الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ]
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ قَالَ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْتَدَّ، قِيلَ لَهُ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ هُوَ بَسْطُ الْوَجْهِ وَأَنْ لَا تَغْضَبَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ فَقَالَ هُوَ أَنْ يَحْتَمِلَ مِنْ النَّاسِ مَا يَكُونُ إلَيْهِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ فِي تَفْسِيرِ حُسْنِ الْخُلُقِ فَأَنْشَدَ هَذَا الْبَيْتَ.
تَرَاهُ إذَا مَا جِئْته مُتَهَلِّلَا
…
كَأَنَّك مُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ الْفُضَيْلِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ سَاءَ دِينُهُ، وَحَسْبُهُ مَوَدَّتُهُ.
وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ وَوَقَعَ فِي شَيْءٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ أُعِينُ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ قَالَ لَا بَلْ اشْفَعْ فِيهِ إنْ قَدَرْت قُلْت سَرَقَنِي فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ أَدُسُّ إلَيْهِ مَنْ يُوقِفُهُ عَلَى السَّرِقَةِ قَالَ إنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ فَقَدَرْت أَنْ تَشْفَعَ لَهُ فَاشْفَعْ لَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» .
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي الْأَدَبِ لَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْبِشْرِ» وَفِي حُسْنِ الْخُلُقِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» .
وَفِي بَعْضِ طُرُقٍ لِلْبُخَارِيِّ «إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا»
بِإِسْقَاطِ مِنْ وَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو الْجُمَاهِرِ ثَنَا أَبُو كَعْبٍ أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» أَيُّوبُ تَفَرَّدَ عَنْهُ أَبُو الْجُمَاهِرِ لَكِنَّهُ ثِقَةٌ. وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» سَلَمَةُ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَحْسَنْت خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي» وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.
وَقَالَ فِيهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا نَظَرَ إلَى وَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ ذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدْعِيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَفِي آخِرِهِ «وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْقُرَظِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . أَيْ وَخُلُقَكَ فَحَسِّنْ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَالشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ يُقَالُ تَشَاءَمْت بِالشَّيْءِ وَتَيَمَّنْت بِهِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنْ النَّاسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ الْبَرَاءُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
قِيلَ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ أَدَبُ الْقُرْآنِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الطَّبْعُ الْكَرِيمُ فَسُمِّيَ خُلُقًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْخِلْقَةِ فِي صَاحِبِهِ. فَأَمَّا مَا طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمَّى الْخِيمَ فَيَكُونُ الْخِيمُ الطَّبْعُ الْغَرِيزِيُّ وَالْخُلُقُ الطَّبْعُ الْمُتَكَلَّفُ. انْتَهَى كَلَامُهُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْخُلْقُ وَالْخُلُقُ السَّجِيَّةُ وَفُلَانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ أَيْ يَتَكَلَّفُهُ قَالَ الشَّاعِرُ
يَا أَيُّهَا الْمُتَحَلِّي غَيْرَ شِيمَتِهِ
…
إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ
قَالَ وَالْخِيمُ بِالْكَسْرِ السَّجِيَّةُ وَالطَّبِيعَةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ فَدَلَّ عَلَى التَّرَادُفِ خِلَافَ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا الدِّينُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا وَلَهَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَلِهَذَا تَكَرَّرَتْ الْأَحَادِيثُ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَذَمِّ سُوءِ الْخُلُقِ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ» . أَيْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِآدَابِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَكَارِمِ وَالْمَحَاسِنِ وَالْأَلْطَافِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «فِي قِصَّةِ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمَّا لَحِقَهُمْ وَقَدْ عَطِشُوا فَقَالَ لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ بِضَمِّ الْهَاءِ الْهَلَاكُ ثُمَّ قَالَ أَطْلِقُوا إلَيَّ غُمَرِي بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ الْقَدَحُ الصَّغِيرُ وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى قَالَ فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -
يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي اشْرَبْ فَقُلْت لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا قَالَ فَشَرِبْت وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمَلَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ مَنْصُوبٌ مَفْعُولُ أَحْسِنُوا وَالْمَلَأُ الْخُلُقُ وَالْعِشْرَةُ يُقَالُ مَا أَحْسَنَ مَلَأَ فُلَانٍ أَيْ خُلُقَهُ وَعِشْرَتَهُ وَمَا أَحْسَنَ مَلَأَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ عِشْرَتَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ. كَانَ يُقَالُ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ قَلَّ صَدِيقُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ
وَمَا اكْتَسَبَ الْمَحَامِدَ طَالِبُوهَا
…
بِمِثْلِ الْبِشْرِ وَالْوَجْهِ الطَّلِيقِ
وَقَالَ آخَرُ:
خَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ
…
لَا تَكُنْ كَلْبًا عَلَى النَّاسِ تَهِرُّ
وَقَالَ آخَرُ
وَمَا حَسَنٌ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ
…
وَلَكِنَّ أَخْلَاقًا تُذَمُّ وَتُمْدَحُ.
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. «إنَّ الرَّجُلَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» . كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَالْمُطَّلِبُ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَمْ يُدْرِكْهَا، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ قَالَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ قَالَ الْفَمُ وَالْفَرْجُ» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَتَزَوَّجُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ ثُمَّ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ زَوْجُهَا قَالَ إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا
ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فِي إسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ عَنْ مُعَاذٍ وَأَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» سَنَدُهُ جَيِّدٌ إلَى مَيْمُونٍ وَمَيْمُونٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونٍ عَنْ مُعَاذٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْقٍ» رُوِيَ بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَبِزِيَادَةِ يَاءِ طَلِيقٍ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:«أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» . وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ فَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ قَالُوا مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ خُلُقٌ حَسَنٌ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ» .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَحَكَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ كَثْرَةِ حَيَائِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا قَالَ حَكَى الطَّبَرِيُّ خِلَافًا لِلسَّلَفِ هَلْ هُوَ غَرِيزَةٌ أَمْ مُكْتَسَبٌ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ فَيَكُونُ هَذَا وَهَذَا كَمَا قِيلَ: إنَّ الْعَقْلَ غَرِيزَةٌ، وَمِنْهُ مَا يُسْتَفَادُ بِالتَّجَارِبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «إذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ زَالَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَصِيرُ إلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ» مُنْقَطِعٌ وَهُوَ ثَابِتٌ إلَى الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى هَذَا الْمَعْنَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي الْأَدَبِ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تُغَيِّرُوا خُلُقَهُ.
