المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الإحرام وما يتعلق به - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌باب الإحرام وما يتعلق به

‌باب الإحرام وما يتعلق به

606 -

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "مَا أهلَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَاّ مِن عِنْدِ المَسْجِدِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أهل: أحرم، ورفع صوته بالتلبية.

- المسجد: هو مسجد ذي الحليفة المسمى الآن "بآبار علي"، وتقدم أنَّه ميقات أهل المدينة، ومن أتى عليه من غيرهم.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

مشروعية التلبية عند الدخول في الإحرام لأنَّها شعار الحج والعمرة، كالتكبير شعار الصلاة.

2 -

أنَّ الإحرام هو أول عمل واجب يبدأ به مريد الحج والعمرة؛ لأنَّه الدخول في النسك، كتكبيرة الإحرام لمريد الصلاة.

3 -

في هذا الحديث تحديد ابتداء إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه من عند المسجد؛ لأنَّه ردٌّ من ابن عمر على من قال: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البيداء".

4 -

اختلف نقل الرواة من أين أهلَّ النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة؟ فأكَّد ابن عمر "أنَّه من عند المسجد"، وعند مسلم (1218) من حديث جابر "ثم ركب

(1) البخاري (1541)، مسلم (1186).

ص: 64

القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد"، وفي رواية أخرى عند مسلم: (1218) "إنَّه أهلَّ من عند الشجرة حين قام به بعيره"، وعند أبي داود من حديث أنس "فلما علا جبل البيداء أهلَّ".

وقد أجاب ابن عبَّاس رضي الله عنهما جوابًا شافيًا عن هذا الاختلاف في قضية واحدة، فقال:"إني لأعلم الناس بذلك، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًّا، فلما صلَّى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوامٌ، فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلَّت به ناقته أهلَّ، فأدركه أقوامٌ فحفظوا عنه، وذلك أنَّ النَّاس إنما كانوا يأتون أرسالًا، ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، فأدرك ذاك أقوامٌ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلَّت به راحلته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء"[رواه أحمد (2240)].

5 -

أجمع العلماء على جواز الإحرام قبل الميقات، ومع الإجماع فقد ثبت فعله عن بعض الصحابة.

إلَاّ أنَّ المشروع وهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو أن لا يعقد الإحرام إلَاّ من الميقات لمن مرَّ عليه أو من حاذاه، كما هو عمل الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وعمل بعض الصحابة دليل الجواز فقط مع احتمال الأعذار.

***

ص: 65

607 -

وَعَنْ خَلَّادِ بنِ السَّائِبِ عَنْ أَبيهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيْلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

قال المؤلِّف: صححه الترمذي وابن حبَّان.

وقال في التلخيص: رواه مالك والشافعي وأحمد، وأصحاب السنن وابن حبَّان والحاكم والبيهقي، من حديث خلاد بن السائب عن أبيه.

قال الترمذي: هذا حديث صحيح.

* مفردات الحديث:

- الإهلال: قال صاحب المُغْرِب: كلّ شيء صوَّت، فقد استهلَّ.

وقال أبو الخطاب: كل متكلم رافع صوته، أو خافضه فهو مهل، ومستهل.

قال في النهاية: الإهلال، رفع الصوت بالتلبية، فيكون تعريف صاحب النِّهاية بمثال من المعنى العام، والمُهلُّ بضم الميم موضع الإهلال وهو المكان الذي يحرمون منه، ويقع على الزمان، والمصدر.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

استدل به بعضهم على وجوب التلبية للأمر بها، ومنهم أبو حنيفة، والجمهور

(1) أحمد (15961)، أبو داود (1814)، الترمذي (829)، النسائي (2703)، ابن ماجه (2922)، ابن حبان (3791).

ص: 66

على أنَّها متأكدة الاستحباب في الحج والعمرة.

2 -

استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهذا خاصٌّ بالرجال دون النساء، لطلب خفض أصواتهن، قال ابن المنذر وغيره: أجمع أهل العلم على أنَّ السنة للمرأة أن لا ترفع صوتها، والكراهة مقيدة بما إذا لم يتحقق سماع أجنبي، وإلَاّ فيحرم.

3 -

أنَّ بعض السنة تكون بوحي الله تعالى، يبلغها جبريل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم.

4 -

أجمع العلماء على مشروعية التلبية في النسك؛ لأنَّها شعار الحج والعمرة، وتستمر حتى البداءة برمي جمرة العقبة في الحج على التصحيح، وفي العمرة حتى البدء بطوافها؛ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

* خلاف العلماء:

اختلاف العلماء في حكم التلبية:

ذهب الشافعي وأحمد إلى أنَّ التلبية سنة، ليس بتركها إثم، فلم يقم لديهما دليل بوجوبها، والأصل عدم الوجوب.

وذهب أبو حنيفة، والظاهرية، والثوري، وعطاء، وطاووس إلى أنَّها ركن لا يصح الحج بدونها، كتكبيرة الإحرام في الصلاة.

وذهب مالك وأصحابه وبعض الشافعية إِلى أنَّها واجبة يجبر تركها بدم، ودليل وجوبها قوي؛ لأنَّها شعار الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُخِلُّ بها، وقال:"خذوا عني مناسككم"، وحديث الباب فيه الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، وقد التزمها المسلمون -ولله الحمد- في نسكهم، فلا تجد مُحْرِمًا إلَاّ وهو يُرددها.

***

ص: 67

608 -

وَعَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحسَّنَهُ. (1)

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال في التلخيص: رواه الترمذي والدارقطني (2/ 220)، والبيهقي (8726)، والطبراني (4862) من حديث زيد بن ثابت، وحسَّنه الترمذي، وضعَّفه العقيلي.

ولعلَّ تضعيف العقيلي، لأنَّ في إسناده عبد الله بن يعقوب المدني، وهو مجهول الحال.

وقال ابن الملقن: لعلَّ الترمذي حينما حسَّنه إنما اطَّلع على حال عبد الله ابن يعقوب، وقد صحَّحه ابن السكن أيضًا.

وغسل الإحرام ثابتٌ بمثل حديث جابر في مسلم (1218)، وحديث عائشة عند أحمد (23350) بإسناد حسن.

* مفردات الحديث:

- تجرَّد لإهلاله: تعرَّى من ثوبه حينما خلع ملابسه المخيطة، ليبدلها بملابس الإحرام، ليحرم.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

وجوب التجرد من المخيط، ولبس الإزار والرداء للإحرام للرجال.

2 -

الاغتسال للإحرام، وهو من الاغتسالات المشروعة المؤكدة.

3 -

يقصد من الاغتسال النظافة لهذه العبادة الجليلة، كما أنَّ في ذلك تفاؤلًا إلى غسل الآثام، وآثار الذنوب.

(1) الترمذي (830).

ص: 68

609 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَمَّا يَلْبسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ، فَقَالَ: لا يَلْبَسُ القَمِيْصَ، وَلا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، وَلَا البرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبسَ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الوَرْسُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لا يلبس .. إلخ: قال النووي: قال العلماء هذا من بديع الكلام وجزله، لأنَّ ما يلبس منحصر، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، ويلبس ما سواه.

- لا يَلْبسَ: من اللُّبس بضم اللام، والأشهر في الفعل الرفع على الخبر، ويجوز فيه الجزم على أنَّ "لا" ناهية.

- القميص: جمعه قُمُص وقمصان وأقمصة، وهو ما يفصَّل ويلبس على هيئة البدن مخيطًا، أو محيطًا.

- العمائم: جمع عمامة، بكسر العين هي التي تلف وتكور على الرأس، واعتم بالعمامة وتعمم بها بمعنى واحد.

- السراويلات: جمع سروال، يذكر ويؤنث، وقال الأصمعي: لم يعرف فيها إلَاّ التأنيث، والسراويلات: كلمة أعجمية معربة، قال العيني: العرب إذا

(1) البخاري (1542)، مسلم (1177).

ص: 69

استعملوا لفظًا أعجميًّا غيَّروه بزيادةٍ، أو نقصانٍ، أو بقلب حرف بحرف غيره.

- البرانس: جمع بُرنُس بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم النون، هو ثوب رأسه منه ملصق به، يلبسه النسَّاك في صدر الإسلام، ويلبسه الآن المغاربة، وهو ماخوذ من البِرْس -بكسر الباء- هو القطن، فالنون زائدة.

- الخِفَاف: بكسر الخاء جمع خُف، وهو ما يلبس في الرِّجل، ويكون إلى نصف الساق، أما الجوارب فما غطى الكعبين، والحكم واحد.

- إلَاّ أحد: المستثنى منه محذوف، وتقديره: لا يلبس المحرم الخفَّين إلَاّ أحدٌ لا يجد نعلين.

- مسَّه الزَّعفران: أصابه، والجملة محلها النصب، صفة لقوله:"شيئًا".

- الزَّعفران: بفتح الزاي والفاء نبات بصلي من الفصيلة السوسنية، يصبغ به الثياب، وهو اسم أعجمي، يجمع على زعافر، وقد عربته العرب وصرفته.

