المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث موقعة الأرك - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٤

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌القسْم الثانىعصْر الموحِّدينوانهيار الأندلسْ الكبرى

- ‌تصدير

- ‌الفصل الأولعصر الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وسقوط مملكة الشرق

- ‌الفصل الثالث حركة الجهاد بالأندلس والإخفاق في غزوة وبذة

- ‌الفصل الرابع أحداث الأندلس والمغرب

- ‌الفصل الخامس غزوة شنترين

- ‌الكِتابُ السابع عصْر الخليفة يعقوبْ المنصُور حَتى مَوقعَة العِقابْ

- ‌الفصل الأوّل عصر الخليفة يعقوب المنصور وبداية ثورة بني غانية

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وإفريقية

- ‌الفصل الثالث موقعة الأرك

- ‌الفصل الرابع ما بعد الأرك

- ‌الفصل الخامِسُ عصر الخليفة محمد الناصر

- ‌الفصل السادس موقعة العقاب

- ‌الكِتاب الثامِنْ الدولة الموحديّة في طريق الانحلال والتفكك

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة يوسف المستنصر بالله

- ‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة أبي العلي المأمونإلغاء رسوم المهدي ابن تومرت وقيام الدولة الحفصية بإفريقية

- ‌الكِتاب التاسِع انهيار الأندلس وسقوط قواعدها الكبرى

- ‌الفصل الأول الثورة في مرسية وبلنسية ونذر الانهيار الأولى

- ‌الفصل الثاني ابن هود وابن الأحمر وسقوط قرطبة

- ‌الفصل الثالث سقوط بلنسية وقواعد الشرق

- ‌الفصل الرابع سقوط إشبيلية وقواعد الغرب

- ‌الكتاب العاشر نهاية الدولة الموحديّة

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد

- ‌الفصل الثاني عصر الخليفة أبي الحسن على السعيد

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة المرتضى لأمر الله

- ‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها

- ‌الكتاب الحادي عشر الممالك الإسبانية النصرانية خلال العصْر الموحّدى

- ‌الفصل الأول قشتالة وليون

- ‌الفصل الثاني أراجون ونافارا والبرتغال

- ‌الكتاب الثاني عشر نظم الدولة الموحديّة وخواص العصْر الموحدي

- ‌الفصل الأول الحكومة الموحدية بالمغرب والأندلس

- ‌الفصل الثاني الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الثالث الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الرابع الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

الفصل: ‌الفصل الثالث موقعة الأرك

‌الفصل الثالث موقعة الأرك

عزم المنصور على السير إلى إفريقية. مسيره إلى رباط الفتح. مقدم ولاة الأندلس وإبلاغهم بانقضاء الهدنة مع النصارى. غارات النصارى وعيثهم في أراضي الأندلس. تعديل المنصور لخطته وعزمه على العبور إلى الأندلس. رواية أخرى عن بواعث هذا التحول. إتمام الأهبة ومقدم سائر الحشود. مسير المنصور من مراكش إلى قصر المجاز. جواز الجيوش الموحدية ثم الخليفة إلى شبه الجزيرة.

