الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمَا الأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلَام اِبْن مَسْعُود يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ
…
وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنْ اِضْطَجَعَ» وإنكاره للاضطجاع إنما هو في المسجد
…
والظاهر أن الأمر بالاضطجاع إنما هو على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما ذهب إليه ابن حزم
…
وأيا كان الأمر فالإنكار لا يدل على الكذب ولا التهمة به ولا على الطعن في عدالة الراوي، أما قول ابن عمر:«أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ» فليس فيه تهمة ولا طعن، ولو أن المؤلف ذكر النص كله - كما نقلته عن " الإصابة " - لزال كُلُّ وَهْمٍ ولألقمه حَجَرًا، ولسد عليه طريق التهمة.
افْتِرَاءَاتٌ عَلَى العُلَمَاءِ كَيْ يُثْبِتَ تَجْرِيحَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
في ص [169] قال: وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم، ثم أخذ يدلل على هذه الدعوى الكاذبة بنقول أغلب الظن أنها مُلَفَّقَةٌ وغير صحيحة فنقل عن الإمام أبي حنيفة وعن إبراهيم النخعي (1) وعن الأعمش بل وعن أبي جعفر الإسكافي وعن ابن الأثير صاحب كتاب " المثل السائر " إلى أن قال: وجرت مسألة المُصَرَّاةِ في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة (2) فَرَدَّ بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحا نحوه الرشيد.
والجواب:
----------
أن ما نسبه إلى الإمام أبي حنيفة من أنه قال: الصحابة كلهم عدول
(1) النخعي: النخع: محركة، قبيلة باليمن كما في " القاموس ".
(2)
حديث المُصَرَّاةِ هو ما رواه البخاري في " صحيحه "«كتاب البيوع» ، باب المحفلة والمصراة. عن أبي هريرة قال: قال النَّبِي: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعَ تَمْرٍ» .
ما عدا رجالا، وَعَدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك، فهو كلام لم يعزه إلى كتاب موثوق به، ولم يبرز لنا سنده حتى ننقده، ونبين مبلغه من الصحة أو الضعف وأنا أقطع بكذب ما روي عن أبي حنيفة، ثم هو معارض بما ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه قال:«مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ» وهي عبارة عامة تدل على قبول ما جاء عنه سواء رواه أبو هريرة أم غيره.
وكون الصحابة كلهم عدولاً لم يخالف فيه أحد من الأئمة الأربعة ولا من أصحابهم الموثوق بهم، وكل ما هنالك أن الحنفية جعلوا من أصولهم أن الراوي إن كان معروفًا بالفقه والاجتهاد فإنهم يقبلون خبره، سواء وافق القياس أم خالفه، وأما إذا كان معروفا بالرواية فإن وافق خبره القياس قُبِلَ، وكذا إذا خالف قياسًا ووافق قياسًا آخر، ولكن إذا خالف الأقيسة كلها لا يقبل وحجتهم في ذلك أن النقل بالمعنى كان مستفيضا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي لم يؤمن من أن يذهب شيء من معانيه فيدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس، وَمَثَّلُوا بحديث المصراة، فقد قالوا: إنه مخالف للقياس الصحيح من كل وجه، لأن ضمان المتلفات إما بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس بمثل ولا قيمة وقالوا: إن ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة ثابت بالكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع إلى آخر ما قالوا (1) وبعضهم لم يأخذوا بالحديث لا لمخالفته للقياس، بل لمخالفته للكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا أن الحنفية لما توقفوا في بعض أحاديث أبي هريرة لم يقولوا إن ذلك لطعن في عدالته أو لاتهامه بالكذب كما زعم المؤلف، الذي تجنى بسوء فهمه على الحنفية، وأظهرهم بمظهر التاركين للأحاديث الصحيحة، الطاعنين في بعض الصحابة، ولا سيما أبو هريرة وإنما كان توقفهم بناء على هذا الأصل من أصولهم.
(1)" التوضيح على التلويح ": 2/ 434 - 435. طبعة استامبول.