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ أَيْضًا عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: لِيَكُنْ وَجْهُك بَسْطًا وَكَلِمَتُك طَيِّبَةً تَكُنْ أَحَبَّ إلَى النَّاسِ مِنْ الَّذِي يُعْطِيهِمْ الْعَطَاءَ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ سَاءَ خُلُقُ خَادِمِهِ وَكَانَ بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُنَازَعَةٌ فَلَمَّا وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ تَرَكَ الْمُنَازَعَةَ وَقَالَ لَا أَنْتَصِرُ لِنَفْسِي وَأَنَا وَالٍ عَلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ هَذِهِ وَاَللَّهِ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرِيمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» السَّفْسَافُ الْأَمْرُ الْحَقِيرُ، وَالرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضِدُّ الْمَعَالِي وَالْمَكَارِمِ وَقَدْ قِيلَ:
إذَا أَنْتَ جَازَيْت الْمُسِيءَ بِفِعْلِهِ
…
فَفِعْلُك مِنْ فِعْلِ الْمُسِيءِ قَرِيبُ
وَقِيلَ أَيْضًا:
وَإِذَا أَرَدْت مَنَازِلَ الْأَشْرَافِ
…
فَعَلَيْك بِالْإِسْعَافِ وَالْإِنْصَافِ
وَإِذَا بَغَى بَاغٍ عَلَيْك فَخَلِّهِ
…
وَالدَّهْرَ فَهْوَ لَهُ مُكَافٍ كَافِ
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَوْشَنٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ عُيَيْنَةَ وَوَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا، وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمَا عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ نَوْعَيْ الِاسْتِطَالَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَطِيلَ إنْ اسْتَطَالَ بِحَقٍّ فَهُوَ الْمُفْتَخِرُ، وَإِنْ اسْتَطَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ الْبَاغِي.
فَلَا يَحِلُّ
لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» وَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ اللِّبَاسِ أَوَاخِرَ الْكِتَابِ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ عليه السلام وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ يَا عَجَبًا مِنْ الْمُخْتَالِ الْفَخُورِ الَّذِي خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ جِيفَةً لَا يَدْرِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُفْعَلُ بِهِ وَقِيلَ لِعِيسَى عليه السلام طُوبَى لِبَطْنٍ حَمَلَك، فَقَالَ طُوبَى لِمَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ كِتَابَهُ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ كَيْفَ يَتِيهُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ.
وَقَالَ مَنْصُورُ:
تَتِيهُ وَجِسْمُك مِنْ نُطْفَةٍ
…
وَأَنْتَ وِعَاءٌ لِمَا تَعْلَمُ
وَكَانَ يَقُولُ لَوْلَا ثَلَاثٌ سَلِمَ النَّاسُ، شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْعُجْبِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اُبْتُلِيَ مُؤْمِنٌ بِذَنْبٍ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَنْ أَمِنَ الْآفَاتِ عَجَبًا بِرَأْيِهِ
…
أَحَاطَتْ بِهِ الْآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا حَسَبَ إلَّا فِي التَّوَاضُعِ، وَلَا نَسَبَ إلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا عَمَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا عِبَادَةَ إلَّا بِالْيَقِينِ» وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلْيَطْلُبْ بِالتَّوَاضُعِ شُكْرَهَا» وَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَكُورًا حَتَّى يَكُونَ مُتَوَاضِعًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إنَّ مِنْ التَّوَاضُعِ الرِّضَا بِالدُّونِ مِنْ شَرَفِ الْمَجْلِسِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَقِيت وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ التَّعَزُّزُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ تَوَاضُعٌ. كَانَ يُقَالُ الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَالْكَرَمُ فِي التَّقْوَى، وَالشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عليهما السلام يَجِيءُ إلَى أَوْضَعِ مَجَالِسِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَيَقُولُ مِسْكِينٌ بَيْنَ ظَهْرَانِي مَسَاكِينَ وَكَانَ يُقَالُ ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الرَّاحَةُ، وَثَمَرَةُ التَّوَاضُعِ الْمَحَبَّةُ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ
تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ الْحَقَّ وَيَفْعَلُهُ بِأَفْضَلَ مِنْ الَّذِي يَسْمَعُهُ فَيَقْبَلُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ إذَا نَسُكَ الشَّرِيفُ تَوَاضَعَ، وَإِذَا نَسُكَ الْوَضِيعُ تَكَبَّرَ وَقَالَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ أَظْلَمُ النَّاسِ لِنَفْسِهِ مَنْ تَوَاضَعَ لِمَنْ لَا يُكْرِمُهُ، وَرَغِبَ فِيمَنْ يُبْعِدُهُ.
وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرْ: وَجَدْنَا التَّوَاضُعَ مَعَ الْجَهْلِ وَالْبُخْلِ أَحْمَدَ مِنْ الْكِبْرِ مَعَ الْأَدَبِ وَالسَّخَاءِ وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ لِلرَّشِيدِ تَوَاضُعُك فِي شَرَفِك أَشْرَفُ مِنْ شَرَفِك.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُعْجِبَنَّكُمْ إيمَانُ الرَّجُلِ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا عُقْدَةُ عَقْلِهِ» وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَتِهِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي صُحُفِ مُوسَى وَحِكْمَةِ دَاوُد حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ، سَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَقْضِي فِيهَا إلَى إخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيُصَدِّقُونَ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَلَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ لَهُ قَالَ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مَالِكًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى أَتَدْرِي لِمَ رَزَقْت الْأَحْمَقَ قَالَ: لَا قَالَ: لِيَعْلَمَ الْعَاقِلُ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِاحْتِيَالٍ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يُدَارِي بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنْ الْمَحَارِمِ» .
افْتَخَرَ رَجُلَانِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَقَالَ: أَتَفْتَخِرَانِ بِأَجْسَادٍ بَالِيَةٍ، وَأَرْوَاحٍ فِي النَّارِ؟ إنْ يَكُنْ لَكُمَا عَمَلٌ فَلَكُمَا أَصْلٌ، وَإِنْ يَكُنْ لَكُمَا خُلُقٌ فَلَكُمَا شَرَفٌ، وَإِنْ يَكُنْ لَكُمَا تَقْوَى فَلَكُمَا كَرَمٌ وَإِلَّا فَالْحِمَارُ خَيْرٌ مِنْكُمَا وَلَسْتُمَا خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ. وَقَالَ أَيْضًا رضي الله عنه: الْعَاقِلُ الَّذِي لَمْ يَحْرِمْهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدُّنْيَا حَظَّهُ مِنْ الْآخِرَةِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ: لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنْ
الْعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنْ الْجَهْلِ، وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنْ الْعُجْبِ، وَلَا مُظَاهَرَةَ كَالْمُشَاوَرَةِ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَكَانَ يُقَالُ إذَا كَانَ عِلْمُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ عَقْلِهِ كَانَ قَمِنًا أَنْ يَضُرَّهُ عِلْمُهُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا خَيْرَ فِي حُسْنِ الْجُسُومِ وَطُولِهَا
…
إذَا لَمْ يَزِنْ حُسْنَ الْجُسُومِ عُقُولُ
وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ عُقُولُ كُلِّ قَوْمٍ عَلَى قَدْرِ زَمَانِهِمْ، كَانَ يُقَالُ خِصَالٌ سِتٌّ تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِ: الْغَضَبُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، وَالْعَطِيَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ، وَالثِّقَةُ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يَعْرِفُ صَدِيقَهُ مِنْ عَدُوِّهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى عُقُولِ أَرْبَابِهَا الْكِتَابُ عَلَى مِقْدَارِ كَاتِبِهِ، وَالرَّسُولُ عَلَى مِقْدَارِ عَقْلِ مُرْسِلِهِ، وَالْهَدِيَّةُ عَلَى مِقْدَارِ عَقْلِ مُهْدِيهَا.
وَقِيلَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ مَا حَدُّ الْحُمْقِ قَالَ لَا حَدَّ لَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُمْقُ الْكَسَادُ، يُقَالُ انْحَمَقَتْ السُّوقُ إذَا كَسَدَتْ، وَمِنْهُ الرَّجُلُ الْأَحْمَقُ لِأَنَّهُ كَاسِدُ الْعَقْلِ لَا يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ، وَالْحُمْقُ أَيْضًا الْغُرُورُ، يُقَالُ سِرْنَا فِي لَيَالٍ مُحْمِقَاتٍ: إذَا كَانَ الْقَمَرُ فِيهِنَّ يَسِيرُ بِغَيْمٍ أَبْيَضَ دَقِيقٍ فَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِذَلِكَ يَظُنُّونَ أَنْ قَدْ أَصْبَحُوا فَيَسِيرُونَ حَتَّى يَمَلُّوا قَالَ: وَمِنْهُ أُخِذَ الِاسْمُ الْأَحْمَقُ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّك فِي أَوَّلِ مَجْلِسِهِ بِتَغَافُلِهِ فَإِذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ كَلَامِهِ تَبَيَّنَ حُمْقُهُ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ الْحُمْقُ وَالْحُمُقُ قِلَّةُ الْعَقْلِ، وَقَدْ حَمُقَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ حَمَاقَةً فَهُوَ أَحْمَقُ وَحَمِقَ أَيْضًا بِالْكَسْرِ يَحْمَقُ حُمْقًا مِثْلُ غَنِمَ غُنْمًا فَهُوَ حَمِقٌ وَامْرَأَةٌ حَمْقَاءُ وَقَوْمٌ وَنِسْوَةٌ حُمْقٌ وَحَمْقَى وَحَمَاقَى، وَحَمُقَتْ السُّوقُ بِالضَّمِّ أَيْ كَسَدَتْ، أَحْمَقَتْ الْمَرْأَةُ أَيْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَحْمَقَ فَهِيَ مَحْمُوقٌ وَمُحْمِقَةٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَلِدَ الْحَمْقَى فَهِيَ مِحْمَاقٌ، وَيُقَالُ أَحْمَقْت الرَّجُلَ إذَا وَجَدْته أَحْمَقَ، وَحَمَّقْتُهُ تَحْمِيقًا نَسَبْته إلَى الْحُمْقِ، وَحَامَقْتُهُ إذَا سَاعَدْته عَلَى حُمْقِهِ، وَاسْتَحْمَقْته أَيْ عَدَدْته أَحْمَقَ، وَتَحَامَقَ فُلَانٌ إذَا تَكَلَّفَ الْحَمَاقَةَ، وَيُقَالُ حَمِقَتْ السُّوقُ بِالْكَسْرِ وَانْحَمَقَتْ أَيْ
كَسَدَتْ، وَانْحَمَقَ الثَّوْبُ أَيْ أَخْلَقَ.
ذَكَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَوْمًا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَانَ وَاَللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ وَأَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ وَقَالَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: الْعَاقِلُ مَنْ يَعْرِفُ عَيْبَ نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَمَا عَيْبُك قَالَ أَنَا حَسُودٌ حَقُودٌ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا فِي إبْلِيسَ شَرٌّ مِنْ هَاتَيْنِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ صِلَةُ الْعَاقِلِ إقَامَةُ دِينِ اللَّهِ، وَهِجْرَانُ الْأَحْمَقِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ، وَإِكْرَامُ الْمُؤْمِنِ خِدْمَةٌ لِلَّهِ وَتَوَاضُعٌ لَهُ، كَانَ يُقَالُ: إذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إنَّمَا الْإِنْسَانُ غِمْدٌ لِعَقْلِهِ
…
وَلَا خَيْرَ فِي غِمْدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ نَصْلُ
فَإِنْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَقْلٌ فَإِنَّهُ
…
هُوَ النَّصْلُ وَالْإِنْسَانُ مِنْ بَعْدِهِ فَضْلُ
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَيْسَ عِتَابُ الْمَرْءِ لِلْمَرْءِ نَافِعًا
…
إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَقْلٌ يُعَاتِبُهْ
وَقَالَ آخَرُ:
تَحَامَقْ مَعَ الْحَمْقَى إذَا مَا لَقِيتهمْ
…
وَلَا تَلْقَهُمْ بِالْعَقْلِ إذَا كُنْت ذَا عَقْلِ
فَإِنِّي رَأَيْت الْمَرْءَ يَشْقَى بِعَقْلِهِ
…
كَمَا كَانَ دُونَ الْيَوْمِ يَسْعَدُ بِالْعَقْلِ
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إذَا أُخْبِرَ عَنْ أَحَدٍ بِصَلَاحٍ قَالَ كَيْفَ عَقْلُهُ؟ مَا يَتِمُّ دِينُ امْرِئٍ حَتَّى يَتِمَّ عَقْلُهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قِيلَ لِعِيسَى يَا رُوحَ اللَّهِ أَنْتَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ فَمَا دَوَاءُ الْأَحْمَقِ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَعْيَانِي.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَأَنْ يَضْرِبَك الْحَلِيمُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُدَاهِنَكَ الْأَحْمَقُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَصْلَتَانِ لَا تَعْدِمُك مِنْ الْأَحْمَقِ، أَوْ قَالَ مِنْ الْجَاهِلِ: كَثْرَةُ الِالْتِفَاتِ وَسُرْعَةُ الْجَوَابِ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ هَارُونَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمَجَانِينِ وَإِنْ كَانُوا عُقَلَاءَ الْغَضْبَانُ، وَالْعُرْيَانُ، وَالسَّكْرَانُ.
سَمِعَ الْأَحْنَفُ رَجُلًا يَقُولُ
مَا أُبَالِي أَمُدِحْت أَمْ هُجِيت، فَقَالَ اسْتَرَحْت مِنْ حَيْثُ تَعِبَ الْكِرَامُ.
وَقَالَتْ الْعَرَبُ: اسْتَرَاحَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ.
وَقَالَتْ الْفُرْسُ: مَاتَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ قَالَ الشَّاعِرُ:
كَمْ كَافِرٍ بِاَللَّهِ أَمْوَالُهُ
…
تَزْدَادُ أَضْعَافًا عَلَى كُفْرِهِ
وَمُؤْمِنٍ لَيْسَ لَهُ دِرْهَمٌ
…
يَزْدَادُ إيمَانًا عَلَى فَقْرِهِ
لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا
…
يَمُدُّ رِجْلَيْهِ عَلَى قَدْرِهِ
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَقِيلَ لَهُ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ قَالَ غَرِيزَةُ عَقْلٍ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ حُسْنُ أَدَبٍ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَخٌ شَفِيقٌ يَسْتَشِيرُهُ فَيُشِيرُ عَلَيْهِ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ صَمْتٌ طَوِيلٌ قُلْت فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ مَوْتٌ عَاجِلٌ.
