المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الفوات والإحصار - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌باب الفوات والإحصار

‌باب الفوات والإحصار

657 -

عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلاً" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أُحصر رسول الله: يقال: حصره يحصره حصرًا، من بابي ضرب ونصر، حبسه وضيق عليه، والمعنى أنَّ قريشًا منعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أداء عمرته يوم الحديبية، فصالحهم على أن يرجع عنهم ذلك العام، ويعود من قابل.

- هَدْيه: الهدي بفتح الهاء وسكون الدال، اسم لما يهدى إلى الكعبة المشرفة عبادةً لله ونفعًا لمساكين الحرم.

قال ابن عباس: إنَّها كانت سبعين بدنة، كان فيها جمل لأبي جهل، في رأسه برة من فضة، أصيب مع غنائم بدر، فجيء به من الهدي ليغيظ به المشركين.

- قابلاً: القابل خلاف الدابر، والمراد هنا السنة المقبلة، وقد اعتمر عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة.

(1) البخاري (1809).

ص: 204

* مايؤخذ من الحديث:

1 -

كان حصره صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، سنة ست من الهجرة، حينما صدَّه المشركون عن دخول مكة، فحلق صلى الله عليه وسلم رأسه، ونحر هديه، ثم اعتمر عمرة القضاء في السنة التي بعدها.

2 -

ما بين عمرة الحديبية، وعمرة القضاء لم يُمنع عليه شيء من محظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ التحلل الكامل.

3 -

قال الفقهاء: كان أخطأ الناس فوقفوا في الثامن، أو العاشر، أجزأهم ذلك إجماعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"الحج يوم يحج الناس".

وإذا وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوات الوقت، وجب الوقوف في الوقت.

4 -

قال تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].

قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أنَّها نزلت في حَصْر الحديبية.

وفي الصحيح: أنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم قال في صلح الحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا"، ولأنَّ الحاجة داعية إلى الحل، لما في تركه من المشقة العظيمة وهي منتفية شرعًا.

قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الإحصار بالعدو يبيح التحلل.

5 -

إذا اشترط المحرم في ابتداء إحرامه، فقال: إنَّ محلِّي حيث حبستني، فحبسس، فله التحلل مجانًا في الجميع، فلا هدي ولا قضاء، سواء كان حصر بمرضٍ، أو عدوٍ، أو ضياع نفقةٍ، أو غير ذلك، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمدَ -رحمهما الله تعالى-.

6 -

قال ابن القيم: لا يلزم المحصر هديٌ ولا قضاءٌ؛ لعدم أمر الشارع به، ومعنى قضية الصلح الذي وقع في الحديبية، وقد أحصروا عام الحديبية، ولم يعتمر منهم معه في عمرة القضاء إلا البعض، فعُلِم أنَّها لم تكن قضاء،

ص: 205

ولم ينقل أنَّه أمر الباقين بالقضاء، وفارق الفوات، لأنَّه مفرط بخلاف المحصر.

7 -

قال في الشرح الكبير: في وجوب القضاء روايتان:

إحداهما: تجب، سواء كان الفائت واجبًا، أو تطوعًا، وهي المذهب، وهو قول الأئمة الثلاثة عدا مالك، لما روى الدارقطني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فاته عرفات فقد فاته الحج، فليتحلل بعمرة، وعليه القضاء" فهو بعمومه شمامل للفرض والنفل.

الرواية الثانية: لا قضاء عليه إن كان نفلاً، وأما الفرض فهو عليه بالوجوب الأول، وهو مذهب المالكية.

8 -

هل يلزم من فاته الحج دم، أم لا؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد يلزمه صححه في المغني والشرح الكبير. قال في الإنصاف: وهو المذهب.

والرواية الأخرى: لا يلزمه، ورجحها جماعة من المحققين.

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء بماذا يكون الحصر؟ والصحيح أنَّ كل مانع من إكمال النسك وكل حصر وجد، من عدوٍّ، أو مرضٍ، أو ضياع نفقةٍ، أو غير ذلك، فهو حصر؛ لعموم قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].

واختلف العلماء في وجوب الهدي على المحصر، فذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، فإن لم يجد صام عشرة أيام، بنية التحلل، والصحيح عدم وجوبه وهو مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، فإنَّه لم يكن مع كل المحصرين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هدي، ولم يأمرهم، ولم يوجبه عليهم بل أمرهم بالتحلل مطلقًا.

واختلف العلماء في وجوب القضاء وعدمه، والراجح عدم وجوبه، ذلك أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء، أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء.