مسيره إلى إشبيلية. إجراء التمييز واستكمال الأهبة. مسير الخليفة إلى قرطبة ثم خروجه إلى قشتالة. أهبة ألفونسو الثامن. مسيره نحو قلعة رباح. نزوله بقواته في ربوة الأرك. مسير الخليفة إلى لقائه ونزوله قرب الأرك. اشتباك الطلائع. رأى ابن صناديد في خطة القتال. تقسيم الجيش الموحدي وقواده. زحف الموحدين صوب الأرك. استعدادهم لخوض المعركة. ترتيب الجيوش الموحدية. تبادل الغفران والحث على الجهاد. وصف عيان لميدان معركة الأرك. بدء المعركة في ضحى التاسع من شعبان. نزول القشتاليين واندفاعهم نحو المعسكر الموحدي. هجوم القشتاليين على القلب. عنف القتال وروعته. مقتل القائد العام أبي يحيى. اندفاع جيوش الأندلس والمغرب والأغزاز نحو النصارى. اضطرار النصارى إلى الارتداد والفرار إلى الربوة. حملة العرب والمطوعة والأغزاز عليهم وحصدهم. زحف الخليفة في سائر قواته نحو النصارى. ارتياع النصارى وفرارهم. اقتحام الموحدين لحصن الأرك. وصف الرواية النصرانية لأدوار المعركة. ارتداد ملك قشتالة في فله نحو طليطلة. الاتفاق بين الفريقين على تسليم حصن الأرك. استنقاذ الأسرى المسلمين وتسريح حامية الحصن. نتائج المعركة. عدد الجيش القشتالي وخسائره. خسائر المسلمين. الغنائم والأسلاب. المقارنة بين موقعة الزلاقة وموقعة الأرك. عنصر الأسطورة في المعركتين. الخلاف بين الموقعتين من حيث الظروف والنتائج. أسباب نصر الموحدين. زحف الموحدين على قلعة رباح واقتحامها. وصف عيان لأطلال هذه القلعة. تقسيم المنصور للغنائم. عوده إلى إشبيلية. توجيه كتب الفتح. تهاني الشعراء. عناية المنصور بإصلاح الجامع وإتمام صومعته. قضاؤه الشتاء في إشبيلية. التمييز والاستعداد لاستئناف الغزو. مسير المنصور من إشبيلية إلى منطقة استرمادورة. افتتاح الموحدين لحصن منتانجش. استيلاؤهم على مدينة ترجالة، وسانتا كروث. اقتحامهم لمدينة بلاسنثيا وأسر حاميتها. مسيرهم إلى طلبيرة وتخريبهم لأحوازها. احتجاب القشتاليين وإحجامهم عن لقاء الغزاة. اقتراب الموحدين من طليطلة وتخريبهم لبسائطها. رواية عن غزوهم لطليطلة. استنصار ملك ليون بالمنصور. إمداده بقوة من الموحدين. غزو الموحدين والليونيين لقشتالة وتخريبهم لأراضيها. عود المنصور إلى قرطبة ثم إلى إشبيلية. نتائج هذه الغزوة السلبية. عناية المنصور بأمر العمال والنظار. قيامه بتعيين بعض الولاة. استعداده للغزوة التالية. مسيره إلى قرطبة ونزوله بها.

ص: 196

لما تواترت على المنصور خلال سنة 590 هـ (1194 م) تلك الأنباء المقلقة عن حوادث إفريقية، وتوالت عليه كتب واليها الشيخ أبي سعيد بن أبي حفص عن استفحال أمر بني غانية، وتفاقم غارات العرب واشتداد عيثهم، اعتزم أن يسير إلى إفريقية لمعالجة الأمور بنفسه، فغادر مراكش إلى رباط الفتح، ليقوم هنالك بإعداد الحملة المرغوبة، وبعث بكتبه إلى ولاة الأندلس بالحضور لتلقي تعليماته فلما وفدوا عليه بالرباط قرروا أن الهدنة التي عقدت مع ملك قشتالة في سنة 586 هـ (1190 م) عقب جوازه السابق إلى الأندلس، قد انتهى أجلها، وأنه أي ملك قشتالة قد بعث إلى جميع الثغور الإسلامية الواقعة على حدودها ينذرها بذلك، وأنه اعتماداً على انشغال الخليفة بحوادث إفريقية، وباستعداده للحركة إليها، قد بعث أقماطه وقادته إلى مختلف أنحاء الأندلس يغيرون عليها، ويثخنون فيها، حتى بلغت غاراتهم أحواز إشبيلية (1). فصرف المنصور ولاة الأندلس، وغادر رباط الفتح إلى مكناسة، وهو على عزمه أن يسير إلى إفريقية. ولكن توالت عليه عندئذ كتب أهل الأندلس، وقادة الثغور فيها، باشتداد وطأة العدو، وتفاقم غاراته. وكان ألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد بعث مطران طليطلة مارتن لوبث في حملة تخريبية محضة إلى أراضي الأندلس، عاثت فيها أشد عيث، واستولت على كثير من الغنائم والماشية. فرفعت هذه المخاطبات والأنباء كلها إلى المنصور، وهو في مكناسة يستعد للسير إلى إفريقية فأقلقته وأهمته، ورأى عندئذ أن يُعدل خطة سيره، فأمر بأن تُبعث الأمداد إلى ولاة إفريقية، وأن تعد العدة للسير إلى الأندلس، فاشتدت الحركة عندئذ، وأقبلت الحشود من كل صوب، وكانت رغبة المجاهدين في العبور إلى الأندلس أشد لقربها، وتيسير المؤن والأقوات بها (2).

