الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الموقيت
مقدمة
المواقيت: جمع ميقات، وهي مواقيت زمانية، ومكانية.
فالزمانية: أشهُر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
والمكانية: ما ذكرت في هذين الحديثين الآتبين.
وجعلت هذه الحدود مواقيت؛ تعظيمًا للبيت الحرام وتكريمًا، ليأتي إليه الحجاج والمعتمرون من هذه الحدود معظمين خاضعين خاشعين.
ولذا حرَّم الله ما حوله من الصيد، وقطع الأشجار؛ لأنَّ في ذلك استخفافًا لحرمته، وحطًّا من كرامته.
والله سبحانه وتعالى جعله مثابة للناس وأمنًا، ورَزَقَ أهله من الثمرات، لعلَّهم يشكرون.
***
603 -
عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأَهْلِ المَدِيْنَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامٍ الجُحْفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَليْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّن أراد الحَجَّ أَوْ العُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- وقَّت: بفتح الواو ثم قاف مثناة مشددة بعدها تاء، أي حدَّد.
أصل التوقيت أن يُجعل للشيء وقتٌ يختص به.
قال عياض: وقَّت: حدد.
- ذو الحليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام تصغير حَلْفاء، نبت معروف بتلك المنطقة، وتسمى الآن "آبار علي" وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبوي (13) كيلو، ومنها إِلى مكة المكرمة (420) كيلو متر، فهي أبعد المواقيت، وهي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عن طريقهم.
- الجُحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء، كانت قرية عامرة محطة من محطات الحاج بين الحرمين، ثم جحفتها السيول، فصار الإحرام من قرية رابغ، الواقعة عنها غربًا ببعد (22) ميلًا، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة "الخط السريع" من المدينة باتجاه مكة، وتبعد عن مكة (208) كيلو.
(1) البخاري (1524)، مسلم (1181).
تعقيب: أصدر مجلس هيئة العلماء قرارًا برقم: (142) وتاريخ 9/ 11/ 1407 هـ جاء فيه "أنَّ من جاء من ناحية الشرق أو الغرب، يريد سلوك الطريق السريع متَّجهًا إلى مكة، فهذا لا يمر بميقات، فإنَّ ميقاته محاذاة الجحفة، لكونها أقرب المواقيت إليه هو (208) كيلو، فإن كان أهله دون ذي الحليفة مما يلي مكة، فهذا ميقاته موضع سكناه.
- رابغ: بلدة كبيرة عامرة، فيها الدوائر الحكومية والمرافق العامة، وتبعد عن مكة المكرمة (186) كيلو، ويُحرِم منها مَنْ كان في شمال المملكة العربيّة السعودية، وساحل المملكة الشمالي إِلى العقبة.
ويُحرِم منها أهل بلدان إفريقيا الشمالية والغربية، وأهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين.
- قَرْن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء، ويسمى "السيل الكبير"، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (78) كيلومتر.
- وادي محرم: هذا هو أعلى قرن المنازل وهي قرية عامرة فيها مدرسة، ويقع على طريق الطائف مكة النازل من جبل الكر، وأنشيء في هذا الميقات مسجد كبير فيه جميع مرافق من يريد الإحرام، ويبعد عن مكة بمسافة (75) كيلو متر، وليس ميقاتًا مستقلًا، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل.
من هذين المكانين يحرم كل من أهل جبال السراة من جنوب المملكة العربية السعودية، وكذلك ما وراءها من اليمن، كما يحرم منه أهل نجد، وما وراءها من بلدان الخليج، والعراق وإيران، وحجاج الشرق كله.
- يلمْلَم: بفتحِ الياء -المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى ثم ميم أخرى، ويقال-: أَلمْلَم وسكان تلك المنطقة الآن يقولون: "يلملم"، وفيه بئر تمسى السعدية، نسبة إلى امرأة حفرتها تسمى:"فاطمة السعدية" ويلملم وادٍ عظيم ينحدر من جبال السراة إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر عند ساحل
يمسى "المجيرمة" والاسم لهذا الوادي من فروعه حتى مصبه ومكان الإحرام منه الذي يمر طريق تهامة المملكة العربية السعودية، وتهامة من ضفته الجنوبية تعبد عن مكة مسافة (120) كيلو متر.
