الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[رابعا التواضع]
رابعا: التواضع التواضع من أهم الصفات اللازمة لنجاح الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويعني التواضع معرفة المرء قدر نفسه وتجنب الكبر، ويتطلب أن يتجنب الإنسان المباهاة بما فيه من الفضائل والمفاخرة بالجاه والمال. . . وأن يتحرز من الإعجاب والكبر. والتواضع لا يكون إلا في أكابر الناس ورؤسائهم وأهل الفضل والعلم، أما الإنسان العادي فلا يقال له: تواضع، وإنما يقال له:" أعرف نفسك لا تضعها في غير موضعها ".
ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه (1) وكثيرا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد، وربما استعلي الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحط من قدره وشأنه، وعيبه بما ليس فيه أو تضخيم ما فيه، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال الغيرة.
ومن التواضع أيضا التواضع مع من هو دونك، فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا أو أقل منك قدرا فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلبا أو أقل منك ذنبا أو أعظم منك إلى الله قربا. حتى لو رأيت إنسانا فاسقا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله
(1) بتصرف، من أخلاق الداعية، مصدر سابق، ص 9 - ص 37.
على أن أنجاك مما ابتلاه به، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه.
عن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث: «أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك» (1) أو كما قال.
ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك، إن عملت خيرا أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة، فإن العمل قد لا يقبل، قال الله تعالى:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27](2) .
وضد التواضع الكبر، والكبر يكاد يكون من أشد الأمراض خطرا على الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فالمجالات التي يعمل فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر مرتع خصب لظهور هذا الداء العضال ونموه (3) وقد عرض القرآن الكريم في أكثر من موضع قصة إبليس الذي خرج من رحمة الله إلى سخطه وهبط من سمائه إلى
(1) رواه مسلم، كتاب 45، باب 39 حديث 2621.
(2)
سورة المائدة، الآية 27.
(3)
بتصرف مشكلات الدعوة والداعية، مصدر سابق، ص190 - 191.
أرضه حين قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76](1) والكبر داء تعددت أسبابه وكثرت مسبباته.
ومنها:
غرور العلم: وهو أشد أنواع الغرور على الإطلاق والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أكثر الناس عرضة للإصابة بجرثومة هذا الداء الفتاك، فالخطابة والكتابة والتعليم والتوجيه وسواها من وسائل الدعوة فضلا عن الشهادات والدرجات العلمية، والألقاب الجامعية فإنها تعد من أوسع مداخل الشيطان إلى النفس البشرية؛ لأنها مجلبة للشهرة لافتة للأنظار، مثيرة للإعجاب، وفي هذا ما فيه من عوامل الإشباع والإملاء لرغائب النفس وجوعاتها.
فعلى الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يكونوا شديدي الاحتراس من الوقوع في هذا المرض العضال وليعلموا أن الله الذي منحهم هذه المواهب قادر على أن يسلبهم إياها من حيث لا يشعرون، إن من حق الله عليهم أن يكونوا شاكرين لفضله غير جاحدين ولا كافرين، قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]
(1) سورة ص، آية 76.