المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الربا مقدِّمة الربا: بكسر الراء مقصور، من ربا يربو، فأصله الواو. وهو - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌باب الربا مقدِّمة الربا: بكسر الراء مقصور، من ربا يربو، فأصله الواو. وهو

‌باب الربا

مقدِّمة

الربا: بكسر الراء مقصور، من ربا يربو، فأصله الواو.

وهو لغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] يعني زادت.

وشرعًا: زيادة في شيء مخصوص.

وهو محرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.

قال تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وفي صحيح مسلم (1598) عن جابر رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وكاتِبَه، وشاهِدَيْهِ، وقال: هم سواء".

وأجمع المسلمون على تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب.

والربا ظلم بيِّن، والقياس في الشريعة العادلة تحريم الظلم.

* أقسام الربا:

أقسام الربا ثلاثة:

ربا الفضل: وذلك بيع مكيل بمكيل من جنسه إذا كانا مطعومين، أو موزون جنسه إذا كانا مطعومين، ولو اختلف النوع إذا بيعا وأحدهما أكثر من الآخر.

ص: 367

ربا نسيئة: وهو بيع المكيل بالمكيل المطعومَينْ، والموزون بالموزون المطعومَين، ولو لم يكونا من جنسٍ واحد، فيحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة، أو غير مقبوضين بمجلس العقد، فإنَّه يحرم ذلك، ولا يصح العقد بإجماع العلماء المستند إلى النصوص الصحيحة الصريحة.

ربا القرض: وهو أن يقرضه شيئًا مما يصح قرضه، ويشترط عليه منفعةً مقابل القرض، كسكنى داره، أو ركوب دابته، أو يَرُد أجود منه في القرض ونحو ذلك، فهذه أنواع الربا التي حرَّمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وقسَّمه ابن القيم إلى خفي وجلي:

الخفي: حرام؛ لأنَّه وسيلة إلى الجلي، فتحريمه من باب تحريم الوسائل إلى المقاصد، وهذا ربا الفضل، ذلك أنَّه إذا بيع درهم بدرهمين تدرج به إلى الربح المؤجل، وهو علة ربا النسيئة، فمن حكمة الله أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، وهي حكمة معقولة.

الجلي: هو ربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، والغالب أنَّه لا يفعله إلَاّ محتاج، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، حتى ترهقه الديون، فمن رحمة الله بخلقه أنَّه حرمه.

ربا الجاهلية: قال الجصَّاص في تفسيره: الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان إقراض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة عليه مقدار ما استقرضه على ما تراضوا به، هذا المتعارف المشهور عندهم.

قال تعالى مخاطبًا من يفعل هذا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} [البقرة].

فهذا نصٌّ صريحٌ على أن الذي يستحقه صاحب الدين هو رأس ماله فقط، بدون زيادة، ذلك أنَّهم كانوا إذا حلَّ دين أحدهم على المعسِر، قالوا له:

ص: 368

إما أن توفي وإما أن تربي، فيزيد الدائن بالأجل، ويزيد المدين بالفائدة، يفعلون لك المرة بعد المرة حتى تتراكم الديون، فذلك قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} [آل عمران].

* مضار الربا:

1 -

يقتل مشاعر الشفقة في الإنسان، فإنَّ المرابي لا يتردد في تجريد المدين من أمواله، لذا اعتبره الإسلام منكرًا اقتصاديًا غليظ الإثم؛ لأنَّه يتنافى مع تعاليمه التي تحض على التعاون.

2 -

الربا يسبب العداوة والبغضاء بين الأفراد، ويوجِد الشحناء، ويوجب التقاطع والفتنة.

3 -

الإسلام يرمي في تحريمه إلى تحقيق المساواة بين أفراد الأمة، ليكتفي الثري برأس ماله، ويسْلم للفقير جهده، وكدحه، وتعبه، وشقاؤه، فلا يمتص الثري جهد كده، ويضيفه إلى ثرائه، فتتسرَّب الأموال من الأيدي الفقيرة والعاملة إلى صناديق أفراد محدودين، فتتضخم ثرواتهم، وتعظم كنوزهم على حساب هؤلاء الفقراء الكادحين، فهو طريق لكسب مالٍ غير مشروع، فيسبب العداوات، ويثير الخصومات، ويحل بالمجتمع الكوارث والمصائب.

4 -

الربا يجر الناس إلى أن يدخلوا في مغامرات ليس باستطاعتهم تحمل نتائجها، قد تأتي على حياة المرابي.

وأضرار الربا لا تحصى، ويكفي أن نعلم أنَّ الله تعالى لا يحرم، ولا ينهى إلَاّ عن كلِّ ما فيه ضرر ومفسدة خالصة، أو ما ضرره ومفسدته أكثر من نفعه وفائدته، فنسأل الله تعالى العصمة.

ص: 369

* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد: رقم (10):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة، من 10 - 16 ربيع الثاني 1406 هـ، 22 - 28 ديسمبر 1985 م.

بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر.

وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة، أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث.

وبعد التأمل: فيما جره هذا النظام من خراب، نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله من تحريم الربا جزئيًّا وكليًّا تحريمًا واضحًا، دعا المجمع إلى التوبة منه، وإلى الاقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة، ولا نقصان، قل أو كثر، وبيَّن ما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين.

قرَّر:

أولًا: أنَّ كل زيادة أو فائدة على الدَّين الذي حلَّ أجله، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة "أو الفائدة" على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربًا محرَّم شرعًا.

ثانيًا: أنَّ البديل الذي يضمن السيولة المالية، والمساعدة على النشاط

ص: 370

الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام، هو التعامل وفقًا للأحكام الشرعية.

ثالثاً: قرَّر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف التي تعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي؛ لتغطي حاجة المسلمين، كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته. والله أعلم.

***

ص: 371

707 -

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكلَهُ، وكَاتِبه، وَشَاهِدَيْهِ، وقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (2).

708 -

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُل المُسْلِم" رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالحَاكِمُ بِتَمَامِهِ، وَصَحَّحَهُ (3).

ــ

* درجة الحديث (708):

الحديث ظاهر إسناده الصحة، ومتنه متكلم فيه.

قال ابن عبد الهادي في المحرر: رواه ابن ماجه، ورجاله رجال الصحيحين.

ورواه الحاكم وقال: على شرطهما، ووافقه الذَّهبي.

قال الصنعاني: وفي معناه أحاديث:

منها حديث عبد الله بن حنظلة قال: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية"[رواه أحمد (20951)].

(1) مسلم (1598).

(2)

البخاري (5962).

(3)

ابن ماجه (2275)، الحاكم (2/ 37).

ص: 372

قال الشوكاني: حديث عبد الله بن حنظلة أخرجه الطبراني، قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له حديث البراء، وحديث أبي هريرة عند البيهقي (12447)، وحديث ابن مسعود عند الحاكم (2259)، وصححه.

أما الذين طعنوا في هذا الحديث فمنهم البيهقي قال: إسناده صحيح، ومتنه منكر، ولا أعلمه بهذا الاسناد إلَاّ وهمًا.

وقال الشيخ المعلمي: فيه محمَّد بن غالب التمتامي، وهو صاحب أوهام، والذي يظهر أنَّ الحديث لم يصح البتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وللحديث شواهد عن عدة من الصحابة لا تخلو جميعها من ضعف، وقد احتج بها بعض العلماء مثل المنذري والشوكاني.

* مفردات الحديثين:

- آكل الربا: المراد به المستفيد منه، وخصَّ الأكل من بين سائر الانتفاعات، لأنَّه أعظم المقاصد.

- موكله: وهو المقترض.

- الربا: مقصور، ويكتب بالألف والواو والياء، وهو لغة الزيادة، من ربا يربو إذا زاد، وأريد به زيادة في أمور معينة.

- أيسرها: يقال: يسر ييسر يُسرًا: سهل وقل، والمعنى: أهونها أو أقلها إثمًا.

- أربى الربا: أعظمه وأشده أن يزيد بالسب في عِرض المسلم بأكثر مما سبه الأول.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

الحديثان يفيدان تحريم الربا، وأنَّ آكله، وكاتبه، وشاهده ملعون، أي مبعدون ومطرودون عن رحمة الله تعالى.

2 -

يدلان على أنَّ أبواب الربا وطرقه كثيرة، وكان من أفحش أبوابه ما كان

ص: 373

يتَّعاطاه أهل الجاهلية، من أنَّ الرجل يكون له الدَّين المؤجل على الآخر، فإذا حلَّ، قال صاحب الدين للمدين: إما أن تقضي ما عليك من الدين، أو تُرْبي، فإن أوفاه حقه، وإلَاّ زاد هذا في الأجل، وزاد الآخر الفائدة، حتى يتضاعف المال، فهذا الذي قال الله تعالى عنه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

وكانت الطريقة المثلى هي إنظار المعسر، كما قال تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

فلما أمر الله تعالى بإنظار المعسر، وحرم الربا المضاعف عَدَل المحتالون المرابون إلى:"مسألة قلب الدين"، وذلك أنَّه إذا حلَّ الدين، ولم يقدر المدين على الوفاء أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها للمدين في طعام أو غيره في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد.

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وأشد أنواع الربا "قلب الدين" وهو من الكبائر.

والآن ظهر الربا مكشوفًا بفوائد البنوك، فالقرض الذي تقدمه البنوك لطالبه المحتاج، سواء كان قرضًا استثماريًا أو استهلاكيًا، ثم تؤخذ على قرضه مقابل التأجيل هي عين الربا الصريح، ففوائد الودائع البنكية التي ترتكز عليها البنوك، وهي أكبر مصدر دخْل مالي داخلة دائرة الربا المحرم؛ لأنَّها عين الربا.

وقد أجمعت المجامع الفقهية الإسلامية على أنَّ هذه الفوائد محرَّمة وأنَّها عين الربا بأنواعه الثلاثة: رِبا الفضل، ورِبا النسيئة، ورِبا القرض.

وهذه فقرات مما قالته بعض تلك المجامع الإسلامية:

قال مجلسى مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية بجدة في 10/ 6/ 1406 هـ بعد أن عرضت عليه بحوث

ص: 374

مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر، وبعد التأمل فيما قدم، ومناقشته مناقشة مركزة، أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي واستقراره، خاصة في دول العالم الثالث.