- الكعبين: تثنية كعب، هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من القدم.

- الوَرْس: بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة، نبت أصفر يصبغ به الثِّياب أيضًا، وله رائحةٌ طيبةٌ.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

من حسن السؤال تحريره، وأن يقصد به نفس المسؤول عنه.

2 -

من حسن الجواب، وكمال التعليم والتفهيم، تقويم سؤال السائل وتعديله إلى المعنى المطلوب، فإنَّ السائل في هذا الحديث سأل عما يلبسه المحرم، ولكون ما يلبسه المحرم هو الأصل المباح الكثير، عَدَل النبي صلى الله عليه وسلم بالجواب، فبيَّن للسائل ما يحرم، وترك ما عداه على أصل الإباحة، وهذه الطريقة في الجواب على مثل هلذا السؤال هو ما يسمِّيه علماء البلاغة أسلوب الحكيم، لذا أجابه بما هو أخصر وأحصر، فإنَّ ما يحرم أقل وأضبط مما يحل.

ص: 70

3 -

أنَّ الأشياء التي يجتنبها المحرم قليله معدودة محدودة، والأشياء المباحة هي الكثيرة التي ليس لها حدٌّ، ولا عدٌّ.

4 -

تحريم الأشياء الملبوسة المذكورة في الحديث على الرجال المحرِمين خاصة دون النساء، قال المجد بن تيمية: واتَّفقوا على أنَّ التحريم هنا على الرجال.

ودليله من حديث الباب: توجيه الخطاب نحوهم، فإنَّ "واو" الضمير وإن استعمل متناولًا للجنسين على التغليب فإنَّ الظاهر فيه اختصاصه بالذكور

5 -

نبَّه بهذه الأشياء المذكورة في الحديث على ما شاكلها من الألبسة، فتحريم البرنس والعمائم، يشمل كل ما غطى به الرأس من الملاصق، أما تظليل الرأس بغير ملاصق، فلا بأس به للرجال والنساء.

6 -

تحريم "الخفين" يشمل كل ما ستر القدم وغطى الكعبين، والتحريم ما لم يعدم النعلين، فإن لم يجدهما ليس الخفين، كما في حديث ابن عبَّاس الذي في الصحيحين، ولا يقطعهما في أصح قولي العلماء؛ لأنَّ حديث ابن عباس متأخر عن حديث ابن عمر الذي فيه القطع، ولأنَّ الذين سمعوا حديث ابن عبَّاس هم أكثر من الذين سيعوا حديث ابن عمر، فحديث ابن عمر في المدينة، وحديث ابن عباس في عرفات، فلا وجه لحمل المطلق على المقيد في هذين الحديثين.

7 -

تحريم "القميص" يشمل كل ما لبس على قدر البدن مخيطًا، أو محيطًا.

والمراد بالنَّهي هو لبس المخيط، اللبس المعتاد، أما ارتداؤه ولفه على البدن بلا لبس، فلا بأس فيه.

8 -

ونبَّه "بالسراويلات" على كل ما ستر بعض البدن، كالسراويل القصير والصدرية المنسوجة "الفنيلة".

ص: 71

9 -

أما الورس والزعفران فنبَّه بهما على تحريم أنواع الطيب، وهذا عام في حق الرجال والنساء، فلا يجوز للمحرم استعماله، لا بلبسٍ، ولا ببدنٍ، ولا بأكلٍ، ولا بشربٍ، ولا بغير ذلك.

* من حكمة التشريع:

1 -

أن يأتي الحاج أشعث أغبر حاسر الرأس، ففي هذه الحال يكون قريب القلب من ربه، لم تُطْغه المظاهر، ولم تغره الزخارف، ولم تفتنه الزينة.

2 -

أنَّ هذه الهيئة تبعث صاحبها على الخضوع، والخشوع إلى الله تعالى هو لب العبادة وروحها.

3 -

أنَّ لباسه يذكِّره بموقف يوم القيامة حينما يأتي إلى ربه عاريًا حافيًا، فإذا ذكر ذلك الموقف العظيم زاده قربًا من الله تعالى، وابتهالًا بين يديه، وخوفًا منه، ورجاءً إليه.

4 -

أنَّ هذه العبادة وسائر العبادات ترمز إِلى الوحدة بين المسلمين، والاتحاد بينهم، وتشير إلى المساواة، ولذا توحَّد زيهم ومسكنهم حتى لا يطغى أحد على أحد، ولا يمتاز فردٌ على فردٍ، ولا يظهر غنيٌّ على فقيرٍ، ولا قويٌّ على ضعيفٍ، وإنما هم في موقف واحد، وفي عبادة لئه واحدة، ينشدون هدفًا واحدًا، فهذا اللباس يؤلف بين القلوب، ويوحد بين النفوس.

5 -

هذه اللبسة الخاصة تشعره في أنَّه في حالة إحرام، فيكثر من الدعاء والذكر، ويصون نفسه عن ارتكاب المحظورات.

6 -

أما المرأة فروعي في لباسها قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" فبقيت مستورة مصانة عن الفتنة، لاسيَّما في هذا الموطن.

***

ص: 72

610 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ولَحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

استحباب الطيب قُبيل عقد الإحرام، ليبقى أثره معه أثناء إحرامه.

2 -

أنَّ بقاء الطيب على المحرم لا يضر إحرامه، ولا يخل به، سواء في ثوبه أو في بدنه، وهو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، وأئمة المذاهب.

ومن أدلة هذا ما جاء في البخاري (1538) ومسلم (1190)، عن عائشة قالت:"كأني أنظر إلى وبِيض المسلك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم". قال ابن القيم: ومذهب جمهور العلماء جواز استدامة الطيب للسنة الصحيحة: أنَّه كان يُرَى وبيص الطيب في مفارقه بعد إحرامه، وحديث صاحب الجبة عام حنين سنة ثمانٍ، وحديث عائشة عام حجة الوداع، فهو ناسخ.

3 -

حل الطيب إذا تحلل المحرم التحلل الأول، وسيأتي بيان التحللين، إن شاء الله تعالى.

4 -

استحباب الطيب بعد التحلل الأول، وقبل الطواف بالبيت.

5 -

يؤخذ من تطيبه صلى الله عليه وسلم عند الإحرام، وتطيبه بعد التحلل، تحريم الطيب أثناء الإحرام، وعلى هذا إجماع العلماء، فهو من محظورات الإحرام.

(1) البخاري (1539)، مسلم (1189).

ص: 73

6 -

أنَّ ترتيب الإفاضة في فعل المناسك يكون بعد التحلل الأول، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

7 -

الحكمة في تحريم الطيب على المحرم، هو البعد عن التنعم، وملاذ الحياة الدنيا، وأن يجمع همه لمقاصد الآخرة.

8 -

ولاية المرأة شؤون زوجها الخاصة، وقيامها عليها، وإنَّ هذا من حسن العشرة.

9 -

استحباب التجمل والتطيب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، لاسيَّما المجامع الكبيرة، فقد قال تعالى:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

10 -

وجوب طواف الإفاضة، فهو أهم أركان الحج، قال تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} [الحج: 29].

***

ص: 74

611 -

وَعنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَنكِحُ المُحْرِمُ، وَلا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لا ينكح: "ياء" المضارعة مفتوحة، فهو مبني للمعلوم، أي لا ينكح بنفسه، وهذا يروى على وجهين:

أحدهما: على صيغة الخبر، وتكون "لا" نافية.

الثاني: على صيغة النَّهي، وتكون "لا" ناهية جازمة.

والأفعال الثلاثة إما مرفوعات على الأول، أو مجزومات على الثاني، وذكر الخطابي أنَّ صيغة النَّهي أصح، وهو أكثر ما روي في طرق الحديث.

- ولا يُنكح: بضم الياء مبني للمجهول، أي لايُنكِحُهُ غيره.

- ولا يخطب: بضم الطاء، من الخِطبة بكسر الخاء، وهي طلب زواج المرأة من نفسها، أو من أهلها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تحريم عقد النكاح للمحرم لنفسه، سواء كان رجلًا أو امرأة، مُحْرمين، أو أحدهما محرمًا، والآخر حلالًا، وهو نفي في معرض النَّهي فيقتضي فساد العقد.

2 -

تحريم عقد النكاح لغيره إذا كان محرمًا، ولو كان المعقود عليه حلالًا، سواءٌ كان وليًا أو وكيلًا، لعموم الحديث، وهو نفي بمعنى النَّهي فيقتضي فساد العقد.

(1) مسلم (1409).

ص: 75

3 -

تحريم خِطبة النكاح على المحرم، لأنَّ الخِطبة وسيلة إلى عقد النكاح، والنكاح وسيلة إلى الجِماع المحرَّم قبل التحللين: الأول والثاني للمحرم، لأنَّ الجمَاع هو أغلظ محظورات الإحرام.

4 -

جاء في البخاري (5114) ومسلم (1410) عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال".