وَمِنْ كَلَامِ الْحَمْقَى: اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا مِنْ كَلْبٍ فَذَكَرَ الْمَجُوسَ يَوْمًا فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْمَجُوسَ يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَاَللَّهِ لَوْ أُعْطِيت عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مَا نَكَحْت أُمِّي، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ قَالَ قَبَّحَهُ اللَّهُ أَتَرَوْنَهُ لَوْ زِيدَ فَعَلَ قِيلَ لِبَرْدَعَةِ الْمُوَسْوَسِ أَيُّمَا أَفْضَلُ غَيْلَانُ أَمْ مُعَلَّى قَالَ مُعَلَّى قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ غَيْلَانُ ذَهَبَ مُعَلَّى إلَى جِنَازَتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَلَّى لَمْ يَذْهَبْ غَيْلَانُ إلَى جِنَازَتِهِ.
رَفَعَ رَجُلٌ مِنْ الْعَامَّةِ بِبَغْدَادَ إلَى بَعْضِ وُلَاتِهَا عَلَى جَارٍ لَهُ أَنَّهُ يَتَزَنْدَقَ، فَسَأَلَهُ الْوَالِي عَنْ قَوْلِهِ الَّذِي نَسَبَهُ بِهِ إلَى الزَّنْدَقَةِ؟ فَقَالَ: هُوَ مُرْجِئٌ نَاصِبِيٌّ، رَافِضِيٌّ مِنْ الْخَوَارِجِ يُبْغِضُ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْخَطَّابِ الَّذِي قَتَلَ عَلِيَّ بْنَ الْعَاصِ. فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الْوَالِي: مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَحْسُدُك؟ أَعَلَى عِلْمِك بِالْمَقَالَاتِ أَمْ عَلَى بَصَرِك بِالْأَنْسَابِ؟
دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْعَامَّةِ الْجَهَلَةِ الْحَمْقَى عَلَى شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الشَّيْخَ قَدْ سَمِعْت فِي السُّوقِ السَّاعَةَ شَيْئًا مُنْكَرًا وَلَا يُنْكِرُهُ
أَحَدٌ قَالَ وَمَا سَمِعْت قَالَ: سَمِعْتهمْ يَسُبُّونَ الْأَنْبِيَاءَ قَالَ الشَّيْخُ: وَمَنْ الْمَشْتُومُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ: سَمِعْتهمْ يَشْتُمُونَ مُعَاوِيَةَ قَالَ يَا أَخِي لَيْسَ مُعَاوِيَةُ بِنَبِيٍّ قَالَ: فَهَبْهُ نِصْفَ نَبِيٍّ لِمَ يُشْتَمُ؟
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْإِبَاضِيَّةِ أَنَّهُ جَرَى عِنْدَهُ ذِكْرُ الشِّيعَةِ يَوْمًا فَغَضِبَ وَشَتَمَهُمْ وَذَكَرَ ذَلِكَ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ نِحْلَتَهُمْ إنْكَارًا شَدِيدًا قَالَ: فَسَأَلْته يَوْمًا عَنْ سَبَبِ إنْكَارِهِ عَلَى الشِّيعَةِ وَلَعْنِهِ لَهُمْ؟ فَقَالَ: لِمَكَانِ الشِّينِ فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ ذَلِكَ قَطُّ إلَّا فِي مَسْخُوطَةٍ مِثْلُ شُؤْمٍ وَشَرٍّ وَشَيْطَانٍ وَشَيْخٍ وَشُعْثٍ وَشِعْبٍ وَشِرْكٍ وَشَتْمٍ وَشِقَاقٍ وَشِطْرَنْجَ وَشَيْنٍ وَشَنٍّ وَشَانِئٍ وَشُوصَةٍ وَشَوْكٍ وَشَكْوَى وَشِنَانٍ، فَقُلْت لَهُ: إنَّ هَذَا كَثِيرٌ مَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْقَوْمَ يُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ عِلْمًا مَعَ هَذَا أَبَدًا.
سَلَّمَ فَزَارَةُ صَاحِبُ الْمَظَالِمِ بِالْبَصْرَةِ عَلَى يَسَارِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ عَلَى يَمِينِي إنْسَانٌ لَا أُكَلِّمُهُ. قَالَ فَزَارَةُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِهِ: لَوْ غَسَلْت يَدَيَّ مِائَتَيْ مَرَّةٍ مَا تَنَظَّفَتْ حَتَّى أَغْلِيَهَا مَرَّتَيْنِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَمِنْ الْمَظَالِمِ أَنْ تَكُونَ
…
عَلَى الْمَظَالِمِ يَا فَزَارَهْ
وُلِّيَ رَجُلٌ مُقِلٌّ قَضَاءَ الْأَهْوَازِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَحَضَرَ عِيدُ الْأَضْحَى وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُضَحِّي بِهِ وَلَا مَا يُنْفِقُ فَشَكَا ذَلِكَ إلَى زَوْجَتِهِ فَقَالَتْ: لَا تَغْتَمَّ فَإِنَّ عِنْدِي دِيكًا جَلِيلًا قَدْ سَمَّنْته فَإِذَا كَانَ عِيدُ الْأَضْحَى ذَبَحْنَاهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى وَأَرَادُوا الدِّيكَ لِلذَّبْحِ طَارَ عَلَى سُقُوفِ الْجِيرَانِ فَطَلَبُوهُ وَفَشَا الْخَبَرُ فِي الْجِيرَانِ وَكَانُوا مَيَاسِيرَ فَرَقُّوا لِلْقَاضِي وَرَقُّوا لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ فَأَهْدَى إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ كَبْشًا فَاجْتَمَعَتْ فِي دَارِهِ أَكْبُشٌ كَثِيرَةٌ وَهُوَ فِي الْمُصَلَّى لَا يَعْلَمُ، فَلَمَّا صَارَ إلَى مَنْزِلِهِ وَرَأَى مَا فِيهِ مِنْ الْأَضَاحِيِّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَهْدَى إلَيْنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى سَمَّتْ جَمَاعَتَهُمْ مَا تَرَى
قَالَ: وَيْحَكِ احْتَفِظِي بِدِيكِنَا هَذَا فَمَا فُدِيَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ إلَّا بِكَبْشٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ فُدِيَ دِيكُنَا بِهَذَا الْعَدَدِ.
قَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْأَخْلَاقُ لِلْمُؤْمِنِ قُوَّةٌ فِي لِينٍ، وَحَزْمٌ فِي دِينٍ، وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ، وَحِرْصٌ عَلَى الْعِلْمِ، وَاقْتِصَادٌ فِي النَّفَقَةِ، وَبَذْلٌ فِي السَّعَةِ، وَقَنَاعَةٌ فِي الْفَاقَةِ، وَرَحْمَةٌ لِلْجُمْهُورِ، وَإِعْطَاءٌ فِي كَرَمٍ وَبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمًا لِقَوْمِهِ: إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ لَيْسَ فِي فَضْلٌ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَبْسُطُ لَكُمْ وَجْهِي، وَأَبْذُلُ لَكُمْ مَالِي، وَأَقْضِي حُقُوقَكُمْ، وَأَحُوطُ حَرِيمَكُمْ فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَمَنْ زِدْت عَلَيْهِ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ قِيلَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا يَدْعُوَك إلَى هَذَا الْكَلَامِ قَالَ: أَحُضُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ السُّؤْدُدِ فَقَالَ: الْحِلْمُ السُّؤْدُدُ وَقَالَ أَيْضًا: نَحْنُ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَعُدُّ الْحِلْمَ وَالْجُودَ السُّؤْدُدَ، وَنَعُدُّ الْعَفَافَ وَإِصْلَاحَ الْمَالِ الْمُرُوءَةَ وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُسَوِّدُونَ إلَّا مَنْ كَانَتْ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ وَتَمَامُهَا فِي الْإِسْلَامِ سَابِعَةٌ: السَّخَاءُ وَالنَّجْدَةُ وَالصَّبْرُ وَالْحِلْمُ وَالْبَيَانُ وَالْحَسَبُ، وَفِي الْإِسْلَامِ زِيَادَةُ الْعَفَافِ. ذُكِرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ رضي الله عنهم فَقَالَ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَسْوَدَ مِنْهُمْ وَكَانُوا خَيْرًا مِنْهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا فَبَذَلَ مَعْرُوفَهُ وَكَفَّ أَذَاهُ فَذَلِكَ السَّيِّدُ» «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا لِلْأَنْصَارِ مَنْ سَيِّدُكُمْ؟ قَالُوا
الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بُخْلٍ فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟ بَلْ سَيِّدُكُمْ الْجَعْدُ الْأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» فَقَالَ شَاعِرُهُمْ فِي ذَلِكَ:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْحَقُّ قَوْلُهُ
…
لِمَنْ قَالَ مِنَّا مَنْ تُسَمُّونَ سَيِّدَا
فَقَالُوا لَهُ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى الَّتِي
…
نُبَخِّلُهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَا
فَتًى مَا تَخَطَّى خُطْوَةً لِدَنِيَّةٍ
…
وَلَا مَدَّ فِي يَوْمٍ إلَى سَوْأَةٍ يَدَا
فَسَوَّدَ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ بِجُودِهِ
…
وَحُقَّ لِعَمْرٍو بِالنَّدَى أَنْ يُسَوَّدَا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ السُّؤْدُدُ بِالْبَخْتِ، كَمْ مِنْ فَقِيرٍ سَادَ وَلَيْسَ لَهُ بَذْلٌ بِالْمَالِ إلَى غَيْرِهِ كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِ سَبَّ الشَّعْبِيَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إنْ كُنْت كَاذِبًا يَغْفِرُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ كُنْت صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: شَهِدْت عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ وَرَجُلٌ يَشْتِمُهُ فَقَالَ لَهُ: آجَرَك اللَّهُ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ خَطَأٍ قَالَ: فَمَا حَسَدْت أَحَدًا حَسَدِي عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ.
وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: مَا نَازَعَنِي أَحَدٌ إلَّا أَخَذْت فِي أَمْرِهِ بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إنْ كَانَ فَوْقِي عَرَفْت لَهُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونِي كَرَّمْت نَفْسِي عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِي تَفَضَّلْت عَلَيْهِ.
أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ فَقَالَ:
سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّبْرَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ
…
وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ عَلَيَّ الْجَرَائِمُ
وَمَا النَّاسُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ
…
شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ
فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِفُ فَضْلَهُ
…
وَأَلْزَمُ فِيهِ الْحَقَّ وَالْحَقُّ لَازِمُ
وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فَإِنْ قَالَ صُنْت عَنْ
…
إجَابَتِهِ عِرْضِي وَإِنْ لَامَ لَائِمُ
وَأَمَّا الَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا
…
تَفَضَّلْت إنَّ الْفَضْلَ بِالْعِزِّ حَاكِمُ
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْمَلْ بِرَأْيٍ وَلَمْ تُطِعْ
…
أُولِي الرَّأْيِ لَمْ تَرْكَنْ إلَى أَمْرِ مُرْشِدِ
وَلَمْ تَجْتَنِبْ ذَمَّ الْعَشِيرَةِ كُلِّهَا
…
وَتَدْفَعُ عَنْهَا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ
وَتَحْلُمُ عَنْ جُهَّالِهَا وَتَحُوطُهَا
…
وَتَقْمَعُ عَنْهَا نَخْوَةَ الْمُتَهَدِّدِ
فَلَسْت وَلَوْ عَلَّلْت نَفْسَك بِالْمُنَى
…
بِذِي سُؤْدُدٍ بَادٍ وَلَا قُرْبِ سُؤْدُدِ
وَقَالَ آخَرُ:
إذَا هَلَكَتْ أُسْدُ الْعَرِينِ وَلَمْ يَكُنْ
…
لَهَا خَلَفٌ فِي الْغِيلِ سَادَ الثَّعَالِبُ
كَذَا الْقَمَرُ السَّارِي إذَا غَابَ لَمْ يَكُنْ
…
لَهُ خَلَفٌ فِي الْجَوِّ إلَّا الْكَوَاكِبُ
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ ابْتَغَى الْمَكَارِمَ، فَلْيَجْتَنِبْ الْمَحَارِمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ «فِيك خَلَّتَانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ يَرْضَاهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَشَيْءٌ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْ شَيْءٌ اخْتَرَعْته مِنْ نَفْسِي قَالَ بَلْ شَيْءٌ جَبَلَك اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى شَيْءٍ أَوْ عَلَى خُلُقٍ يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» . وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي الصَّحِيحِ
قَالَ الشَّعْبِيُّ زَيَّنَ الْعِلْمُ حِلْمُ أَهْلِهِ وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْحِلْمُ أَرْفَعُ مِنْ الْعَقْلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَسَمَّى بِهِ، كَانَ الْأَحْنَفُ إذَا عَجِبُوا مِنْ حِلْمِهِ قَالَ: إنِّي لَأَجِدُ مَا تَجِدُونَ وَلَكِنِّي صَبُورٌ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ إنِّي لَأَرْفَعُ نَفْسِي أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ أَرْجَحَ مِنْ حِلْمِي.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا قُرِنَ شَيْءٌ إلَى شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ حِلْمٍ إلَى عِلْمٍ وَمِنْ عَفْوٍ إلَى قُدْرَةٍ.