وكنتُ أحد الأعضاء الذين وقفوا على صحة حَدِّه حينما أنشيء الطريق الساحلي.
- هنَّ لهُنَّ: أي هذه المواقيت لهذه البلاد، والمراد أهلها، وكان الأصل أن يقال: هنَّ لهم، وقد ورد ذلك في بعض الروايات في التصحيح.
- فمِن حيث أنشأ: "الفاء" جواب الشرط، أي فَمَهَلُّه من حيث قصد الذهاب إلى مكة.
***
604 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها "أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأَهْلِ العِراقِ ذَاتَ عِرْقٍ" رَوَاهُ أبُو داودَ وَالنَّسَائِيُّ (1).
وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه إلَاّ أنَّ رَاوِيهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ (2).
وَفِي صَحِيح البُخَارِيِّ: "أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ"(3).
وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا- "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ"(4).
ــ
* درجة الحديث:
أما حديث عائشة: فقال الحافظ: تفرد به القاسم بن محمد عن عائشة، وتفرد به أفلح بن حميد عن القاسم، وذكر ابن عدي أنَّ الإمام أحمد ينكر على أفلح ابن حميد هذا الحديث، لكن صححه ابن الملقن، وله شواهد ذكرها الحافظ في "التلخيص".
وأما حديث ابن عبَّاس: فقد حسَّنه الترمذي، ولكن ردَّ تحسينه النووي، وقال: فيه يزيد بن زياد، وهو ضعيف باتفاق المحدثين.
(1) أبو داود (1739)، النسائي (2605).
(2)
مسلم (1183).
(3)
البخاري (1531).
(4)
أحمد (3205)، أبو داود (1740)، الترمذي (832).
وقال الحافظ: في نقل الاتفاق نظر، وقوَّى ابن الملقن من شأن يزيد.
ولحديث ابن عباس علة أخرى، وهي أنَّه لا يعلم لمحمد بن علي سماع من جده.
* مفردات الحديث:
- ذات عِرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سمِّي بذلك لوجود جبل صغير ممتد من الشرق إلى الغرب، بطول (2) كيلو فقط، مطل على موضع الإحرام من الجهة الجنوبية، يبتديء هذا العرق شرقًا، وما تحته من موضع الإحرام، من وادٍ يقال له:"أنخل"، وينتهي غربًا بواد يقال له: العصلاء الشرقية"، وهذه الكتابة والتحديد عن مشاهدة مع سكان ثقات من أهل المنطقة، ويسمى الضريبة بفتح الضاد بعدها راء مكسورة ثم ياء ساكنة، واحدة الضراب، وهي الجبال الصغار، ويقع عن مكة شرقًا بمسافة قدرها (100) كيلو متر، والآن مهجور لعدم وجود الطرق عليه.
- العقيق: بفتح العين وكسر القاف ثم ياء فقاف، وادٍ عظيمٌ يقع شرق مكة المكرمة فهو بحذاء ذات عرق شرقًا يبعد (28 كيلو مترًا)، ويبعد عن مكة بـ (128 كيلو متر).
* ما يؤخذ من الحديثين:
1 -
تحديد هذه الأمكنة المذكورة مواقيت مكانية للنسك، فلا يحل تجاوزها بدون إحرام، لمن يريد الحج أو العمرة.
2 -
أنَّ ميقات مَن دون هذه المواقيت من مكانه الذي هو ساكنٌ، أو مقيمٌ فيه.
3 -
أنَّ من تجاوزها بلا نية النسك، ثم طرأ له العزم على أداء النسك، يُحْرِم من حيث أراد النسك.
4 -
أنَّ ميقات أهل مكة منها، وهذا في الحج، أما العمرة فلابد من الخروج إلى الحل، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
بل قال المحب الطبري: "ما أعلم أحدًا ما جعل مكة ميقاتًا للعمرة".
قلت: إِلا أنَّ الصنعاني جعله قولًا له، ونصره بما لا ينهض فيه دليل؛ فإنَّ مفهوم هذا الحديث لا يقاوم صريح أمره عائشة بالخروج لعمرتها إلى التنعيم في ذلك الوقت الضيق، وكذلك عضده آثار قوية، وعمل المسلمين جميعًا في القديم، والحديث على هذا.
