الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
مما استدل به العلماء القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110](1) .
قالوا بين الله تعالى أن من شروط الانتماء إلى هذه الأمة الاتصاف بثلاث صفات وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى وحيث إن الانتماء إلى هذه الأمة واجب عيني يكون الاتصاف بتلك الصفات واجبا عينيا أيضا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وأدلتهم]
2 -
أدلة القائلين بأن الأمر بالمعروف النهي عن المنكر فرض كفاية:. استدل أصحاب هذا الرأي بعدة أدلة لإثبات رأيهم ومنها: (2) .
أ) استدلوا بقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104](3) . فقالوا: إن (من) في قوله تعالى: منكم للتبعيض، وهذا يدل على أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية.
(1) سورة آل عمران، الآية 110.
(2)
نقلا بتصرف من الحسبة، مصدر سابق، ص 45 - 46.
(3)
سورة آل عمران، الآية 104.
ب) استدلوا أيضا بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122](1) فقالوا: " إن التفقه في الدين فرض كفاية؛ لأن الله تعالى طلب خروج طائفة من المؤمنين وليس جميع المؤمنين، وعلى هؤلاء تقع مسئولية الإنذار وليست على عامة الناس "(2) .
جـ) ومما استدلوا به قولهم: لو بدأ عامة الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يخشى أن يأمروا بالمنكر وينهوا عن المعروف، ويغلظوا في مكان يقتضي اللين ويلينوا في مقام يقتضي الشدة، وبذلك يكون ضرر احتسابهم أكثر من نفعه. وفي هذا الصدد يقول القاضي أبو السعود:" ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا العلماء بأحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها، فإن من لا يعلمها يوشك أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف، ويغلظ في مقام اللين ويلين في مقام الغلظة، وينكر على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار "(3) .
(1) سورة التوبة، الآية 122.
(2)
انظر: الموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، جـ 1، ص 176.
(3)
تفسير أبى السعود، جـ 1، ص 67، تفسير القرطبي، جـ 4، ص 165.
د) ومما استدلوا به قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41](1) .
فقالوا: عين الله تعالى في هذه الآية للاحتساب من مكن في الأرض وهم بعض الناس وليسوا كلهم، يقول القرطبي في هذا المعنى:" قلت القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الحج: 41] الآية، وليس كل الناس مكنوا "(2) .
هـ) ومما استدلوا به سقوط الاحتساب بقيام بعضهم به عن الآخرين، ولو لم يكن فرضا على الكفاية ما كان قيام بعضهم به سبب سقوطه عن الآخرين، وقد أشار إلى هذا المعنى أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن حيث يقول:" والذي يدل على صحة هذا القول - كونه فرض كفاية - أنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين كالجهاد وغسل الموتى وتكفينهم، والصلاة عليهم ودفنهم، ولولا أنه فرض كفاية لما سقط عن الآخرين بقيام بعضهم به "(3) .
مما سبق من استعراض أدلة القائلين من العلماء بأن الأمر بالمعروف
(1) سورة الحج، الآية 41.
(2)
تفسير القرطبي، جـ 4، ص165.
(3)
أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن، جـ 2، ص 29.