هذا حديثك، أرويه عنك؟
…
قال: نعم "
…
وفي رواية: "جاء ابن جريج
1 المحدث الفاصل وتعليق الدكتور عجاج الخطيب. المطبوع ص435.
2 جامع بيان العلم وفضله 2/ 217.
3 الكفية "هـ" ص 318.
4 جامع بيان العلم وفضله 2/ 218.
بصحيفة مكتوبة، فقال لي: -لهشام- با أبا المنذر، هذه أحاديث أرويها عنك؟ قلت: نعم1. فهذا من باب الإجازة، كما استدل الخطيب.
449-
وجدير بالذكر أن الرامهرمزي التقى مع القاضي عياض في هذه الرواية فلم يذكر فيها إجازة بالرواية -وإن كان قد ساقها دليلًا من أدلة الإجازة2. كما التقى القاضي عياض أيضًا ابن سعد في كتابه الطبقات3.
إن هذا يدلنا على الاضطراب والشك في هذه الروايات مما لا نستطيع معه أن نصل إلى الوجه الصحيح منها.
450-
ومهما يكن من شيء، فعلى افتراض صحة روايتي القاضي عياض؛ لأن المواقف ربما تعددت، فإن العمل "بإعلام الشيخ" قد أجيز وتم في أضيق الحدود وفي الحالة التي يتأكد فيها الشيخ أن التلميذ من العلماء المجيدين الذين يأخذون الأحاديث ويؤدونها أداء صحيحًا، وهذا هو الحال بالنسبة لعبيد الله بن عمر وابن جريح. وقد أسلفنا منزلة عبيد الله عند الزهري وثقته فيه. أما ابن جريح فقد كان من أئمة هذا الشأن ومن أوائل المصنفين في الحديث، فهما من الذين يمكنهم تلقي الأحاديث بهذه الطريق وروايتها دون تحريف فيها.
451-
وحجة القائلين بصحة "إعلام الشيخ" أن اعترافه للتلميذ بالكتاب، وإقراره بأنه سماعه، كتحديثه له بلفظ، وقراءته عليه وإن لم يجزه له4، ويقول الرامهرمزي: إنه بعد أن يعترف الشيخ بأن الكتاب كتابه أو سماعه فإن التلميذ ليس في حاجة إلى الإذن له بروايته قياسًا على أن التلميذ إذا سمع من الشيخ أحاديث، فإنه تجوز له رواية هذه الأحاديث، أذن له الشيخ أو لم يأذن5.
1 الكفاية "هـ" ص320.
2 المحدث الفاصل "المطبوع" ص 430.
3 الطبقات الكبرى 5/ 326.
4 الإلماع ص 108.
5 المحدث الفاصل "المطبوع" ص 451 - 452.