5 -
مفهوم قوله "ممن أراد الحج أو العمرة" إنَّ من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو غيرها، فلا يجب عليه الإحرام، وفي المسألة خلاف يأتي إن شاء الله.
6 -
جَعْل كل أهل جهة لهم ميقات في طريقهم إلى مكة من رحمة الله بخلقه، وتسهيل شرعه لهم، فلو كان الميقات واحدًا، لشقَّ على مريدي النسك.
7 -
تحديد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت من معجزات نبوته، فإنَّه حددها قبل إسلام أهلها، إشعارًا منه بأنهم سيسلمون. ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان ولله الحمد والمنة.
8 -
تعظيم هذا البيت وتشريفه بجعل هذا الحمى، الذي لا يتجاوزه حاج، أو معتمر حتى يأتي بهذه الهيئة، خاشعًا لله تعالى، معظِّمًا لشعائره ومحارمه.
9 -
أنَّ ذات عِرق مَهل أهل المشرق، ومن جاء معه، قال الإمام الشافعي في "الأم":"أجمع عليه الناس".
10 -
فقه عمر رضي الله عنه، فإنَّه وقَّت ذات عرق، والنص فيها لم يبلغه، فجاء على وفق توقيته، وليس غريبًا عليه، فله موافقات كثيرة معروفة.
11 -
سبب توقيت عمر ذات عِرق لأهل الشرق، أنه لمَّا تأسست البصرة والكوفة، وكان قرن المنازل في الشرق الجنوبي، وطريق أهل البصرة والكوفة في الشرق الشمالي، شقَّ عليهم الإحرام منه، فجاءوا، فقالوا لعمر: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجد قرنًا، وإنه جَور عن طريقنا، قال:
فانظروا إلى حذوها من طريقكم، قال: فحدَّ لهم ذات عرق" [رواه البخاري (1531)] فصار هذا سنة لكل من لم يأت على ميقات من هذه المواقيت أن يحرم حينما يحاذي أقربها إليه.
12 -
قال الفقهاء رحمهم الله: وكُرِه إحرامٌ قبل الميقات، الذي وقَّته الشارع؛ لموافقته الأحاديث الصحيحة، ولفعله صلى الله عليه وسلم. روى الحسن أنَّ عمران بن حصين أحرم من مصر، فبلغ عمر خَبَرَهُ فغضب، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم في مصره.
13 -
يكره أن يحرم قبل أشهر الحج، قال في الشرح: بغير خلاف علمناه؛ لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].
ولقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلَاّ في أشهر الحج، [رواه البخاري معلقًا]. وينعقد الإحرام قبل الميقات الزماني والمكاني.
14 -
الذي لا يمر من ميقات يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، واعتبار المحاذاة أصلٌ بنى عليه عمر رضي الله عنه حين قرَّر ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق، والعلماء اتَّفقوا على هذا الأصل.
…
بسم الله الرحمن الرحيم
* قرار هيئة كبار العلماء بشان ميقات "ذات عرق": رقم (177):
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم، وبارك على عبده، ورسوله نبينا محمَّد، وآله وصحبه، وبعد:
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء قد اطَّلع في دورته الأربعين على الرسالة المقدمة من بعض سكان الضريبة، المتضمنة طلب بناء مسجد في ميقات ذات
عرق، يكون معلمًا للميقات، يُحرم منه من يمر بهذا الميقات ممن يريد الحج أو العمرة؛ لأنَّ عدم وجود مسجد في الميقات، أدى إلى تجاوز الميقات من بعض مريدي الحج والعمرة من غير أهل المنطقة قبل الإحرام، لعدم وجود ما يرشد إليه، ولأهمية الموضوع، ومسيس الحاجة إلى إيضاح هذا الميقات، رأى المجلس تكليف أصحاب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن البسَّام، والشيخ عبد لله بن سليمان المنيع عضوي المجلس، والشيخ عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الأمين العام للهيئة، بزيارة موقع الميقات المذكور، والعناية بتحديده، وبيان ما يحتاج إليه من مسجد ومرافقه، وقد قاموا بالمهمة، وأعدوا التقرير اللازم، وفي الدورة الحادية والأربعين للمجلس المنعقدة في الطائف في الفترة من 18/ 3/ 1414 هـ إلى 29/ 3/ 1414 هـ عرض الموضوع، واطَّلع المجلس على التقرير الذي أعده المشايخ، الذي نصه:
"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فلما كان ميقات "ذات عرق" مدرجًا في جدول أعمال الدورة الأربعين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض ابتداءً من تاريخ 10/ 11/ 1413 هـ، وقد رأى المجلس -كما ورد في المحضر الأول من محاضر هذه الدورة- تكليف كلاً من: فضيلة عضوي المجلس الشيخين عبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الله بن سليمان المنيع، وأمين عام الهيئة عبد العزيز بن محمَّد العبد المنعم بزيارة ميقات "ذات عرق" وكتابة تقرير بشأنه، يتضمن وصفًا له، وبيان حدوده، وتقديمه للمجلس في دورته الحادية والأربعين.
