الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الوكالة
مقدمة
الوكالة: بفتح الواو وكسرها، والفتح أشهر، اسم مصدر بمعنى التوكيل، هي لغة التفويض والحفظ.
واصطلاحًا وشرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، وهي جائزة بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، فالحاجة داعية إليها إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19].
ووكَّل صلى الله عليه وسلم عروة البارقي في شراء الشاة، وأبا رافع في تزويج ميمونة، وكان يبعث عمَّاله في قبض الزكاة، كما يبعث في إقامة الحدود.
قال ابن قدامة: وأجمعت الأمة على جوازها.
وتصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن بالتصرف بلا خلاف، ويصح قبولها على الفور والتراخي بكل قولٍ، أو فعلٍ، دالٍّ على القبول من الوكيل، بلا نزاع.
* حكمتها:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: من سعة الشرع أن أباح للإنسان أن يفعل الأشياء بنفسه، أو يقيم مقامه من يتولى ذلك العمل، وهو مطرد في حقوق الله وحقوق عباده، إلَاّ ما لا يحصل المقصود إلَاّ بمباشرة الإنسان له وتوليه
بنفسه، فإنَّ هذا النوع لا تصح فيه الوكالة.
* حُكْم الدُخول فيها:
التحقيق: إنَّ من علم من نفسه القوة والأمانة فيها، وأنَّها لا تشغله عما هو أهم منها، فالمستحب له الدخول فيها، لِما فيه من قضاء حاجة المسلم، ولما يحصل له من الأجر والثواب.
وأما من علم من نفسه عدم القدرة عليها، أو يخشى الخيانة من نفسه أو تشغله عما هو أهم منها فالبعد عنها أسلم.
والوكالة من العقود الجائزة من الطرفين، فتنفسخ بفسخ أي واحد من الموكل والوكيل، كما تبطل بموت أحدهما، أو جنونه.
***
757 -
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: "أرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبرَ، فَأَتيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي بِخَيْبَر، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا" رَوَاه أَبُو دَاوُدَ وصَحَّحَهُ (1)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه أبو داود من طريق وهب بن كيسان عنه بسند حسن، وعلَّق البخاري طرفًا منه آخر كتاب الخُمس، وقد صحَّحه أبو داود.
قال الشيخ حامد الفقي: وحسَّن الحافظ إسناده، ولكنه من حديث محمَّد بن إسحاق.
قلتُ: ذكر ابن عبد الهادي أنَّه قد صرَّح في بعض طرقه بالتحديث، ونقل الحافظ تصحيح أبي داود للحديث.
* مفردات الحديث:
- وَسقاً: بفتح الواو وسكون السين المهملة آخره قاف، الوسق: ستون صاعًا نبويًا، والصاع النبوي زنته ثلاثة آلاف غرام (3000) تقريبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
أراد جابر بن عبد الله الخروج من المدينة إلى خيبر، وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأعلمه بذلك، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُعِينَ جابرًا على نفقات سفرته، فأمره أن يأتي وكيله على جبي الزكاة بخيبر؛ ليعطيه خمسة عشر وسقًا من التمر، لكون جابر هناك ابن سبيل من أهل الزكاة إذا انقطعت به النفقة، وقال صلى الله عليه وسلم لجابر: إن
(1) أبو داود (3632).
طلب منك الوكيل أمارة وعلامة على صدقك فيما حولتك به عليه، فضع يدك على ترقوته.
2 -
فيه دليل على على صحة الوكالة، وهو أمرٌ مجمَع عليه بين العلماء.
3 -
فيه جواز التوكيل في قبض الزكاة، ودفعها إلى مستحقيها.
4 -
فيه جواز العلم بالأمارة، وقبول قول المرسَل، إذا عرف المرسَل إليه صدقه.
5 -
وفيه جواز العلم بالقرينة في مال الغير إذا غلب على الظن صدقه.