قرَّر: أنَّ كل زيادة "فائدة" على المدين الذي حلَّ أجله، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تاجيله، وكذلك الزيادة "الفائدة" على القرض منذ بداية العقد هاتان الصورتان رِبًا محرَّم شرعًا.

كما أصدر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة فتوى جماعية، وأصدر المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة، وأصدر المؤتمر للفقه الإسلامي في الرياض، فهؤلاء الشرعيون والاقتصاديون والقانونيون أجمعوا على أنَّ الفوائد هي الربا المحرَّم.

وهناك فتاوى من كبار علماء المسلمين أمثال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن محمَّد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ أبو الأعلى المودودي، والشيخ محمد عبد الله دراز، والشيخ أبو زهرة، والشيخ يوسف القرضاوي، كل هؤلاء وغيرهم من علماء المسلمين كتبوا، ووضحوا أنَّ هذه الفوائد البنكية محرَّمة، وأنَّها عين الربا المحرَّم.

ولا يعارض في هذا ويجادل إلَاّ معاند، يريد الكيد للإسلام وأحكامه، إما لشيء في نفسه، وإما لطمع عاجل، باع من أجله دينه، نسال الله العافية.

3 -

يدل الحديثان على أنَّ المُعِين على تعاطي الربا من كاتب له، أو شاهد فيه في الإثم والذنب، كإثم وذنب المباشر لعقد الربا والانتفاع به، قال تعالى:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

4 -

ويدلان على أنَّ تعاطي الربا والإعانة عليه من كبائر الذنوب، فإنَّ اللعن لا يكون إلَاّ على كبيرة.

ص: 375

5 -

ويدل الحديث رقم (758) على أنَّ الاستطالة بعِرض المسلم الفاضل من أشد أنواع الربا.

6 -

فيه أنَّ الزنا بذوات المحارم أفحش الذنوب وأعظمها، لأنَّ فُحشه زائد على الزنا بالبعيدة.

7 -

تخصيص الأكل بالذكر، لأنَّه الغالب في الانتفاع، فغيره من الانتفاع مثله.

8 -

المراد بالربا في الحديث: "708" هو مجرَّد فعل الأمر المحرَّم، وإن لم يكن من أبواب الربا المعروفة في الاصطلاح الفقهي.

9 -

النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بين آكل الربا وموكله، إذ لا يتوصل إلى أكله إلَاّ بمعاونته ومشاركته إيَّاه، فهما شريكان في الإثم، كما كانا شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطًا، والآخر منهضمًا، والضرورة لا تلحقه، لأنَّه قد يجد السبيل إلى حاجته بوجه مباح من وجوه المعاملة.

* فوائد:

الأولى: عُنِيَ الشارع بالنَّهي عن البيوعات المحرَّمة، لأنَّها على خلاف الأصل، أما الصحيحة فاكتفى بالعمل بالأصل فيها، والإقرار عليها؛ لأنَّ الأصل في ذلك هو الحل والإباحة.

الثانية: ربا النسيئة حرم بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

أما ربا الفضل فحرم بالسنة والإجماع والقياس.

الثالثة: أكثر مسائل المعاملات الممنوعة ترجع إلى ثلاث قواعد:

1 -

قاعدة الرِبا.

2 -

قائدة الغرر.

3 -

قاعدة الخداع والتغرير.

الرابعة: قال شيخ الإسلام: ما اكتسبه الإنسان من الأموال بالمعاملات التي اختلف العلماء فيها، وكان متأولاً في ذلك ومعتقدًا جوازه؛ لاجتهادٍ

ص: 376

أو تقليد، ثم تبيَّن له حرمانية فعله، فليس عليه إخراجها، فإنه قَبَضه بتأويل.

الخامسة: قامت بنوك إسلامية على أساس نظام المضاربة، فتقبض رؤوس الأموال من أصحابها، فتعمل بها في مشاريع استثمارية، أو تعطيها من يستثمرها، ويكون وكيلاً عن صاحب رأس المال بأجر معلوم، فعلى المسلمين تشجيع هلذه البنوك ومساندتها؛ لتكون بديلاً عن البنوك الربوية.

* قرار مجمعى الفقه الإسلامي بشأن الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء: قرار رقم (40، 41)

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقدة في دورته الخامسة بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ، 10 إلى 15 كانون الأول "ديسمبر" 1988 م.

بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضعي "الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء" واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما.

قرَّرَ:

أولًا: أنَّ بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعًا، هو بيع جائز، طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع، وانتفت موانعه.

ثانيًا: الوعد "وهو الذي يصدر من الآمر، أو المأمور على وجه الانفراد" يكون ملزمًا للواعد ديانة إلَاّ لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب،

ص: 377

ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلًا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.

ثالثاً: المواعدة: "وهي التي تصدر من الطرفين" تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما، أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنَّها لا تجوز؛ لأنَّ المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذٍ أن يكون البائع مالكًا للمبيع، حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

ويوصي المؤتمر:

في ضوء ما لاحظه من أنَّ أكثر المصارف الإسلامية اتَّجه في أغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق المرابحة للآمر بالشراء.

يوصي بما يلي:

أولًا: أن يتوسع نشاط جميع المصارف الإسلامية في شتى أساليب تنمية الاقتصاد، ولاسيَّما إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهود خاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخر.

ثانيًا: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق "المرابحة للآمر بالشراء" لدى المصارف الإسلامية؛ لوضع أصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق، وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة، أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء، والله أعلم.

* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشان مشكلات البنوك الإسلامية: قرار رقم (76):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم

ص: 378

النبيين، وعلى آله وصحبه.

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام، من 1 إلى 7 محرَّم 1414 هـ، الموافق 12 - 27 يونيو 1993م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلا المجمع بخصوص موضوع: "مشكلات البنوك الإسلامية"

وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبعد استعراض مجلس المجمع ما جاء في الأوراق المقدمة بشأن مشكلات البنوك الإسلامية، والمتضمنة مقترحات معالجة تلك المشكلات بأنواعها من شرعية، وفنية، وإدارية، ومشكلات علاقاتها بالأطراف المختلفة، وبعد الاستماع إلى المناقشات التي دارت حول تلك المشكلات.

قرَّر:

عرض القائمة التالية المصنفة على أربعة محاور: على الأمانة العامة للمجمع لاستكتاب المختصين فيها، وعرضها في دورات المجمع القادمة، بحسب الأولوية التي تراها لجنة التخطيط.

المحور الأول: الودائع وما يتعلق بها:

(أ) ضمان ودائع الاستثمار بطرق تتلاءم مع أحكام المضاربة الشرعية.

(ب) تبادل الودائع بين البنوك على غير أساس الفائدة.

(ج) التكييف الشرعي للودائع، والمعالجة المحاسبية لها.

(د) إقراض مبلغ لشخص بشرط التعامل به مع البنك عمومًا، أو في نشاطٍ محدد.

(هـ) مصاريف المضاربة، ومن يتحملها "المضارب، أو وعاء المضاربة".

(و) تحديد العلاقة بين المودعين والمساهمين.

ص: 379

(ز) الوساطة في المضاربة، والإجارة، والضمان.

(ح) تحديد المضارب في البنك الإسلامي "المساهمون، أو مجلس الإدارة، أو الإدارة التنفيذية".

(ط) البديل الإسلامي للحسابات المكشوفة.

(ي) الزكاة في البنوك الإسلامية لأموالها وودائعها.

المحور الثاني: المرابحة:

(أ) المرابحة في الأسهم.

(ب) تأجيل تسجيل الملكية في بيوع المرابحة، لبقاء حق البنك مضمونًا في السداد.

(ج) المرابحة المؤجلة السداد، مع توكيل الآمر بالشراء، واعتباره كفيلاً.

(د) المماطلة في تسديد الديون الناشئة عن المرابحة، أو المعاملات الآجلة.

(هـ) التأمين على الديون.

(و) بيع الديون.

المحور الثالث: التأجير:

(أ) إعادة التأجير لمالك العين المأجورة، أو لغيره.

(ب) استئجار خدمات الأشخاص، وإعادة تأجيرها.

(ج) إجارة الأسهم، أو إقراضها، أو رهنها.

(د) صيانة العين المأجورة.

(هـ) شراء عين من شخص بشرط استئجار لها.

(و) الجمع بين الإجارة والمضاربة.

المحور الرابع: العقود:

(أ) الشرط الاتفاقي على حق البنك في الفسخ في حال التخلف عن سداد الأقساط.

ص: 380

(ب) الشرط الاتفاقي على تحويل العقد من صيغة إلى صيغة أخرى، عند التخلف عن سداد الأقساط.

ويوصي مجلس المجمع بما يلي:

1 -

مواصلة البنوك الإسلامية الحوار مع البنوك المركزية في الدول الإسلامية؛ لتمكين البنوك الإسلامية من أداء وظائفها في استثمار أموال المتعاملين معها، في ضوء المباديء الشرعية التي تحكم أنشطة البنوك، وتلائم طبيعتها الخاصة.

وعلى البنوك المركزية أن تراعي متطلبات نجاح البنوك الإسلامية للقيام بدورها الفعال في التنمية الوطنية ضمن قواعد الرقابة، بما يلائم خصوصية العمل المصرفي الإسلامي، ودعوة منظمة المؤتمر الإسلامي، والبنك الإسلامي للتنمية لاستئناف اجتماعات البنوك المركزية للدول الإسلامية، مما يتيح الفرصة لتنفيذ متطلبات هذه التوصية.

2 -

اهتمام البنوك الإسلامية بتأهيل القيادات والعاملين فيها بالخبرات الوظيفية، الواعية لطبيعة العمل المصرفي الإسلامي، وتوفير البرامج التدريبية المناسبة بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، وسائر الجهات المعنية بالتدريب المصرفي الإسلامي.

3 -

العناية بعقدي السَّلم والاستصناع، لما يقدمانه من بديل شرعي لصيغ التمويل الإنتاجي التقليدية.