تلك هي البواعث والظروف التي أملت على المنصور عزمه على العبور إلى الأندلس للمرة الثانية. ولكن توجد ثمة رواية أخرى خلاصتها أن ملك قشتالة،

(1) وتوجد ثمة رواية أخرى خلاصتها أن ملك قشتالة كان قد بعث إلى المنصور، وهو يتأهب لغزو إفريقية، رسوله يطلب تجديد الهدنة، وهو يضمر الكيد، فلما وصلت أنباء الغارات التي قام بها القشتاليون في أراضي الأندلس، والرسول في محلة المنصور، أمر المنصور بطرده وتجهيزه إلى البحر (أورد هذه الرواية خلال حديثه عن موقعة الأرك أبو الحسن حازم القرطاجنى في كتابه (مخطوط المتحف البريطاني ص 152).

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 191 و 192، وابن خلدون ج 6 ص 245.

ص: 197

على أثر انقضاء الهدنة التي كانت معقودة بينه وبين الموحدين، غزا أراضي الأندلس، وتوغل في غاراته حتى الجزيرة الخضراء. وهناك وجه إلى الخليفة المنصور كتاباً من إنشاء وزيره اليهودى ابن الفخار، يتحداه فيه بأسلوب يفيض غروراً ووقاحة، أن يأتي لقتاله، فإن جبُن أو عجز، فليرسل إليه السفن ليجوز فيها إليه، ويقاتله في أعز مكان لديه، وأن المنصور غضب لذلك، واستنفر الناس للجهاد، وكانت حركته الثانية إلى الأندلس (1). على أنه يبدو من نص هذا الخطاب، ومن تحدثه عن " تواكل رؤساء الأندلس، وإخلادهم إلى الراحة " أنه يمكن بطريقة أرجح نسبته إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأنه كان موجهاً إلى يوسف بن تاشفين، وليس إلى الخليفة الموحدي.

وفي أوائل سنة 591 هـ (1194 م) كانت أهبات الحملة الموحدية، قد تقدمت تقدماً كبيراً، واجتمعت الحشود من سائر بلاد المغرب والقبلة. وفي يوم الخميس الثامن عشر من جمادى الأولى من السنة المذكورة، خرج الخليفة يعقوب المنصور من حضرة مراكش، والجيوش تتلاحق في أثره من سائر النواحي، وسار تواً إلى قصر المجاز (القصر الصغير)، وهنالك عنى بتنظيم تموين الجيوش، ثم بدأ الجواز، فكان أول من جاز البحر قبائل العرب ثم قبائل زناتة، ثم المصامدة، فغمارة، فالجيوش المطوعة، ثم الموحدون، فالعبيد، ولما تم جواز الجيوش على هذا النحو واستقرت بأراضي الجزيرة الخضراء، عبر الخليفة المنصور البحر في جمع كبير من أشياخ الموحدين والزعماء والفقهاء، والعلماء، وكان عبوره إلى طريف (2) في يوم الخميس عشرين من جمادى الآخرة سنة 591 هـ (أول يونيه سنة 1195 م).

