الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مخالفة أَبِي رَيَّةَ لبدائه العقول:
ومن أجل أَنَّ المؤلف اعتمد على كتب الأدب ونحوها في النقل، ولا سيما في موضوع دقيق يتعلق بتاريخ صحابي جليل، وهو أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأنه أخذ في البحث وهو متشبع بهوى خاص، فقد وقع في أخطاء نربأ بطالب مبتدئ أَنْ يقع فيها.
فمن ذلك ما ذكره في [ص 156] من التهكم بأبي هريرة وتسميته بشيخ المضيرة، قال نقلا عن كتاب " ثمار القلوب " للثعالبي:«وكان يعجبه المضيرة جِدًّا فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صَلَّى خلف عَلِيٍّ رضي الله عنه، فإذا قيل له في ذلك قال: " مُضَيْرَةُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ وَأَطْيَبُ، وَالصَّلَاةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ "، وكان يقال له شيخ المضيرة» (1).
وكيف يصح هذا في العقول وعَلِيٌّ كان بالعراق ومعاوية كان بالشام وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أَنْ تولى إمارة البحرين في عهد عمر رضي الله عنه لم يفارق الحجاز، قال الإمام ابن عبد البر:«اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ» (2).
اللَّهُمَّ إِلَاّ إذا كان المؤلف يرى أَنَّ أبا هريرة أُعْطِيَ بساط سليمان أو كانت تُطْوَى له الأرض طَيًّا!!!.
وفي [ص 157] ينقل عن أحد المؤلفين في سيرة سيدنا أبي هريرة - بعد أَنْ أضفى عليه من الألقاب الفضفاضة ما أضفى - قوله: يظهر من هذه الحكاية وغيرها أنه مِمَّنْ حضر وقعة صفين وأنه كان يصانع الفئتين ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحد أَنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي
(1) المُضَيْرَةُ: مريقة تطبخ باللبن المضير، أي الحامض. وربما خلط بالحليب، وكان من أطايب الأطعمة يومئذٍ.
(2)
" الاستيعاب ": 4/ 209 هامش " الإصابة ".
في جماعة عَلِيٍّ، ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال:«عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ أَدْسَمُ، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ» .
وهل يؤخذ العلم من الحكايات ولا سيما في موضوع فيه اتهام وتجريح كهذا؟!! ولمن؟ لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - ثم من قال: إِنَّ أبا هريرة حضر موقعة صفين؟ الأجل أن تصحح أيها المؤلف المتجني وصاحبك الذي زعمت أنه محقق و ..... و ..... حكاية باطلة تركبان هذا المركب الصعب وتتمحلان هذا التمحل الشديد؟ ثم من «غير واحد» الذي حدث؟ ثم هل يصح في العقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره؟
أدركونا يا أصحاب العقول، وصدق القائل:
هَذَا كَلامٌ لَهُ خبيءٌ *
…
*
…
* مَعْنَاهُ لَيْسَ لَنَا عُقُولُ
إِنَّ هذه الحكايات وأمثالها - وما أكثرها في كتب الأدب - مِمَّا لا تصح نقلاً ولا توافق عقلاً إنما ذكرت في كتب يقصد من ورائها قتل الوقت وشغل الفراغ والتفكه والتندر، وكان الأليق بها الإهمال في معرض البحث العلمي، أما أنها توضع في كتاب في تاريخ السُنَّة، ويعتمد عليها في تجريح رجل من كبار أهل العلم، فضلاً عن كونه صحابيًا جليلاً زَكَّاهُ الرسول والرعيل الأول من خيار المسلمين، فهذا ما لم نعهده في أسلوب البحث في القديم ولا في الحديث.
وَمِمَّا لا يقضي منه العجب أَنَّ صاحب هذه السقطة الشنيعة يكتب على غلاف كتابه ما نصه: " دراسة مُحَرَّرَةٌ تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه وكل ما يتصل به من أمور الدين والدنيا "، وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها، لم ينسج أحد من قبل على منوالها .. » ولقد صدق، فهي مُحَرَّرَةٌ من قواعد البحث العلمي الصحيح ومن صحيح النقل وسليم العقل، وهي الأولى في موضوعها خَلْطًا