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
فَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْك حِلْمًا فَإِنَّنِي
…
أَرَى الْحِلْمَ لَمْ يَنْدَمْ عَلَيْهِ حَلِيمُ
وَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْك عَزْمًا عَلَى التُّقَى
…
أُقِيمُ بِهِ مَا عِشْت حَيْثُ أُقِيمُ
أَلَا إنَّ تَقْوَى اللَّهِ أَكْرَمُ نِسْبَةً
…
تَسَامَى بِهَا عِنْدَ الْفَخَارِ كَرِيمُ
وَقَالَ آخَرُ:
أَرَى الْحِلْمَ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ ذِلَّةً
…
وَفِي بَعْضِهَا عِزًّا يُسَوَّدُ فَاعِلُهْ
وَقَالَ آخَرُ:
وَإِنَّك تَلْقَى صَاحِبَ الْجَهْلِ نَادِمًا
…
عَلَيْهِ وَلَا يَأْسَى عَلَى الْحِلْمِ صَاحِبُهْ
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنه إذَا سَافَرَ سَافَرَ مَعَهُ بِسَفِيهٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ جَاءَنَا سَفِيهٌ لِأَنَّا مَا نَدْرِي مَا يُقَابَلُ بِهِ السُّفَهَاءُ قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
…
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
وَلَرُبَّمَا اعْتَضَدَ الْحَلِيمُ بِجَاهِلٍ
…
لَا خَيْرَ فِي الْيُمْنَى بِغَيْرِ يَسَارِ
وَمَرَّ قَوْمٌ بِدَيْرِ رَاهِبٍ وَفِيهِمْ عَالِمٌ كَبِيرٌ مُشَارٌ إلَيْهِ فَأَنْزَلَهُمْ الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَةٍ وَرَحَّبَ بِهِمْ وَتَلَقَّاهُمْ بِالْبِشْرِ وَالْكَرَامَةِ فَأَقَامُوا عِنْدَهُ كُلَّ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي حَالِهِمْ وَإِصْلَاحِ شَأْنِهِمْ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يُضِيءَ لَهُمْ جَاءَ بِالْقَدَّاحِ فَقَدَحَ لَهُمْ، فَلَمَّا أَضَاءَ الضَّوْءُ الْتَفَتَ إلَى أَحَدِهِمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ الشَّيْخُ الْمُشَارُ إلَيْهِ؟ فَأَشَارَ أَحَدُهُمْ إلَى الشَّيْخِ فَتَكَلَّمَ حِينَئِذٍ الرَّاهِبُ بِكَلَامٍ فَصِيحٍ ثُمَّ قَالَ لِلشَّيْخِ يَا سَيِّدِي هَذِهِ النَّارُ الَّتِي طَلَعَتْ وَأَشْعَلْت مِنْهَا أَهِيَ مِنْ الصَّوَّانَةِ أَمْ مِنْ الْحَرَّاقَةِ أَمْ مِنْ الْحَدِيدَةِ؟ فَسَكَتَ الشَّيْخُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَكَانَ فِي جَمْعِ الشَّيْخِ رَجُلٌ سَفِيهٌ فَتَكَلَّمَ وَأَبْلَغَ وَقَالَ أَيُّهَا الرَّاهِبُ: لَقَدْ تَهَجَّمْت عَلَى مَقَامٍ لَمْ يَكُنْ لَك، أَلَا سَأَلْتنِي عَنْ هَذَا السُّؤَالِ؟ فَقَالَ لَمْ أَعْرِفْ أَنَّ عِنْدَك عِلْمًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ بَلَى، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكَلَّمَ الرَّاهِبُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُ السَّفِيهُ
وَكَانُوا فِي قُبَّةٍ: مَا هَذَا الَّذِي عَلَى صَدْرِك؟ فَطَأْطَأَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ يَنْظُرُ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّفِيهُ فَصَفَعَهُ صَفْعَةً عَلَا حِسُّهَا عُلُوًّا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لِلرَّاهِبِ: أَهَذَا الْحِسُّ مِنْ سَاحِلِك أَمْ مِنْ يَدِي أَمْ مِنْ الْقُبَّةِ قَالَ: فَأُفْحِمَ الرَّاهِبُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ جَوَابًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُلْمَ بِضَمِّ الْحَاءِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ تَقُولُ مِنْهُ حَلَمَ وَاحْتَلَمَ وَتَقُولُ حَلَمْت بِكَذَا وَحَلَمْته أَيْضًا، وَالْحِلْمُ بِالْكَسْرِ الْأَنَاةُ تَقُولُ مِنْهُ حَلُمَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ، وَتَحَلَّمَ تَكَلَّفَ الْحِلْمَ قَالَ الشَّاعِرُ:
تَحَلَّمْ عَنْ الْأَدْنَيْنِ وَاسْتَبِقْ وُدَّهُمْ
…
وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الْحِلْمَ حَتَّى تَحَلَّمَا
وَتَحَالَمَ أَيْ رَأَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ. وَحَلَّمْت الرَّجُلَ تَحْلِيمًا جَعَلْته حَلِيمًا. وَالْمُحَلِّمُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْحِلْمِ. وَالْحَلَمُ بِالتَّحْرِيكِ يَدَانِ تُفْسِدُ الْإِهَابَ تَقُولُ مِنْهُ حَلِمَ الْأَدِيمُ بِالْكَسْرِ.
وَيَنْبَغِي لِمَنْ اسْتَعَانَ بِسَيْفِهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَا يُطْلِقُ عِنَانَهُ وَيُسَلِّطَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ لَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِرَةِ وَرُبَّمَا انْتَشَرَ الْفَسَادُ وَعَظُمَ وَتَعِبَ الْكَبِيرُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ، وَقَدْ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَقَطْعُ هَذَا مِنْ الِابْتِدَاءِ هُوَ الْوَاجِبُ وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ مَعْلُومٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ نَظَرَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ جَرِيرُ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ
…
إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا بِكَرَارِيسَ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بَعْدُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِطَاعَةِ الْوَالِي وَغَيْرِهِ وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى السُّلْطَانِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «حَسْبُ الْمَرْءِ دِينُهُ وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ» وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ «النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ
مِنْ ثَقِيفٍ: مَا الْمُرُوءَةُ قَالَ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَإِصْلَاحُ الْمَعِيشَةِ وَسَخَاءُ النَّفْسِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ. فَقَالَ هَكَذَا هِيَ عِنْدَنَا فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُد» تَذَاكَرُوا الْمُرُوءَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَمَّا مُرُوءَتُنَا فَأَنْ نَغْفِرَ لِمَنْ ظَلَمَنَا، وَنُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنَا. وَنَصِلَ مَنْ قَطَعَنَا، وَنُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنَا» سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ الْمُرُوءَةِ فَقَالَ: الْعَفَافُ وَإِصْلَاحُ الْمَالِ.
سَأَلَ مُعَاوِيَةُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ الْمُرُوءَةِ وَالْكَرَمِ وَالنَّجْدَةِ، فَقَالَ: أَمَّا الْمُرُوءَةُ فَحِفْظُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَإِحْرَازُهُ دِينَهُ وَحُسْنُ قِيَامِهِ بِصَنْعَتِهِ، وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ. وَأَمَّا الْكَرَمُ فَالتَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِعْطَاؤُك قَبْلَ السُّؤَالِ، وَإِطْعَامٌ فِي الْمَحَلِّ، وَأَمَّا النَّجْدَةُ فَالذَّبُّ عَنْ الْجَارِ، وَالصَّبْرُ فِي الْمَوَاطِنِ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَرِيهَةِ قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ جُلُوسُ الرَّجُلِ بِبَابِهِ مِنْ الْمُرُوءَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ حَمْلُ الْكِيسِ فِي الْكُمِّ.