وإنفاذًا لما رآه المجلس توجهت اللجنة المكلفة بالمهمة في يوم السبت الموافق 12/ 2/ 1414 هـ إلى ميقات "ذات عرق" وقد سلكت في ذهابها الطريق الموازي لوادي العقيق، المتجه شمالاً من "عشيرة" إلى بلدة
"المحاني"، وعند محاذاتها "ذات عرق" من الشرق تركت الطريق المزفت، واتَّجهت غربًا مارة بوادي العقيق عرضًا، مغ خط ترابي ممسوح، يصل ما بين الطريق المزفت وبين ذات عرق، وقد حسبت المسافة من وادي العقيق إلى ذات عرق فبلغت ثمانية وعشرين كيلو مترًا، حسب عداد السيارة.
وقد وصلت اللجنة منطقة ذات عرق، وتجولت فيها، وفيما حولها من وديان ومزارع، ثم كتبت ما انتهت إليه من معلومات وحقائق معتمِدة في ذلك على:
1 -
ما ذكره بعض أهل العلم من مفسرين وفقهاء ومؤرخين عن هذا الميقات، حيث استعرضت اللجنة، وهي في رحلتها قراءة كثير من أقوال أهل العلم في وصف هذا الميقات، وذكر بعض معالمه.
2 -
مشاهدة معالم هذا الميقات من أودية وجبال، وتطبيق ما ذكره أهل العلم عليها، لاسيَّما ممن كتبوا في وصف طرق الحاج، وأشاروا إلى كثير من المواضع، مع ضبطها بالوصف والمسافات.
3 -
الاستعانة ببعض أهل الخبرة من سكان تلك الجهة، فقد اتَّصلت اللجنة بثلاثة من كبار السن من أهل تلك المنطقة، واصطحبتهم معها في جولاتها، ووقوفها على مختلف المعالم من جبالٍ، وأوديةٍ، وآبارٍ، وخرائب، وتعرفت منهم على أسمائها، وعلى كل ما يعرفونه عنها في القديم، حينما كان الحاج يستخدم الإبل في سفره، ويحرم بالنسك من هذا الميقات، وفي الحاضر حيث تغيرت وسائل المواصلات، فأصبح الإحرام منه منقطعًا، وذلك من أكثر من أربعين عامًا، حيث ذكروا ذلك.
وتوصلت اللجنة إلى الحقائق التالية:
1 -
أنَّ "عرقا" قمة جبل مرتفع، ولونه متميز عن بقية الجبل، بلون إلى السواد أقرب، واقع على كامل قمة الجبل، وهذا الجبل مرتفع عما حوله، ممتد
من الشرق إلى الغرب بطول ألفي متر تقريبًا، يحده من الشرق وادي "الحنو"، ومن الغرب وادي "العصلاء الشرقية" وهذا الجبل هو الحد الجنوبي للميقات.
2 -
أن ميقات "ذات عرق" ريع بين جبلين، فيه مجرى سيل كبير، متجه من الشرق إِلى الغرب، يدعى "وادي الضريبة" يتسع هذا الريع في بعض نواحيه، ويضيق في نواحي أخرى، بين مائتي متر، وخمسمائة متر، وطوله من الشرق إِلى الغرب ألفا متر تقريبًا.