4 -

التقليل ما أمكن من استخدام أسلوب المرابحة للآمر بالشراء، وقصرها على التطبيقات التي تقع تحت رقابة المصرف، ويؤمن فيها وقوع المخالفة للقواعد الشرعية التي تحكمها، والتوسع في مختلف الصيغ الاستثمارية الأخرى، من المضاربة، والمشاركات، والتأجير، مع الاهتمام بالمتابعة والتقويم الدوري، وينبغي الاستفادة من مختلف الحالات المقبولة في

ص: 381

المضاربة، مما يتيح ضبط عمل المضاربة ودقة المحاسبة لنتائجها.

5 -

إيجاد السوق التجارية لتبادل السلع بين البلاد الإسلامية، بديلاً عن سوق السلع الدولية التي لا تخلو من المخالفات الشرعية.

6 -

توجيه فائض السيولة لخدمة أهداف التنمية في العالم الإسلامي، وذلك بالتعاون بين البنوك الإسلامية لدعم صناديق الاستثمار المشتركة، وإنشاء المشاريع المشتركة.

7 -

الإسراع بإيجاد المؤشر المقبول إسلاميًا، الذي يكون بديلاً عن مراعاة سعر الفائدة الربوية في تحديد هامش الربح في المعاملات.

8 -

توسيع القاعدة الهيكلية للسوق المالية الإسلامية، عن طريق قيام البنوك الإسلامية فيما بينها، وبالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، للتوسع في ابتكار، وتداول الأدوات المالية الإسلامية في مختلف الدول الإسلامية.

9 -

دعوة الجهات المنوط بها سن الأنظمة لإرساء قواعد التعامل الخاصة بصيغ الاستثمار الإسلامية، كالمضاربة، والمشاركة، والمزارعة، والمساقاة، والسلم، والاستصناع، والإيجار.

10 -

دعوة البنوك الإسلامية لإقامة قاعدة معلومات تتوافر البيانات الكافية عن المتعاملين مع البنوك الإسلامية ورجال الأعمال، وذلك لتكون مرجعًا للبنوك الإسلامية، وللاستفادة منها في تشجيع التعامل مع الثقات المؤتمنين، والابتعاد عن سواهم.

11 -

دعوة البنوك الإسلامية إلى تنسيق نشاط هيئات الرقابة الشرعية لديها، سواء بتجديد عمل الهيئة للرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية، أم عن طريق إيجاد هيئة جديدة، بما يكفل الوصول إلى معايير موحدة لعمل الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية. والله أعلم.

***

ص: 382

709 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَاّ مِثْلاً بمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِناجِزٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الذهب بالذَّهب: بيع أحدهما بالآخر هو ما يسمى بالصرف، سمي صرفًا؛ لانصرافه عن مقتضى البياعات من عدم جواز التصرف قبل التقابض، وقيل: من تسويتهما في الميزان.

- مِثْلاً بِمثل: بكسر الميم فسكون الثاء، حال كونهما متماثلين متساويين.

- ولا تُشِفوا بعضها على بعض: بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء، من أشف ثلاثي مزيد، والشف بالكسر: الزيادة والرِّبح، أي لا تفضلوا ولا تزيدوا بعضها على بعض.

- الورق: بفتح الواو وكسر الراء آخره قاف، هو الفضة المضروبة، جمعه أوراق، قال الفارابي: الوَرِق المال من الدراهم، والرقَة مثل عدَة من الوَرِق.

- بِنَاجز: بنون وجيم وزاي، من النجز، يقال: نجز ينجز نجزًا -من باب قتل- إذا حضر وحصل، وأنجز الوعد أحضره، والمراد به الحاضر، أما الغالب هنا فهو الذي لم يكن موجودًا عند العقد.

- بعضها على بعض: الضمير راجع إلى الذَّهب والوَرِق، ولفظة "على" هي الفارقة بين الزيادة والنقصان.

(1) البخاري: (2177)، مسلم (1584).

ص: 383

710 -

وَعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذهِ الأَصْنَافُ فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيدٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الذَّهب بالذَّهب: أي بيع الذَّهب بالذَّهب، وهكذا يقدر في البواقي.

- البُرُّ بالبُرِّ: بضم الباء وتشديد الراء، هو حب القمح.

- المِلح: قال الكيمائيون: الملح مركب يحصل من محلول معدن مكان الهيدروجين من أحد الحوامض، ويستخدم لتطبيب الطعام وحفظه، جمعه أملاح، وهو مؤنث وقد يذكر.

- مثلاً بمثل سواء بسواء: التماثل أعم من أن يكون في القدر بخلاف المساواة، ولذا أكده بقوله: سواءً بسواء والمعنى: أنهما متساويان فلا فضل لأحدهما على الآخر.

- يدًا بيد: اليد من أعضاء الجسم، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، مؤنثة.

والمراد هنا: أن يقبض كل واحد من المتبايعين عوض ما دفع من المال الربوي في مجلس العقد.

قوله: "مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد" كل من مثل، وسواء، ويد، منصوبات على الحال، والعامل هو متعلق الجار، الذي هو قوله:"بالذَّهب" وصاحب الحال هو الضمير المستتر فيه، أي: الذَّهب بالذَّهب متماثلين مقبوضين يدًا بيد.

(1) مسلم (1587).

ص: 384

711 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الذَّهبُ بِالذَّهبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بالفِضَّةِ، وَزنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الفضة بالفضة: الأول مرفوع على الابتداء على تقرير حذف المضاف، تقديره: بيع الفضة بالفضة.

- الفضة: قال علماء الكيمياء الحديثة: الفضة بكسر الفاء، جمعه فضض وفضاض، هو عنصر أبيض قابل للسحب والطرق والصقل، من أكثر المواد توصيلاً للحرارة والكهرباء، وهو من الجواهر الثفيسة التي تستخدم في سك النقود، كما تستعمل أملاحها في التصوير.

- وزنًا بوزن: هو مصدر في موضع الحال، أي الذَّهب يباع بالذَّهب موزونًا بموزن، ويصح أن يكون مصدرًا مؤكدًا، أي: يوزن وزنًا، قاله في فتح الباري.

- استزاد: يقال: زاد يزيد زيادة: نما، فاستزاده: أي طلب الزيادة

* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:

1 -

هذه الأحاديث هي العمدة في هذا الباب، حيث عدَّ صلى الله عليه وسلم أصولاً، وصرَّح بأحكامها وشروطها، التي تعتبر في بيع بعضها ببعض جنسًا واحدًا، أو أجناسًا، وبيَّن العلة في كل واحد منها، ليتوصل المجتهد بالشاهد إلى الغائب، فإنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر النقدين والمطعومات الأربع، إيذانًا بأنَّ علة الربا هي

(1) مسلم (1588).

ص: 385

الثمنية أو الطعم، وإشعارًا بأنَّ الربا إنما يكون في النوعين المذكورين، وهما الثمن، أو الطعم. من البر والشعير والتمر، أو ما يقصد لغيره وهو الملح؛ ليعلم أنَّ الكل سواء في هذا الحكم.

2 -

أنَّ هذه الأجناس الستة هي الأجناس الربوية المنصوص عليها، وما عداها ألحقه علماء القياس بها إلحاقًا.

3 -

الجنس إذا بيع بجنسه، كالذَّهب بالذَّهب، والبُر بالبُر، يشترط لصحة العقد أمران:

أحدهما: التماثل بينهما، بأن لا يزيد أحدهما عن الآخر، وهذا هو المراد بقوله:"مثلًا بمثل" و"لا تُشفوا بعضها على بعض".

الثاني: التقابض بين الطرفين في مجلس العقد، وهذا هو المراد بقوله:"يدًا بيد" و"لا تبيعوا غائباً بناجز".

4 -

أما إذا كان البيع بين الجنسين، كذهب بفضة، أو بر بتمر، فلا يشترط إلَاّ شرط واحد فقط، وهو التقابض بمجلس العقد، وهذا هو المراد بقوله:"يدًا بيد"، "ولا تبيعوا غائب بناجز".

5 -

الجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعًا، والنوع هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنسًا، وبالعكس، والمراد هنا الجنس الخاص كالبر، لا العام الذي هو الحب، والمراد هنا النوع الخاص الذي هو -اللقيمي- مثلاً، لا العام الذي هو البر.

6 -

أجمع العلماء على تحريم التفاضل في جنس واحد من هذه الأجناس الستة التي نصَّ عليها حديث عبادة بن الصامت.

7 -

أجمع العلماء على جواز التفاضل بين جنسين إذا بيع أحدهما بالآخر، بشرط التقابض في المجلس؛ لقوله:"فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".

ص: 386

8 -

يراد بمجلس العقد مكان التبايع، سواء كانا جالسين، أو ماشيين، أو راكبين، ويراد بالتفرق ما يعدّه النَّاس تفرقًا، عُرْفًا بين الناس.

9 -

إذا كان المبيعان من جنس واحد فلابد من تحقق التماثل بالمعيار الشرعي، وهو الكيل في الحبوب والثمار والمائعات.

فلا يصح بيع رطْبه بيابسه، ولا بيع نيئه بمطبوخه، ولا بيع حبه بدقيقه، ونحو ذلك مما يحصل معه اختلاف الصفات التي لا ينضبط معها التماثل بين المبيعين الربويين، إذا كان من جنس واحد.

قال الوزير: "اتَّفقوا على أنَّه لا يباع موزون بجنسه إلَاّ وزنًا، ولا مكيل بجنسه إلَاّ كيلاً، لعدم تحقق التماثل بغير معياره الشرعي، فأما ما لا يتهيَّأ فيه الكيل -كالتمور التي تغشاها المياه- فالوزن.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "التمر "المكنوز" فهذا لا يمكن بيعه بالكيل، فيعتبر بالوزن".

10 -

قال شيخ الإسلام: الأظهر أنَّ علة الربا في الذَّهب والفضة هي الثمنية، لا الوزن، كما قاله جمهور العلماء.

وقال مجلس هيئة كبار العلماء في قرارهم:

إنَّ القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلًا، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة: مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما.