وقد خطأ العلماءُ ابن عباس بهذه الرواية، فإنَّ ميمونة نفسها قالت:"إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال"، وكذلك أبو رافع قال:"كنت السفير بينهما، فتزوجها وهو حلال" قال ابن المسيب: وقال القاضي عياض: انفرد برواية ذلك ابن عباس وحده، وخالفه أكثر الصحابة، وممن خالفه ميمونة وأبو رافع، وهما أعلم بالقصة؛ لأنهما المباشران لها.

5 -

الحكمة في تحريم النساء على المحرم، هو بعده عن ملاذ الحياة الدنيا وزينتها، وأن يجمع قلبه على أعمال الآخرَة، وما يقربه إلى الله تعالى.

6 -

قال الشيخ تقي الدين: الرفث اسم للجماع، وليس في المحظوارت ما يفسد الحج إلَاّ جنس الرفث، فإن جامع فسَدَ حجه.

وحكى ابن المنذر والوزير وغيرهما إجماع العلماء على فساد النسك بالوطء قبل التحلل الأول، وأنه لا يفسد النسك إلَاّ به، أنزل، أو لم ينزل.

7 -

المشهور من مذهب الإمام أحمد فساد الحج بالوطء مطلقًا، عالمًا أو جاهلًا، ناسيًا أو متعمدًا، وهو قول جمهور العلماء.

والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره، وهو مذهب الشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وأنه لا شيء عليهم، لا كفارة ولا قضاء، لما ثبت بدلالة الكتاب والسنة.

8 -

قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا وطيء فيما دون الفرج، وكان ذلك قبل الوقوف بعرفة أنَّ عليه دمًا، ولا يفسد حجه، قال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا.

ص: 76

9 -

الحديث من أدلة القاعدةُ الشرعية "الوسائل لها أحكام المقاصد" فإنَّ الخِطبة لما كانت وسيلة إلى العقد. والعقد وسيلة إلى الجِماع، حرمت الخِطبة والعقد.

10 -

جَمَع الحديث بين ما يحرم ولا يصح، وهو العقد، وبين ما يحرم ولا يوصف بصحة ولا فساد، وهو الخِطبة.

***

ص: 77

612 -

وَعَنْ أَبِي قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ صَيْدِه الحِمارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ:"فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: هَلْ مِنكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَال: فَكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحْمِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

613 -

وَعَنْ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَة اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه "أَنَّه أَهْدَى لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَردَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَاّ أَنَّا حُرُمٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2).

ــ

* مفردات الحديث:

- الليثي: نسبة إلى "ليث بن بكر" بطن من كنانة بن خزيمة من قبائل عدنان، وكان الصعب رضي الله عنه ينزل ودان، والأبواء ما بين مكة والمدينة.

- حمارًا وحشيًا: الحمار الوحشي نوع من الصيد على خلقه الحمار الأهلي؛ لأنَّهما من فصيلة واحدة نسبت إلى الوحش؛ لتوحشها في الأمكنة الخالية المقفرة، جمعها وحوش ووحشان.

- حمَارًا: جاء في رواية مسلم: "لحم حمار وحش".

وفي رواية أخرى: "رِجْل حمار وحش".

وفي رواية ثالثة: "عجز حمار وحش".

وفي رواية رابعة: "شق حِمار وحش".

(1) البخاري (1824)، مسلم (1196).

(2)

البخاري (1825)، مسلم (1193).

ص: 78

وفي خامسة: "عضوًا من لحم صيد".

فهذه الروايات كلها أتى بها مسلم من طرق متعددة، ولذا فلابد من ذكرها لتسوفى الرواية التي أن بها المؤلف.

- وهو بالأبواء أو بودان: الشك من الراوي الصعب بن جثامة نفسه، ففي إحدى روايات الحديث من حديث ابن عبَّاس، عن الصعب قال:"مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالأبواء أو بودَّان، فأهديت له لحم حمار وحش"، وفي الطبراني أنَّ الشك من ابن عباس الراوي عن الصعب، وبعض الرواة جزم أنه بالأبواء، وبعضهم جزم أنَّه بودان.

- الأبواء: وادٍ فروعه: الحرار التي بين مكة والمدينة، ومصبه في البحر الأحمر، فهو ملتقى وادي الفرع ووادي القاحة، حيث يتكوَّن من التقائهما وادي الأبواء، ثم ينحدر إلى البحر الأحمر جاعلًا ودان عن يساره، ومارًّا ببلدة مستورة حيث مصبه في البحر، ويسمَّى الآن "وادي الخريبة".

- ودان: بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون، شرق قرية مستورة الواقعة على طريق المدينة جدة، فيبعد "ودان" عن مستورة شرقًا بمسافة اثني عشر كيلو، وسكان ودان الآن بنو محمَّد من قبيلة حرب، وليست ودان هي مستورة، كما توهم ذلك بعض الباحثين، وتبعد كلّ من الأبواء وودان عن مكة بنحو (240) كيلو.

- لم نرُدَّه: يجوز فيه الإدغام وفكه، وإذا أدغم فالمشهور عند المحدثين هو فتح الدال، أما أهل العربية فالضم عندهم أصح، لأنَّه مضاعف مجزوم اتَّصلت به هاء ضمير المذكر.

- أنا حُرُمُ: بكسر الهمزة وفتحها، فالكسر على أنَّها ابتدائية، لاستئناف الكلام، والفتح على حذف لام التعليل.

- حُرُم: بضم الحاء والراء المهملتين، مفرده حرام، مثل عناق وعنق، والمراد

ص: 79

محرمون.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

حل أكل الحمار الوحشي، وأنَّه من الصيد، بخلاف الحمار الأهلي، فإنه رِجسٌ محرمٌ.

2 -

حل أكل المحرِم مما صاده الحلالُ، إذا لم يصده من أجله.

3 -

تحريم الصيد على المحرم والإعانة عليه، بدلالةٍ أو إشارةٍ أو مناولةِ سلاحٍ، أو غير ذلك مما يعين على قتله، أو إمساكه، وفي هذا حِكمٌ عظيمةٌ، ولعلَّ من أبرز ما ظهر لنا منها المبالغة في بُعد المحرم عن كل اعتداء وأذى لغيره، ثم إنَّ الصَّيد من اللهو المرغوب فيه عند كثير من الناس، فحظر على المحرم ممارسته، والاشتغال به عن طاعة الله في حال الإحرام.

4 -

تحريم صيد الحلال على المحرم الذي صيد لأجله، وسيأتي ذكر الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله.

5 -

استفسار المفتي عن الأشياء التي يتغير من أجلها الحكم في الفتوى.

6 -

قبوله صلى الله عليه وسلم الهدية جبرًا لقلب صاحبها.

7 -

رد الهدية إذا وجد ما يمنع من قبولها، ولكن من حسن الخلق أن يبين للمردود عليه هديته سبب الرد، لتطمئن نفسه، وتزول الشكوك عنه.

8 -

إنَّ الإعانة على الأمور المحرَّمة، والدلالة عليها لا تجوز؛ لأنَّ المعين مشارك للمباشر في عمله، قال تعالى:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

9 -

قصة أبي قتادة في عمرة الحديبية، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج معتمرًا، وأحرم من ذي الحليفة، لأنَّه يسلك الطريق الأيسر البري، وبعث أبا قتادة ومعه بعض الصحابة ليكون رداءً له، وليستطلع له أخبار عدوه، فسلك طريق الساحل الذي ميقاته الجحفة، أقرب من ذي الحليفة إِلى مكة بنحو نصف المسافة،

ص: 80

ففي أثناء تجول أبي قتادة لاستطلاع أخبار العدو، أحرم أصحابه وبقي هو في حال تأهب للعدو، الذي يظن أنَّه سيشغله ترقبه عن دخول مكة، وأداء نسك العمرة، فلذا لم يحرم، هذا ما ظهر لي من تأخر إحرامه، والله أعلم.

10 -

أنَّ ما صاده الحلال لأجل المحرم لا يحرم على الحلال، فإقراره صلى الله عليه وسلم ورده عليه دليل على إباحته، بخلاف الذي صاده المحرم، فإنَّه يحرم على الصائد وغيره: من محرم وحلال.

11 -

حديث أبي قتادة دليل على عدم وجوب الإحرام لمن دخل مكة، وهو لم يرد نسكًا.

12 -

الإمساك عن الأشياء المشتبهة حتى يتبيَّن أمرها من حل، أو حرمة من الورع.

13 -

وفيه إباحة الاصطياد، وأنَّه ليس من اللهو المحرم.

* خلاف العلماء:

ظاهر حديث أبي قتادة يدل على أنَّ للمحرم أن يأكل من لحم الصيد الذي صاده الحلال، ولو صاده من أجله، ما دام أنَّه لم يُعنه على صيده.

وظاهر حديث الصعب بن جثامة أنَّه إن صاده الحلال لأجل المحرم لا يحل للمحرم، من أجل هذا اختلف العلماء:

فذهب أبو حنيفة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير إلى جواز أكل المحرم مما صاده الحلال، ولو صيد من أجله.