ويطلق عليه اسم "الطرفاء"، وفي منتصفه بئر قديمة فيها ماء تسمى "الخضراء"، يحرم عندها من يريد الإحرام من أهل البلد، أو من يمر بها ممن هم حولها، حسب إفادة المرافقين للجنة من أهل المنطقة، وفي هذا المحدود توجد آثار خرائب، وأساسات مباني قديمة، لم يبق منها إلَاّ ما هو ملاصق للأرض، وفي غربيه شمال مجرى الوادي آثار مقبرة قديمة، وتغطي أشجار السلم والطلح والسمر عامة أرض الميقات.
حدود الميقات: أما حدود هذا الميقات كما وَضُحَ للجنة:
فيحده من الشرق ملتقا وادي "الحنو"، مع وادي "أنخل" عند مصبهما، ليتكون منهما وادي "الضريبة"، وعند ملتقى هذين الواديين يبتديء العرق المنسوب إليه هذا الميقات، ويوجد في هذا الحد ثلاث نصائب:
إحداها في جنوبيه في سفح العرق المذكور عند ابتدائه من الشرق، حيث مجرى وادي "الحنو".
والثانية: فوق ملتقى وادي الحنو، ووادي أنخل، في المثلث الفاصل بينهما قبيل التقائهما.
والثالثة: في سفح الجبل الشمالي المقابل لجبل "عرق" من الشمال.
وهذه العلامات الثلاث ذكر المرافقون من أهل تلك الجهة أنَّها وضعت
منذ حوالي ثلاثين سنة، من قبل لجنة خرجت من مكة بقصد تحديد الميقات، ومَنْع التعدي عليه.
ويحده من الغرب وادي "العصلاء الشرقية"، المتجه من الجنوب إلى الشمال حيث يصب سيله في وادي الضريبة، ويمتد الحد الغربي شمالًا على مسامته وادي العصلاء، حتى يصل إلى الجبل المقابل، من الناحية الشمالية، ويوجد مجرى سيل متجه من الجنوب إلى الشمال، موازٍ للعصلاء الشرقية من الغرب، يدعي "العصلاء الغربية" وبينهما حوالي خمسمائة متر، ويصب سيله في وادي الضريبة، وقد وضعت نصائب من قبل اللجنة السابقة في الضفة الشرقية للعصلاء الغربية، وقال المرافقون: إنَّ هذا متجاوز للحد، وإنما وضعت هذه الأنصاب لتكون حمى للميقات، إذ أنَّ حد الميقات من الغرب هو العصلاء الشرقية، كما أوضحناه آنفًا، لوجود الآثار شرقيها، ولأنَّ العرق المنسوب إليه هذا الميقات ينتهي عند هذا الحد، ونوصي بأن يبقى ما بين العصلاء الشرقية والعصلاء الغربية حمى للميقات، كما وضعته اللجنة السابقة، ولا يسمح لأحد بإحيائه أو تملكه، لئلا يضيق الميقات بالتعدي على حدوده.
ويحد الميقات من الجنوب قمة جبل عرق، ابتداءً من طرفه الشرقي عند مجرى واد الحنو إلى طرفه الغربي حيث ينتهي بمجرى العصلاء الشرقية.
ويحده من الشمال الجبال المتصلة الواقعة شمال وادي الضريبة، من مصب وادي أنخل في وادي الضريبة شرقًا، حتى ملتقى وادي الضريبة بوادي العصلاء الشرقية غربًا.
وطول الميقات شرقًا وغربًا ألفا متر، تقريبًا، وهو طول العرق المذكور، وعرض الميقات يختلف باختلاف ما بين الجبلين ضيقًا واتِّساعًا، ويتراوح ذلك ما بين مائتي متر وخمسمائة متر، كما سبقت الإشارة إليه.
أما موقع إقامة مسجد الميقات ومرافقه، فترى اللجنة أن يقام في المتسع
الواقع شمال شرق بئر "الخضراء" لتوسطه، ولأن جميع من سألناهم أجمعوا على أنَّ الإحرام في الماضي والحاضر هو قرب هذه البئر، التي يوجد حولها بقية الآبار المندفنة، والغرف المتهدمة، والمقابر في سفوح الجبال الشمالية الغربية مما يلي وادي الضريبة.