وإنَّ مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في قراره رقم (6) في 10/ 4/ 1402 هـ بعد المناقشة في موضوع العملة الورقية، قرَّر ما يلي:

بناءً على أنَّ الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناءً على أنَّ علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية، في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة، وبما

ص: 387

أنَّ الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذَّهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل، وبما أنَّ العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذَّهب والفضة في التعامل بها، وبها تقَوَّم الأشياء في هذا العصر لاختفاء التعامل بالذَّهب والفضة، ويحصل الوفاء والإبراء بها، رغم أنَّ قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمرٍ خارجٍ عنها، وحيث إنَّ التَّحقيق في علة جريان الربا في الذَّهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهو متحقق في العملة الورقية، لذلك كله فإنَّ مجلس مجمع الفقهي الإسلامي يقرر: أنَّ العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعية فضلاً ونساء، كما يجري ذلك بالنقدين من الذَّهب والفضة تمامًا باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليها، وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزمات التي تفرضها الشريعة فيها، ولا معول عليه، وأصبحت الثمنية هي العلة في كل عملة نقدية من أي نوع تكون.

* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة: قرار رقم (84):

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقدة في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتَّحدة، من 1 - 6 ذي القعدة 1415 هـ، الموافق 1 - 6 نيسان "أبريل" 1995 م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "تجارة الذَّهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة".

وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.

ص: 388

قرَّر ما يلي:

أولاً: بشأن تجارة الذَّهب:

(أ) يجوز شراء الذَّهب والفضة بالشيكات المصدقة، على أن يتم التقابض بالمجلس.

(ب) تأكيد ما ذهب إليه عامة الفقهاء من عدم جواز مبادلة الذَّهب المصوغ بذهب مصوغ أكثر مقدارًا منه؛ لأنَّه لا عبرة في مبادلة الذَّهب بالذَّهب بالجودة أو الصياغة، لذا يرى المجمع عدم الحاجة للنظر في هذه المسألة، مراعاة لكون هذه المسألة لم يبق لها مجال في التطبيق العملي؛ لعدم التعامل بالعملات الذهبية بعد حلول العملات الورقية محلها، وهي إذا قُوبلت بالذَّهب تعتبر جنسًا آخر.

(ج) تجوز المبادلة بين مقدار من الذَّهب، ومقدار آخر أقل منه، مضموم إليه جنس آخر، وذلك على اعتبار أنَّ الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني.

(د) بما أنَّ المسائل التالية تحتاج إلى مزيد من التصورات والبحوث الفنية والشرعية عنها، فقد أرجىء اتخاذ قرارات فيها، بعد إثبات البيانات التي يقع بها التمييز بينها، وهي:

- شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذَّهب أو الفضة.

- تملك وتمليك الذَّهب من خلال تسليم وتسلم شهادات تمثل مقادير معيَّنة منه موجودة في خزائن مُصْدر الشهادات، بحيث يتمكن بها من الحصول على الذَّهب أو التصرف فيه متى شاء.

ثانيًا: بشأن الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة:

(أ) الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعًا، سواء كان بدون مقابل، أم بمقابل في حدود الأجر

ص: 389

الفعلي، فإذا كانت بدون مقابل فهي من قبيل الحوالة المطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه، وهم الحنفية، وهي عند غيرهم سفتجة، وهي إعطاء شخص مالًا لآخر لتوفيته للمعطي، أو لوكيله في بلد أخر، وإذا كانت بمقابل، فهي وكالة بأجر، وإذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس، فإنَّهم ضامنون للمبالغ، جريًا على تضمين الأجير المشترك.

(ب) إذا كان المطلوب في الحوالة دفعها بعملة مغايرة للمبالغ المقدمة من طالبها، فإنَّ العملية تتكون من صرف وحوالة بالمعنى المشار إليه في الفقرة (أ).

وتجري عملية الصرف قبل التحويل، وذلك بتسليم العميل المبلغ للبنك، وتقييد البنك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلَّم للعميل، ثم تجري الحوالة بالمعنى المشار إليه. والله أعلم.

11 -

الورق النقدي:

بعد أنْ علمنا أنَّ العلَّة الربوية للنقدين الذَّهب والفضة هي الثمنية، فقد قرَّرت المجامع الفقهية أنَّ العلة في الوَرَق النقدي هي "الثمنية".

قالت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في قرارها رقم (10): إنَّ الورق النقد يعتبر نقدًا قائمًا بذاته، كقيام النقدين في الذَّهب والفضة وغيرهما من الأثمان، وأنَّه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أنَّ الورق النقدي السعودي جنس، وأنَّ الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:

أولًا: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري بنوعيه في النَّقدين "الذَّهب والفضة"، وهذا يقتضي ما يلي:

(أ) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه، بعضه ببعض، أو بغيره من

ص: 390

الأجناس النقدية الأخرى من ذهب، أو فضة، أو غيرهما نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية، أو أقل أو أكثر نسيئة.

(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلًا بيع عشرة أريلة سعودية ورق، بأحد عشر ريالًا ورقًا.

(ج) يجوز بيع بعضه ببعض عن غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقًا، أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار أمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر، إذا كان يدًا بيد.

ومثل ذلك كله في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدًا بيد، لأنَّ ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، وإنما لمجرد الاشتراك في الاسم مع اختلاف الحقيقة.

وما قرَّره هيئة كبار العلماء هو ما قرَّره المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، ثم قرَّره مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، فلا حاجة إلى التطويل بنقل قراريهما.

12 -

قال ابن القيم: ويجوز بيع المصوغ من الذَّهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة.

أما مجلس هيئة كبار العلماء فأصدروا قرارًا بعدم جواز بيع المصوغ من الذَّهب والفضة بجنسه متفاضلًا لأجل الصنعة في أحد العوضين، وهذا هو ما يفهم من عموم الأحاديث.

* خلاف العلماء:

أجمع العلماء على جريان الربا بالأجناس الستة المذكورة في حديث

ص: 391

عبادة؛ لوجود النَّص الصحيح الصريح، واختلفوا فيما عداها: هل يجري فيها الربا أم لا؟

فذهب الظاهرية إلى قصر الربا على هذه الأجناس الستة، وأنَّه لا يتعداها إلى غيرها؛ لنفيهم القياس.

أمَّا جمهور العلماء القائلون بالقياس فقد عدَّوا الحكم إلى غيرها من الأشياء.

واختلفوا في الأشياء التي تلحق بالأجناس، وذلك تبعًا لاختلافهم في العلة الربوية.

فمن قال: إنَّ العلَّة هي الكيل والوزن،. قال: إنَّ الربا يجري في كل مكيل وموزون مطلقًا، ولو لم يكن مطعومًا.

فمن قال: إنَّ العلة مع الكيل أو الوزن هو الطعم، جعل الربا في المكيلات والموزونات إذا كانت من المطعومات.

والراجح: أنَّ علة الربا تتعدى ولا تقتصر على الستة المنصوص عليها، فأما النقدان فالعلة فيهما الثمنية، فكل ما أعد نقدًا من أي نوع فعلة الربا فيه الثمنية.

وأما الأربعة الباقية فالعلة فيها هي مجموع الكيل أو الوزن مع الطعم، فكل مكيل أو موزون لا يطعم فلا يدخله الربا.

وكل مطعوم لا يكال ولا يوزن لا يدخله الربا، فإذا اجتمع الكيل مع الطعم أو الوزن مع الطعم، فهنا علة الربا، فإنَّ الوزن والكيل جاء ذكرهما في حديث أنس عند الدارقطني (3/ 18) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما وُزن مثلًا بمثل، وما كيل فمثل ذلك، فإذا ختلف النوعان فلا بأس به"، وجاء الطعم فيما رواه مسلم (1592) عن معمر بن عبد الله:"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام إلَاّ مثلًا بمثل".

وبهذا القول تجتمع الأدلة في هذه المسألة، ويقيد كل حديث منها

ص: 392

بالآخر.

وهذا القول هو مذهب الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، وهي مذهب الشافعي في القديم، واختارها الموفق بن قدامة، وصاحب الشرح الكبير، وشيخ الإسلام ابن تيمية.

قال في المغني: الحاصل أنَّ الأمور ثلاثة:

1 -

أنَّ ما اجتمع فيه الكيل أو الوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا روايةً واحدةً كالأرز والدهن.

وهذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث.

2 -

وما عُدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه، فلا ربا فيه، روايةً واحدةً، وهو قول أكثر العلماء، وذلك كالتبن والنوى.

3 -

وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل والوزن من جنس، ففيه روايتان:

الأولى: حله إن شاء الله، إذ ليس في تحريمه دليل موثوق فيه. اهـ.

والصحيح ما تقدم من أنَّ الربا هو فيما اجتمع فيه الكيل أو الوزن مع الطعم، فإنَّ عدم هذان القيدان أو عدم أحدهما فلا رِبا، والله أعلم.

***

ص: 393

712 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ وَأَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما: "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكَذَا؟ فَقَال: لَا، واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بَالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَفْعلْ، بعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبَا، وَقَالَ فِي المِيْزَانِ مِثْلَ ذلِكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ: "وَكَذلِكَ المِيْزَانُ"(1).

ــ

* مفردات الحديث:

- استعمل رجلًا: جعل عاملًا: هو سَوَاد بن غَزِيَّة الأنصاري، وَسَواد بفتح السين المهملة وتخفيف الواو، وغزية بوزن عطيَّة.

- خيبر: بفتح الخاء ثم ياء معجمة تحتية ثم باء وآخره راء، بلدة تبعد عن المدينة المنورة شمالًا بـ (165) كيلومتر على طريق الأردن، وهي بلدة زراعية كثيرة النخيل.

- جنِيبْ: بفتح الجيم المعجمة، وكسر النون، ثم ياء ساكنة، وآخره باء موحدة، والجنيب هو النوع الطيب، جمعه جنب.

قال الخطابي: "هو أجود تمورهم".

- بالصاعين والثلاثة: في بعض الروايات: "بالثلاث" بلا تاء، وكلاهما جائز؛ لأنَّ الصاع يذكَّر ويؤنث، والصاع مكيال تكال به الحبوب والثمار الجافة،

(1) البخاري (4/ 399)، مسلم (1593).

ص: 394

والصاع النبوي بالحب الرزين حوالي (3000) غرام تقريبًا.

- لا تفعل: "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها.

- بعِ الجَمْع: أي التمر الذي يقال له: "الجمع" بالدراهم.

- الجمع: بفتح الجيم المعجمة وسكون الميم آخره عين مهملة، والجمع يراد به التمر المختلط من أنواع متفرقة غير معروفة ومرغوبًا فيها.

وقال الخطابي: هو كل لون من النخل لا يعرف اسمه.

وهو محتمل لهذه المعاني.

