الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهو ينقض اليوم ما قاله بالأمس، ويقول هنا ما نقض هناك، وهذا إن دَلَّ على شيء فإنما يدل على أن المؤلف يفكر بعقل مشوش مضطرب، ويكتب بقلم مأجور مذبذب، وهكذا شأن المبطلين.
ذِكْرُ أَبِي رَيَّةَ أَحَادِيثَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَعْنُهُ فِيهَا:
في [ص 198 - 202] ذكر المؤلف أمثلة مِمَّا رواه أبو هريرة، وسأستعرض هذه الأحاديث وأبين محاملها الصحيحة، وأن بعضها يعتبر من محاسن الإسلام في توجيهاته وإرشاداته، وسترى أن المؤلف كان ينظر إلى ما روي عن أبي هريرة بعين ساخطة ترى المستقيم مُعْوَجًّا والمحاسن مساوئ والحق باطلاً، وإليك هذه الأحاديث:
حَدِيثُ إِرْسَالِ مَلَكِ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عليه السلام:
-----------------------------------------------------
وفي رواية لـ " مسلم "(*) قال: فلطم موسى عين الملك ففقأها.
وفي " تاريخ الطبري " عن أبي هريرة أنَّ ملك الموت كان يأتي الناس أحيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، ومن بعد حادثة موسى يأتي الناس خفياً
…
اهـ
قال: وإنَّ رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث.
والجواب:
أنَّ هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان البُخَارِي ومسلم (1) أَوْرَدَاهُ
(1) رواه " البخاري " في كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى. " فتح الباري ": 6/ 342. و " مسلم بشرح النووي ": 15/ 127، 128.
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) في " صحيح مسلم ": «فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ» وليس كما ذكر أبو رية، انظر " الجامع الصحيح للإمام مسلم " تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (43) كتاب الفضائل (42) باب فضل موسى صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 2372، 4 / ص 1842، الطبعة الثانية: 1972 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
موقوفًا عليه من طريق طَاوُوس، ومرفوعًا إلى النَّبِيِّ من طريق همام بن منبه قال الحافظ: وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس أيضًا أخرجه الإسماعيلي.
فالحديث مرفوع لا محالة، أما في رواية همام بن منبه فالأمر ظاهر، وأما رواية طاووس فلها حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه، ويبعد كونه من الإسرائيليات وروده مرفوعًا صراحة من طريق صحيح.
ورواه الإمام أحمد في " مسنده ": وليس في الحديث ما يستشكل وإنما يكون مشكلاً لو أن موسى عليه السلام علم أنه ملك الموت، وأنه دافعه رغبة عن الموت، إذ مقام الأنبياء يتنزه عن ذلك.
وفي الحق أن موسى عليه السلام ظنه عاديًا يريد أن يعتدي عليه، فدافع موسى عن نفسه فأدت المدافعة إلى فَقْءِ عَيْنِهِ، والدفاع عن النفس أمر مشروع في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
وليس في الرواية ما يدل على أنه كان يعرف أنه ملك الموت، وتشكل الملائكة بالصور الإنسانية أمر معروف مُسَلَّمٌ، وجاء به القرآن الصادق الذي لا يتطرق إليه الشك والارتياب، وليس بلازم أنْ يعرف النَّبِيُّ أن المتشكل مَلَكٌ، فقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم ولوط - عَلَيْهِمَا الصَلَاةُ وَالسَّلَامُ - - كما قص القرآن الكريم - في صورة آدميين ولم يعرفاهم، ولولا ذلك لما قدم لهم إبراهيم عليه السلام اللحم المشوي وقال: ألا تأكلون، ولما خاف عليهم لوط من قومه، وليس أدل على أن سيدنا موسى لم يكن يعرف ملك الموت أولاً أنه لما جاءه المرة الثانية وعرف أنه ملك الموت وأن اللهَ خَيَّرَهُ بين طول الحياة أو قبض الروح - اختار قبض الروح، والحديث صريح في هذا كل الصراحة، وقد سبق إلى هذا الإمام الكبير أبو بكر بن خزيمة وغيره من المُتَقَدِّمِينَ واختاره المازري والقاضي عياض وغيرهما (1) من علماء الأُمَّة الذين جمعوا بين المعقول والمنقول.
(1) المرجعان السابقان.
وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الملائكة تتشكل، وأن الصورة لا تحكم على هيئتها الحقيقية، فَفَقْءُ موسى عين الملك لا يعود عليه بنقص في خلقته ولا في هيئته، وبما ذكرناه يزول عن الحديث أي إشكال.