وحجتهم حديث أبي قتادة: فإنَّه لم يسأل أبا قتادة هل صاده لأجل رفقته أو لا؟ وأقرَّ الرفقة على أكلهم قبل أن يأتوا، وأمرهم بأكل ما بقي من لحمه. وهذا القول روي عن جملة من الصحابة، منهم عُمر، والزبير، وأبو هريرة.

وذهب طاووس، والثوري إلى تحريم صيد الحلال للمحرم مطلقًا، سواء صيد من أجل المحرم، أو لا، وحجتهم حديث الصعب بن جثامة، فإنَّ النَّبىَّ

ص: 81

-صلى الله عليه وسلم ردَّ الحمار الوحشي على المُهدِي، وبيَّن أنَّ سبب الرد هو الإحرام، وقد قال به جملة من الصحابة: منهم علي وابن عبَّاس، وابن عمر.

وذهب جمهور العلماء، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى التوسط بين القولين، فما صاده الحلال لأجل المحرِم حرُم على المحرم فقط، وما لم يصد لأجله حلَّ له، وممن قال به من الصحابة عثمان بن عفان.

وهذا القول تجتمع به أدلة الفريقين، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد (1365) وأبو داود (1577)، والترمذي (846)، والنسائي (2778) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيد البر حلال لكم، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لَكم"

قال الترمذي عن هذا الحديث: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بالصيد للمحرم بأسًا إذا لم يصده، أو يُصد من أجله".

قال الشافعي: "هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس، والعمل على هذا".

والحاصل: أنَّ ما صاده الحلال للمحرم من أجله فلا يجوز للمحرم أكله، وما لم يُصَد من أجله، بل صاده الحلال لنفسه أو لحلال، لم يحرم على المحرم أكله، وهذا قول الجمهور، قال ابن عبد البر: وعليه تصح الأحاديث، وإذا حملت لم تختلف، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن، ولا يعارض بعضها بعضًا، ما وجد إلى استعمالها سبيل.

وقال ابن القيم: وآثار الصحابة في هذا الباب إنَّما تدل على هذا التفصيل، ولا تعارض بين أحاديثه صلى الله عليه وسلم.

***

ص: 82

614 -

وَعنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ، والحِدَأةُ، وَالغُرَابُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- خَمس: مبتدأ، وقد تخصص بالجار والمجرور، و"كلهن" مبتدأ ثان، وخبره "فواسق، والجملة من المتبدأ الثاني وخبره خبرٌ للمبتدأ الأول.

- الدواب: جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض والهاء للمبالغة، فالأصل أنَّ الدابة كل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذات القوائم الأربع، من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولًا، وتسمية الحدأة والغراب من الدواب؛ لاعتبار أغلب المذكورات.

- كلهن فواسق: جمع فاسقة، والفسق العصيان والخروج عن الطاعة، ووصْف هذه الدواب -"بالفسق"- لفسق مخصوص بخروجها عن حكم غيرها بالايذاء والإفساد.

- يُقْتَلْن: الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله: -"خمس"- ولا يرجع إلى معنى "كل".

- الحل: بكسر الحاء، وهو ما خرج عن حد الحرم، مما يحل فيه الصيد وقتل الصيد.

- الحرَم: بفتح الحاء والراء آخره ميم، حرم مكة هو ما أحاط بها من جوانبها،

(1) البخاري (1829)، مسلم (1198).

ص: 83

وأطاف بها كلها، جعل الله حكمه حكمها في الحرمة، وما يترتب عليه من أحكام، لذا فإنَّه يتعيَّن معرفة حدوده، وقد شكَّلت حكومتنا السعودية السنية هيئتين للتحقق من حدود الحرم، ثم وضع علامات على حدوده من الحل، ولكن أعماله لم تنته حتى الآن (1408 هـ)، أما الطرق الرئيسية فعليها أعلام قديمة، فإلى الطائف من طريق عرفات (19) كيلومتر، وإلى نجد والعراق (11) كيلومتر، ومع طريق الجعرانة (15) كيلومتر، وإلى المدينة مع التنعيم (7) كيلومتر، وإلى جدة (23) كيلومتر، وإلى اليمن (9) كيلومتر.

وفيه خلاف ولكن هذه المسافات أقربها إلى الصحة، وفي هذا العام (1410 هـ) انتهت اللجنة المشكلة لتحديد مدار الحرم المكي، ومن أعضاء هذه اللجنة مؤلف هذا الكتاب، والشيخ محمَّد بن عبد الله بن سبيل، والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، وشاركنا أفراد من العارفين من سكان كل جهة من جهات الحرم، كما راجعنا لمعرفة تلك الحدود الكتب الخاصة بالمسميات، وحصلت الموافقة على بحث تحديدنا في مجلس هيئة كبار العلماء، وصدر به قرار منه، ووكل إلينا الإشراف على وضع أعلامه التي ستكون على جميع مدار الحرم ومحيطه، وقد صدر الأمر بالتنفيذ من ولي الأمر إلى وزارة الداخلية.

- العَقْرب: دويبة من العنكبيات، ذات سُم تلسع.

قال الدميري: دويبة من الهوام، تكون للذكر والأنثى بلفظ واحد، والغالب عليها التأنيث، وقد يقال للأنثى عقربة، والذكر عقربان، وقيل: إن العقربان دويبة كثيرة القائم.

- الحِدَأَة: بِكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة، فهي مقصورة مهموزة حداء وجمعها حدًا، ولا يقال فيها حداة، ومِن أذاها خطف الدواجن والأطعمة.

ص: 84

- الغُرَاب: بضم الغين المعجمة، جنس طير من الجواثم، ويطلق على أنواع كثيرة، والمراد هنا الغراب الأبقع "غراب البَيْن" ووقع في بعض طرق مسلم "الأبقع" وهو الذي في ظهره وبطنه بياض، وبعض العلماء طعن في زيادة مسلم، وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح، وجمعه غربان، وجمع القلة أغربة.

- الفأرة: بهمزة ساكنة وتسهل همزته، فيقال: فار، قال في الجامع: وأكثر العرب على همزها، والفصيلة الفأرية من رتبة القوارض، وهو يشمل الجرذ والفأر والخلد وغيرها، الكبير منها والصغير، جمعه فئران وفيران.

- الكلب: وهو الحيوان المعروف بجميع ألوانه وأشكاله، فهو يعتبر حيوانًا أهليًا من الفصيلة الكلبية، ورتبة اللواحم، جمع كلاب وأكلب، والأنثى كلبة، وجمعها كلبات.

- العقور: فعول مبالغة في العقر، وهو العض والجرح، فالعقور هو العادي الذي تغلبت فيه صفة البهيمة السبعية، فصار كثير العض والجرح للناس والحيوان.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

جواز قتل الخمسة المذكورة في الحديث، وهو موضع اتفاق من العلماء، والخلاف في المعنى الذي شرع قتلهن من أجله، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

2 -

مشروعية قتل ما فيه أذية من الحيوانات والحشرات، كالحيَّة، والذئب، والأسد، والنسر، والعُقاب والبرغوث، والقراد أخذًا من معنى الحديث، الذي أباح قتلهن من أجل فسقهنَّ، وقد نصَّ على بعضها.

3 -

الحنفية يرون الاقتصار على هذه الخمسة التي وردت في النص، وجمهور العلماء يُعدون الحكم إلى غيرها، مما في طبعه الأذى، ويرون أنَّ ما في النص جاء على سبيل المثال، كما أنَّ مفهوم العدد ليس بحجة عند كثير من

ص: 85

الأصوليين، ولذا جاء في بعض الروايات:"أربع وجاء في بعض الروايات عدد المؤذيات إلى سبعة أنواع، وقول الجمهور هو الصحيح".

4 -

قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: وإنما اختصَّت هذه بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون ذكر كل نوع منها منبهًا على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبَّه بالعقرب على ما يلسع كالبرغوث، وبالفأرة على ما يثقب ويقرض كابن عرس، وبالغراب والحدأة على ما يخطف كالعُقاب، وبالكلب العقور على كل عاد بالعقر والافتراس بطبعه، كالأسد والنمر.

5 -

تقييد الكلب العقور يُخْرِج غيره، ويقتضي أنَّ غيره من الكلاب، لا يجوز قتله، صرَّح بذلك النووي في شرح المهذب.

6 -

قال الشيخ وغيره: وللمحرم وغيره أن يقتل ما يؤذي الناس بعادته، كالحيَّة والعقرب والفأرة، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدمبين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد، ولم يندفع إلَاّ بالقتل قاتله، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ قُتِلَ دون مَاله فهو شهيد، ومنْ قُتل دُون حرمته فهو شهيد"[رواه أحمد (21565)].

7 -

قال النووي في شرح مسلم: وفيه دلالة للشافعي وموافقيه، في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل مَن يجب عليه قتل بالقصاص، أو رجم بالزنا، أو غير ذلك من إقامة كل حد، سواء كان موجب الحد أو القتل جرى في الحرم، أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وآخرين.

8 -

استُدلَّ بالحديث على تحريم أكل المذكورات في الحديث، وما ألحق بها مما يؤذي بطبعه، فإنَّ الأمر بقتلها دليل حرمتها، وليس هو التعليل في الأمر بالقتل، فيبطل تعليل مشروعية قتلها بالأذية.