- ثم ابتع بالدراهم: أي: ثم اشتر بالدراهم جنيبًا.

- الميزان: أي: الموزون حكمه حكم المكيل في عدم التفاضل.

***

ص: 395

713 -

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِن التَّمْرِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَكِيُلهَا بالكَيْلِ المُسَمَّى منَ التَّمْرِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (1)

714 -

وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أسمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بمِثْلٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2).

ــ

* مفردات الحديثين:

- الصُّبرة: بضم الصاد وسكون الباء، جمعها صُبَر مثل غرفة وغُرَف، هي الكومة من الطعام، سميت صبرة؛ لإفراغ بعضها على بعض.

قال ابن دريد: اشتريتُ الطعام صبرة، أي بلا كيل، ولا وزن.

- الشَّعير: نبات عشبي حبي من الفصيلة النجيلية، وهو دون البر في الغذاء.

* ما يؤخذ من هذه الأحاديث:

1 -

تحريم التفاضل ببيع نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية، وهي على القول الراجح المكيل أو الموزون من الطعام، والحديث (712) نصٌّ في التمر، وما عداه من المكيلات مثله.

قال العيني: ويدخل في معنى التمر جميع الطعام، فلا يجوز في الجنس الواحد منه التفاضل ولا النَّساء بالإجماع.

(1) مسلم (1530).

(2)

مسلم (1592).

ص: 396

2 -

أنَّ التفاضل بينهما محرَّم، ولو كان أحدهما أجود من الآخر، فالعبرة بالتساوي قدرًا، لا جَوْدَةً أو رداءةً.

3 -

أنَّ معيار الثمار هو الكيل، فلا يجوز بيع نوعي الجنس أحدهما بالآخر إلَاّ بمعياره الشرعي، إذ بغيره لا تتحقق المساواة بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم، ما لم يكن تغشاه الماء، أو صار مكنوزًا، أو معبوطًا، فيكون معياره الوزن إذ لا يمكن كيله.

4 -

أنَّ ما يوزن له حكم ما يكال من الأشياء الربوية، فمعياره الشرعي الكيل، وهو إجماع العلماء.

5 -

النَّهي عن بيع الصبرة من التمر بتمر آخر، ولو علم الآخر بمعياره الشرعي وهو الكيل، إذ أنَّه يجهل مساواته للصبرة، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم، والنَّهي يقتضي تحريم البيع، وفساد عقده.

6 -

جواز الحيلة المباحة، التي لا تُحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، وإنما تكون وسيلة لاجتناب العقود المحرَّمة إلى العقود المباحة الصحيحة.

قال ابن القيم: فصل: في أنواع من الحيل المباحة.

القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة، وما يفضي إليه مشروع، وهذه من الأسباب التي جعلها الشارع مفضية إلى مسبباتها، فيدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع، وعلى دفع المضار.

وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، فمن لم يحتل، وقد أمكنته الحيلة أضاع فرصته، وفرط في مصالحه.

7 -

وجوب التساوي بين نوعي الجنس الواحد فيما يدخله الربا، وهو من الطعام ما كان مكيلًا أو موزونًا، أما غير الأشياء الربوية فلا يشترط التماثل بينها، كما لا يشترط التقابض في مجلس العقد.

8 -

أنَّ جابي الزكاة لا يأخذ الجيد إلَاّ برضا صاحبه، كما لا يأخذ الرديء، وإنما

ص: 397

يأخذ الوسط، لئلا يظلم المستحقين، أو يظلم أصحاب الأموال.

9 -

الحديث يدل على جواز مسألة التورق التي صورتها: أن يشتري السلعة إلى أجل؛ لبيعها على غير البائع وينتفع بثمنها، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "أمر الجابي أن يبيع التمر الرديء؛ ليشتري بثمنه تمرًا جيدًا"[رواه البخاري (4/ 399)، ومسلم (1593)] فهو لم يقصد ببيعه إلَاّ الحصول على ثمن الرديء؛ ليستفيد منه فيما أراد وقصد، ومذهب الإمامين الشافعي وأحمد جوازها.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيرى أنَّها لا تجوز ويمنع منها، ويرى أنَّ المعنى الذي حرم لأجله الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بالشراء والبيع، والخسارة فيها.

أما شيخنا عبد الرحمن بن سعدي فيرى جواز مسألة التورق.

قال في أحد كتبه: "لأنَّ المشتري لم يبعها على البائع عليه، وعموم النصوص تدل على جوازها، وكذلك المعنى؛ لأنَّه لا فرق بين أن يشتريها ليستعملها في أكلٍ أو شربٍ أو استعمالٍ، أو يشتريها لينتفع بثمنها، وليس فيها تحيل على الربا بوجه من الوجوه، مع دعاء الحاجة إليها.

وما دعت إليه الحانجة وليس فيه محظور شرعي لم يحرمه الشارع على العباد".

وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز يجيزها فيقول: مسألة التورق اختلف العلماء فيها على قولين:

أحدهما: أنَّها ممنوعة.

الثاني: جوازها؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ} [البقرة: 275].

ولأنَّ الأصل في الشرع حِل جميع المعاملات، إلَاّ ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة.

ص: 398

قلْتُ: ينبغي على من يريد التعامل بها مع المستدينين أن تكون عنده السلع المناسبة، ومن جاءه مريدًا الشراء أخبره بالقيمة إذا كان الثمن نقدًا حاضرًا، وأخبره بالقيمة إذا كان مؤجلًا، وأن لا يعيدها بالشراء من المشتري بل يسلمه إيَّاها ليتصرف فيها حسب حاجته.

فإن أعادها من المشتري بالشراء، فهذه مسألة العينة الآتية إن شاء الله تعالى.

* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن حكم بيع التورق:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد، صلى الله عليه وآله وصحبه.

أما بعد:

فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، التي بدأت يوم السبت 11 رجب 1419 هـ، الموافق 31/ 10/ 1998 م قد نظر في موضوع حكم بيع التورق.

وبعد التداول والمناقشة والرجوع إلى الأدلة والقواعد الشرعية وكلام العلماء في هذه المسألة، قرَّر المجلس ما يأتي:

أولًا: أنَّ بيع التورق هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد "الورق".

ثانيًا: أنَّ بيع التورق هذا جائز شرعًا، وبه قال جمهور العلماء؛ لأنَّ الأصل في البيوع الإباحة، لقول الله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] ولم يظهر في هذا البيع ربًا لا قصدًا، ولا صورة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك لقضاء دين، أو زواج، أو غيرهما.

ثالثًا: جواز هذا البيع مشروط بأن لا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول لا مباشرة ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقعا

ص: 399

في بيع العينة المحرَّم شرعًا؛ لاشتماله على حيلة الربا، فصار عقدًا محرَّمًا.

رابعًا: إنَّ المجلس وهو يقرر ذلك يوصي المسلمين بالعمل بما شرعه الله سبحانه لعباده من القرض الحسن من طيب أموالهم طيبة به نفوسهم ابتغاء مرضاة الله، لا يتبعه منًّا ولا أذًى، وهو من أجلِّ أنواع الإنفاق في سبيل الله تعالى لِما فيه من التعاون، والتعاطف، والتراحم بين المسلمين، وتفريج كرباتهم، وسد حاجتهم، وإنقاذهم من الإثقال بالديون، والوقوع في المعاملات المحرَّمة، وإنَّ النصوص الشرعية في ثواب القرض الحسن والحث عليه كثيرة لا تخفى، كما يتعيَّن على المستقرض التحلي بالوفاء وحسن القضاء، وعدم المماطلة.

وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله ربِّ العالمين.

10 -

يدل الحديث رقم (712) على مشروعية بعث السعاة والجباة للزكاة إظهارًا لهذه الشعيرة العظيمة، وقيامًا من الوالي بما يجب عليه، وتخليصًا لذمم المتهاونين، وقبضًا واستحصالًا لحق المستحقين.

11 -

جواز تصرف الفضولي إذا أجازه مالك التصرف، فهذا الجابي يقبض الزكاة، ويستبدل الرديء بالجيد بلا توكيل من ولي الأمر، ولم ينكر.

12 -

فيه جواز الحلف الصادق على الشيء، ولو لم يستحلف الحالف.

13 -

فيه مشروعية إشراف ولاة الأمور على أعمال عمالهم، ومناقشتهم فيها وتوجيههم إلى ما هو الحق والصواب.

14 -

فيه جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر، ولو بعد مسافة قصر، وعدم وجوب تفريقها في البلد الذي قبضت منه، لاسيما مع وجود المصلحة في ذلك.

ص: 400

15 -

الحديث يدل على جواز الترفيه على النفس بشراء المأكل والمشرب الطيب ونحو ذلك من متاع الدنيا وطيباتها المباحة، ما لم يصل إلى حد السرف، فله نصوص تنهى عنه.

16 -

يدل الحديث على أنَّ من كان يتعاطى عقودًا غير صحيحة أو أعمالًا محرَّمة عن جهل بها، ثم عَلِمَ بحرمتها وفسادها أنَّه لا يجب عليه أن يرجع إلى تصحيح العقود الماضية، وإنما عليه الامتثال من جديد، وأن لا يُقدِم عليها بعد ذلك، فظاهر الحديث أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أقرَّه على عمله، وعَذَرَهُ بجهله عن الماضي، وإنما أعلمه للمستقبل حينما قال:"لا تفعل"، وهذه قاعدة الشريعة المحمديَّة السمحة: أنَّ المؤاخذة لا تكون إلَاّ بعد البلاغ والإعلام.

17 -

أنَّ العالِم إذا سُئل عن مسألة محرَّمة، ونهى المستفتي عنها، فعليه أن يفتح أمامه أبواب الطرق المباحة التي تغنيه عنها.

18 -

عظم معصية الربا وكيف بلغت من نفس النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ.

***

ص: 401

715 -

وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- قَال: "اشْتَرَيْتُ يَؤمَ خَيْبرَ قِلَادَةً بِاثْنَى عَشَرَ دِيْنَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِيْنَارًا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ" رَوَاهُ مُسلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- قِلَادَةَ: بكسر القاف وفتح اللام والدال المهملة آخره تاء، هي ما يُجعل في العنق من حلي ونحوه.

- دينار: الدينار يزن من الذهب مثقالًا، وفي الميزان المعاصر المثقال وزنه (4.25) غرامات، وقد تكرر هذا التقدير.