وأقام المنصور بطريف يوماً واحداً، ثم استأنف سيره إلى إشبيلية، ولقيه في الطريق والي إشبيلية السيد يعقوب بن أبي حفص وجماعة من أعيانها، ثم تقدمه ليعد له أسباب النزول في الحضرة الأندلسية، ونزل الخليفة بقصر البحيرة خارج باب جَهور، وهرع أهل الحاضرة للسلام عليه، وعهد الخليفة إلى أبي بكر

(1) راجع ابن الأثير ج 12 ص 44، وابن خلكان في الوفيات ج 2 ص 425، وروض القرطاس ص 145، والنويري طبعة ريميرو في مجلة ( Revista del Centro de ج 8 ص 273 Estudios Historicos T. VIII ano 1919 p. 218)

(2)

البيان المغرب القسم الثالث ص 192، وفي روض القرطاس أنه عبر إلى الجزيرة

الخضراء (ص 146).

ص: 198

ابن زُهر وزملائه أشياخ المدينة، بإنزال الأشياخ والأكابر في الدور المعدة لنزولهم، وبعد الظهر أذن بدخول السادات للسلام عليه، وكان ذلك يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الثانية. وفي الغد ركب الخليفة إلى حصن الفرج الذي كان قد أمر بإنشائه خارج إشبيلية، وأعجب بمنعته وحسن روائه. ثم عاد فزار المسجد الجامع. وفي يوم السبت أمر بإجراء التمييز، فانتظم سائر الجند بالزي الفاخر، والعدد الكاملة، وركب الخليفة ومعه من حضر من الأبناء، والقرابة والوزراء، واستعرض الجند صفاً صفاً، وقبيلا قبيلا، ثم أخرجت الرواتب والبركات، ووزعت على سائر الحشود (1).

وأنفق المنصور في إشبيلية أسبوعين وهو يستكمل أهباته، ويضع خططه في أناة وروية، وفي صبيحة يوم الخميس الحادي عشر من رجب (22 يونيه) غادر إشبيلية قاصداً إلى قرطبة، مخترقاً طريق نهر الوادي الكبير فوصل إليها يوم الجمعة التاسع عشر منه، واستراح بها ثلاثة أيام. ثم خرج منها من باب مورادال في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين منه، وسار في قواته شمالا ميمماً صوب سهول شلبطَرَّة وقلعة رباح.

- 1 -

وكانت أنباء عبور الخليفة الموحدي وجيوشه الزاخرة، قد ترامت أثناء ذلك إلى ملك قشتالة ألفونسو الثامن، فجمع " الكورتيس " في مدينة كريون على عجل وأخذ يتأهب للحرب بكل ما وسع، واستدعى سائر أتباعه من الأمراء والأشراف في قواتهم، وحشد كل ما استطاع من الجند، وبعث إلى زميليه ملكي ليون ونافارا في طلب العون، فوعداه بذلك، وانتظر أياماً بطليطلة حتى وفد أتباعه في حشودهم، ثم غادرها مسرعاً إلى الجنوب، واخترق نهر وادي يانه متجهاً نحو أراضي قلعة رباح، ولم ينتظر مقدم زميله وحليفه ملك ليون، وكان قد وصل في قواته إلى طلبيرة، ولم ينتظر كذلك مقدم قريبه ملك نافارا (نبرّة)، إذ كان واثقاً من رجحان كفة قواته وأهباته، واثقاً من النصر على أعدائه، مهما بلغت قواتهم.

وكان ملك قشتالة قد بدأ قبل ذلك بقليل بإنشاء حصن جديد في المحلة المسماة

(1) البيان المغرب ص 192 و 193.

