الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جاهلية، (1) ومطلب (2) دم امرئ بغير حق ليريق دمه» (3) .
[الفساد وأنواعه]
أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك؛ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر.
وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل (4) العمل.
فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية (5) .
وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم؛ لأن أعظم محال العمل الحرم (6) وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني ولهذا حرم من تناول المباحات ومن الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله في الشهر الحرام.
ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر صلى الله عليه وسلم الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية (7) .
(1) في (ب ط) : السنة الجاهلية.
(2)
في (ط) : ومطيل. وفي المطبوعة: ومطل. وفي البخاري كما أثبته.
(3)
المؤلف رحمه الله أشار إلى أن هذا الحديث في مسلم، ولم أجده فيه بهذا اللفظ، وإنما وجدته في البخاري بهذا السند وبهذا اللفظ الذي ساقه هنا.
انظر: صحيح البخاري، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ: بغير حق، في فتح الباري، حديث رقم (6882) ، (12 / 210)، وفيه: ليهريق، بدل: ليريق، وهما بمعنى واحد.
(4)
أي مكان العمل: كالحرم، والمساجد، ونحو ذلك.
(5)
في (ب ط) : السنة الجاهلية.
(6)
في المطبوعة: هو الحرم.
(7)
في (ط) : الجاهلية.
والمقصود (1) أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فسواء قيل: متبع (2) أو مبتغ، فإن الابتغاء هو الطلب (3) والإرادة فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث.
والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس (4) مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة قال تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 137](5) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (6) والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع (7) سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم (8) ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسما لذي الحال.
فمن الأول قول (9) النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (10) .
(1) في (أب ط) : والمقصود هنا أن من.
(2)
في (ج د) : مبتغ أو غير مبتغ. وفي المطبوعة: مبتغيا أو غير مبتغ.
(3)
في (ط) : المطلوب.
(4)
في المطبوعة: قال: تتكرر لتتسع لأنواع الناس. وهو خلاف جميع النسخ.
(5)
سورة آل عمران: من الآية 137.
(6)
الحديث مر تخريجه، راجع فهرس الأحاديث.
(7)
في (ج د) : تبع.
(8)
ومن ذلك ما يحاول بعض الناس اليوم إحياءه من أمور الجاهلية الأولى على أنها من التراث الذي يعتز به، كإحياء اسم عكاظ: وهو سوق من أسواق الجاهلية، ودار الندوة: وهي من منتديات قريش في الجاهلية، ونحو ذلك.
(9)
في (ب) : قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(10)
مر الحديث (ص 235) .
وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة (1) وقول عائشة: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء (2) وقولهم: يا رسول الله، كنا في جاهلية (3) وشر (4) أي في حال جاهلية، أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ونحو ذلك.
(1) هذا جزء من حديث ورد في الصحيحين وغيرهما، ولفظ البخاري: عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم:"أوف نذرك" فاعتكف ليلة.
صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب من لم ير عليه إذا اعتكف صوما، حديث رقم (2042)، من فتح الباري (4 / 284) . كما أخرجه أيضا في نفس الصفحة رقم (2043) تحت باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف، ثم أسلم. بسياق آخر.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، حديث رقم (1656) ، (3 / 1277) .
(2)
هذا جزء من حديث ورد في البخاري وأبي داود من حديث طويل أوله في البخاري: عن عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرته: أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء. . الخ الحديث، وفيه:"فلما بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم".
صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، حديث رقم (5127) من فتح الباري (9 / 182) ، 183؛ وسنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية، حديث رقم (2272) ، (2 / 702) .
(3)
في (ط) : الجاهلية.
(4)
هذا جزء من حديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب الفتن، باب الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم (7084) من فتح الباري (13 / 25)، عن حذيفة بن اليمان: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير. . الخ الحديث. ورواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين. . الخ، حديث رقم (1847) ، (3 / 1475، 1476) .
فإن (1) الجاهلية وإن كانت (2) في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار اسما، ومعناه قريب من معنى المصدر، وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلا بسيطا، فإن اعتقد خلافه، فهو جاهل جهلا مركبا، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق، أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63](3) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث (4) ولا يجهل» (5) .