- خرز: بفتح الخاء والراء، جمع خرزة، هي حبات مثقوبة تصنع من أي نوع وتنظم في سِلك يُتَزيَّن بها.

- ففصلتها: أي فرطت عِقدها، وميزت خرزها عن ذهبها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

عدم جواز بيع الذهب بالذَّهب إلَاّ مثلًا بمثل، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت النَّهي عن بيع الذَّهب بالذَّهب إلَاّ مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى.

2 -

النَّبي صلى الله عليه وسلم منع بيع القلادة التي فيها ذهب لم يفصل، ولم يُعلم مقداره بذهب؛ لأنَّ التساوي بين اثني عشر دينارًا، وبيَّن ما في القلادة من ذهب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم والتحريم.

(1) مسلم (1591).

ص: 402

3 -

أنَّ بيع نوعي الجنس أحدهما بالآخر، ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، وهي ما يسميها الفقهاء "مُدّ عجوة ودرهم" وهو أقسام ثلاثة:

الأول: أن يكون المقصود بيع رِبوي بجنسه متفاضلًا، أو يضم إلى الأقل غير جنسه حيلة، فالصواب الجزم بالتحريم.

الثاني: أن يكون المقصود بيع غير الرِبوي، كبيع شاة ذات لبن بشاة ذات لبن، فالصحيح الجواز، وهو مذهب مالك والشافعي.

الثالث: أن يكون كلاهما مقصودًا مثل مُدّ عجوة ودرهم بمثلها، فهذا فيه نزاع مشهور.

فأبو حنيفة يجوزه، وحرَّمه مالك والشافعي وأحمد.

4 -

عدم جواز بيع الشيء المجهول حتى يميز، ويفصل، ويعرف أفراده.

5 -

قال الشيخ محمد بن إبراهيم: العقد الفاسد لا ينقلب صحيحًا بحال، ومتى أراد تصحيحه فلابد من إعادته بشروطه المعروفة.

وفي هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر البيع الأول، بل قال "لا تباع حتى تفصل" وبعد التفصيل يجري عقد جديد غير الأول.

***

ص: 403

716 -

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئةً" رَوَاهُ الخَمْسَةَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الجَارُودِ. (1)

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال في التلخيص: رواه مالك وعن مالك روى الشافعي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو عند أبي داود في المراسيل، ووصله الدارقطني عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه وصوَّب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبد البر وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع، وأبو أمية ضعيف.

وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة.

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح.

وقال ابن حجر في الفتح: رجاله ثقات، إلَاّ أنَّه اختلف في سماع الحسن، ثم ذكر له عدة طرق يقوي بعضها بعضًا.

وجملة القول: أنَّ الحديث بهذه الطرق حسن على أقل الدرجات، لذلك احتجَّ به الإمام أحمد، والله أعلم.

(1) أبو داود (3356)، الترمذي (1237)، النسائي (7/ 292)، ابن ماجه (2270)، أحمد (5/ 12)، ابن الجارود (611).

ص: 404

* مفردات الحديث:

- نسيئة: بإثبات الهمزة بعد الياء على وزن كريمة، أو بالإدغام فهي على وزن عطية، منصوب على الحال.

والنسيئة لغة التأخير، والمراد هنا بيع حيوان بحيوان آخر، مؤخرًا قبضه عن وقت البيع.

***

ص: 405

717 -

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَهُ أَن يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرينِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةَ" رَوَاهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

إسناده قوي، فقد صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، وصححه البيهقي والنووي.

قال الشوكاني: حديث عبد الله بن عمرو في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف، قال الخطابي: في إسناده مقال، ولكن قوَّى الحافظ في الفتح إسناده. اهـ.

قال في التلخيص: لكن أورده البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحَّحه.

* مفردات الحديث:

- أن يجهز: فجهَّز المسافرَ أو الغازيَ هيَّأ له أدواته، جهاز المسافر أو الغازي ما يحتاج إليه.

- جيشًا: الجيش هو الجند، جمعه جيوش، وأقله أربعمائة، وقيل: أربعة آلاف.

- قلائص: على وزن مَفاعل جمع قلوص، وهي الناقة الشابة المجتمعة الخلق.

وذلك السن من حين تُركب حتى السنة التاسعة، ثم تسمى بعد التاسعة ناقة.

(1) الحاكم (2/ 56)، البيهقي (5/ 287).

ص: 406

- البعير: من الإبل بمنزلة الإنسان، يقع على الذكر والأنثى.

- الصدقة: المراد بها هنا الزكاة التي من مصارفها الشرعية التجهيز في سبيل الله.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

تقدم لنا أنَّ الراجح في ضابط الربا أنَّه يقع بين المكيل والموزون إذا كانا مطعومين، فإذا فُقِد منه الكيل أو الوزن مع الطعم، فليس فيه ربا فضل ولا ربا نسيئة.

2 -

وبناء عليه فلا ربا بين الحيوانات بعضها ببعض، ولا هي مع غيرها لفقد شرط الربا في ذلك.

3 -

أما اللحم ففيه الربا؛ لأنَّه موزون ومطعوم، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا إذا كانا من جنس واحد.

4 -

مشروعية الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وأخذ العُدَّة له.

5 -

صحة التوكيل فيما تدخله النيابة من الأعمال.

6 -

الصدقة هنا الزكاة المفروضة، والجهاد في سبيل الله أحد مصارفها، فهو صلى الله عليه وسلم ينفق عليه منها.

7 -

جواز ادخار الزكاة لوقت الحاجة إليها، وهي مسألة خلافية، أجاز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الأئمة الثلاثة.

8 -

إباحة الاقتراض للحاجة، وأنَّه ليس من سؤال الناس أموالهم المذموم.

9 -

جواز التأجيل في أدائه، ولو لم يكن الأجل محددًا بيوم معلوم.

10 -

أنَّ بيع الحيوان الحي بالحيوان الحي الآخر -نسيئةً- لا يعد من باب الربا، ذلك أنَّ الربا في المكيلات والموزونات المطعومة، وهذا هو الشاهد من الحديث.

11 -

أن الشراء بالثمن المؤجل له وقع في زيادة الثمن على المثمن.

ص: 407

12 -

أنَّ الربح في التجارة ليس له حد يُحد به، وإنما هو أمر خاضع لباب العَرْض والطلب.

13 -

يعارض هذا الحديث ما تقدم من حديث سمرة من أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة"[رواه أحمد (5/ 12)].

فأجاب العلماء عن هذا التعارض بترجيح أحدهما على الآخر فإن هذا الحديث أرجح من حديث سمرة، فقد قال الإمام الشافعي: إنَّ حديث سمرة غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فراوي حديث سمُرة هو الحسن، وهو لم يسمع منه إلَاّ حديث العقيقة، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رجاله ثقات، كما أنَّ معه الأصل وهو صحة المعاملات وجوازها.

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء في جواز قرض الحيوان على قولين:

الأول: أنَّه جائز، وهذا هو مذهب الأئمة، مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ عملًا بهذا الحديث، وبأنَّ الأصل جواز ذلك، فلا يعدل عن هذا الأصل إلَاّ بدليل صريح صحيح، ولم يوجد ذلك.

الثاني: أنه لا يجوز، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وهو قول يعارِض هذا الحديث، ويعارض أصل الإباحة، ولذا فإنَّ الراجح هو القول الأول، والله أعلم.

***

ص: 408

718 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرْكْتُمْ الجِهَادَ، سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاًّ، لَا يَنْزَعُهُ، حَتَّى تَرْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنهُ، وَفِي إِسْنَادهِ مقَالٌ، وَلأحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ ابنُ القَطَّانِ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال المؤلف: الحديث في إسناده مقال؛ لأنَّ في إسناده عطاء الخراساني.

قال الذَّهبي: هذا من مناكيره.

وأما الذي صححه ابن القطان فمعلول، لأنَّه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا، والحديث له طرق عديدة، بيَّن عللها البيهقي.

وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: أصح ما ورد في ذم بيع العينة ما رواه أحمد والطبراني، وله طرق، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: رجال إسناده رجال الصحيح.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: له طرق يشد بعضها بعضًا.

* مفردات الحديث:

- العينة: بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعضهم ضبطها بفتح

(1) أبو داود (3462)، أحمد (4825).

ص: 409

العين وسكون الياء، وفتح النون، وهي على الضبطين مأخوذة من العين، وهو النقد الحاضر؛ لأنَّ المشتري إلى أجل يأخذ بدلها نقذا حاضرًا، وصورتها:

أن يبيع سلعة بنسيئة أو بثمن حال لم يقبضه، ثم إنَّ البائع يشتريها ممن اشتراها منه بنقد حال أقل مما باعها به، ويبقى الكثير في ذمة المشتري الأول.

- أذناب البقر: مفرده ذنب بفتحتين، عضو من الحيوان في مؤخره يقابل رأسه، والمراد الكناية عن الانشغال -بالحرث والزرع- عن أمور الدين، والجهاد في سبيل الله تعالى.

قلتُ: ومناسبة ذكر أذناب البقر مع ذكر الزرع، أنَّ الحارث يكون خلف البقر حال السواني، وساعة حرث الأرض بها.

- ذُلاًّ: ذل الرَّجل يَذل ذُلاًّ بضم الذال المعجمة، هو الضعف والمهانة، فالذليل هو الضعيف المهين.

- لا ينزعه: بكسر الزاي من باب ضرب، أي لا يرفعه ولا يزيله عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الحديث فيه تحريم الركون إلى الدنيا، والاشتغال بها عن أمور الدين، التي من أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى، الذي هو ذروة سنام الإسلام.

2 -

فيه أنَّ المسلمين إذا اشتغلوا بالحراثة ورضوا بها، وبجمع الأموال عن الجهاد في سبيل الله، فإنَّ الله يجازيهم بالذل والهوان من أعدائهم، فيكونون مستعَمرين مهانين أذلاء، جزاءً لهم على إعراضهم عن دينهم، الذي فيه عِزُّهم، وفيه مَنَعَتُهم، وفيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

3 -

أنَّ هذا الوعيد تحقق، فالمسلمون الآن يمثلون ثلث المعمورة كثرةً، فعندهم الثروة البشرية، والثروة الاقتصادية، والمساحات الزراعية، والعمرانية، والمواقع المسيطرة، وبلادهم وثروتهم أفضل وأحسن بلاد

ص: 410

العالم، ومع هذا لما أعرضوا عن دينهم سلَّط الله عليهم أعداءهم، فأهانوهم، وأذلوهم، وصاروا لعبة في أيديهم، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

فمن ترك هذا الدين تجبرًا قَصَمَهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غير كتابه أضلَّه الله، وقد تحقق وعيد الله تعالى في هذه الأمم التائهة ممن يدعون الإسلام، فهم في متاهات عما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم.