ص: 199

" بالأرك ". وهي محلة صغيرة من أعمال قلعة رباح، تقع على مسافة أحد عشر كيلومتراً في غربي مدينة " ثيوداد ريال " الحديثة (1)، وتقوم فوق ربوة عالية، تمتد سفوحها حتى نهر وادي يانه، وكانت عندئذ هي نقطة الحدود بين قشتالة وأراضي المسلمين، فإلى هذه المحلة اتجه ملك قشتالة بقواته، وعسكر بها معتزماً أن يلقى الموحدين وألا يسمح لهم بعبور الحدود إلى داخل أراضيه.

وأما الخليفة المنصور فاستمر في سيره مخترقاً قلعة رباح حتى وصل إلى مقربة من محلة الجيش القشتالي المعسكر في الأرك. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن الخليفة استمر في سيره حتى بقى بينه وبين الأرك مرحلتان قريبتان، وإنه نزل هنالك، وذلك في يوم الخميس الثالث من شعبان سنة 591 هـ (13 يوليه سنة 1194 م)، وما كاد الجيش الموحدي يستقر في محلته حتى ظهرت سرية من خيل القشتاليين خرجت لتستطلع أخبار المسلمين، فظفرت بها طائفة من الجند الموحدين وأبادتها قتلا. ومضت بضعة أيام أخرى قبل أن يقع الاشتباك بين الجيشين، ولم تكن ثمة سوى الطلائع من الجانبين، وكانت الخسارة تقع في معظم الأحيان على القشتاليين. وفي خلال ذلك كان الخليفة المنصور، يعقد المؤتمرات الحربية، ويجري مشاوراته مع أشياخ مختلف القبائل، ويروي لنا صاحب روض القرطاس أنه لما استشار قواد الأندلس أحالوه على كبيرهم أبي عبد الله ابن صناديد، وأن ابن صناديد أبدى رأيه للخليفة، بأنه يجب أن تبدأ المعركة باشتباك سائر حشود الأندلس وقبائل العرب، وسائر قبائل المغرب من زناتة والمصامدة وغيرهم وجند المتطوعة، وأن ينتظر الخليفة في المؤخرة ومعه جيوش الموحدين والعبيد والحشم في موضع مستور، فإن أسفرت المعركة عن انتصار المسلمين فبها، وإن أسفرت عن هزيمتهم، فعندئذ يبادر الخليفة في قواته إلى لقاء العدو، وليحمي ظهور المسلمين، ويكون العدو عندئذ قد خبت قواه، فيكون النصر للمسلمين، وأن الخليفة قد أعجب بهذا الرأي وقرر اتباعه (2).

ويقدم إلينا صاحب روض القرطاس فوق ذلك تفاصيل هامة عن تقسيم الجيش

(1) الأرك هي بالإسبانية Alarcos، وثيوداد ريال هي Ciudad Real ومعناها المدينة الملكية. وتقوم مكان الأرك اليوم محلة صغيرة تسمى Sta Maria de Alarcos في فحص قلعة رباح.

(2)

روض القرطاس ص 147.

ص: 200

خريطة: مواقع موقعة الأرك سنة 591 هـ - 1194 م.

ص: 201

الموحدي وقواده في ذلك اللقاء الهام، فيقول لنا إن الخليفة جلس في يوم السبت الخامس من شعبان في قبته الحمراء واستدعى الشيخ أبا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص، وهو حفيد الزعيم عمر بن أبي حفص الهنتاني صاحب المهدي، وكان من أكبر وزرائه، فولاه قيادة الجيش العامة، وقدم ابن صناديد على عساكر الأندلس وحشودها، وجيرمور بن رياح على جميع قبائل العرب، ومنديل المغراوي على قبائل مغراوة، وعقد لمحيو بن أبي بكر بن حمامة على جميع قبائل بني مرين، ولجابر بن يوسف على قبائل عبد الواد، وعقد لعبد القوي التجيني على قبائل تجين، ولتجليدر على قبائل هسكورة وسائر المصامدة، ولمحمد بن منعفاد على قبائل غمارة. وعقد أخيراً للحاج أبي خزر يخلف الأورينى على سائر المتطوعة، وذلك على أن تكون هذه القيادات جميعها تحت القيادة العامة لأبي يحيى بن أبي حفص. واختص أمير المؤمنين من جانبه بكافة عسكر الموحدين والعبيد (1).