6 -
فيه دليل على استحباب اتخاذ أمارة بين الوكيل وموكله، لا يطلع عليها غيرهما، ليعتمد الوكيل عليها في تنفيذ أوامر موكله، ذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لجابر:"فإن طلب منك آية فضَع يدك على ترقوته"
وما "الشفرة" في الأعراف السياسية الدولية، وكلمة السر عند الكشافة والجوالة إلَاّ من هذا القبيل.
7 -
فيه إعطاء ابن السبيل من الزكاة، وهو أحد الأقسام الثمانية ممن يستحق الزكاة.
***
758 -
وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ رضي الله عنه "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً .. " الحديث رَوَاهُ البُخَارِيُّ في أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (1).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
تقدم هذا الحديث في كتاب البيع برقم (698) وذكرنا ما تيسر من فوائده.
2 -
فيه دليلٌ على جواز الوكالة في الشراء.
3 -
فيه دليل على مشروعية الأضحية والتوكيل في شرائها.
4 -
فيه دليل على صحة تصرف الفضولي، إذا أجازه المالك؛ ذلك أنَّ عروة البارقي اشترى بالدينار شاتين، ثم باع شاةً منهما بدينار، فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم. أما من لم ير جواز تصرف الفضولي بعد الإجازة، فإنه يؤوِّل هذا الحديث بأنَّ وكالة عروة كانت وكالة تفويضٍ وإطلاق، والوكيل المطلق يملك البيع والشراء، ويكون تصرفه صادرًا عن إذن المالك، ولكن الرَّاجح هو القول الأول، فإنَّ تصرُّفَ عروة مقيدٌ بشراء الشاة، التي صارت الحاجة إليها.
5 -
فيه دليل على عدم حد قدر المكاسب في البيع؛ لكن ينبغي للمسلم أن يكون سمحاً إذا اشترى، قنوعًا بما يسَّر الله له من الرزق إذا باع، وأن يكون فيه رحمة وشفقة على إخوانه المسلمين.
6 -
فيه دليل على أنَّ الأضحية لا تتعيَّن أضحية بمجرد الشراء، فإنَّ عروة باع واحدة من الشاتين، وأيضاً فإنَّ الشراء لا يقصد للأضحية فقط، وإنما يراد لأغراض كثيرة، فالشراء لا بعينها أضحية.
(1) البخاري (3642).
759 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "بَعثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ عَلَى الصَّدقَةِ" الحَديثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).
760 -
وَعَن جَابِرٍ رضي الله عنه "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَأمَرَ عَلِيًّا رضي الله عنه أنْ يَذْبَحَ البَاقِي" الحَديثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2).
ــ
* مفردات الحديث (760):
- نحر: النحر طعن البعير في لبته بالسكين، وهو خاصٌّ بالإبل.
- ثلاثًا وستين: بدنة مما أهدي إلى البيت الحرام، وكانت مائة بدنة.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى عمره الشريف.
- يذبح الباقي: أي ينحر باقي البدن، وهي سبع وثلاثون.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى خلافته في تلك السنين.
…
(1) البخاري (1468)، مسلم (983).
(2)
مسلم (1218).
761 -
وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في قِصَّةِ العَسِيفِ، قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم:"اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" الحَديثَ مُتَّفَقٌ عَليْهِ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- العسيف: عسف الطريقَ إذا سلكه على غير قصد، ومنه العسيف وهو الأجير، لأنَّه يعسف الطرقات مترددًا في الاشتغال، فالعسيف هنا هو الأجير، وزناً ومعنًى.
- اغدُ: فعل أمر، من غدى يغدو غُدُوًّا، من باب قعد، ذهب غُدوة، جمعها غُدى، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.
قال في المصباح: هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق. أي وقت كان.
- أُنَيس: بضم الهمزة، وفتح النون، وسكون الياء، آخره سين مهملة، تصغير أنس.
وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، من قبيلة أسلم.
- فارجمها: رجمه يرجمه رجمًا، رماه بالحجارة حتى الموت.