ومن هذا قول بعض شعراء (6) العرب.
(1) في المطبوعة: فإن لفظ الجاهلية.
(2)
في (ط) : كانت. وفي بقية النسخ: كان.
(3)
سورة الفرقان: من الآية 63.
(4)
في المطبوعة: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل. بزيادة: ولا يفسق، وليست في مسلم والبخاري ولا في أبي داود.
(5)
هذا جزء من حديث جاء في الصحيحين وغيرهما. فقد أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل. . " الحديث، في صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم ـ حديث رقم (1894) من فتح الباري (4 / 103) .
وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم، حديث رقم (1151)، (2 / 806) ولفظه:"إذا أصبح أحدكم يوما صائما، فلا يرفث، ولا يجهل. . " الحديث.
وأبو داود، وهو مطابق لما نص عليه المؤلف هنا، ولفظه:"الصيام جنة، إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل. . " الحديث، انظر: سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب الغيبة للصائم، حديث رقم (2363) ، (2 / 768) .
(6)
في المطبوعة: الشعراء.
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا (1)
وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17](2) قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كل من عمل سوءا فهو جاهل (3) .
وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه في القلب بمقاومة (4) ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار.
ومن هنا (5) تعرف دخول الأعمال في مستحق (6) الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا (7) خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء.
(1) هذا البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي، وهي إحدى المعلقات السبع المشهورة. انظر: كتاب شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري (ص 426) .
(2)
سورة النساء: من الآية 17.
(3)
في (ب) : زاد: وإن علم أنه مخالف للحق.
انظر: تفسير ابن جرير (4 / 202، 203) ، حيث ذكر أقوال الصحابة والتابعين في ذلك، وكلها تؤكد هذا المعنى الذي أشار إليه المؤلف.
(4)
في المطبوعة: أو ضعف القلب عن مقاومة ما يعارضه. وقد أجمعت النسخ المخطوطة على ما أثبته.
(5)
من هنا حتى قوله: وإن لم يكن (سطر واحد تقريبا) : ساقط من (أ) .
(6)
في المطبوعة:: في مسمى الإيمان.
(7)
قد فصل المؤلف هذا الموضوع واستوفاه في كتابه (الإيمان) فليراجع. وفي المطبوعة: أو خارجا.
ولهذا (1) يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما (2) وبكما وضالين وجاهلين، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون.
ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي (3) النهى، وأنهم مهتدون، وأن لهم نورا، وأنهم يسمعون ويعقلون.
فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية (4) منسوبة إلى الجهل، (5) فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل (6) وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت (7) به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعد مبعث (8) الرسول صلى الله عليه وسلم (9) قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه (10) في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
(1) في (ب) : أسما.
(2)
وصما: ساقطة من (أ) .
(3)
في المطبوعة: والنهي.
(4)
في (ب) : جاهلية جهلاء.
(5)
في (أب ط) : الجاهل.
(6)
في المطبوعة: جهال.
(7)
في المطبوعة: جاء به.
(8)
في المطبوعة: فأما بعد ما بعث الله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(9)
في المطبوعة وفي (ط) : فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار. . الخ.
(10)
في المطبوعة: فإنه يكون في جاهلية.
فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم (1) فإنه لا تزال (2) من أمته طائفة ظاهرين (3) على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص (4) المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» (5) وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (6) ونحو ذلك.
فقوله في هذا الحديث: ومبتغ (7) الإسلام سنة جاهلية. يندرج (8) فيه كل جاهلية مطلقة، أو (9) مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة (10) أو وثنية، أو مركبة (11) من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض
(1) وعليه: فإن إطلاق هذه العبارات على المسلمين عموما، أو على بلد من بلدانهم أو مجتمع من مجتمعاتهم دون تقييده بحالة، أو عمل، أو تصرف، أو شخص معين: يعتبر خطأ وتساهلا ينبغي أن يتحاشاه المسلم، وما نزع إليه بعض الكتاب والباحثين والمفكرين من إطلاق عبارات المجتمع الجاهلي على المجتمعات الإسلامية أو بعضها - دون تقييد أو تخصيص لمن يستحق ذلك شرعا - فإنه نهج غير سليم ويخالف القواعد الشرعية، ومنهج السلف الصالح.
