الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر]
هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر؟ يتبين مما ذكرناه عن درجات تغيير المنكر أن تغيير المنكر باللسان متقدم على التغيير بالقوة، ولا شك أن كل مسلم يجب عليه بحكم الشريعة أن يذكر بالمعروف ويأمر به ويحذر عن المنكر وينهى عنه. أما استخدام القوة في ذلك، وهل أجازته الشريعة الإسلامية لكل فرد أو إنما هو على الحكام وأولي الأمر فحسب؟ (1) نجد أن العلماء قد أسهبوا الكلام في ذلك وأطنبوا ولا يتسع المقام لاستعراض ما قالوا، ونكتفي هنا برأي الإمام القرطبي حيث يقول:" قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء ويعني عوام الناس "(2) .
ما ذكره القرطبي عن العلماء في هذه العبارة يقرر أصلا عاما، ومعناه أن الولاية بما أنها صاحبة سلطة وقوة، يجب عليها إقامة المعروف
(1) انظر: السيد جلال الدين العمري، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص294.
(2)
للمزيد من المعلومات حول آراء العلماء انظر: إحياء علوم الدين جـ2 ص 277، شرح صحيح مسلم، جـ 1، ص 51، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 256، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، جـ 7، ص 176، التشريع الجنائي، جـ 1، ص 86، أحكام القرآن، جـ 2ص 27 - 28، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، جـ 5، ص 42، الكشاف، جـ 1، ص 225.
وإزالة المنكر بالقوة، كذلك العلماء يستطيعون أداء واجب التبليغ والإصلاح والإرشاد، عليهم أن يحضوا الناس على فعل المعروف ويشرحوا لهم شناعة وخطورة وعاقبة المنكر، أما الذين لا يستطيعون ذلك أيضا فليس عليهم إلا أن يحبوا المعروف ويكرهوا المنكر بقلوبهم، ويجب أن لا يفهم من قول العلماء الذي حكاه القرطبي أن يرى أحد معصية تقترف، وليس بيده الحكم والسلطان، فيسكت عليها كل السكوت، ولا يبذل ما يسمعه من الجهد لإزالتها؛ لأن الإسلام يطلب من كل من رأى منكرا أن يغيره بالقول اللين، ولكن إذا لم ينجح في ذلك واستطاع إزالته بالقوة أزاله بالقوة (1) .
والذي نراه فيما يتعلق بهذه المسألة - والله أعلم - أن ينظر إلى موقف الحكومة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الذي يوجد فيه هؤلاء العامة، فإذا كانت الحكومة قائمة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل أمانة وصدق وإخلاص، ويوجد في المجتمع هيئات مؤهلة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي لا تأخذها في الحق لومة لائم، ولدى هذه الهيئات الإمكانات والقدرة والصلاحيات من ولي الأمر لتغيير المنكر وإزالته، ولديها بالإضافة إلى ذلك الوقت الكافي للوصول إلى مكان ارتكاب المنكر قبل الانتهاء من فعله، فإنه لا ينبغي في
(1) الجامع لأحكام القرآن، ص 48 - 49.
هذه الحالة أن يستخدم العامة وسيلة القوة لإزالة المنكر، عليهم أن يتصلوا بالهيئة المحتسبة ويخبرونها بمكان المنكر لتأتي هذه الهيئة وتزيله بقوة السلطان؛ لأنه يخشى من استعمال العامة للقوة في إزالة المنكر من حدوث الفتن والفوضى والاضطراب، فتؤدي وسيلة إنكار المنكر هذه إلى منكر أعظم بكثير من المنكر المقترف، فقد ينضم إلى هؤلاء العامة الذين استخدموا القوة لإزالة المنكر بنية صادقة ابتغاء مرضاة الله، قد ينضم إليهم ناس أصحاب أهداف شريرة ليس هدفهم إزالة المنكر بل الإساءة إلى سمعة من عملوا بصدق على إزالته، كما قد يكون من أهدافهم تعكير الأمن والاستقرار في البلاد. . . .