ص: 86

* فائدة:

الحيوانات أربعة أقسام:

1 -

ما طبعه الأذى: يشرع قتله بلا فدية.

2 -

ما لا يؤكل ولا يؤذي: يكره قتله، وليس في قتله في حرمٍ أو إحرامٍ فدية.

3 -

الحيوان المستأنس، كبهيمة الأنعام مباح تذكيته، أو نحره في كل حال.

4 -

الحيوان البري المأكول: هو الصَّيد، فهذا قتله في الحرم، أو في الإحرام فيه الجزاء والأثم.

***

ص: 87

615 -

وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (1).

ــ

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

فيه دلالة على جواز الحجامة للمحرم، وهو إجماع العلماء.

2 -

أنَّ إخراج الدم من سائر البدن ليس من محظورات الإحرام.

3 -

إذا تبع الحجامة قلع شعر المحرم، فإن كان بلا عذر حرُم وفدى، وإن كان لعذر أبيح، ولكن فيه الفدية لإزالة الشعر.

4 -

قال في سبل السلام: وقد نبَّه الحديث على قاعدة شرعية، وهي: أنَّ محرمات الإحرام من الحلق وقتل الصيد ونحوها تباح للحاجة، وعليه الفدية.

5 -

وفيه جواز الحجامة لمن تفيده طبيًا، وتخرج منه فضلات الدم المؤذية.

(1) البخاري (1835)، مسلم (1202).

ص: 88

616 -

وَعَن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بلَغَ بِكَ مَا أرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مسَاكينَ، لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ نِصْفُ صَاعٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- عُجْرة: بضم العين، وسكون الجيم الموحدة التحتية، بعده راء مهملة، ثم هاء.

- حُملْت: بالبناء للمجهول، وكأنه لشدة المرض لا يستطيع المشي.

- القَمل: بفتح القاف وسكون الميم، جمع قملة، حشرة تتولد على البدن عند دفعه العفونة إلى الخارج.

قال الدميري: والقمل يتولد من العرق والوسخ، إذا أصاب ثوبًا، أو بدنًا، أو ريشًا، أو شعرًا، حينما يصير المكان عفنًا.

- أُرى: بضم الهمزة بمعنى أظن.

- الوجع: بفتحتين، اسم جامع لكل مرض مؤلم، جمعه أوجاع. - ما أرى: بفتح الهمزة، بمعنى أشاهد.

- صاع: يذكر ويؤنث، ويجمع جمع قلة على أصوع، وجمع كثرة على صيعان وآصع، ففاء آصع صاد وعينها واو، قلبت الواو همزة ونقلت إِلى موضع الفاء، ثم قلبت الهمزة فاء فصار آصعًا، وقدِّر صاع النبي صلى الله عليه وسلم بـ (3000) غرام.

(1) البخاري (1816)، مسلم (1201).

ص: 89

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

جواز حلق الشعر للمحرم، مع التضرر، ببقائه ويفدي، فإنَّه لم يسأله عن قدرته على الفدية، إلَاّ ليأذن له بالحلق، كما صرَّح به في الرواية الأخرى.

2 -

تحريم أخذ شعر المحرم، إذا لم يحتج إلى ذلك، ولو فدى.

3 -

الأفضل في الفدية شاة، فإن لم يجدها، أو لم يجد ثمنها صام ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.

4 -

عموم الحديث يفيد أنَّ نصف الصاع يخرج، سواء كانت الفدية من البُر أو غيره، وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به جماهير العلماء.

أما المشهور في مذهب أحمد فيجزيء مُدّ من بُرّ، أو نصف صاع من غيره.

وأما أبو حنيفة فيرى إخراج نصف صاع من الحنطة، وصاع من غيرها. والقول الأول أرجح الثلاثة.

5 -

يجوز الحلق قبل التكفير، وبعد إخراج الكفارة.

6 -

أنَّ السنَّة مفسِّرة للقرآن، فإنَّ الصدقة في قوله تعالى:{أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، هي الإطعام في هذا الحديث.

7 -

رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، وتفقده لأحوالهم.

8 -

ما دام تحقق من الحديث أنَّ المخرَج هنا هو فدية، فهو جار مجرى الكفارة، فلا يجوز للمخرج أن يأكل، أو ينتفع منه بشيء، وكذلك مَن تجب عليه نفقته بقرابة، أو عوض، سواء كانت الفدية بدم، أو طعام.

9 -

قال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتابٍ ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وليس في ذلك مما يحرم على المحرم تسريح شعره.

ص: 90

قال الشيخ تقي الدين: إذا اغتسل، وسقط شىء من شعره بذلك، لم يضره؛ وإن تيقن أنَّه قطع بالغسل.

10 -

عموم الحديث يفيد أنَّ هذه الفدية يجوز أداؤها في الحرم وخارجه، سواء كانت صيامًا، أو نسكًا، إو إطعامًا، فأما الصيام فقد اتَّفق العلماء على جواز أدائه في الحرم أو خارجه؛ لأنَّ نفعه مقصور على صاحبه، وأما النسك والإطعام فعند مالك أنَّهما كالصوم، وعند الشافعي وأحمد تخصيصهما بالحرم.

* تحقيق التخيير فيى الفدية:

الحديث الذي معنا يفيد تقديم الشاة، فإن لم يستطع فهو مخيَّر بين الصيام والإطعام.

أما الآية وبقية روايات الحديث فهي تفيد التخيير بين الثلاثة، فقد قال تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].

وفي البخاري عن كعب بن عجرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "لعلَّه آذاك هوام رأسك؟ قال نعم، فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة".

فهذا كله يفيد التخيير، وقد جمع بينهما العلماء، وأحسنهم جمعًا هو ابن حزم حيث قال: إنَّ الأحاديث الواردة عن كعب بن عجرة جاءت من طريقين:

أحدهما: طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب، وهو الذي يفيد التخيير،

والثاني: طريق عبد الله بن معقل عن كعب أيضًا، وهو الذي يفيد الترتيب.

وقد حكم ابن حزم على رواية عبد الله بالاضطراب، وقال في طريق عبد الرحمن:"هذا أكمل الأحاديث وأبينها".

قُلْتُ: وهَذا الجمع أحق، لأنَّ القصة واحدة، فلا يمكن الجمع إلَاّ

ص: 91

بهذا، وطريق ابن أبي ليلى موافق للآية الكريمة.

قال في الشرح: "والظاهر أنَّ التخيير إجماع".

وقال ابن عبد البر: "عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار" والله أعلم.

* فائدة:

- الفدية: هي ما وجب بسب حرم أو إحرام، وهي: إما دمٌ، أو إطعامٌ، أو صومٌ، وهي قسمان:

الأولى على التخيير، وهما نوعان:

1 -

فدية الأذى: من لُبس مخيطٍ، أو تغطية رأسٍ، أو طيبٍ، أو إزالة شعرٍ، ونحو ذلك، فيخير المخرج بين ذبح شاةٍ أو إطعام ستة فساكين، أو صوم ثلاث أيام.

2 -

جزاء الصيد: يخير المخرج بين مثل الصيد من النَّعم، أو تقويم النعم، ويشتري بقيمته طعامًا، لكلِ مسكين مد برٍّ، أو نصف صاعٍ من غيره، أو يصوم عن كل إطعام مسكين يومًا.

القسم الثّاني: على الترتيب، وأنواعه أربعة:

1 -

دم متعة، أو قران.

2 -

دم وجب لترك واجب.

3 -

دم الوطء، أو الإنزال بالمباشرة ونحوها.

4 -

دم الإحصار.

فيجب الدم، فإن لم يجد صام عشرة أيام.

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن نقل لحوم الهدي والأضاحي:

قال مجلس هيئة كبار العلماء في قراره (77) وتاريخ 21/ 10/ 1400 هـ ما يلي: وبعد مناقشة موضوع نقل اللحوم المشروعة بسبب حرمٍ أو إحرام،

ص: 92

وتداول الرأي فيها رأى المجلس بالأكثرية إصدار قرار يوضح الحكم في نقل اللحوم إلى خارجه، حيث كان القرار السابق مختصًا باللحوم التي تبقى فيه؛ وبناءً على هذا فإنَّ ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع:

1 -

هدي التمتع أو القران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة -رضوان الله عليهم- من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"كنَّا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاثة منى، فرخَّص لنا النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا وتزوَّدوا، فأكلنا وتزودنا".

2 -

ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاء لصيد، أو فدية لإزالة أذى، أو ارتكاب محظور، أو ترك واجب، فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه؛ لأنَّه كله لفقراء الحرم.

3 -

ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزا، أو هدي الإحصار، أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم، فهذا يوزعِّ حيث ذُبِحَ، ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر.