(2)
في (ب) : لا يزال.
(3)
في (ب) : ظاهرون.
(4)
في المطبوعة: وفي كثير من المسلمين.
(5)
انظر الحديث (1 / 234) .
(6)
انظر الحديث (1 / 236) .
(7)
في (ب) : ومتبع.
(8)
في (ج د) : تندرج.
(9)
في المطبوعة: أو غير مقيدة. ولا يستقيم به المعنى.
(10)
في (د) : أو صابئية.
(11)
في المطبوعة: أو شركية. وفي (ج د) : أو مشركية.
هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها (1) مبتدعها (2) ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد.
وفي الصحيحين عن نافع (3) عن ابن عمر (4)«أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» (5) .
ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار (6) عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من
(1) في (أ) : جميعا.
(2)
في (ب) : أو منسوخها.
(3)
هو نافع، أبو عبد الله، المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة ثبت فقيه، قال بعض المحدثين ومنهم البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، بعثه عمر بن عبد العزيز لمصر يعلم الناس، ومات سنة (117 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (2 / 296) ، (ت 30) ؛ والبداية والنهاية لابن كثير (9 / 319) .
(4)
هو الصحابي الجليل: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من البعثة وهاجر للمدينة وهو ابن عشر، وأسلم مع أبيه، عرض على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم بدر، ثم أحد فاستصغره، وأجازه في الخندق، واشتهر رضي الله عنه بالورع والعبادة، وكان ممن اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، توفي سنة (73 هـ) . انظر: الإصابة (2 / 347- 350) ، (ت 4834) .
(5)
انظر: صحيح مسلم، واللفظ هنا له، كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث رقم (2981) ، (4 / 2286) .
(6)
هو: عبد الله بن دينار العدوي - مولاهم - أبو عبد الرحمن، المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، من الطبقة الرابعة، أخرج له الستة، ومات سنة (127 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (1 / 413) ، (ت 284) .
بئآرها (1) ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء» (2) .
وفي حديث جابر (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم» (4) .
فنهى رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة (6) وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضح (7) بعجين مائهم.
وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن الصلاة في أماكن العذاب»
(1) في البخاري: من بئرها. وغي (أ) : أبيارها. وفي (ط) : آبارها.
(2)
انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: / 30 وإلى ثمود أخاهم صالحا / 30. . الخ، حديث رقم (3378) من فتح الباري (6 / 378) ، وكذلك حديث رقم (3379) في الصفحة نفسها.
(3)
في (ب) : رضي الله عنه. وفي (أ) : وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أسقط: جابر.
(4)
هذا الحديث أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر، انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: / 30 وإلى ثمود أخاهم صالحا / 30. . الخ، حديث رقم (3380) من فتح الباري (6 / 378، 379) .
وانظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، حديث رقم (2980) ، (4 / 2285) .
(5)
في (أب ط) : فنهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(6)
في المطبوعة زاد: وهي غزوة العسرة.
(7)
في المطبوعة: النواضج، وهو تصحيف. والنواضح: هي الإبل التي يستقى عليها.
فروى أبو داود عن سليمان بن داود (1) أخبرنا (2) ابن وهب (3) حدثني ابن لهيعة (4) ويحيى بن أزهر (5) عن عمار بن سعد (6) المرادي عن
(1) هو: سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري، أبو الربيع، من أهل الفضل والفقه والزهد، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة (253 هـ)، وكانت ولادته سنة (178 هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (4 / 176، 187) ، ترجمة رقم (317) س.
(2)
في (ب) : أنبأنا.
(3)
هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي - مولاهم- أبو محمد، المصري، الفقيه، قال أحمد:"كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح"، كما وثقه ابن معين والعجلي والخليلي وغيرهم.
وقال ابن سعد: "وكان كثير العلم ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس"، توفي سنة (197 هـ) ، وكانت ولادته سنة (125 هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (6 / 71- 74) ، ترجمة رقم (140) ع؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 518) .