وَسُئِلَ الْأَحْنَفُ، عَنْ الْمُرُوءَةِ فَقَالَ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالصَّبْرُ عَلَى النَّوَائِبِ، وَيُرْوَى عَنْ الْأَحْنَفِ قَالَ: لَا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ، وَلَا إخَاءَ لِمَلُولٍ، وَلَا سُؤْدُدَ لِسَيِّئِ الْخُلُقِ. سُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ الْمُرُوءَةِ فَقَالَ اجْتِنَابُ الرَّيْبِ وَإِصْلَاحُ الْمَالِ وَالْقِيَامُ بِحَوَائِجِ الْأَهْلِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا: الْفَصَاحَةُ مِنْ الْمُرُوءَةِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ كَثْرَةُ الِالْتِفَاتِ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوءَةِ أَنْ تَصُونَ عِرْضَكَ، وَتُكْرِمَ إخْوَانَك، وَتُقِيلَ فِي مَنْزِلِك.
وَذُكِرَتْ الْفُتُوَّةُ عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ: لَيْسَتْ الْفُتُوَّةُ بِالْفِسْقِ وَلَا الْفُجُورِ، وَلَكِنْ الْفُتُوَّةُ كَمَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ طَعَامٌ مَوْضُوعٌ، وَحِجَابٌ مَرْفُوعٌ وَنَائِلٌ مَبْذُولٌ وَبِشْرٌ مَقْبُولٌ، وَعَفَافٌ مَعْرُوفٌ، وَأَذًى مَكْفُوفٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد مَنْ كَانَ ظَرِيفًا فَلْيَكُنْ عَفِيفًا قَالَ مَنْصُورُ الْفَقِيهُ:
فَضْلُ التُّقَى أَفْضَلُ مِنْ
…
فَضْلِ اللِّسَانِ وَالْحَسَبْ
إذَا هُمَا لَمْ يُجْمَعَا
…
إلَى الْعَفَافِ وَالْأَدَبْ
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَيْسَ فَتَى الْفِتْيَانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدَى
…
لِشُرْبِ صَبُوحٍ أَوْ لِشُرْبِ غَبُوقِ
وَلَكِنْ فَتَى الْفِتْيَانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدَى
…
لِضُرِّ عَدُوٍّ أَوْ لِنَفْعِ صَدِيقِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ الْمُمَازَحَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَإِنَّك تُدَاعِبُنَا قَالَ «إنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» هُوَ حَدِيثُ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُسَامَةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَحْمَلَهُ فَقَالَ: إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ يَعْنِي يُمَازِحُهُ» «وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ اسْمُهُ زَاهِرٌ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهَدِيَّةَ مِنْ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ: إنَّ زَاهِرَ بَادِيًا وَنَحْنُ حَاضِرَتُهُ وَكَانَ دَمِيمًا فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ لَا يُبْصِرُهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذًا وَاَللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا؟ فَقَالَ: لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْت
بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الدَّمِيمُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْخَلْقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْقِصَرُ وَالْقُبْحُ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْخُلُقِ بِضَمِّهَا.
وَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ «إنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَزَادَ فِي وَجْهِي قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمَجُّ طَرُّ الْمَاءِ مِنْ الْفَمِ بِالتَّزْرِيقِ وَهَذَا فِي مُلَاطَفَةِ الصِّبْيَانِ وَتَأْنِيسِهِمْ وَإِكْرَامِ آبَائِهِمْ بِذَلِكَ وَجَوَازِ الْمَزْحِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُمَارِ أَخَاك وَلَا تُمَازِحْهُ وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ» عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِكْرِمَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي فُصُولِ الْكَذِبِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُزَاحُ بِمَا يَحْسُنُ مُبَاحٌ، وَقَدْ «مَزَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَقُلْ إلَّا حَقًّا» قَالَ غَالِبٌ الْقَطَّانُ أَتَيْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ وَكَانَ مَزَّاحًا فَسَأَلْته عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فَقَالَ تُوُفِّيَ الْبَارِحَةَ أَمَا شَعُرْت؟ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] وَقَالَ {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ أَنَّ عِيسَى عليه السلام كَانَ يَبْكِي وَيَضْحَكُ وَكَانَ يَحْيَى عليه السلام يَبْكِي وَلَا يَضْحَكُ، فَكَانَ خَيْرُهُمَا الْمَسِيحُ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ النَّاسُ فِي سِجْنٍ مَا لَمْ يَتَمَازَحُوا.
مَزَحَ الشَّعْبِيُّ يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَمْرٍو أَتَمْزَحُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُتْنَا مِنْ الْغَمِّ، كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ
يُدْعَبُ وَيَضْحَكُ حَتَّى يَسِيلَ لُعَابُهُ فَإِذَا أَرَدْته عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ كَانَتْ الثُّرَيَّا أَقْرَبُ إلَيْك مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْخَوْضَ فِي الْمُزَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَمِيمِ الْعَاقِبَةِ. وَمِنْ التَّوَصُّلِ إلَى الْأَعْرَاضِ وَاسْتِجْلَابِ الضَّغَائِنِ وَإِفْسَادِ الْإِخَاءِ. كَانَ يُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ بَدْءٌ وَبَدْءُ الْعَدَاوَةِ الْمُزَاحُ وَكَانَ يُقَالُ لَوْ كَانَ الْمُزَاحُ فَحْلًا مَا أَلَقَحَ إلَّا الشَّرَّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لَا تُمَازِحْ الشَّرِيفَ فَيَحْقِدَ، وَلَا الدَّنِيَّ فَيَجْتَرِئَ عَلَيْك.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانُ إذَا كَانَ الْمُزَاحُ أَمَامَ الْكَلَامِ، فَآخِرُهُ الشَّتْمُ وَاللِّطَامُ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ إيَّاكُمْ وَالْمُزَاحَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ بَهَاءَ الْوَجْهِ، كَانَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ يَكْرَهُ الْمُزَاحَ وَيَقُولُ يُسْعِطُ أَحَدُهُمْ أَخَاهُ بِأَحَرَّ مِنْ الْخَرْدَلِ، وَيُفْرِغُ عَلَيْهِ أَشَدَّ مِنْ غَلْيِ الْمِرْجَلِ، وَيَقُولُ مَازَحْته.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَا يَكُونُ الْمُزَاحُ إلَّا فِي سُخْفٍ أَوْ بَطَرٍ السُّخْفُ بِضَمِّ السِّينِ رِقَّةُ الْعَقْلِ، وَقَدْ سَخُفَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ سَخَافَةً فَهُوَ سَخِيفٌ مِثْلُ حَامَقْتُهُ.
