الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[عاشرا اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه]
عاشرا: اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يجوز فيه الخلاف، فالخلاف طبيعة البشر، قال الله تعالى:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119](1) وهناك مسائل فرعية يختلف فيها الناس وهي في الحقيقة مما وسع الله فيه على عباده - وأعني مسائل ليست من الأصول التي تبلغ إلى تكفير المخالف، فهذه مما وسع الله فيها على العباد (2) . ومن يتصفح كتب العلماء - المعتد بعلمهم - في أنواع العلوم الشرعية في التفسير وشروح الحديث والفقه، يجد أن هذه الكتب ممتلئة بالخلافات في المسائل الفرعية، ولم يثر ذلك أحد من أهل العلم وادعى فيه طعنا على من رد عليه قوله ولا ذما ولا نقصا، ولم يثر ذلك أحد إلا إذا كان المخالف ممن يفحش في الكلام ويسيء الأدب في العبارة فينكر عليه فحاشته وإساءته دون أصل رده ومخالفته؛ إقامة للحجج الشرعية والأدلة المفيدة. وسبب ذلك أن العلماء كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمته هي العليا (3) .
(1) سورة هود، الآيتان 118، 119.
(2)
زاد الداعية، مصدر سابق، ص 26.
(3)
بتصرف، الفرق ببين النصيحة والتعيير، مصدر سابق، ص 8 - ص 10.
وكلهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرا (1) ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مهور النساء، وردت المرأة بقولها:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20](2) فرجع عمر رضي الله عنه عن قوله وقال: " أصابت امرأة ورجل أخطأ "(3) .
وكان الشافعي رحمه الله يوصي أصحابه باتباع الحق وقبول السنة إذا ظهر لهم على خلاف قوله، وأن يضرب بقوله حينئذ الحائط (4) ويقول: إنه " ما ناجزني أحد فباليت، أظهرت الحجة على لسانه أو على لساني ". وهذا يدل على أنه لم يكن له قصد إلا ظهور الحق ولو كان على لسان غيره ممن يخالفه.
ومن كانت هذه حاله فإنه لا يكره أن يرد عليه قوله ويتبين له مخالفته
(1) انظر قصة الحافظ الدارقطني وهو صغير، لما صحح للحافظ الإمام ابن الأنباري وهو إمام كبير، فقيل هذا من ذاك في (تاريخ بغداد) ، جـ 3، ص 183.
(2)
سورة النساء، الآية 20.
(3)
رواه البيهقي.
(4)
إعلام الموقعين، جـ 2، ص 63.
للسنة لا في حياته ولا في مماته.
وهذا هو الظن بغيره من علماء الإسلام الذابين عنه، القائمين بنصره من السلف والخلف، ولم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم، ولو لم يكن ذلك الدليل قويا عندهم بحيث يتمسكون به ويتركون دليلهم له.
ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول: " وإن كان يخالف في أشياء، فإن الناس لم يزل بعضهم يخالف بعضا "(1) أو كما قال، وكان كثيرا ما يعرض عليه كلام إسحاق وغيره من الأئمة، ومآخذهم في أقوالهم، فلا يوافقهم في قولهم، ولا ينكر عليهم أقوالهم، ولا استدلالهم، وإن لم يكن هو موافقا على ذلك.
وقد استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم، أنه قيل له:" أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك؟ ، فقال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه "، أو معنى هذا، فقال أحمد:" ما أعقله من رجل "(2) .
هذه وجهة نظر بعض العلماء في الخلافات الفرعية. وأن الخلاف في الفروع يجب ألا يفرق الدعاة إلى الله، فالخلاف من طبيعة البشر. وإنه لا
(1) الفرق بين النصيحة والتعيير، مصدر سابق، 11.
(2)
المصدر السابق، ص 11.