وكان الخليفة المنصور، قد قرر مع قادته أن تبدأ الجيوش الموحدية بالزحف على محلة النصارى. وتحركت الجيوش الموحدية بالفعل خلال السهل المنبسط أمام ربوة الأرك، حتى صارت على مقربة منها، ونزلت في السهل المنخفض الممتد أمامها، وهي تشرف عليه بمنعتها ووعورتها من عل، وكان ذلك في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان (17 يوليه) فلما رأى النصارى اقتراب الموحدين خرجت جملة من قواتهم، وتقدمت قليلا من مراكز الجيش الموحدي، ولكن الموحدين لم يفعلوا شيئاً للاشتباك مع العدو. ذلك أن الخليفة المنصور لم يشأ أن يخوض الموحدون المعركة في ذلك اليوم، بل قرر خوضها في اليوم التالي. فلما رأى النصارى المتقدمون جمود الموحدين، عادوا إلى محلتهم فوق ربوة الأرك وقد أثقلتهم أسلحتهم (2).

وفي اليوم التالي. وهو يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة 591 هـ (18 يوليه سنة 1195 م) كانت الجيوش الموحدية كلها على قدم الأهبة، وقد " عبئت تعبئة حرب "، وعقدت الرايات لسائر القبائل والطوائف، وجعل القائد العام أبو يحيى عسكر الأندلس في الميمنة، وزناتة وسائر القبائل المغربية والعرب في

(1) روض القرطاس ص 148.

(2)

الرواية النصرانية اللاتينية Chronique Latine des Rois de Castille وقد أوردها الأستاذ هويثي في بحثه عن معركة الأرك Campana de Alarcos المنشور بمجلة المعهد المصري بمدريد Vol. II. p. 62-67، ثم في كتابه Grandes Batallas de la Reconquista، p. 152.

ص: 202

الميسرة، وجعل المتطوعة والرماة والأغزاز في المقدمة، واحتل هو القلب مع قومه من قبيلة هنتانة. وبقى المنصور في خاصته، وفي جند الموحدين والعبيد في المؤخرة، على أهبة للتدخل في اللحظة الحاسمة (1).

ووقعت قبيل المعركة بقليل في المعسكر الموحدي، مناظر مؤثرة، حيث قام القائد العام الوزير أبو يحيى وصاح بصوت جهوري يقول للناس: إن أمير المؤمنين يطلب إليهم أن يغفروا له، فإن هذا موضع غفران، وأن يتغافروا فيما بينهم، وأن يطيبوا نفوسهم، وأن يخلصوا نياتهم لله، فبكى الناس، وصاحوا من جانبهم بطلب الغفران من الخليفة، وأنهم بيمن نيته وصدق طويته، يرجون الخير من الرحمن. ثم قام القاضي أبو علي بن حجاج، وألقى خطبة بليغة تفيض حماسة وبياناً، في الحث على الجهاد وفضله ومكانته وقدره عند الله، وكان لهذه الحركة آثارها في إنعاش النفوس وتنبيه الضمائر، وتنقية السرائر، وإذكاء العزائم (2).

ويجدر بنا قبل أن نصف أدوار المعركة، أن نصف البقعة التاريخية، التي وقعت فيها، وقد أتيح لنا زيارتها ودراستها (3).

إن ميدان معركة الأرك Alarcos، ما زال معروفاً بمواقعه وحدوده، تعينه وتحدده، لا الرواية المتواترة فقط، ولكل تحدده كذلك آثار حصن الأرك الشهير، الذي عرفت باسمه المعركة، والذى تقوم اليوم مكانه، فوق نفس الربوة التي كان يحتلها، كنيسة، أو معبد يسمى " كنيسة القديسة مريم صاحبة الأرك " Sta Maria de Alarcos.

