المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الرخصة في العرايا - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌باب الرخصة في العرايا

‌باب الرخصة في العرايا

مقدمة

الرخصة لغة: السهولة والتيسير.

وشرعًا: ما يثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ.

والعرايا: بفتح العين والراء، بعدها ألف، ثم ياء، ثم ألف، والكلمة إذا زادت عن ثلاثة أحرف تكتب بالياء، إلَاّ إذا لزم في كتابتها اجتماع ياءين فتكتب بالألف، مثل استحيا وزوايا وعرايا، ومفردها عرية، سميت بذلك؛ لأنَّها عريت من البيع المحرَّم، أي خرجت منه.

وصورتها: أن يباع الرُّطب في رؤوس النخل بقدر ما يؤول إليه تمرًا يابسًا، فيباع بمثله من التمر فيما دون خمسة أوسق، بشرط التقابض في مجلس العقد، فالتمر على رأس النخلة بتخليته، وعوضه من التمر بكيله، وسيأتي بيانه بأوضح من هذا إن شاء الله تعالى.

***

ص: 427

724 -

عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي العَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ: "رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكللُونَهَا رُطَبًا"(1).

ــ

* مفردات الحديث:

- رخَّص: الرخصة لغة: اليسر والسهولة.

واصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ، والترخيص بعد المنع من بيع التمر بالتمر إلَاّ مثلًا بمثل.

- بِخَرْصِهَا: بفتح الخاء مصدر، وبكسرها اسم للشيء المخروص.

خرص الشيء يخرصه خرصًا فهو خارص، حزره وقدَّره بالظن.

يقال: خرص النخل والكرم: قدَّر ما عليه من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا.

- العرية: فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية، فنقل منها العقد الوارد عليها المتضمن لإعرائها، وسميت عرية؛ لأنَّها عريت من جملة التحريم، وجمعها عرايا.

- تمرًا: يحتمل أن يكون تمييزًا، ويجوز أن يكون حالًا مقدرة.

- رطبًا: منصوب على الحال، فالحال مشتقة، أو مؤولة بمشتق.

(1) البخاري (2192)، مسلم (1539).

ص: 428

725 -

وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، أوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أو فيما دون خمسة أوسق: فيه شك، والشك وقع من أحد رواة الحديث، وهو داود بن الحصين، فاحتاط الإمام الشافعي وأحمد وجعلا الحد الأعلى لجواز بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق.

- أوسق: جمع وَسْق، والوَسق بفتح الواو وسكون السين المهملة: هو مكيال قدْره ستون صاعًا نبويًّا وخمسة أوسق تكون ثلاثمائة صاع، وهو تسعمائة كيلو، وحكى بعضهم كسر الواو، وجمعه أوساق مثل حمل وأحمال، ولكن الفتح أفصح.

- بخرصها: الباء للمعاوضة، فالشجر الجاف ثمن، والرطب على رؤوس النخل ثمن.

- من التمر: متعلق بخرصها، و"من" بيان الجنس.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

سبب العرية أنَّ رجالًا احتاجوا إلى الرطب، وليس بأيديهم نقود يشترون بها الرطب، وعندهم تمر جاف، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، فرخَّص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم؛ ليأكلوا رطبًا، وستاتي شروط صحة هذه المعاملة حسبما فهمه العلماء من أحاديثها.

(1) البخاري (2190)، مسلم (1541).

ص: 429

2 -

الأصل تحريم شراء ما على رؤوس النخل بتمر، سواء كان كيلًا أو جزافًا؛ لأنَّهما نوعا جنس واحد، يحرم بينهما التفاضل، وإذا جهلنا ما على رؤوس النخل لم نتمكن من معرفة التساوي بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم بالتحريم، وهذا من بيع المزابنة الذي مرَّ النَّهي عنه.

3 -

رخَّص بيع المزابنة بيع العرية، فأجازها الشرع للحاجة إليها بشروط خمسة، استنبطها العلماء من النصوص الشرعية، وهي:

- حاجة المشتري إلى أكل الرطب.

- أن لا يكون عنده نقد يشتري به نخلة أو رطبًا، ولو كان غنيًّا، فلا يشترط الفقر في أصح قولي العلماء.

- أن يكون المبيع من العرية فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا نبويًّا.

- يخرص الرطب بقدر ما يؤول إليه جافًا تمرًا، فالخرص قائم هنا مقام الكيل.

- أن يحصل التقابض بمجلس العقد، فالنخلة بالتخلية، والتمر بالكيل، فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها لم يصح، لأنَّه يفضي إلى الربا، وإنما رخَّص في هذه الصورة لأجل الحاجة.

4 -

الضرورة والحاجة تقدران بقدرهما، فلا تجوز الزيادة عما تندفع به الحاجة أو الضرورة؛ لأنَّ هذا جاء على خلاف الأصل وهو الحظر والمنع.

5 -

سماح الشريعة ويسرها، وتلبيتها الرغبات والشهوات المباحة، وأنه لا عَنَت فيها، ولا مشقة.

6 -

أنَّ المحرَّمات ليست على درجة واحدة في التحريم، فبعضها أشد من بعض، فلما كان ربا الفضل حُرِّم تحريم الوسائل، سومح في بعض صوره للحاجة.

ص: 430

7 -

أنَّ غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذر اليقين أو تعسر، فإنه لما تعذر علينا معرفة قدر ما على رأس النخلة بمعياره الشرعي وهو الكيل، اكتفينا بعلة الظن بتقديره خرصًا.

8 -

إباحة الترفه والتنعم في المأكل والمشرب والملبس، ما دام أنَّ ذلك لم يصل إلى درجة السرف والتبذير.

***

ص: 431