الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا ندعي لهم العصمة، وفيما ذكرته في الفصل الذي عقدته لعدالة الصحابة ما يغني عن الإعادة فكن على ذكر منه.
مَا حَدَثَ مِنَ الخُلَفَاءِ فِي قَبُولِ المَرْوِيَّاتِ تَحَوُّطٌ وَتَثَبُّتٌ لَا تَكْذِيبٌ:
وأما ما ذكره في [ص 234] من أن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وَعَلِيٍّ كانوا لا يُصَدِّقُونَ من يؤدي لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إِلَاّ إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النَّبِيِّ أو يحلف أنه تلقاه عنه فقد قَدَّمْتُ الحَقَّ فِيهِ.
وما حدث من هؤلاء السادة الخلفاء الراشدين إنما كان من قبيل الورع والمبالغة في التَّحَرِّي والتثبت ليضعوا الأساس لكل من جاء بعدهم في التثبت في الرواية كما أكدنا ذلك آنِفًا.
زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أَنَّ تَأَخُّرَ التَّدْوِينِ كَانَ لَهُ ضَرَرٌ بَالِغٌ فِي الدِّينِ:
في [ص 236] قال بعد ما عرض للخلافات السياسية والمذهبية: «من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الأحاديث الصحيحة شَاقًّا، والبحث عن معرفة حقيقة الرُواة أشق، وإذا علم ذلك بَدَا - ولا ريب - أن تأخر التدوين كان له ضرر بالغ إذ كان سببًا في اتساع آفاق الرواية واتصال الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز على مَرِّ الدهور» .
وهو تهويل وَشَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، فقد علمنا أن العلماء قد شمروا عن ساعد الجد، وأوفوا على الغاية في البحث عن حال الرواة ونقد المرويات، وتحملوا في سبيل ذلك ما تحملوا من الارتحال وقطع الفيافي والقفار حتى تم لهم ما أرادوا من التمييز بين الصحيح والمعلول، وكذا ما زعمه من أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ تهويل بلا مُبَرِّرٍ.
إِيجَازُهُ المُخِلُّ بِمَبْحَثِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ:
في [ص 239] عرض لِمَبْحَثَيْ العدالة والضبط وأوجز في الكلام عليهما إِيجَازًا مُخِلاًّ، بل حاول أن يبين أن من الصعب الوقوف على رسم
للعدالة فضلاً عن حد وذلك لحاجة في نفسه، لا تخفى عليك، ولو أنه نقل ما قاله العلماء في مبحث العدالة والضبط وشروطهما لعاد عليه بالنقص والإبطال لِجُلِّ ما ذكره.
وإليك ما ذكره العلماء في هذا، كي تزداد علما بأصالة منهج المُحَدِّثِينَ في النقد، وأن قواعدهم فيه أدق القواعد وأرقاها.
أما العدالة فقد عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا مَلَكَةٌ - أي حالة راسخة في النفس - تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المَنْهِيَّاتِ من كفر أو فسق أو بدعة.
والمروءة آداب نفسانية تحمل المتحلي بها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات
وقالوا: إن ما يخل بالمروءة قسمان:
1 -
الصغائر الدالة على الخِسَّةِ كسرقة رغيف أو شيء حقير مثلاً
2 -
المباحات التي تورث الاحتقار وتذهب الكرامة كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال.
والمراد بالعدالة: العدالة التامة لا القاصرة فإنها لا يعتد بها عند المُحَدِّثِينَ.
والعدالة بهذا الحد الذي ذكرته لا تتحقق إِلَاّ بالإسلام، والبلوغ، والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة، ومن ثم قال علماء الحديث إن عدل الرواية هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وإن كان عبدًا أو امرأة أو أعمى أو محدودًا في قذف ثم تاب أو انفرد برواية الحديث، وذلك بخلاف عدل الشهادة فلا يقبل فيها من حد في قذف، أو كان أعمى أو امرأة أو رقيقًا، وذلك لأن الشهادة من قبيل الولاية ولا كذلك الرواية، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الكافر والصبي والمجنون والفاسق (فاعل الكبيرة أو المصر على الصغيرة) وفاقد المروءة بمعزل عن عدل الرواية، وإنه لتظهر لنا دقة علمائنا الفائقة - جزاهم
الله عنا خَيْرًا - حينما لم يكتفوا بالإسلام والعقل عن البلوغ والسلامة من الفسق وما يخل بالمروءة، وذلك لأن الإسلام والعقل يمنعان من الكذب بحسب الظاهر لوجود ما يعارضهما وهو الهوى والشهوة فَلَا بُدَّ إِذًا من رجحان جانب العقل والإسلام على دواعي الهوى والشهوة، وذلك لا يكون إِلَاّ بالسلامة من أسباب الفسق وما يخل بالمروءة (1).
وأما الضبط فقد عَرَّفُوهُ بأنه التيقظ وعدم الغفلة، وذلك بأن يكثر صواب الراوي على خطئه مع قلة الخطأ في نفسه، وينقسم الضبط إلى قسمين:
1 -
ضبط صدر وهو أن يحفظ ما يسمعه في صدره من وقت تحمله إلى حين أدائه مع المحافظة على اللفظ إن كان حافظًا له ومع علمه بما يحيل المعنى أو يخل به إن روي بالمعنى.
2 -
ضبط كتاب وهو أَنْ يَصُونَ الكِتَابَ الذِي تَحَمَّلَهُ من وقت التحمل إلى وقت الأداء بحيث يكون آمِنًا عليه من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان.
ومن ثم يظهر لنا أن المُحَدِّثِينَ لا يعتبرون الراوي ضابطًا إذا تساوى خطؤه وصوابه، أو غلب خطؤه على صوابه، وهو المسمى عندهم بالمغفل، أو فاحش الغلط، أو كثير الخطأ وكذا لا يعتبرون من كثر صوابه على خطئه ولكن كثر الخطأ في نفسه وهو المسمى (سَيِّئَ الحِفْظِ)(2).
وإذا ثبتت عدالة الرواي، وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه ويترجح تَرَجُّحًا قَوِيًّا جانب الصواب على جانب الخطأ في مروياته وليس بعد ترجح جانب الإصابة وتحقق الطمأنينة إليه إِلَاّ قبول مروياته والثقة بها، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنه بعد تحقق هذه الشروط يصير احتمال الكذب أو الغلط احتمالاً بعيدًا جِدًّا إن لم يكن غير ممكن ولا يخالجنا شك أنه من أهل الصدق والأمانة.
(1)" الأسلوب الحديث في علوم الحديث ": 2/ 7.
(2)
" نخبة الفكر " و " شرحها " للحافظ ابن حجر «مبحث الضبط» .