قَالَ أَبُو هَفَّانَ:
مَازِحْ صَدِيقَك مَا أَحَبَّ مُزَاحَا
…
وَتَوَقَّ مِنْهُ فِي الْمُزَاحِ مُزَاحَا
فَلَرُبَّمَا مَزَحَ الصَّدِيقُ بِمَزْحَةٍ
…
كَانَتْ لِبَابِ عَدَاوَةٍ مِفْتَاحَا
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَمْزَحَنْ فَإِذَا مَزَحْت فَلَا يَكُنْ
…
مَزْحًا تُضَافُ بِهِ إلَى سُوءِ الْأَدَبْ
وَاحْذَرْ مُمَازَحَةً تَعُودُ عَدَاوَةً
…
إنَّ الْمُزَاحَ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْغَضَبْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ» قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ اُسْتُخِفَّ بِهِ وَذَهَبَ بَهَاؤُهُ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إيَّاكَ وَالْمَشْيَ فِي غَيْرِ أَدَبٍ، وَالضَّحِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
الْكِبْرُ ذُلٌّ وَالتَّوَاضُعُ رِفْعَةٌ
…
وَالْمَزْحُ وَالضَّحِكُ الْكَثِيرُ سُقُوطُ
وَالْحِرْصُ فَقْرٌ وَالْقَنَاعَةُ عِزَّةٌ
…
وَالْيَأْسُ مِنْ صُنْعِ الْإِلَهِ قُنُوطُ
وَقَالَ آخَرُ:
فَإِيَّاكَ إيَّاكَ الْمُزَاحَ فَإِنَّهُ
…
يُجَرِّئُ عَلَيْك الطِّفْلَ وَالدَّنِسَ النَّذْلَا
وَيُذْهِبُ مَاءَ الْوَجْهِ بَعْدَ بَهَائِهِ
…
وَيُورِثُهُ مِنْ بَعْدِ عِزَّتِهِ ذُلَّا
وَقَالَ مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ:
تَلَقَّى الْفَتَى أَخَاهُ وَخِدْنَهُ
…
فِي لَحْنِ مَنْطِقِهِ بِمَا لَا يُغْفَرُ
وَيَقُولُ كُنْت مُمَازِحًا وَمُلَاعِبًا
…
هَيْهَاتَ نَارُك فِي الْحَشَا تَتَسَعَّرُ
أَلْهَبْتهَا وَطَفِقْت تَضْحَكُ لَاهِيًا
…
مِمَّا بِهِ وَفُؤَادُهُ يَتَفَطَّرُ
أَوَمَا عَلِمْت وَمِثْلُ جَهْلِك غَالِبٌ
…
أَنَّ الْمُزَاحَ هُوَ السِّبَابُ الْأَكْبَرُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُزَاحُ الدُّعَابَةُ وَقَدْ مَزَحَ يَمْزَحُ وَالِاسْمُ الْمُزَاحُ وَالْمُزَاحَةُ أَيْضًا، وَأَمَّا الْمِزَاحُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَصْدَرُ مَازَحَهُ. وَهُمَا يَتَمَازَحَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالُوا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدُومَ لَهُ وُدُّ أَخِيهِ فَلَا يُمَازِحْهُ وَلَا يَعِدْهُ مَوْعِدًا فَيُخْلِفَهُ.
وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي ضَحِكِهِ عليه السلام حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي فُصُولِ التَّوْبَةِ فِي أَنَّ سَيِّئَةَ التَّائِبِ هَلْ تُبَدَّلُ حَسَنَةً، «وَقَدْ ضَحِكَ الْمِقْدَادُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أُلْقِيَ إلَى الْأَرْضِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي آدَابِ الْأَطْعِمَةِ.
وَرَوَى ابْنُ الْأَخْضَرِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَصْبَهَانِيِّ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ قَالَ كُنَّا نَتَذَاكَرُ الْأَبْوَابَ فَخَاضُوا فِي بَابٍ فَجَاءُوا فِيهِ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ قَالَ فَجِئْتهمْ بِسَادِسٍ فَنَخَسَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي صَدْرِي لِإِعْجَابِهِ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي أَوَائِلِ صَيْدِ الْخَاطِرِ مَا أَعْرِفُ لِلْعَالِمِ قَطُّ لَذَّةً وَلَا عِزًّا وَلَا شَرَفًا وَلَا رَاحَةً وَسَلَامَةً أَفْضَلَ مِنْ الْعُزْلَةِ فَإِنَّهُ يَنَالُ بِهَا سَلَامَةَ بَدَنِهِ وَدِينِهِ
وَجَاهِهِ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل وَعِنْدَ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ يَهُونُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُخَالِطُهُمْ وَلَا يُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْمُخَالِطِ لَهُمْ، وَلِهَذَا عَظُمَ عَلَيْهِمْ قَدْرُ الْخُلَفَاءِ لِاحْتِجَابِهِمْ.
وَإِذَا رَأَى الْعَوَامُّ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ مُتَرَخِّصًا فِي أَمْرٍ هَانَ عِنْدَهُمْ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ صِيَانَةُ عِلْمِهِ وَإِقَامَةُ قَدْرِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كُنَّا نَمْزَحُ وَنَضْحَكُ فَإِذَا صِرْنَا يُقْتَدَى بِنَا فَمَا أُرَاهُ يَسَعُنَا وَقَالَ سُفْيَانُ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ وَاكْظِمُوا عَلَيْهِ وَلَا تَخْلِطُوهُ بِهَزْلٍ فَتَمُجَّهُ الْقُلُوبُ، فَمُرَاعَاةُ النَّاسِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُنْكَرَ فَقَدْ قَالَ عليه السلام لِعَائِشَةَ رضي الله عنها «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك بِكُفْرٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَأَيْت النَّاسَ يَكْرَهُونَهَا فَتَرَكْتهَا فَلَا نَسْمَعُ مِنْ جَاهِلٍ يَرَى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رِيَاءً، إنَّمَا هَذِهِ صِيَانَةٌ لِلْعِلْمِ، إلَى أَنْ قَالَ فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ تَخْلِيطِ الطَّبِيبِ الْأَمْرِ بِالْحَمِيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَبَسَّطَ عِنْدَ الْعَوَامّ حِفْظًا لَهُمْ، وَمَتَى أَرَادَ مُبَاحًا فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ عَنْهُمْ.
وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي لَاحَظَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ حِينَ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ قَدِمَ الشَّامَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ وَرِجْلَاهُ مِنْ جَانِبٍ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَلْقَاك عُظَمَاءُ النَّاسِ، فَمَا أَحْسَنَ مَا لَاحَظَ، إلَّا أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَرَادَ بِهِ تَأْدِيبَ أَبِي عُبَيْدَةَ بِحِفْظِ الْأَصْلِ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ أَعَزَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا طَلَبْتُمْ الْعِزَّ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّكُمْ.
وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَلَبَكُمْ الْعِزُّ بِالدِّينِ لَا بِصُوَرِ الْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ الصُّوَرُ تُلَاحَظُ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى بِنَحْوِ ثَلَاثِ كَرَارِيسَ فِي فُصُولِ الْعِلْمِ.