(4)
هو: عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي المصري الفقيه القاضي، واختلفوا في توثيقه وتضعيفه اختلافا كثيرا خلاصته: أن ابن لهيعة ثقة في أول أمره لكنه لا يضبط، وفي آخر أمره ساءت حاله خاصة بعد احتراق كتبه، وقد اختلط عقله في آخر عمره، ووثقوه في رواية ابن المبارك، وابن وهب عنه، توفي سنة (174 هـ) ، وكانت ولادته سنة (96 هـ) .
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 516) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 444) ، ترجمة رقم (574) عبد الله.
(5)
هو: يحيى بن أزهر المصري، مولى قريش، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب عن ابن بكير أنه قال: يحيى بن أزهر من أهل مصر، وأثنى عليه خيرا، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب (11 / 176) ، ترجمة رقم (301) .
(6)
هو: عمار بن سعد السلهمي المرادي، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:"ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: ثقة. توفي سنة (148 هـ) وكان فاضلا" تهذيب التهذيب (7 / 401، 402) ، ترجمة رقم (650) .
أبي صالح الغفاري (1) أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها، أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال:«إن حبي (2) النبي (3) صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة» (4) .
ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد (5) عن أبي صالح
(1) هو: سعيد بن عبد الرحمن الغفاري، أبو صالح، المصري، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:"ذكره ابن حبان في الثقات"، وقال العجلي:"مصري تابعي ثقة وروايته عن علي مرسلة". انظر: تهذيب التهذيب (4 / 58، 59) ، ترجمة رقم (100) س.
(2)
في المطبوعة: حبيبي. وكذا في أبي داود، ومعناهما واحد.
(3)
النبي: لا توجد في (أط) .
(4)
انظر: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، حديث رقم (490)، (1 / 329) . وقال الخطابي في معالم السنن في هامش هذا الحديث:"قلت: في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. . " الخ، وذكر توجيها للحديث لو ثبت.
انظر: هامش سنن أبي داود (1 / 329) .
لكن المؤلف هنا سيذكر بعد قليل سندا للحديث أصح من هذا السند مما يقوي الحديث، كما أخرج هذا الحديث البيهقي في سننه (2 / 451) ، باب من كره الصلاة في موضع الخسف وموضع العذاب.
(5)
هو: الحجاج بن شداد الصنعاني، يعد في المصريين، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:"روى له أبو داود حديثا واحدا في الصلاة ببابل. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات". وذكر عن ابن القطان قوله: "لا يعرف حاله".
انظر: تهذيب التهذيب (2 / 202) ، ترجمة رقم (373) ح.
الغفاري عن علي (1) بمعناه ولفظه: "فلما خرج منها" مكان "برز"(2) .
وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (3) بإسناد أوضح (4) من هذا عن علي رضي الله عنه (5) نحوا من هذا: أنه كره الصلاة بأرض بابل (6) أو أرض الخسف، أو نحو ذلك (7) .
وكره الإمام (8) أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي رضي الله عنه وقوله: نهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة. يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة.
(1) في (ب) : رضي الله عنه.
(2)
انظر: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا يجوز فيها الصلاة، حديث رقم (491) ، (1 / 330) ؛ والسنن الكبرى للبيهقي (2 / 451) .
(3)
هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن، ولد سنة (213 هـ) ، وكان رجلا صالحا صادق اللهجة، ثقة، وروى عن أبيه مسائل كثيرة، تولى القضاء في خلافة المكتفي، توفي سنة (290 هـ) .
انظر: طبقات الحنابلة (1 / 180 - 188) ، (ت 249) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 401) ، (ت 179) .
(4)
في المطبوعة: بإسناد أصح.
(5)
في (أط) : عليه السلام. ولعلها من وضع النساخ؛ لأنه ليس من عادة الشيخ أن يقولها.
(6)
بابل: مدينة قديمة كانت عاصمة للعراق قبل الإسلام، وهي تقع على الفراق قرب الحلة على مسافة (160 ك) . انظر: معجم البلدان لياقوت (1 / 309) . وانظر: المنجد في الأدب والعلوم (ص 56) .