هذا ما توصلت إليه اللجنة فيما يتعلَّق بميقات "ذات عرق"، ونسأل الله إصابة الحق في القول والعمل، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم
…
ولمزيد التأكد طلب المجلس حضور الشريف شاكر بن هزاع قائم مقام مكة سابقًا، واطلاعه على تقرير اللجنة، ومعرفة ما لديه من معلومات عن الميقات المذكور، لما له من خبرة في ذلك، وقد حضر عند هيئة كبار العلماء في يوم السبت الموافق 3/ 25/ 1414 هـ، وأفاد أنَّ ما تضمنه تقرير اللجنة موافق لما قررته اللجنة التي شكلت في عام 1387 هـ، لتحديد ذات عرق، وكان عضوًا فيها، ووضعت علامات حدود الميقات في ذلك الوقت، التي لا تزال باقية إلى الآن، وهي نفس العلامات التي رأتها اللجنة التي شكلها المجلس، كما قام كل من عضوي المجلس فضيلة الشيخ محمَّد بن سليمان البدر، وفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد يوم الجمعة الموافق 24/ 3/ 1414 هـ بزيارة الميقات ذات عرق، وأفادا المجلس بأنَّهما اطلعا على الميقات ومعالمه، وسألا عددًا من سكان المنطقة عن الميقات، واتَّضح لهما أنَّ ما جاء في تقرير اللجنة التي كلفها المجلس فيه وصف دقيق لذات عرق، يوافق واقعها على الطبيعة، وبناءً على ما تقدم، فإنَّ المجلس يرى ما يلي:
1 -
أن تهتمَّ الحكومة بميقات ذات عرق، الذي هو أحد المواقيت المكانية المعتبرة للحج والعمرة، من حيث المحافظة عليه، وذلك بوضع علامات واضحة وبارزة في بدايته من الشرق، ونهايته من الغرب، حسب الحدود الموضحة في تقرير اللجنة المذكور ضمن هذا القرارة حتى لا يتجاوزه أحد
ممن يريد الحج أو العمرة قبل الإحرام.
2 -
يوصي المجلس بتكليف الجهة المختصة بالمبادرة بإنفاذ أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ببناء ميقات ذات عرق، وتأمين ما يحتاجه من خدمات ومرافق، حسبما صرَّح به معالي وزير الحج والأوقاف السابق، ونشر في جريدة الجزيرة في عددها (7470) الصادر في 19/ 9/ 1413 هـ.
3 -
يقام المسجد في المكان الذي اقترحته اللجنة في تقريرها؛ للأسباب التي ذكرتها، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
* قرار هيئة كبار العلماء بشان المواقيت المكانية: رقم (73):
قال مجلس هيئة كبار العلماء: بعد الرجوع إِلى الأدلة، وما ذكر أهل العلم في المواقيت المكانية، ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه، فإنَّ المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
1 -
أنَّ الفتوى الصادرة من الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود بجواز جعل جدة ميقاتًا لركاب الطائرات الجوية، والسفن البحرية، فتوى باطلة، لعدم استنادها إلى نصٍّ من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع سلف الأمة، ولم يسبقه أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم.
2 -
لا يجوز لمن مرَّ ميقاتًا من المواقيت المكانية، أو حاذى واحدًا منها جوًّا، أو بحرًا أن يجاوزه من غير إحرام، كما تشهد بذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم -رحمهم الله تعالى-.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى وجوب الإحرام على كل من قصد مكة، سواء قصد النسك أو لا، مستدلين بما رواه البيهقي عن ابن
عباس: "لا يدخل أحد مكة إلَاّ محرمًا"، قال ابن حجر: إسناده جيد.
وذهب الإمام الشافعي إلى عدم وجوب الإحرام، لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
قال في الفروع: وهي ظاهرة.
مستدلين بقوله في حديث الباب: "ممن أراد الحج والعمرة" فمفهومه أنَّ من لم يُرِد النسك لا يجب عليه، على أنَّ عامة العلماء الموجبين للإحرام يقيدون الإيجاب في غير المترددين على الحرم، بحالة مستمرة، كصاحب البريد، والمكاري، ونحو ذلك، فلا يوجبون عليهم الإحرام، وعلى هذا العمل الجماعي.
* فائدة:
جعل الإحرام من هذه الأماكن تعظيمًا وتشريفًا لهذه البقعة المباركة، فإنَّ الله جعل البيت معظمًا، وجعل المسجد الحرام فِناء له، وجَعَل مكة فِناء للمسجد الحرام، وجعل الحرم فِناءً لمكة، وجعل المواقيت فِناء للحرم.
***