ينبغي للإنسان أن يطلب من الآخرين أن يوافقوه في كل شيء، حتى اجتهاداته الشخصية، يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن أهمية اتساع صدر الداعية إلى الله لمن خالفه (1) " أن يكون قلبه منشرحا لمن خالفه لا سيما إذا علم أن الذي خالفه حسن النية وأنه لم يخالفه إلا بمقتضى قيام الدليل عنده، فإنه ينبغي للإنسان أن يكون مرنا في هذه الأمور، وأن لا يجعل من هذا الخلاف مثارا للعداوة والبغضاء، اللهم إلا رجل خالف معاندا بحيث بين له الحق ولكن يصر على باطله، فإن هذا يجب أن يعامل بما يستحق أن يعامل به من التنفير عنه وتحذير الناس منه؛ لأنه تبين عدوانه حيث بين له الحق فلم يمتثل.
وهناك مسائل فرعية يختلف فيها الناس، وهي في الحقيقة مما وسع الله فيه على عباده، وأعني مسائل ليست من الأصول التي تبلغ إلى تكفير المخالف، فهذه مما وسع الله فيها على العباد وجعل الخطأ فيها واسعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» فالمجتهد لا يخرج عن دائرة الأجر أبدا، فإما أجران إن أصاب وإما أجر واحد إن أخطأ، وإذا كنت لا تريد أن يخالفك غيرك فإن غيرك أيضا يريد ألا يخالفه أحد، فكما أنك تريد أن يأخذ الناس بقولك فالمخالفون لك يريدون أيضا أن يأخذ الناس بقولهم، والمرجع عند التنازع ما بينه الله عز وجل في قوله:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]
(1) زاد الداعية، مصدر سابق، ص 26 - ص 29.
(1)
ويقول عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59](2) ؛ فيجب على كل المختلفين والمتنازعين أن يرجعوا إلى هذين الأصلين: كتاب الله وسنة رسوله، ولا يحل لأحد أن يعارض كلام الله ورسوله بكلام أحد من البشر مهما كان، فإذا تبين لك الحق فالواجب أن تضرب بقول من خالفه عرض الحائط، وأن لا تلتفت إليه مهما كانت منزلته من العلم والدين؛ لأن البشر يخطئ لكن كلام الله ورسوله ليس فيه خطأ.
ويؤسفني، ومن المؤسف أن أسمع عن قوم يعدون جادين في طلب الحق والوصول إليه، ومع ذلك نجدهم متفرقين، لكل واحد منهم اسم معين أو وصف معين، وهذا في الحقيقة خطأ. . . إن دين الله عز وجل واحد وأمة الإسلام واحدة، يقول الله عز وجل:{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52](3) ويقول الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159](4) وقال عز وجل: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]
(1) سورة الشورى، الآية 10.
(2)
سورة النساء، الآية 59.
(3)
سورة المؤمنون، الآية 52.
(4)
سورة الأنعام، الآية 159.
(1)
.
فإذا كان هذا توجيه الله عز وجل لنا فالواجب علينا أن نأخذ بهذا التوجيه، وأن نجتمع على بساط البحث، وأن يناقش بعضنا بعضا على سبيل الإصلاح لا على سبيل الانتقاد أو الانتقام، فإن أي إنسان يجادل غيره ويحاج بقصد الانتصار لرأيه واحتقار رأي غيره أو لقصد الانتقاد دون الإصلاح، فإن الغالب أن يخرجوا على وجه لا يرضي الله ورسوله، فالواجب علينا في مثل هذا الأمر أن نكون أمة واحدة. وأنا لا أقول أنه لا يخطئ أحد، كل يخطئ ويصيب، ولكن الكلام في الطريق إلى إصلاح هذا الخطأ، ليس الطريق إلى إصلاح الخطأ أن أتكلم في غيبته وأقدح فيه، ولكن الطريق إلى إصلاحه أن أجتمع به وأناقشه، فإذا تبين بعد ذلك أن الرجل مصر على عناده وعلى ما هو عليه من باطل فحينئذ لي العذر ولي الحق، بل يجب علي أن أبين خطأه وأن أحذر الناس من خطئه وبهذا تصلح الأمور، وأما التفرق والتحزب فإن هذا لا تقر به عين أحد إلا من كان عدوا للإسلام والمسلمين (2) . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
(1) سورة الشورى، الآية 13.
(2)
زاد الداعية إلى الله، مصدر سابق، ص 26 - ص 29.