هيئة كبار العلماء

***

ص: 93

617 -

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا فَتَحَ الله تعَالى عَلى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مكَّةَ، قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرِيْنِ، فَقَالَ العَبَّاسُ: إلَاّ الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ الله! فَإنَّا نَجْعَلَهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إِلَّا الإِذْخِرَ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- حبس الفيل: أي منعه من الانبعاث، فالحبس هو مصدر حبسته، من باب ضرب، ويجمع الحَبْس على حُبوس، مثل فَلْس وفُلُوس.

- الفيل: حيوان ضخم الجسم، من فصيلة العواثب الثديية، ذو خرطوم طويل، يتناول به الأشياء كاليد، وله نابان بارزان كبيران، يُتَّخذ منهما العاج، جمعه أفيال وفيلة.

- سلَّط: بتشديد اللام، من التسليط، هو التغليب والتمكين.

- ساعة من نهار: السّاعة هي الوقت من ليل أو نهار، والعرب تطلقها وتريد بها الحين، والوقت إن قلَّ، والمراد هنا يوم الفتح.

- لا ينَفَّر صيدها: مبني للمجهول بتشديد الفاء، يقال نفر ينفر نفورًا، أو نفارًا،

(1) البخاري (3433)، مسلم (1355).

ص: 94

إذا فرَّ وذهب، والمراد هنا: لا يزعج من مكانه، ويذعر.

- صيدها: الصيد هو ما كان وحشيًا أصلًا، مما يحل أكله من الطير والحيوان.

- ولا يُخْتَلى شوكها: بالخاء المعجمة مبني للمجهول، يقال: اختلى الحشيش أو الشجر قطع الرطب من الكلأ، وأما اليابس منه فيسمى حشيشًا، والخلا: بفتح الخاء مقصور، مفرده خلاة، وهي الواحدة من النبات، وأصله يأتي لقولهم؛ خليت البقل، أي قطعته.

ومعنى: "لا يختلى خلاها": لا يحصد كلأها، وهو مقصور، قال العيني: ومده بعض الرواة وهو خطأ.

- ساقطتها إلَاّ لمُنْشد: الساقطة هي اللقطة، والمنشِد هو المعرِّف لها، أما الناشد فهو الذي يطلبها، ويسأل عنها.

- ومن قُتِل: على صيغة المجهول و"مَنْ" اسم موصول متضمن معنى الشرط، ولهذا دخلتِ في خبرها الفاء، وهو قوله "فهو بخير النظرين".

- بخير النَّظرَين: أي يختار أحد الأمرين، إما الدية، أو قتل القاتل.

- الإذخر: بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء، يجوز أن يكون استفهامًا حذفت همزته، وأن يكون خبرًا فهمه العبَّاس قبل ذلك، وهو منصوب على الاستثناء، أو مرفوع على البدل، والإذخر واحده إذخرة، وهو شجر صغار عروقه تمضي في الأرض، وقضبانه دقاق، ورائحته طيبة.

- في قبورنا وبيوتنا: يسدون به خَلَل اللَّبِن في القبور، ويجعلونه تحت الطين وفوق الخشب عند تسقيف البيوت؛ ليسد الخلل، ويمسك الطين فلا يسقط.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم فتح مكة؛ ليبين للناس الأحكام، وليعيد في نفوس النَّاس عظمة الكعبة المشرفة وحرمتها، فلا يظنوا أنَّها صارت مباحة الحرمة كغيرها من البلاد.

ص: 95

2 -

الإفادة بالعلم وقت الحاجة إليه، لأنَّه أعلق بالنفوس.

3 -

من تعظيم مكة وحرمتها حبس فيل الحبشة عنها، لأنَّهم قصدوا بدخولها الاعتداء والظلم، وانتهاك حرمة البيت المطهر، أما النَّبي صلى الله عليه وسلم فيقصد بقتال يوم فتح مكة تطهيرها من الشرك والأوثان، وعبادة غير الله تعالى، وتعظيم البيت وتقديسه عن الجاهلية، فسلَّطه الله على أهله حتى استولى عليها، وأصبحت بلدة إسلامية.

4 -

أنَّ حلَّ القتال بمكة للنبي صلى الله عليه وسلم خاص بساعة الفتح للحاجة، وإلَاّ فمكة محرَّمة في كل الأزمنة الماضية والقادمة، فلا يحل القتال فيها ولا يجوز ترخص أحد بالقتال فيها، بقتال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح.

5 -

تحريم سفك الدماء بمكة المكرمة إلَاّ في إقامة الحدود، فالصحيح جوازه، وهو قول مالك والشافعي.

وأما جمهور العلماء فيرون تحريم سفك الدم مطلقًا، ويضيَّق على مَن وجب عليه حد حتى يخرج من الحرم، والصحيح الأول لعموم الأدلة.

6 -

أنَّ تحريم مكة شامل حتى لصيدها، فلا يحل تنفيره من مكان لآخر، فيكون إمساكه أو قتله أشد تحريمًا، وأعظم إثمًا.

7 -

أنَّ شجر مكة وشوكها وحشيشها مما ينبت بنفسه يحرم قطعه، أما ما أنبته الآدمي فهو ملكه، فيجوز له قَطعه واحتشاشه، وهو قول جمهور العلماء.

أم الشافعي فيأخذ بعموم الحديث، فلا يجوز عنده قطع الشجر مطلقًا.

8 -

اللقطة الساقطة في أرض الحرم لا يحل لأحد أن يأخذها ليعرفها، ثم يتملكها بعد حول من تعريفها، فإنَّها لا تُملك، فإن أراد أن يأخذها ليعرفها مدى الدهر فلا بأس من أخذها.

9 -

أنَّ من قُتِل له قتيل عمدًا فهو مخيَّر بين القصاص، أو أخذ الدية.

10 -

استثني من شجر الحرم ونباته الإذخر؛ لحاجة سكان الحرم إليه، فأبيح

ص: 96

أخذه ليجعلوه فوق اللَّبِن المنصوب على اللحد في القبور، وبين الطين والخشب لتسقيف البيوت، فيسد خلل بيوت الأحياء والأموات.

11 -

الحديث دليل على أنَّ مكة فتحت عُنْوةً لا صلحًا، وهو أحد قولي العلماء وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد، والقول الثاني: أنَّها فتحت صلحًا، وإليه ذهب الشافعي، والأول أصح.

12 -

إجابة العباس، وقبول شفاعته في استثناء الإذخر، إما باجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، أو بوحي من الله تعالى.

* تكميل:

للبيت العتيق حرم جعله الله تعالى لتعظيمه، فجعل فيه الأمان حتى شمل ما فيه من الشجر والنبات فلا يؤخذ، وما فيه من الصيد فلا ينفر، وجعل ثواب الأعمال فيه أفضل من ثوابها في غيره، ومضاعفة أجر الصلاة إِلى مائة ألف، والحرم دائر على مكة المكرمة، وبعض حدوده أقرب من بعض، وقد نصبت أعلام على حدوده في الطرق الرئيسية المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي:

1 -

حده من الغرب: الشميسي "الحديبية" فبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وهي أبعد الحدود، فتبعد بـ (22) كيلو ويمره طريق جدة.

2 -

الجنوب: "إضاة لَبِنَ" في طريق اليمن الآتي مع تهامة، وتبعد بـ (12) كيلو.

2 -

الشرق: ضفة وادي عرنة الغربية، وهو طريق الطائف، والحجاز "السراة"، ونجد، واليمن، ويبعد (15) كيلو.

4 -

الشمال الشرقي، طريق الجعرانة عند جبل المقطع بالقرب من قرية "شرائع المجاهدين" وتبعد بنحو (16) كيلو.

5 -

الشمال وحده التنعيم، وهو طريق المدينة المنورة المتَّجه مع وادي فاطمة "الجموم" ويبعده بـ (7) كيلوات، وهو أقرب حدود الحرم، كما أنَّ أبعدها "الشميسي"، وقد شكلت لجنة عام 1387 هـ لتحديد الحرم المكي من جميع

ص: 97

جهاته، وكنت مع تلك اللجنة، وبعد أن حددنا نصف دائرة الحرم توقف العمل، والنية متجهة إِلَّا اتمامه إن شاء الله تعالى، وقد وجدنا أعلامًا قديمة منصوبة في سفوح الجبال التي هي الحد بين الحل والحرم.

بعد كتابة ما سبق تمَّ ولله الحمد، تحديد الحرم من جميع جهاته، ورفع القرار إلى الجهة العليا في الدولة للموافقة عليه، والأمر بتنفيذه بوضع أعلام بارزة على مدار حد الحرم من الحل، ونسأل الله تعالى التوفيق.

بعد كتابة ما سبق صدرت الموافقة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وفَّقه الله بوضع أعلام بارزة على حدود حرميْ مَكَّة والمدينة، وسيبدأ التنفيذ قريبًا إن شاء الله، وأنا أحد أعضاء اللجنة المنفذة، نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.

***

ص: 98

618 -

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بِنْ عَاصِمٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَي مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

619 -

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2).

ــ

* مفردات الحديث:

- حرم مكة: الحرام هو الشيء الممنوع منه بتحريم إلهي، أو بمنع عقلي، والحرم سمي بذلك؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا، مما لم يحرم في غيره من المواضع.