4 -

أنَّه ليس للمسلمين طريق إلى عزهم، ولا إلى سيادتهم، ولا إلى سعادتهم في دنياهم وأخراهم، إلَاّ بهذا الدين المتين، وإنَّه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلَاّ ما صلح به أولها، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (4)} [الحج].

* نصيحة للشاب:

إن كان شباب المسلمين جادين في التوجه إلى الله تعالى والإقبال عليه، ويريدون السعادة في الدنيا والرفعة فيها، كما يريدون في الآخرة جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتَّقين، فعليهم اتباع هذه النصيحة التي أوجزها بهذه الفقرات:

أولًا: عليهم بالصدق والإخلاص لله تعالى في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكون الله تعالى في عونهم، فيسدد خُطاهم، ويهديهم سبل الخير والنجاح.

ثانيًا: عليهم باتباع كتاب الله تعالى، وما صحَّ من سنة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الصراط المستقيم، الذي سلكه عباد الله الصالحون، وهذا هو النَّهج الصحيح، الذي يقلل الخلاف فيهم، ويقرب وجهة النظر بينهم، ويوحد كلمتهم واتجاههم.

ثالثًا: أن ينبذوا الخلافات بينهم، فلا تكون المسائل العلمية الفرعية مثار جدل بينهم، يترتب عليها عداوة وبغضاء، وتخاصم وتهاجر، فالخلاف في

ص: 411

هذه المسائل الفرعية موجود زمن الصحابة، وزمن التابعين والأئمة المهديين، ولم يحدث بينهم عداوةٌ وبغضاءٌ.

رابعًا: أن يدعوا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريقة التي هي أحسن وأفضل، وأن لا يبتعدوا عن الجماعة، أو عن الأشخاص الذين يخالفونهم في بعض المسائل، وإنما يوالونهم، ويحاولون تقريب شقة الخلاف بينهم.

خامسًا: أن يُحِذِّرُوا أصحابَ المباديء والأفكار المعادية للإسلام من يومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار، ويُذكِّروهم بهذه الآية الكريمة:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل].

وليحذر هؤلاء من عاقبة دعواتهم المضللة، وافتراءاتهم المزوَّرة، فالوعيد صادق، والأمد قريب:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)} [العنكبوت].

* العينة:

صورتها: هي أن يبيع الرجل بألف ريال -مثلًا- مؤجِلًا الثمن، ثم إنَّ البائع يشتري المبيع نفسه ممن باعها عليه بأقل من ثمنها اشتراها به نقدًا؛ ليبقى الثمن الكثير في ذمة المشتري، فهذا ليس بيعًا ولا شراء حقيقةً، وإنما هو قرض ربوي، جاء بصورة البيع والشراء، فهو من الحِيل الظاهرة التي يلجأ إليها المرابون.

قال ابن القيم: ان هذا ينطبق عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".

وقال أيضًا: إنَّ نهي النبي صلى الله عليه وسلم: "عن بيعتين في بيعة" هو الشرطان في البيعة، فإذا باعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم اشتراها منه بثمانين حالَّة، فقد باع

ص: 412

بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ ربا، وإن أخذ بالناقص أخَذ بأوكسهما، وهذان أعظم الذرائع.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الذي يدخل في النَّهي عن بيعتين في بيعة هي مسالة العينة.

* خلاف العلماء:

ذهب الأئمة الثلاثة إلى تحريم العينة لحديث: "إذا تبايعتم بالعينة" ولأنَّها صريح الربا.

وأجازها الشافعي لعموم حديث خيبر المتقدم، "بع الجَمع بالدراهم ثم اشتر بالدارهم جنيبًا".

فعمومه يدل على أنَّه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه التي باع عليه بها التمر الطيب، فعادت دراهمه إليه.

والجواب: أنَّ أحاديث النَّهي عن بيع العينة مخصِّصة لهذا العموم، وهذا هو الطريق بين العام والخاص، ولأنَّ حيلة الربا فيها واضحة مكشوفة والحيل إلى المحرمات محرَّمةٌ ممنوعةٌ باطلةٌ، والله أعلم.

***

ص: 413

719 -

وَعنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَن شَفَعَ لأَخِيه شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَاباً عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

في إسناده مقال؛ لكنه محتج به، فقد رواه القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى بني أمية عن أبي أمامة، وفيه مقال.

قال المنذري: قال الإمام أحمد: روى عنه علي بن زيد أعاجيب، وما أراها إلَاّ من قِبل القاسم، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المُعضلات، ووثقه ابن معين، وصحح الترمذي حديثه، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: صدوق يغرب كثيرًا، وسكت عن الحديث أبو داود.

* مفردات الحديث:

- شفع له: يشفع شفاعة: سعى له وأعانه.

- بابًا: أصله بوب، فالألف منقلبة عن واو، ويجمع على أبواب وبيبان، والأصل في الباب المدخل، ثم سمى به ما يتوصل به إلى شيء، والمراد هنا ما يتوصل به إلى أكل مالٍ بالباطل.

- الربا: مقصور، وأصل ألفه واو، وهو لغة الزيادة، فيقال ربا يربو أي: زاد، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5].

وشرعًا: زيادة محرَّمة في مال مخصوص.

(1) أحمد (5/ 261)، أبو داود (3541).

ص: 414

720 -

وَعَنْ عبد الله بنِ عَمْرِو بن العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِي والمُرْتَشِي" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ، وَصَحَّحَهُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

قال في التلخيص: رواه الطبراني، وقد قوَّاه النسائي، ورواه الحاكم مرفوعًا من طريق عطاء عن ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذَّهبي، كما حسَّنه الترمذي، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.

زاد الإمام أحمد في مسنده: "والرائش".

قال الحافظ: وله شواهد عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وثوبان، وعائشة، وأم سلمة.

* مفردات الحديث:

- الراشي: هو الذي يبذل المال؛ ليتوصل به إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل، وهو مأخوذٌ من الرشا، وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر.

- الرشوة: بكسر الراء وضمها، يقال: رشا يرشوا رشوًا: أعطاه الرشوة، هي بذل المال ليتوصل به إلى باطل.

- المرتشي: آخذ الرشوة، وهو الحاكم.

- الرائش: هو الذي يتوسط بإيصال الرشوة من معطيها إلى آخذها.

(1) أبو داود (3580)، الترمذي (1337).

ص: 415

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

إذا شفع الإنسان لغيره في أمر من الأمور فلا يخلو من حالات:

الأولى: أن يشفع لغيره في إنقاذه وتخليصه من مظلمة وقعت عليه، فهذه شفاعة واجبة من القادر عليها، فيحرم أخذ شيء عليها.

الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه، من وظيفة أو عمل، بل حصوله عليها وتوليه عليها ظلم له، وظلم لمن شفع عنده، وظلم للعمل، والمنتفعين به، فهذه شفاعة محرَّمة، وما أخذ عليها فهو حرام.

الثالثة: أن تكون لحصول أمر مباح، ويحصل للمشفوع له فائدة منه، فالأولى أن يبذل الشافع ذلك بلا مقابل ولا عوض، إنما يجعله إحسانًا فإن أخذ فلا يظهر أنَّه حرام عليه، ويكون من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"مَن صَنعَ إليكم معروفًا فكافئوه".

الرابعة: الشفاعة في حدود الله فهي محرَّمة، وذلك بعد أن تبلغ ولاة الأمور أو نوابهم.

قال شيخ الإسلام: وتحرم الشفاعة في حد من حدود الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" وكذا يحرم قبولها في حد من حدود الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فهلَاّ قَبْل أن تأتيني به".

الخامسة: قال الشيخ عبد الرحمن سعدي: من أُهدي إليه ليكف شره فقبول الهدية حرام عليه؛ لأنَّه يجب عليه كف شره، أُهدي له أو لا.

السادسة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ويوجد مسائل أخر لا يحرم قبول الهدية فيها، كمن أحسن إلى آخر فكافأه المحسَن إليه على ذلك، فإنَّه لا بأس بالمكافأة ولا بأس بقبولها.

2 -

أما الرشوة فهي بذل المال؛ ليتوصل بذلك إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل.

ص: 416

3 -

آخذ الرشوة، ومعطيها، والوسيط بينهما، كلهم ملعونون؛ لما روى الترمذي (1337) بسند صحيح عن ابن عمرو:"أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي -زاد أبو بكر-: والرائش وهو السفير بينهما".

4 -

يدل الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب؛ لأنَّ اللعن لا يكون إلَاّ على كبيرة.

5 -

قال في شرح الإقناع: ويحرم بذلها من الراشي ليحكم بباطل، أو يدفع عنه حقًّا، كما يحرم قبول القاضي هدية إلَاّ ممن كان يهدي إليه قبل ولايته إن لم يكن له حكومة.

قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على أنَّ الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حَكم بحق أو بباطل، فإن قبل الرشوة أو الهدية حيث حرم القبول، وجب ردها إلى صاحبها، قال الشيخ تقي الدين: فإن لم يعلم صاحبها، دفعها في مصالح المسلمين.

6 -

في الحديث دليل على جواز لعن العصاة من أهل القبلة، وأما حديث:"المؤمن ليس باللعان" فالمراد: من لا يستحق اللعن.

***

ص: 417

721 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ المُزَابَنَةِ: أن يَبِيْعَ ثَمَرَ حَائِطهِ، إِنْ كَانَ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا، أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا، أنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلِّهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- المزابنة: يُقال: زبنه بزبنة زبنًا: دفعه، فالزبن هو الدفع، فتزابن المتبايعان تدافعا، كأنَّ كل واحد منهما يزبن صاحبه عن حقه.

وشرعًا: بيعُ ربويٍّ معلوم بمجهولٍ من جنسه، ومثالها بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر مكيلًا.