ويقع هذا المكان على قيد نحو ستة كيلومترات من غربي مدينة " ثيوداد ريال " الحديثة، وشمال غربي بلدة " بوبليتي " الصغيرة، وتفضي إليه طريق جبلية معبدة، تخترق في البداية بسيطاً أخضر من الأرض، يفضي غير بعيد إلى مجموعة من الهضاب الصغيرة. وعلى نحو أربعة كيلومترات من هذه الهضاب، تقع ربوة الأرك Alarcos التي تقوم عليها اليوم، فوق أنقاض الحصن القديم كنيسة القديسة مريم، أو سيدة الأرك، وهذه الكنيسة أو المعبد، حسبما يسمى في تلك الناحية Ermita

(1) روض القرطاس ص 148 و 149، ونفح الطيب ج 2 ص 537.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 194.

(3)

كان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من أبريل سنة 1963.

ص: 203

عبارة عن بناء قديم، يقوم وسط فناء شاسع، تحيط به أسوار قديمة. وتوجد بداخله كنيسة بها صفان من العقود الكبيرة، يحتوى كل منهما على أربعة عقود، وهي بسيطة جداً، وليست بها أية مظاهر فخمة.

وأما آثار حصن الأرك القديم، فتبدو أولاً في مصطبة صخرية كبيرة تمتد خارج سور المعبد على حافة الربوة، وتدور حولها، وهو ما يدل على أن المعبد قد بني فوق موقع الحصن القديم، وتبدو ثانياً في وجود عدة بقايا صغيرة من أسوار الحصن تقع في غربيه، وظاهر من وجود الأحجار والأنقاض المتماثلة، وامتدادها غرباً حتى قرب النهر أن بناء الحصن، كان يمتد نحو ثلاثمائة متر، كما أنه يوجد في الناحية الخلفية، من الربوة، وهي تطل أيضاً على نهر وادي يانه، آثار عقدين قديمين.

ويوجد عند نهاية الأنقاض غرباً، كتلة كبيرة من الأحجار والصخور، وتحتها أثر سرب قديم، يقال إن الفرسان، كانت تقود منه خيلها إلى النهر لتشرب من مائه، وأنقاض مصطبة الحصن التي سبق ذكرها، تصل إلى هذه الكتلة من الأنقاض، مما يدل على أن الحصن كان يمتد حتى ذلك المكان. كما أنه يبدو خلال الأنقاض الممتدة كثير من أسس الجدران القديمة.

وتشرف الربوة في اتجاه الجنوب على واد عميق متدرج، يصطلح على أنه المكان الذي وقعت فيه الموقعة. ويجري نهر وادي يانه بحذاء هذا الوادي من شماله وغربه، ويدور في انحناءة كبيرة حول ربوة الأرك، ويطلق اليوم على هذا الوادي الذي تغمره الخضرة اسم محلة ديجو " Villa Diego .

ويبدو من أوصاف أدوار المعركة أن محلة الجيش القشتالي، كانت تحتل مكاناً يتصل بمشارف ربوة الأرك، على مقربة من الحصن، ويمتد في اتجاه قرية بوبليتي، ويستند إلى الحصن، وإلى نهر وادي يانه، وأن المسلمين كانوا يحتلون البسيط الواقع قبالتهم في أسفل الوادي، وتستند محلتهم غرباً إلى يسار النهر.

وفي ضحى هذا اليوم - التاسع من شعبان سنة 591 هـ (18 يوليه سنة 1194 م) - نشبت المعركة المرتقبة. وكان القشتاليون حينما رأوا جيوش الموحدين تزحف نحو محلتهم ببطىء، وقد عبئت للهجوم أكمل تعبئة، قد نزلوا من محلتهم في صفوف كثيفة قاتمة، أو حسبما تصفهم الرواية الإسلامية وهم " كالليل الدامس،

ص: 204

رسم تخطيطى لميدان موقعة الأرك حسبما يبدو اليوم.

