الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتحقيق: أن سائر (1) سكان البوادي لهم (2) حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة، مثلا.
ويقتضي: أن ما انفرد به (3) البادية عن جميع جنس الحاضرة - أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين - فهو ناقص عن فضل الحاضرة، أو مكروه.
فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما مكروها، أو مفضيا إلى مكروه (4) وهكذا العرب (5) والعجم.
[التفاضل بين جنس العرب وجنس العجم]
فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم (6) وسريانيهم (7) روميهم وفرسيهم (8) وغيرهم.
(1) سائر: سقطت من المطبوعة.
(2)
في (ج) : لم. وليس لها معنى.
(3)
في المطبوعة: أهل البادية.
(4)
في (ج د) والمطبوعة: المكروه.
(5)
في المطبوعة: تغيير في العبارة: (وعلى هذا القول في) ، بدل (وهكذا) .
(6)
العبرانيون: اسم يطلق على بني إسرائيل، والعبرانية لغتهم، ويقال لمن تكلم العبرانية: عبراني. انظر: القاموس المحيط، باب الراء، فصل العين (2 / 86) ؛ ومعجم البلدان لياقوت (4 / 78) .
(7)
السريان، هم: المسيحيون من أبناء اللغة السريانية، والسريانية: لغة من اللغات المتفرعة عن الآرامية، التي هي من اللغات السامية؛ كالعربية والعبرانية.
انظر: المنجد في الآداب والعلوم، حرف الألف (الآرامية)(ص 12) ، وحرف السين (السريان)(ص 253) ، وكان بعض اليهود في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتكلمون السريانية.
(8)
في (ط) والمطبوعة: رومهم وفرسهم.
وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم. فهو: أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت (1) لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أفضل نفسا ونسبا، وإلا لزم الدور.
ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل (2) الكرماني، صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسنة التي قال فيها:" هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها - فهو مبتدع خارج (3) من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد (4) وعبد الله بن الزبير الحميدي (5) وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية "، وساق كلاما طويلا. . . . إلى أن قال: " ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (6) ولا
(1) في المطبوعة: ثبت.
(2)
في المطبوعة: ابن خلف.
(3)
في المطبوعة و (ب) : عن الجماعة.
(4)
هو: إسحاق بن راهويه. انظر: فهرس الأعلام.
(5)
هو الإمام: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم:"كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي، لا يعدوه إلى غيره" من الطبقة العاشرة. مات سنة (219 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (1 / 415) ، (ت 305) ع.
(6)
أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال الحاكم:"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي في التلخيص، فقال عن بعض رجال الحديث:"الهيثم متروك، ومعقل ضعيف"، المستدرك مع التلخيص (4 / 87) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال:"حديث ضعيف"، الجامع الصغير (1 / 567)، رقم (3664) . وانظر: المقاصد الحسنة (ص 23) ، الحديث رقم (31) .
نقول بقول الشعوبية (1) وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف ".
ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه (2) في رسالة أحمد بن سعيد الإصطخري (3) عنه - إن صحت - وهو قوله، وقول عامة أهل العلم.
وذهبت فرقة من الناس إلى (4) أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم. وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب، التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل: للعرب، والشعوب: للعجم.
ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.
والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الاعتقاد،
(1) الشعوبية: جمع شعوبي- بالضم - وهو: من يحتقر أمر العرب، وينكر فضلهم، وسموا: شعوبية؛ لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى غير العرب.
انظر: القاموس المحيط، فصل الشين، باب الراء (1 / 90) .
(2)
تجد هذه الرسالة مطولة في كتاب طبقات الحنابلة (1 / 24- 36) في ترجمة أحمد بن جعفر الإصطخري بروايته عن الإمام أحمد.
(3)
المصادر التي اطلعت عليها تسميه: أحمد بن جعفر الإصطخري، وهو: أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبو العباس الفارسي الإصطخري، روى عن الإمام أحمد هذه الرسالة التي أشار إليها المؤلف هنا.
انظر: طبقات الحنابلة (1 / 24) ، (ت 9) ؛ ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 125) ، تحقيق عبد الله التركي.
(4)
إلى: ساقطة من (ط) .
وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك، ولهذا جاء في الحديث:«حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (1) مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى (2) للنفس، ونصيب للشيطان من الطرفين، وهذا محرم في جميع المسائل.
فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمرهم (3) بإصلاح ذات البين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (4) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله» (5) وهذان حديثان صحيحان.
وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحصى.
والدليل على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم: ما رواه الترمذي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد (6) عن يزيد بن
(1) مر تخريج الحديث قبل قليل.
(2)
في (أط) : النفس.
(3)
في (أط) : بصلاح.
(4)
انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم (6011) من فتح الباري، (10 / 438) ؛ وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم (2586) ، (4 / 1999 - 2000) .
(5)
انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، حديث رقم (6065) فتح الباري، (10 / 481) ؛ وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم (2563) ، باب تحريم الظن والتجسس. . إلخ، (4 / 1985- 1986) .
(6)
هو: إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، مولاهم، البجلي، قال ابن حجر في التقريب:"ثقة، ثبت، من الرابعة". أخرج له الستة، ومات سنة (146 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (1 / 68) ، (ت 503) أ.
أبي زياد (1) عن عبد الله بن الحارث (2) عن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه قال، قلت «يا رسول الله، إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة (3) من الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم خير البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا» (4) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل " (5) .
الكبى بالكسر والقصر، والكبة: الكناسة (6) . وفي الحديث: " الكبوة " وهي مثل: الكبة (7) .
(1) هو: يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي، مولاهم، الكوفي، أبو عبد الله، شيعي، ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم والدارقطني وأبو زرعة وغيرهم، توفي سنة (137 هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (11 / 329- 331) ، (ت 630) ي.
(2)
هو: عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، القرشي، من كبار التابعين وفقهائهم، ولد في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر ابن سعد في طبقاته أنه تفل في فيه، وولاه أهل البصرة عليهم أيام ابن الزبير، ثم خرج إلى عمان ومات بها سنة (84 هـ)، انظر: تهذيب التهذيب (5 / 180- 181) ، (ت 310) ع؛ وطبقات ابن سعد (5 / 24- 27) .
(3)
انظر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (3607) ، (5 / 584) .
(4)
نفس المصدر السابق.
(5)
سنن الترمذي (5 / 584) .
(6)
في المطبوعة زاد: والتراب الذي يكنس من البيت. وأظنه تفسيرا من أحد الكتاب أو النساخ.
(7)
انظر: القاموس المحيط، فصل الكاف، باب الراء (4 / 384) .
والمعنى: أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك (1) فأخبر صلى الله عليه وسلم: أنه خير الناس نفسا ونسبا.
وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري (2) عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة (3) قال:«جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه سمع شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) . قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب "، ثم قال: " إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (5) قال الترمذي: " هذا (6) حديث حسن "(7) كذا وجدته في الكتاب، وصوابه:«فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (8) .
وقد روى أحمد هذا الحديث في المسند، من حديث الثوري، عن
(1) في (ب ج د) : بزاك.
(2)
هو: سفيان كما أشرت سابقا.
(3)
هو: المطلب بن أبي وداعة، الحارث بن صبيرة بن سعيد السهمي، أبو عبد الله، صحابي جليل، أسلم يوم الفتح، ونزل المدينة وتوفي بها. انظر: تقريب التهذيب (2 / 254) ، (ت 1178) م؛ والإصابة (3 / 425) ، (ت 8028) م.
(4)
وسلم: ساقطة من (أط) .
(5)
سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (3608) ، (5 / 584) بلفظ مقارب، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن".
(6)
هذا: ساقطة من (ط) .
(7)
سنن الترمذي (5 / 584) .
(8)
وكذا في نسخة الترمذي التي بين يدي أيضا، تحقيق إبراهيم عطوه، وما أشار المؤلف بأنه الصواب، إنما هو في الحديث السابق في الترمذي، رقم (3607) ، (3 / 584) .
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس رضي الله عنه: «بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقهم (1) وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» (2) .
أخبر صلى الله عليه وسلم: أنه ما انقسم الخلق فريقين (3) إلا كان هو في خير الفريقين، وكذلك جاء حديث بهذا اللفظ.
وقوله في الحديث: «خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم خيرهم فرقتين فجعلني في خير فرقة» يحتمل شيئين:
أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ كان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح (4) .
ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم. ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.
(1) في (ط) : في خير خلقه.