حَدِيثُ تَحَاجِّ الجَنَّةِ وَالنَّارِ:
------------------------
والجواب:
أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "(1)، رواه البخاري عن أبي هريرة، وروى آخره عن أنس (2)، ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه أيضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا، وروى آخره عن أنس بن مالك، ولو أن الحديث كان من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه، فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما سمعت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه، وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده، وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عند المؤلف، فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟!.
هذا من ناحية الرواية، وأما من ناحية الدراية فلا نرى عليه غُبَارًا يثير الشك، وإنما يستشكل هذا من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم
(1)" فتح الباري ": 8/ 484. " مسلم بشرح النووي ": 17/ 180 وما بعدها.
(2)
«كتاب التفسير» ، باب قوله «وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» و «كتاب التوحيد» ، باب قول الله تعالى:«إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» .
في البيان، وفي الكتاب الحق:{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (1)
والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان، ثم يفصل بينهما الحُكْمُ العَدْلُ بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب وطرقهم في «البيان» الكثير من ذلك، قال الشاعر العربي:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى *
…
*
…
* صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلَانَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام وإنما هو تمثيل.
وقال امرؤ القيس في معلقته المشهورة مخاطبا الليل:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ *
…
*
…
* وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِى *
…
*
…
* بِصُبْحٍ وَمَا اْلإصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني.
والحوض لا يتكلم وإنما هو تخيل وتمثيل، على أن الحديث يجوز أن يحمل على أن المحاجة كانت بين ملكين موكلين للجنة والنار، يكون الكلام من قبيل المجاز بالحذف، أي تحاج ملك الجنة وملك النار.
ولو ذهبنا إلى ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الكلام على حقيقته لا مجازه لم نبعد، ولسنا في ذلك حشويين ولا جامدين - كما يزعم المؤلف في نبذ كل عالم متثبت - إذ ليس بكثير على قدرة الله تبارك وتعالى أن يخلق في الجماد إدراكًا به يعقل وينطق، وإذا كان العقل البشري قد توصل إلى اختراع الإنسان الآلي الذي يسير ويتحرك وينطق ويحسب، أفنستكثر على قدرة الحق - جَلَّ وَعَلَا - أن يُحَدِّثُ التمييز والنطق في الجنة والنار؟
وأما قوله: «حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ
…
الخ» وفي رواية «قدَمَهُ» .
فللعلماء في هذا وأمثاله رأيان: إما التفويض مع التنزيه والإيمان به
(1)[سورة ق، الآية: 30].
من غير تمثيل ولا تكييف، وهو مذهب السلف، وإما التأويل، وهو مذهب الخلف، فقد قالوا: إن المراد بالقدم أو الرجل هنا الجماعة الذين قدمهم الله لها من أهل العذاب، أو المراد قدم أو رجل لبعض المخلوقين، أو أن المراد الكناية عن إذلال جهنم وإسكانها، فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلب المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم وليس المراد حقيقة القدم، والعرب يستعملون ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا يريدون أعيانها، ولا يزال الناس يقولون:«وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي أَوْ قَدَمِي» ولا يريدون الحقيقة، وإنما يريدون الإهانة والإذلال.
حديث: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الكَافِرِ» :
---------------------------------
قال: وروى " البخاري " عنه: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِْ الكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ» وأخرج أوله " مسلم " عنه مرفوعًا وزاد: «وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» .
والجواب:
أن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم "، رواه " البخاري " عن أبي هريرة في باب «صفة الجنة والنار «من كتاب الرقاق (1) وهو مرفوع في رواية البخاري لا كما يوهم كلام المؤلف من أن رواية " البخاري " موقوفة عليه، ورواه مسلم في " صحيحه " (2) عن أبي هريرة مرفوعًا بدون قوله: وغلظ جلده إلخ، وأما رواية " مسلم " التي فيها الزيادة فبلفظ: «ضِرْسُ الكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» ومن ثم تبين لنا أن المؤلف غير متثبت فيما ينقل، وإنما يعتمد على الخطف السريع، فقد خطف هذه الكلمة من " الفتح " من غير أن يعرف مرجع الضمير في قوله:«أوله»
وقد وردت أحاديث أخرى تفيد عظم خلق الكافر يوم القيامة عن غير أبي هريرة، مِمَّا يدل على أنه لم ينفرد بهذا، ففي حديث ابن عمر عند
(1)" فتح الباري ": 11/ 354.
(2)
" مسلم بشرح النووي ": 17/ 186