(7)
ذكر البخاري تعليقا في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف (1 / 530) من فتح الباري. والمقصود بأرض الخسف: أرض بابل، وقالوا بأن الخسف ما ذكره تعالى في قوله: / 30 فأتى الله بنيانهم من القواعد / 30. . الآية.
انظر: فتح الباري (1 / 530) .
(8)
الإمام: ساقطة من (أب) .
والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب: دخل في ذلك الصلاة، وغيرها (1) .
ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108](2) فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109](3) وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان (4) وهذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة (5) ومسجد قباء (6) فكذلك نهي عن الصلاة في
(1) في المطبوعة: وغيرها من باب أولى. وهي زيادة عما في النسخ المخطوطة.
(2)
سورة التوبة: من الآية 108.
(3)
سورة التوبة: من الآية 109.
(4)
كتب السيرة تذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بإحراقه.
انظر: سيرة النبي لابن إسحاق؛ وتهذيب ابن هشام (4 / 956) ؛ والسيرة النبوية لابن كثير (4 / 40) .
(5)
أخرج البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم (1189) من فتح الباري (3 / 63) من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومسجد الأقصى"، وقال في الحديث الذي يليه رقم (1190) أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
(6)
أخرج الترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب الصلاة في مسجد قباء، الحديث رقم (324) ، (2 / 145، 146) أن أسيد بن ظهير الأنصاري حدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الصلاة في مسجد قباء كعمرة"، وقال الترمذي:"حديث أسيد حديث حسن غريب"، ورواه الحاكم في المستدرك (1 / 487)، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، إلا أن أبا الأبرد [أحد رواة الحديث] مجهول" أهـ، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يزور مسجد قباء كل يوم سبت ويصلي فيه ركعتين.
انظر: فتح الباري، الحديث رقم (1193، 1194) ، (3 / 69) ؛ وصحيح مسلم، الحديث رقم (1399) ، (2 / 1016، 1017) .
أماكن (1) العذاب.
فأما أماكن الكفر والمعاصي، التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان، أو الطاعة: فهذا حسن، كما «أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم» (2) .
«وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم» (3) .
(1) في (أ) : أمكنة.
(2)
أخرج أبو داود عن عثمان بن أبي العاص، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طواغيتهم" سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، حديث رقم (450) ، (1 / 311) .
كما أخرجه ابن ماجه أيضا في كتاب المساجد والجماعات، باب أين يجوز بناء المسجد، بلفظه إلا أنه قال:"حيث كان طاغيتهم"، حديث رقم (743) ، (1 / 245) .
(3)
جاء في حديث رواه النسائي من حديث طلق بن علي رضي الله عنه قال: "خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة وأمرنا فقال: " اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا. . " الحديث. إلى أن قال:"واتخذناها مسجدا فنادينا فيه بالأذان" الحديث.
انظر: سنن النسائي، كتاب المساجد، باب اتخاذ البيع مساجد (2 / 38، 39)، قال صاحب الفتح الرباني: وسنده جيد.
وكان (1) مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة، (2) فجعله صلى الله عليه وسلم مسجدا بعد نبش القبور (3) .
فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها (4) .
فإنه إذا قيل: هذا العمل (5) الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرما، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، (6) فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم ونحن لا نقصد التشبه بهم، بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال المسلمين السابقين، إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر، أو معصية (7) وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية (8) وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية
(1) في المطبوعة: وكان موضع مسجده.
(2)
زاد في المطبوعة: للمشركين.
(3)
ورد في الصحيحين وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما وصل المدينة مهاجرا، وأمر ببناء المسجد كان فيه قبور المشركين، فأمر بها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنبشت.
انظر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ ، حديث رقم (428) من فتح الباري (1 / 524) .
وانظر: صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (524) ، 1 / 373.
(4)
في المطبوعة زاد: واستحقوا بها العذاب.
(5)
العمل: سقطت من (ج د) .
(6)
من هنا (فيه) إلى قوله: (ونحن لا نقصد التشبه بهم) سقطت من (ج د) .
(7)
في المطبوعة: أو شعار معصية. بزيادة: شعار.
(8)
في المطبوعة: المعصية.