(2)
مسند الإمام أحمد (1 / 210) في مسند العباس بن عبد المطلب، وله شاهد عند الحاكم في مستدركه عن طريق عبد الله بن عمر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
انظر: مستدرك الحاكم (4 / 86) .
(3)
في (ب) : فرقتين.
(4)
للمؤلف بحث مستفيض ومفصل في مسألة "التفضيل بين الملائكة والناس" وخلاصته: أن حقيقة الملائكة أفضل من حقيقة الإنسان، وأن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة. انظر: مجموع الفتاوى (4 / 350- 392) .
ويحتمل أنه أراد بالخلق (1) بني آدم، فكان في خيرهم، أي في ولد إبراهيم (2) أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو بني عدنان.
ثم جعل بني إسماعيل - أو بني عدنان - قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة: وهم قريش.
وعلى كل تقدير، فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم (3) .
وقد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم، ثم لقريش، ثم للعرب.
فروى الترمذي من حديث أبي عوانة (4) عن يزيد بن أبي زياد - أيضا - (5) عن عبد الله بن الحارث، حدثني (6) المطلب بن أبي (7) ربيعة (8) بن الحارث بن عبد المطلب: «أن العباس بن عبد المطلب، دخل على
(1) في (أ) : أنه أراد الخلق بني آدم.
(2)
في (ب) : عليه السلام.
(3)
قد فصل المؤلف القول في تفضيل العرب في مجموع الفتاوى (15 / 331، 332) ، و (19 / 30) ، و (27 / 472) ، وفي جامع الرسائل، المجموعة الأولى، تحقيق محمد رشاد سالم، (ص 286) .
(4)
مرت ترجمته، وكذلك يزيد. انظر: فهرس الأعلام.
(5)
أيضا: سقطت من (ب) .
(6)
في (ب ط) : عبد المطلب، وله وجه من الصحة، فقد ورد أن اسمه المطلب، وأنه عبد المطلب كما سيأتي.
(7)
في (ط) : ابن ربيعة، حيث أسقط (أبي) .
(8)
هو المطلب، وقيل: عبد المطلب، ولعل الأول أرجح، ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، صحابي، قيل: كان غلاما على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: بل كان رجلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سكن المدينة ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر ونزل دمشق، وتوفي بها سنة (61 هـ)، وصلى عليه معاوية. انظر: الإصابة (2 / 430) ، (ت 5254) ع؛ والتقريب (1 / 517) ، (ت 1291) ، وأسد الغابة (3 / 331- 332) ، و (4 / 373، 374) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، وأنا عنده، فقال:" ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش: إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، ثم قال:" والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان، حتى يحبكم لله ولرسوله - ثم قال -: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو (1) أبيه» (2) قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (3) .
ورواه أحمد في المسند مثل هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد (4) .
هذا ورواه أيضا من حديث جرير (5) عن يزيد بن أبي زياد، عن
(1) الصنو: يطلق على الأخ الشقيق وعلى ابن العم، والمقصود هنا: شقيقه. انظر: القاموس المحيط، فصل الصاد، باب الواو (4 / 354) .
(2)
سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب العباس بن عبد المطلب، حديث رقم (3758) ، (5 / 652) .
(3)
نفس المصدر السابق.
(4)
مسند أحمد (1 / 207) .
(5)
هو: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، قال في التقريب:"ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه"، توفي سنة (188 هـ) ، وكان عمره (71) سنة، روى له أصحاب الكتب الستة وغيرهم.
انظر: تقريب التهذيب (1 / 127) ، (ت 56) ج؛ وخلاصة التذهيب (ص 61) .
عبد الله بن الحارث، عن (1) عبد المطلب بن ربيعة قال:«دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودر عرق بين عينيه، ثم قال: " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» (2) .
فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث، هذان الحديثان:
أحدهما: في فضل القبيل الذي منه النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: في محبتهم، وكلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد.
وما فيه من كون عبد الله بن الحارث يروي الأول: تارة عن العباس، وتارة عن المطلب بن أبي وداعة، والثاني عن عبد المطلب بن ربيعة، وهو ابن الحارث بن عبد المطلب، وهو من الصحابة، قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد، وليس هذا موضع الكلام فيه، فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه.