- حائطه: قال في النهاية: الحائط هاهنا البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط: وهو الجدار، وجمعه حوائط.

- كَرْمًا: بفتح الكاف وسكون الراء آخره ميم، شجر العنب، وأريد به هنا العنب نفسه.

- زبيب: ما جفف من العنب.

(1) البخاري (2205)، مسلم (1542).

ص: 418

722 -

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ: قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ المَدِيِنيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

قال في التلخيص: رواه مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من حديث زيد بن عياش، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص، وذكر الحديث.

وقد أعلَّه جماعة، منهم الطحاوي، والطبري، وابن حزم، وعبد الحق، بجهالة حال زيد بن عياش، ولكن الإمام مالكًا اعتمده، وقال الدارقطني: إنَّه ثقة ثبت، كما صححه ابن المديني، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، والمنذري، وابن الجوزي، وقال الحافظ: إنَّ المنذري قال: رواه عن زيد ثقتان. قد اعتمده مالك مع شدة نقده، وصححه الترمذي والحاكم وقال: لا أعلم أحدًا طعن فيه، فهو حديث صحيح، بإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنَّه محكم في كل ما يرويه، إذ لم يوجد في رواياته إلَاّ الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، وله شاهد رواه البيهقي من حديث عبد الله بن أبي سلمة مرسلًا، وهو مرسل قوي، يعضد هذا الحديث المسند.

(1) أحمد (1/ 175)، أبو داود (3359)، الترمذي (1225)، النسائي (7/ 268)، ابن ماجة (2264)، ابن حبان (4982)، الحاكم (2/ 38).

ص: 419

* مفردات الحديث:

- الرُّطب: بالضم ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمر، واحده رُطبة، والجمع أرطاب.

- التمر: ثمر النخل إذا جفَّ، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة، لأنَّه يُترك على النَّخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب، ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس، الواحدة تمرة، والجمع تمور.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

المزابنة: أن يبيع تمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا.

وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا.

وإن كان زرعًا أن يبيعه بطعامٍ كيلًا.

فهذا كله المزابنة المنهي عنها.

قال ابن عبد البر: لا مخالف أنَّ هذا كله مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك كل ما لا يجوز بيعه إلَاّ مثلًا بمثل؟، فالجمهور على الإلحاق في الحكم؛ للمشاركة في العلة، وهو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس والتقدير.

2 -

علة النَّهي ربا الفضل، فإنَّه إذا بيع أحد نوعي جنس بالآخر، فلابد من التماثل كما جاء في الحديث:"مثلًا بمثل".

وهنا لم يتحقق التماثل، فإننا إذا بعنا التمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، أو بعنا العنب بشجره بزبيب كيلًا، أو بعنا الحب في سنبله بحبٍّ كيلًا، فإنَّها لم تتحقق المماثلة بينهما، وبقي الأمر مجهولًا، فلا يصح البيع، وقد قال الفقهاء:"الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم".

3 -

هذا الحديث مما يؤيد القول من أنَّ الربوي هو ما جمع الكيل أو الوزن مع الطعم، فإن لم يوجد هذان الشرطان فلا ربا.

ص: 420

4 -

أما الحديث رقم (722) فيدل على أنَّه لا يجوز بيع أحد نوعي جنس بالآخر، إلَاّ أن يكونا في مستوًى واحدٍ، من حيث اليبس، أو الرطوبة، أو النعومة، أو الخشونة، أو الطبخ، والنيء، ذلك أنَّ النوعين إن لم يكونا في مستوًى واحدٍ من الصفة لم يحصل التساوي بينهما في القدر، فالرطب ينقص إذا جفَّ، والحب يربو إذا أنعم بالطحن، والمطبوخ تعقِد النارُ أجزاءَه فينقص، فلا يحصل التساوي بين النوعين فيحصل التفاضل المحرَّم.

5 -

قوله صلى الله عليه وسلم: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " ليس سؤالًا يقصد منه المعرفة، فإنَّه صلى الله عليه وسلم يعرف أنَّ الرطب ينقص إذا يبس، وإنما يقصد صلى الله عليه وسلم بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع.

***

ص: 421

723 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: "نَهَى عنْ بَيْعِ الكَالِىءِ بالكَالِىءِ، يَعْنِي الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ" رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف.

لكنه داخل في الحديث الثابت في النَّهي عن بيع الغرر، وضعفه؛ لأنَّ موسى بن عبيدة تفرد به عن نافع، وهو ضعيف، قال أحمد: لا تحل الرواية عن موسى بن عبيدة، ولا أعلم هذا الحديث لغيره، وقد ضعفه الإمام الشافعي، والبيهقي.

قال الذَّهبي: ضعفوه، وقال الحافظ: ضعيف.

وهذا الحديث وإن كان في سنده ضعف، فقد تلقته الأمة بالقبول، كما قال ابن عرفة، وتلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، وأيضًا قد أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز بيع الدين بالدين.

كما قال الإمام أحمد: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع الدَّين بالدَّين.

* مفردات الحديث:

- الكالىء بالكَالىء: بفتح الكاف ثم لام مكسورة ثم همزة على ياء، من كلأ الدَّينُ كَلؤ فهو كالىء، إذ تأخَّر، وكلأه: إذا أنساه.

وقال في النهاية: النسيئة بالنسيئة، والنسيئة هو التأخير.

(1) كشف الأستار (1280).

ص: 422

قال في شرح الإقناع: هو بيع دينٍ بدينٍ مطلقًا.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

بيع الكالىء هو بيع الدين بالدين.

قال ابن المنذر: ولا يجوز بيع الدين بالدين إجماعًا.

وقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ بيع الدين بالدين باطل.

2 -

بيع الدين له صور:

- منها: بيع ما في الذمة لمن هو عليه بثمن مؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض.

- ومنها: بيع ما في الذمة لغير مَن هو عليه بمؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض.

- ومنها: جعل ما في الذمة رأس مال سَلمِ.

- ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على الآخر من غير جنس دينه، كالذَّهب والفضة، فتصارفا، ولم يُحضرَا أحد العوضين.

- ومنها: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد وفاءه، فيقول: بِعْنيه إلى أجل آخر بزيادة، فيبيعه، ولا يجري بينهما تقابض.

* خلاف العلماء:

قال شيخ الإسلام: الاعتياض عن الدين بغيره -ولو كان دين سَلَمِ- جائز عند مالك، ورواية عن أحمد، وهي أشبه بأصوله، وهو الصحيح.

فالصواب الذي عليه جمهور العلماء أنَّه يجوز بيع الدين ممن هو عليه، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط الحلول والقبض.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الصحيح أنَّ جميع الديون التي في الذمم يجوز التعويض عنها، سواء كانت دين سَلم أو غيره، ولكن بشرط قبض العوض قبل مفارقة المجلس، لعموم حديث ابن عمر: "كنَّا نبيع الإبل بالدنانير، ونأخذ عنها الدارهم، وبالدارهم نأخذ عنها الدنانير، فسألنا رسول الله

ص: 423

-صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء" [رواه أحمد (5959)]. خلافًا لما منعه الأصحاب في دين السَّلم.

* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن صور القبض:

إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة يوم الأحد 13 رجب 1409هـ إلى يوم الأحد 20 رجب 1409 هـ، قد نظر فيما يلي:

1 -

صرف النقود في المصارف، هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك، الذي يتسلمه مريد التحويل؟

2 -

هل يُكتفى بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟

وبعد البحث والدراسة قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:

أولًا: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.

ثانيًا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودَعة فيه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمَّد.

أعضاء المجلس

* قرار المجمع الفقهي بشأن قضايا العملة: قرار رقم (75):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر

ص: 424

سيري باجوان، بروناي دار السلام، من 1 إلى 7 محرم 1414 هـ، الموافق 21 - 27 يونيو 1993 م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "قضايا العملة" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.

قرَّر ما يلي:

1 -

يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدَّد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور، على ألا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.

والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية، تبعًا للتغير في مستوى الأسعار، وفقًا لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص، والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي، وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وذلك لأنَّ الأصل في الشروط الجواز، إلَاّ الشرط الذي يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا.

على أنَّه إذا تراكمت الأجرة، وصارت دينًا تطبَّق عليها أحكام الديون المبينة في قرار المجمع رقم (4/ د5).

2 -

يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد لا قبله على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معيَّنة الاتفاق يوم سداد أي قسط أيضًا على أدائه كاملًا بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم.

ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة، مع مراعاة القرار الصادر عن المجمع برقم (55/ 1/ د 6) بشأن القبض.

ص: 425

3 -

يجوز أن يتَّفق المتعاقدان عند العقد على تعيين الثمن الآجل، أو الأجرة المؤجلة بعملة تدفع مرة واحدة، أو على أقساط محددة من عملات متعددة، أو بكمية من الذَّهب، وأن يتم السداد حسب الاتفاق، كما يجوز أن يتم حسب ما جاء في البند السابق.

4 -

الدين الحاصل بعملة معيَّنة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذَّهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين باداء الدين بالذَّهب، أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها.

5 -

تأكيد القرار رقم (4/ د 5) الصادر عن المجمع بشأن تغير قيمة العملة.

6 -

يدعو مجلس المجمع الأمانة العامة لتكليف ذوي الكفاءة من الباحثين الشرعيين، والاقتصاديين من الملتزمين بالفكر الإسلامي بإعداد الدراسات المعمقة للموضوعات الأخرط المتعلقة بقضايا العملة، لتناقش في دورات المجمع القادمة إن شاء الله، ومن هذه الموضوعات ما يلي:

(أ) إمكان استعمال عملة اعتبارية مثل الدينار الإسلامي، وبخاصة في معاملات البنك الإسلامي للتنمية، ليتم على أساسها تقديم القروض واستيفاؤها، وكذلك تثبيت الديون الآجلة ليتم سدادها بحسب سعر التعادل القائم بين تلك العملة الاعتبارية بحسب قيمتها، وبين العملة الأجنبية المختارة للوفاء كالدولار الأمريكي.

(ب) السبل الشرعية البديلة عن الربط للديون الآجلة بمستوى المتوسط القياسي للأسعار.

(ج) مفهوم كساد النقود الورقية، وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة.

(د) حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه.

ص: 426