- عير: بفتح العين ثم ياء ساكنة ثم راء مهملة، جبل أسود بحمرة مستطيل من الشرق إلى الغرب، يشرف على المدينة المنورة من الجنوب، وبسفحه الشمالي وادي العقيق، الذي فيه بئر عروة بن الزبير، ولا تزال مشهورة إلى الآن.

- ثور: جَبل صغير مستدير أحمر، يقع شمال المدينة المنورة، وموقعه خلف جبل أحد، إذا اتَّجه الإنسان من المدينة إلى المطار، وحاذى جبل أُحُد يراه عن يساره بالصِّفَة التي ذكرناها.

ولكون جبل ثور المدينة غير معروف ولا مشهور، والمشهور هو جبل ثور

(1) البخاري (2129)، مسلم (1360).

(2)

البخاري (6755)، مسلم (1370).

ص: 99

بمكة المكرمة، فإن كثيرًا من الكاتبين أخطأوا هنا حتى نفوا وجوده بالمدينة، والحق أنَّه موجود ومعروف، وعلى هذا التحديد فما بين الجبلين هو حرم المدينة، فإنَّ جبل أحد داخل حرم المدينة المنورة، فصارت حدود حرم المدينة من الشرق إِلى الغرب الحرتان، ومن الجنوب جبل عَير، ومن الشمال جبل ثور.

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد حرم المدينة:

قرار رقم: (166) وتاريخ (17/ 8/ 1415 هـ)

الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده محمَّد وعلى آله وصحبه وبعد:

ففي الدورة الخامسة والثلاثين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من 8/ 6/ 1410 هـ، وبناء على خطاب المقام السامي رقم: 1861 م وتاريخ 11/ 9/ 1409 هـ بخصوص تحديد الحرم المدني.

فقد جرى من المجلس قراءة القرار الصادر من اللجنة المشكلة لذلك عام (1389هـ) والمؤيد من سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم رحمه الله وبعد التأمل والمذاكرة والمداولة والمناقشة لذلك، رأى المجلس الموافقة عليه، وأن توضع الأعلام للحرم على الحدود التي ذكرت في القرار.

نص القرار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فبناء على الأوامر الصادرة بتحديد حرم المدينة المنورة من رئيس مجلس الوزراء برقم (2953) في 25/ 2/ 1378 هـ، ومن سماحة مفتي الديار

ص: 100

السعودية برقم (1/ 3317) وتاريخ 12/ 11/ 1386 هـ، ومن وزارة الداخلية برقم (1867) وتاريخ 8/ 3/ 1378 هـ، ومن إمارة المدينة برقم (4248) وتاريخ 15/ 3/ 1378 هـ، ومن المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (1139)، وتاريخ 25/ 3/ 1378 هـ، وهذه الأوامر مرفقة بالمعاملة التي بين يدي اللجنة والواردة أخيرًا إلى سماحة المفتي من رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (2052) وتاريخ 26/ 2/ 1387 هـ، وتنص هذه الأوامر على تشكيل لجنة علمية لمعرفة مواضع حدود الحرم المدني ووضع علامات عليها، وقد شكلت اللجنة المذكورة من كل من: فضيلة الشيخ محمَّد الحافظ القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة رئيسًا، وكل من: السيد محمود أحمد، والسيد عبيد مدني، والشيخ عمار بن عبد الله، والشيخ أبو بكر جابر، والأستاذ أسعد طرابزوني أعضاء.

وقد اجتمعت اللجنة فور تشكيلها، وقامت بما عهد إليهاة غير أنَّه أشكل عليها نقاط وارتأت عرضها على سماحة المفتي الأكبر، وعندما رفعت المعاملة إلى سماحته أمر بأن يكون مع اللجنة مندوب من قبل سماحته ليجتمع باللجنة، ويقفوا جميعًا على حدود الحرم، ويعرفوا مسميَّات تلك الحدود، ثمَّ يعود المندوب إلى سماحته، وقد تضمنت النصوص الواردة في هذا تحديد الحرم: باللابتين تارة، وبعِير وثور تارة، وبالمأزمين تارة، وبالجبلين تارة، وأحاديث اللابتين أكثر من أحَاديث الجبلين، والجبلان هما عير وثور.

والمأزمان هما الجبلان، فأما عير وثور فخارجان عن الحرم كما هو الأصل في التحديدات، وأما اللابتان فداخلتان في الحرم لما يلي:

أ - قصة بني حارثة حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أراكم يا بَني حارثة قد خَرَجْتُم من الحرم ثمَّ التفَتَ فقال: بل أنتُمْ فيهِ" ومنازلهم في سند الحرة الشرقية مما يلي العريض، وحصنهم باقية آثاره حتى الآن، فدل على أنَّ هذه الحرَّة من الحرم، وهي محاذية لعير وثور، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم لما التفت فرأى عيرًا قال لهم بل

ص: 101

أنتم في الحرم.

ب - قصة سعد بن أبي وقاص حينما أخذ سلب الرَّجل الذي وجده يقطع الشجر في العقيق، والعقيق ليس حرة، بل هو واد منقطع عن الحرة الغربية، وأبعد منها عن المدينة، ولكن القسم الأعلى منه مسامت لجبل عير من الشمال والغرب.

ج - حديث تحريم ما بين حرتيها وجامها، والجمارات الثلاث معروفة، وتقع بعد العقيق وبعد الحرة الغربية كما هو مشاهد.

د - أنَّ الحرة الغربية تبدأُ من عند باب العنبرية وتمتد غربًا، والحرة الشرقية تبدأ من نهاية شارع أبي ذر بطريق المطار بنحو مائتي متر، فإن لم نقل بأنَّهما داخلتان في الحرم لخرجت جملة كثيرة من منازل المدينة عن الحرم: ولا قائل بهذا من أهل العلم الذين اطَّلعنا على كلامهم.

هـ - ذكر العلماء مسافة الحرم بريدًا في بريد، واستدلوا بما ورد في هذا، ولا يمكن تطبيق هذه المسافة إلَاّ إذا أدخلنا الحرتين، لأنَّ الحرتين قريبتان من الحرم، بخلاف الجبلين فيبعدان جدًّا بالنسبة إلى قرب اللابتين.

وقد أخذت الهيئة المساحة من الجهات الأربع من المسجد إلى "عير" جنوبًا، ومن المسجد إلى "ثور" شمالًا، ومن المسجد إلى الحرَّة الغربية عند محاذاة "عير" غربًا، ومن المسجد إِلى الحرة الشرقية عند محاذاة "ثور" شرقًا، فكانت المسافة متقاربة في الجميع، وتبلغ أحد عشر كيلو مترًا تقريبًا بعداد السيارة وإن كانت السيارة لا تسير باتجاه واحد بل تأخذ يمينًا وشمالًا حسب سهولة الخط، ولكن هذا يعطي فكرة تقريبية للمسافة من الجهات الأربع، وهذه المسافة مقاربة لإثني عشر ميلًا الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم قال:"حرَّم رسول الل صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمى" وهذا من أدلة من قال بريدًا في بريد؛ لأنَّ البريد

ص: 102

أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. والمسافة التي بين عير وثور من الناحية الشرقية تقدر باثني عشر ميلًا، ومثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية".

ثم مشت اللجنة على مواضع الحدود لتطبيق ما ناقشوه من النصوص وما فهموه منها وكان ممشاها على ما يلي:

1 -

وصلت اللجنة إلى جبل "ثور" ويقع خلف أحد من الشمال الشرقي، طلعت فوقه ووجدته كما وصفه العلماء، جبل صغير بالنسبة إِلى جبل أحد، والجبال التي حوله بتدوير، وليس بمستطيل، لونه يقرب إلى الحمرة، خلف أحد من الشمال الشرقي، وبينه وبين أحد مقدار خمسين مترًا تقريبًا.

2 -

ثم انتقلت اللجنة إلى "اللابة الشرقية" ووجدت حرَّة ذات حجارة سوداء نخرة كأنَّها أُحرقت بالنار، وتنقطع هذه الحرَّة في بعض المواضع خصوصًا في جهتها الشمالية، وتمتد في مواضع ولاسيَّما جهتها الجنوبية، فكأنَّها حرار متعددة، وهذه الحرَّة تسمى "حرة واقم" ويفضلها عن "أُحد" الشرقي وسفح جبل وغيره، وتشمل منازل بني حارثة وبني ظفر وبني عبد الأشهل وبني معاوية، كما تشمل منطقة العريض وما حولها من المصانع والبساتين وبعاث المسمى الآن بـ"المبعوث" إلى العوالي وقربان ومنازل بني قريظة وبني النضير، ولم يكن الحد في هذه الحرة واضحًا كوضوحه من جهة الجبلين: عير، وثور، لهذا مشت اللجنة وسط الحرة في موضع متوسط بين عير وثور، ووقفت هناك لتحقق لها المسافة بين الجبلين وتتمكن من أخذ مقاسها.

