الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
المسألة الحادية عشرة: أقوالهم وحكم الاحتجاج بها
قول الصحابي من الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء والأصوليين
(1)
، ويسمونه - أيضًا -: مذهب الصحابي، أو فتوى الصحابي، أو تقليد الصحابي، أو سنة الصحابي
(2)
. وهو: ما نقل إلينا، وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع
(3)
.
وقبل أن أذكر فروع الخلاف في هذه المسألة أنبّه على ما اتفق عليه أهل العلم في أقوال الصحابة
…
فأولًا: أن أقوالهم فيما لا مجال للرأي فيه متصل، مرفوع - كما تقدم -. وثانيًا: أنها ليست حجة إذا رجعوا عنها، أو اختلفوا في مسائلها فيما بينهم
(4)
. وثالثًا: أنها إذا اشتهرت، ولم ينكرها
(1)
وهي ثمانية: الاستصحاب، والاستحسان، والاستصلاح - أو المصلحة المرسلة -، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا، والعرف، والاستقراء، إضافة إلى قول الصحابي. - انظر: روضة الناظر (1/ 400 وما بعدها)، والجامع للنملة (ص / 375، وما بعدها).
(2)
انظر: قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية لبابكر محمد الشيخ (ص / 22 - 23).
(3)
انظر: المذكرة للشنقيطي (ص / 164 - 165)، وأثر الأدلة المختلف فيها للدكتور: مصطفا البغا (ص / 339)، والجامع لمسائل أصول الفقه (ص / 380)، واتحاف ذوي البصائر، كلاهما للدكتور: عبد الكريم النملة (4/ 259).
(4)
انظر: الأحكام للآمدي (4/ 149)، وإعلام الموقعين (4/ 119)، واتحاف ذوي البصائر (ص / 259)، وأثر الأدلة (ص / 339)، وقول الصحابي للدكتور: شعبان محمد إسماعيل (ص/ 54). وانظر: الموافقات (4/ 90 - 94).
أحد، فإنها تدخل في الإجماع السكوتي - عند من يقول به - وله حكم الإجماع
(1)
. ورابعًا: أنها حجة على العوام - مطلقًا -
(2)
.
هذه جملة ما اتفق عليه أهل العلم من فروع هذه المسألة - فيما أعلم -
…
واختلفوا فيما إذا ثبت للصحابي قول، وعُلم اطلاع غيره من الصحابة عليه، أو انتشاره بين بعضهم، دون انتشاره بين الجميع، ولا يؤثر عن غيره مخالفة فيه، على أقوال، أصحها أنه حجة. واختار فخر الدين الرازي أنه إجماع إن كان ذلك مما تعم به البلوى، وتدعو الحاجة إليه
(3)
. واختلفوا - أيضًا - فيما إذا قال الصحابي قولًا، ولم يثبت فيه اشتهار، ولا يؤثر عن غيره من الصحابة مخالفة فيه - وهذا الفرع هو أكثر ما يوجد عنهم - على أقوال مختلفة، وتفصيلات متعددة، خلاصتها والراجح فيها فيما يلي:
أولًا: أن يتفق الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم على حكم، أو فتوى، فهذا حجة، وليس بإجماع. وثانيًا: أن يتفق الشيخان - أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما على حكم، أو فتوى. وثالثًا: أن ينفرد بذلك
(1)
انظر: إجمال الإصابة للعلائي (ص/ 20)، وإعلام الموقعين (4/ 120)، واتحاف ذوي البصائر (ص/ 259)، وقول الصحابي (ص/ 55).
(2)
انظر: الموافقات (4/ 96 - 97)، وقول الصحابي (ص/ 55)
…
وانظر: البحر المحيط (6/ 283 وما بعدها)، والصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله للدكتور: عبد الرحمن الدرويش (ص/ 47 - 51).