قال في المحيط: هذا هو الأصل في معناه، وباقي المعاني متفرعة منه.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
1 -
الحديث رقم (759) يدل على صحة الوكالة في قبض الصدقة ممن هي عليه.
(1) البخاري (6859)، مسلم (1697).
2 -
فيه دليل على جواز دفعها إلى الجابي، إذا علموا صِدقه بالولاية على ذلك.
3 -
فيه دليل على وجوب اختيار الأمناء في مثل هذه الولايات المالية الهامة، فمن وكلائه صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
4 -
فيه دليلٌ على مشروعية بعث السعاة والجباة لقبض الزكاة، لأنَّ هذه شعيرةٌ كبيرة، يستحب إظهارها.
5 -
في الحديث رقم (760) دليل على صحة التوكيل في ذبح أو نحر الهدايا والأضاحي، وتفريق لحومها، وجلودها، وجلالها على المساكين، كما جاء في بقية الحديث.
6 -
هذه الأحاديث نماذج من الأعمال التي تدخلها النيابة، فتصح فيها الوكالة، وإلَاّ فجزئياتها كثيرة وصورها متعددة، ولكن الذي يميز بين ما تصح الوكالة فيه، وما لا تصح هذا الضابط، وهو أن يكون العمل مما لا يختص القيام به صاحبه، بل تدخله النيابة، فإن كانت النيابة لا تدخله بل يختص بصاحبه، كاليمين، واللعان والنذر، والقَسم بين الزوجات، ونحو ذلك، فلا يصح التوكيل فيه، وأنَّ للإنسان أن يوكِّل في الأعمال التي يستطيع القيام بها بنفسه.
7 -
وفي الحديث رقم (761) دليل على جواز التوكيل في إثبات الحدود، وأخذ إقرار المتَّهمين.
8 -
فيه دليل على أنَّ للإمام أن يوكل في إقامة الحدود، سواء كان قادرًا على إقامتها بنفسه، أو غير قادر.
9 -
فيه دليل على أنَّ التوكيل من الموكل، والقبول من الموكَّل لا يتقيد بصيغة خاصة، وإنما يثبت ذلك بما دلَّ عليه من قول أو فعل؛ لأنَّه لم يذكر ذلك، ولو كان لازمًا لذكر.
10 -
وفيه دليل على أنَّ الوكالة قد تكون في العبادات إذا كانت مما تدخله
النيابة، فإنَّ نحر الهدي، وتفريق لحمها عبادة وشعيرة.
11 -
وفيه دليل على أنَّ الاعتراف من أقوى الإثبات على ثبوت الحكم، فإنَّه رتَّب رجمها على اعترافها، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
12 -
وفيه دليل على استحباب الإكثار من الهدي إلى البيت الحرام، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه مائة بدنة.
13 -
وفيه استحباب تولي المهدي والمضحي نحر هديه أو ذبحه بيده؛ لأنَّه عبادة يتقرب بفعلها.
14 -
وفيه حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وسياسته الرشيدة، فإنَّ أُنيسًا من أقارب المرأة التي أقيم عليها الحد، وكون من يتولى ذلك رجل من أهلها أسهل على أهلها من أن يتولى ذلك إنسان ليس منهم.
15 -
أنَّ الرجل أو المرأة إذا اعترف أحدهما دون الآخر، لا يسري اعترافه إلَاّ على المعترف نفسه، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكتف باعتراف الزاني على المرأة، وإنما أقام عليها باعترافها بنفسها.
16 -
وفيه أنَّ حد الزَّاني المحصَن الرجم بالحجارة حتى الموت.
17 -
وفيه أنَّه لا يشترط حضور ولي الأمر إقامة الحدود، بل تنفذ، ولو بغيبته، إذا أُمن الحَيْف.
18 -
وفيه وجوب إقامة الحدود، وأن إقامتها منوطة بولي أمر المسلمين أو نائبه.
***