3 -

ثم انتقلت اللجنة إلى طرف "عير" من هذه الناحية أعني الناحية الجنوبية الشرقية، ووقفت قريبًا من الجبل مما يلي سد بطحان، وعرفت مقياس مسافته لجبل ثور مع متوسط اللابة الشرقية، وتقرَّر أن تبدأ من طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة مد بطحان ومذينيب، وتنقاد ببئر متواصلة مع وسط الحرة بعد كل ثلاثة كيلوات بِتَر كبيرة ملونة يكتب عليها حد الحرم إلى أن

ص: 103

تصل جبل ثور من الشمال الشرقي مخرجة جبل وغيره، ومدخلة جيمع جبل أُحد والخزان الذي حوله، والمصانع وماحولها من البساتين ومنطقة العريض والعوالي وقربان إلى امتداد سد بطحان حتى يحاذي طرف عير من الشرق.

4 -

ثم انتقلت الهيئة إلى طرف "عير" من الناحية الجنوبية الغربية مما يلي ذا الحليفة، لأنَّ عيرًا جبل كبير مستطيل، فقربت الهيئة من طرفه، ووقفت على ربوة بسفحه، وتطلعت إلى ما حوله وما يحاذيه من اللابة الغربية والشمالية الغربية.

5 -

انتقلت اللجنة إلى "الحرة الغربية" وهي أقرب إلى المدينة من الحرة الشرقية، فالغربية تبدأ من عند باب العنبرية كما مرَّ، وهي من جنس الشرقية في كونها تنقطع في مواضع ولاسيَّما في جهتها الشمالية، كما هو مشاهد عند مسجد القبلتين حيث يوجد هناك فضاء واسع فيه المزارع والرمال والسباخ وتتخللها الطرق والعيون والأودية إلى أحد والجرف وما حوله، وتمتد الحرة من الناحية الجنوبية إلى أن تدنو من شرقي عير قريبًا من طرف الحرة الشرقية من ناحية قباء، ويفصل بينها وبين الحرَّة الشرقية بساتين قباء وقربان، والعوالي ووادي مهزور، ومذينيب وجفاف، وبطحان والرانونة.

وقد مضت اللجنة من "عير" إلى "أحد" لنصل منه إلى "ثور" وسلكت في أثناء ممشاها مع الطريق الجديد الموضوع للأجانب ومن لا يريد دخول المدينة ويسمى بالتحويلة ويبدأُ من نهاية البيداء آخر الخط الآتي من جدة قبل أن يصل إلى ذي الحليفة ثم يتجه شمالًا تاركًا المدينة على ميمنه، ورأت اللجنة هذا الطريق في أثنائه مسامتًا لما بين عير وثور من هذه الناحية، إلَاّ أنَّه قد تجاوزها من أوله وآخره، فقررت اللجنة أن توضع البدأ [لعلَّه البتر] من طرف عير الغربي متَّجهة إلى الغرب ثم إلى الشمال الغربي فتدخل ذا الحليفة والعقيق وسد عروة والجماوات الثلاث، وبنايات الجامعة

ص: 104

الإسلامية والقصور الملكية والجرف، وبئر رومة وما حولها من البساتين إلى أُحد، كل هذه داخلة في حدود الحرم، فإذا وصلت إِلى ما سامتها من التحويلة، صارت التحويلة هي الحد، فتوضع البئر على جانبها الشرقي، وتستمر البئر مع هدذه التحويلة حتى تحاذي ثور خلف أُحد من الشمال الشرقي، وحينئذٍ تأخذ البتر ذات اليمين صوب الجنوب لتلتقي بالبئر التي مرَّ ذكرها في الحرَّة الشرقية، وتترك التحويلة لأنَّها تستمر شرقًا حتى تصل شارع المطار، وبهذا تصبح حدود الحرم تابعة من جميع جهاتها سواءٌ حدد من عير إلى ثور، أو باللابتين، أو باثني عشر ميلًا وفي بريد في بريد كما سبق إيضاح ذلك وأخذ مسافته.

ونظرًا لأنَّ هذه أعمال هندسية، وتحتاج إلى مهندس فني، فينبغي تعميد بلدية المدينة بهذا؛ ليقوم مهندسوها بمسحها مسحًا فنيًّا، مع وضع العلامات اللازمة على ضوء ما ذكرنا، ويكون ذلك بإشراف الشيخ محمَّد الحافظ.

ولا يفوتني أن نذكر هنا تتميمًا للفائدة أنَّ حرم المدينة يخالف حرم مكة في ثلاثة أشياء.

أوَّلًا: أنَّ صيده وقطع شجره لا جزاء فيه بخلاف حرم مكة.

ثانيًا: أنَّ من أدخل صيدًا من خارج الحرم جاز له إمساكه وذبحه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عُمَير ما فعل النُّغَير" وهذا بخلاف حرم مكة.

ثالثًا: جواز قطع ما تدعو حاجة الفلاحين إليه من آلات الحرث والرحل كالمساند وغيرها.

هذا ما جرى دراسته وتحريره بعد كمال التحري وبذل الجهد، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم أجمعين.

هيئة تحديد حدود المدينة المنورة

ص: 105

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

أنَّ الذي حرم مكة المكرمة هو النبي إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، كما أنَّ الذي حرَّم المدينة المنورة هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في البخاري (189)، ومسلم (1353)، "أنَّ هذا البلد مكة، حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض"، ومعناه أنَّ تحريم مكة قديم وشريعة سالفة مستمرة، ليس مما أُحدث، أما ما جاء في الرواية الأخرى: أنَّ إبراهيم عليه السلام هو الذي حرَّم مكَّة، فهو من حيث إنَّه هو الذي بلغ تحريمها فإنَّ الحاكم بالشرائع هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فإنَّه كما يضاف التحريم إلى الله من حيث إنَّه هو الحاكم بها، فإنَّها تضاف أيضًا إِلى الرسول، حيث إنَّه هو المبلغ عن الله تعالى.

2 -

معنى تحريم المدينتين هو أنَّهما بلدتان آمنتان، فلا يقطع الشجر في حرمهما، ولا يقتل الصيد، ولا ينفر فيه.

3 -

أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا لأهل مكة بالبركة، وسعة الرزق، كما قال تعالى حكاية عنه:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ} [البقرة: 126].

4 -

أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، كدعوة إبراهيم لأهل مكة، بل دعا أن تكون البركة في المدينة ضعفي بركة مكة.

5 -

أنَّ حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عَير، ومن الجهة الشمالية جبل ثور، كما نص الحديث.

6 -

أما حد الحرم الشرقي والغربي في المدينة فهما الحرتان الشرقية والغربية، لما جاء في البخاري (1869) ومسلم (1372) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حمًى".

وجمهور العلماء قالوا بتحريم الحرم المدني، عملًا بالنصوص الصحيحة الآتية، ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، بخلاف أبي حنيفة فلا يرى

ص: 106

تحريمه من ناحية الصيد، وقطع الشجر، ولا مدفع عنده للنصوص الصحيحة الآتي بعضها.

7 -

جاءت نصوص كثيرة في تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر في الحرم المدني منها: ما رواه مسلم (1362) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي حرَّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عَضَاها، ولا يصاد صيدها".

وله أيضًا من حديث أبي شريح (1354)"ولا يخبط فيها شجر إلَاّ لعلف"، وتحريم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لتعظيمها وتقديسها، ولكن تحريم حرم المدينة لا يأخذ كل أحكام حرم مكة.

8 -

ذكر العلماء فروقًا بين الحرم المكي والحرم المدني ترجع إلى أنَّ العقاب والجزاء في الحرم المدني أخف من الحرم المكي.

منها: أنَّ ذبح الصيد أو قتله في الحرم المدني، يحِلّ أكله، بخلاف المكي فيعتبر ميتة محرَّمة، ومنها: أنَّه لا جزاء في الصيد في الحرم المدني

، بخلاف المكي ففي قتله الجزاء، ومنها أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها كالقنب وآلة الحرث كلها، لما جاء في مسند أحمد من حديث جابر أنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة، قالوا يا رسول الله إنَّا أصحاب عمل وأصحاب نضح، فرخِّص لنا فقال "القائمتان والوساد، والعارضة والمسند، وأما غير ذلك فلا يعضد" ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي شريح: "ولايخبط فيها شجر إلَاّ لعلف"[رواه مسلم (1354)].

* فائدة:

آثار إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة كثيرة، فهو:

أولًا: أول من أسس مكة وسكنها، بوضعه ابنه وزوجته هاجر فيها.

ثانيًا: دعا لأهلها بسعة الرزق، وأن يكون البلد مثابة للناس وأمنًا.

ثالثًا: هو الذي أعلن تحريمها، وعظمتها عن أمر الله تعالى.

ص: 107

رابعًا: هو الذي بنى البيت الحرام، ووضع قواعده، وساعده ابنه إسماعيل.

خامسًا: هو الذي نادى الناس ليحجوه.

سادسًا: هو الذي أقام شعائر الحج، فهي من مآثره.

سابعًا: هو الذي أعلن فيها التوحيد، وعبادة الله وحده.

ثامنًا: هو أول من حدد الحرم بتعليم من جبريل.

***

ص: 108