ومثله أيضا في المسألة: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي، من حديث الأوزاعي، عن شداد بن أبي (3) عمار (4) عن
(1) في المطبوعة: ابن، وهو خطأ فعبد الله بن الحارث ليس ابنا لعبد المطلب، وإنما روى عنه.
(2)
مسند الإمام أحمد (1 / 207، 208) ، وإسناده حسن لأن يزيد بن أبي زياد مختلف فيه، والله أعلم.
(3)
في المطبوعة: ابن، وفي (ط) : بن أبي عمار.
(4)
هو: شداد بن عبد الله القرشي، أبو عمار، الدمشقي، مولى معاوية بن أبي سفيان، وثقه العجلي وأبو حاتم والدارقطني، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وذكر ابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم وغيره، وهو من الطبقة الرابعة.
انظر: تهذيب التهذيب (4 / 317) ، (ت 543) ش؛ وتقريب التهذيب (1 / 347) ، (ت 30) ش.
واثلة (1) بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (2) هكذا رواه الوليد (3) وأبو (4) المغيرة (5) عن الأوزاعي (6) .
ورواه أحمد والترمذي، من حديث محمد بن مصعب (7) عن الأوزاعي (8) ولفظه:«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم: إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل: بني كنانة» . . (9) الحديث، قال الترمذي: " هذا حديث حسن
(1) في (أ) قال: وابلة. والصحيح: واثلة.
(2)
قوله: "واصطفاني من بني هاشم": سقطت من (ج د) .
(3)
صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (2276) ، (4 / 1782) .
(4)
هو: الوليد بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو العباس الدمشقي، قال في التقريب:"ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية"، من الطبقة الثامنة، روى له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة (195 هـ) . انظر: تقريب التهذيب (2 / 336) ، (ت 89) و.
(5)
في (ب) : الوليد أبو المغيرة، وهو خلط من الناسخ، والصحيح ما أثبته. انظر: الترمذي (5 / 583) ؛ والمسند (4 / 107) .
(6)
هو الإمام: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، يحمد، الشامي، الأوزاعي، أبو عمرو، المحدث الحافظ الفقيه، ولد سنة (88 هـ) ، قال ابن سعد "وكان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيرا، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة"، سكن بيروت ومات بها سنة (157 هـ) . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 488) ؛ وتهذيب التهذيب (6 / 238- 242) ، (ت 484) .
(7)
هو: محمد بن مصعب بن صدقة القرقسائي، قال ابن حجر في التقريب:"صدوق، كثير الغلط"، توفي سنة (208 هـ) . انظر: تقريب التهذيب (2 / 208) ، (ت 709) م.
(8)
عن الأوزاعي: سقطت من (أ) .
(9)
انظر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (3605) ، (5 / 583) ؛ ومسند أحمد (4 / 107) في مسند واثلة بن الأسقع.
صحيح " (1) .
وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم؛ لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل على هؤلاء، فعلى غيرهم بطريق الأولى، وهذا جيد، إلا أن يقال: الحديث يقتضي: أن (2) إسماعيل هو المصطفى من ولد إبراهيم، وأن بني كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل، وليس فيه ما يقتضي أن ولد إسماعيل أيضا مصطفون على غيرهم، إذا كان أبوهم مصطفى، وبعضهم مصطفى على بعض.
فيقال: لو لم يكن هذا مقصودا في الحديث؛ لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة إذا كان اصطفاؤه (3) لم يدل على اصطفاء (4) ذريته، إذ يكون على هذا التقدير (5) لا فرق بين ذكر إسماعيل وذكر إسحاق.
ثم هذا - منضما إلى بقية الأحاديث - دليل على أن المعنى في جميعها واحد.
واعلم أن الأحاديث في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة، وليس هذا موضعها، وهي تدل أيضا على ذلك، إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس، وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه (6) .
(1) كلمة حسن من النسخة (ج) فقط، حيث سقطت في بقية النسخ. وفي الترمذي كما أثبته من (ج) :(حديث حسن صحيح) . انظر: سنن الترمذي (5 / 583) .
(2)
من هنا: (أن)، إلى قوله:(أيضا مصطفون) ، مكرر في (أ) ، سطر ونصف تقريبا.
(3)
اصطفاؤه: سقطت من المطبوعة.
(4)
في المطبوعة: اصطفائه.
(5)
في (أ) : هذا على التقدير.
(6)
انظر: الصفحات التالية حتى (ص 461) .