ص: 206

658 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبيَرِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي ارِيْدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: حُجِّي، وَاشْتَرِطِي: أنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- ضُباعة: بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة التحتية، ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فهي بنت الزبير بن عبد المطلب، تزوَّجها المقداد بن الأسود، فولدت له عبد الله وكريمة.

- شاكية: شكا العلة يشكو شكاية وشكيًا: ذكرها وأخبر بها، فهو شاكٍ، وهي شاكية.

- اشترطي: يقال: شرط يشرط شرطًا من بابي ضرب ونصر، والشرط: الإلزام بشيء، فالاشتراط هو أنَّ من أراد الإحرام اشترط على ربه، متى صده عدو عن البيت، أو حبسه حابس من مرضٍ، أو ضياعٍ أو ذهاب نفقة، فإنه يحل من إحرامه بلا هديٍ، ولا صيامٍ، ولا قضاءٍ، وأنَّ له على ربه ما اشترط.

- مَحِلِّي: بفتح الميم وكسر الحاء، مأخوذ من حل، إذا خرج من الإحرام، أي محل خروجي من الإحرام بالحج أو العمرة في زمانه، أو مكانه.

- حيث حبَسْتَني: أي في المكان والزمان الذي يحصل لي فيه الحبس، هو مكان وزمان حلي من إحرامي.

(1) البخاري (5089)، مسلم (1207).

ص: 207

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء في مشروعية الاشتراط عند الإحرام.

فذهب إلى استحبابه طائفة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، كما نصره ابن حزم في المحلى.

ودليلهم هذا الحديث الصحيح الصريح.

وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى عدم مشروعية الاشتراط، وعدم فائدته، فلو اشترط وحصل له عذر فليس له أن يتحلل من إحرامه، فقد كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول:"أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم".

ذلك أنَّ الاشتراط لم يكن معروفًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن صحابته، عدا قضية ضباعة.

ولذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مشروعية الاشتراط للخائف خاصة، كحال ضباعة، جمعًا بين الأدلة. وهذا هو اختيار عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى-

* فائدة:

الاشتراط يفيد صاحبه أمرين:

الأول: أنه إذا منعه عدوٌّ، أو مرضٌ، أو ذهاب نفقةٍ، ونحو ذلك فله التحلل.

الثاني: أنَّه متى حلَّ لعذرٍ، فلا يجب عليه البقاء في إحرامه، ولا يلزمه قضاءٌ ولا فداءٌ.

فإن اشتراطه على ربه بقوله: "فإن حبسني حابس فَمَحِلِّي حيث حبسني" إفادة الحرية المطلقة عند العذر.

***

ص: 208

659 -

وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرو الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا:"صَدَقَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (1).

ــ

* درجة الحديث:

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

ورواه غير واحد عن الحجاج بن الصواف، وهو ثقة حافظ عند أهل الحديث، وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: وقد روي هذا الحديث عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، وهو أصح، قاله البخاري.

* مفردات الحديث:

- كُسر: بالبناء للمجهول، يقال: كسر العظم يكسره -كسرًا من باب ضرب- فصله من غير نفوذ جسم فيه، فالكسر: فصل الجسم الصلب من غير نفوذ جسم فيه.

- عرَج: بفتح العين والراء، أصابه شيء في رجله، هلذا ضبطه إذا لم يكن خِلْقةً، فإن كان عرجه خِلْقَةً فهو بكسر الراء.

(1) أحمد (15172)، أبو داود (1862)، الترمذي (940)، النسائي (5/ 198)، ابن ماجه (3077).

ص: 209

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

يدل الحديث على أنَّ المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال نسكه: من كسرٍ، أو مرضٍ، أو حادثٍ، فإنَّه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع.

2 -

قال ابن القيم: لو لم يأت نص بحل المحصَر بالمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يفيده، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه.

3 -

عليه القضاء من قابل لقوله: "وعليه حجة أخرى".

4 -

أمر عمر رضي الله عنه من فاته الحج بفوات الوقوف بعرفة أن يتحلل بالعمرة، ثم يحجٍ من قابل.

لكن إن كان فرضا فهو موضع إجماع بين العلماء، وإن كان نفلاً فهو مذهب الجمهور.

5 -

هل يجب عليه الهدي؟ ذهب الجمهور إلى أنَّ على من فاته الحج الهدي، والرواية الأخرى عن أحمد: لا يجب عليه الهدي؛ لأنَّه لو كان الفوات سببًا لوجوب الهدي لزم الحصر هديان، هدي للقوات، وهدي للإحصار.

***

ص: 210