(3)
انظر: العدة لأبي يعلى (4/ 1113 - 1185)، وإجمال الإصابة (ص/ 33 وما بعدها)، وأثر الأدلة (ص/ 339 وما بعدها)، وقول الصحابي للدكتور شعبان (ص/ 56 وما بعدها).
أحد الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وكلاهما حجة. ورابعًا: أن ينفرد بذلك الواحد من الصحابة، غير الأربعة رضي الله عنهم، وهو حجة إذا كان صادرًا من الفقهاء منهم، والمجتهدين. وخامسًا: أن ينفرد بذلك الواحد منهم، وخالف القياس، أو كان لا مجال للقياس فيه، فالأظهر أنه حجة. وأما إذا وافق القياس، فيذكر العلماء له صورتين، إحداهما: إذا تعارض قياسان، واعتضد أحدهما بقول الصحابي
…
فمن يرى أن قول الصحابي حجة مقدمة على القياس يكون احتجاجه بقول الصحابي هنا بطريق الأولى - وهذا أشبه -. ولمن يرى أن قول الصحابي غير حجة تفصيلات تنظر في مظانها
(1)
.
واختلفوا - أيضًا - في اختلاف الصحابة في مسألة اجتهادية على قولين فأكثر
…
وعلى الصحيح أنه لا يؤخذ بقول أحدهما بدون دليل، ولكن يرجع إلى الترجيح بأحد المرجحات المتصلة، أو المنفصلة، وقرائنها
(2)
.
(1)
انظر: إجمال الإصابة (ص / 35 - 77)، والموافقات (4/ 57)، ومجموع الفتاوى (20/ 14)، وإعلام الموقعين (4/ 119 - 153،156)، وإتحاف ذوى البصائر (4/ 259 - 278)، وأثر الأدلة (ص / 345 - 351)، والصحابي للدكتور: عبد الرحمن الدرويش (ص/ 76 - 87).
(2)
انظر: إجمال الإصابة (ص / 78 - 83)، والرسالة للشافعي (ص/ 596 - 598)، والفقيه والمتفقه للخطيب (1/ 440، 491)، ومجموع الفتاوى (20/ 14)، والجامع لمسائل أصول الفقه (ص / 381 - 382)، وإتحاف ذوي البصائر (4/ 278 - 283).
ويتفرع على اعتبار قول الصحابي حجة مسائل جرى فيها الخلاف بين أهل العلم، ومنها: إذا كان الخبر عامًا، فيخصه الصحابي بأحد أفراده، سواء أكان هو الراوي له أم لا، هل يخصص به العموم؟ اختلف العلماء
…
والراجح أنه يخصصه، وتقييد الصحابي الخبر المطلق مثله. وإذا اختلف الصحابة، أو تعارضت أقوالهم فيبقى العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه
(1)
. ومنها: إذا كان الخبر محتملًا لأمرين، وحمله الصحابي على أحدهما، فإنه يؤخذ بما حمله عليه؛ لأن ظاهر الحال أن تعيين الصحابي المشاهد للحال إنما يكون عن قرينة حالية، أو مقالية شاهدها. ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا عند قيام ما يرجح عليه
(2)
. ومنها: إذا كان الخبر ظاهرًا في شيء، وحمله الصحابي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو بغير ذلك من وجوه التأويل، فينظر
…
فإن علم أنه لم يكن لمذهب الراوى وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك التأويل وجب المصير إليه. وإن لم يعلم ذلك، بل جوّز أن يكون قد صار إليه لدليل، وجب النظر في هذا الدليل؛ فإن كان مقتضيًا لما ذهب إليه وجب المصير إليه، وإلّا عُمل بالخبر
(3)
. ولهذا الدليل، واختلاف أهل العلم فيه أثر بين في الاختلاف في عدد من الفروع
(1)
انظر: إجمال الإصابة (ص / 84 - 88)، وقول الصحابي (ص / 106 - 109).
(2)
انظر: إجمال الإصابة (ص / 88 - 90)، والنكت (2/ 534).
(3)
انظر: إجمال الإصابة (ص/ 90 - 91).