ص: 205

والبحر الزاخر، أسراباً تتلو أسراباً وأمواجاً تعقب أمواجاً ". ويقدر صاحب روض القرطاس، من هبط في هذه الدفعة الأولى من القشتاليين بنحو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف فارس " كلهم قد احتجب بالحديد والبيضات والزرد ". ثم يتتبع حركات هذه القوة النصرانية المهاجمة، فيقول إنها اندفعت حتى لطمت خيلها أطراف رماح المسلمين أو كادت، ثم تقهقرت قليلا، وعادت إلى الاقتراب من المسلمين، ثم ارتدت وتهيأت للهجوم الفعلي، وفي أثناء ذلك كان الشيخ أبو يحيى والقائد ابن صناديد، يحث كل منهما الجند على الثبات وإخلاص النيات والأعمال. وأخيراً تركز هجوم القشتاليين على قوات القلب التي يقودها القائد العام أبو يحيى، معتقدين أنه هو الجناح الذي يقوده الخليفة، وكان المنصور قد أمر بالفعل بأن ترفع الأعلام الخليفية على القلب، فقاتل أبو يحيى وجنوده أشد قتال، ولكن الصدمة كانت عنيفة، فقتل أبو يحيى، وقتل معه جماعة من من هنتانة، والمطوعة وغيرهم. وعندئذ تقدمت قبائل العرب والمطوعة والأغزاز والرماة، وأحاطوا بالنصارى من كل جانب، ودفع القائد ابن صناديد بجيوش الأندلس إلى المعركة وزحفت معه قبائل زناتة وسائر قبائل البربر، واندفعت الجيوش الموحدية بجملتها نحو محلة القشتاليين، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة، وكثر القتل في مقدمة القشتاليين، التي اضطلعت بالهجمة الأولى، واستمر القتال على هذا النحو بعنف وشدة، حتى اضطر القشتاليون إلى التقهقر والفرار نحو الربوة التي تحتلها محلتهم، وبدت بوادر الهزيمة على القشتاليين (1).

ولكن صاحب البيان المغرب، وهو فيما يرجح ينقل عن رواية ابن صاحب الصلاة وهي رواية معاصرة، يقدم إلينا عن المعركة صورة أخرى. فيقول لنا إن هجوم القشتاليين تركز أولاً على ميسرة الجيوش الموحدية، وأنه أسفر عن تقهقر جماعة من المطوعة وأخلاط السوقة، فلما رأى المنصور ذلك، نهض بنفسه، وترك ساقته على حالها، وتقدم منفرداً، وهو يحث الجند على الثبات والهجوم على العدو، فكان لحركته أعمق وقع في نفوس الجند، فاضطرمت هممهم وعزائمهم، واندفعت سائر الحشود والقبائل نحو القشتاليين بشدة، والتحم الجيشان، واشتد القتال، وكثر القتل في صفوف القشتاليين، واضطروا في النهاية إلى التقهقر والفرار.

ودامت المعركة من ضحى اليوم حتى غروب الشمس، وأسفرت عن قتل جموع

(1) روض القرطاس ص 149 - 150.

ص: 206

صورة: كنيسة الأرك (سانتا ماريا دي ألاركوس) التي أقيمت على أنقاض حصن الأرك.

صورة: مجموعة أطلال قلعة رباح.

ص: 207

عظيمة من النصارى، واستطاع ملك قشتالة أن يفر في نحو عشرين فارساً من أصحابه، فسار تحت جنح الليل صوب طليطلة لا يلوي على شىء، واعتصمت معظم فلول النصارى بحصن الأرك (1).

وتفصل لنا الرواية الإسلامية ما حدث بعد هزيمة القشتاليين في الجولة الأولى. ويبدو من أقوال صاحب روض القرطاس، أن ألفونسو الثامن ملك قشتالة، كان عندئذ معتصماً مع باقي قواته بربوة الأرك، فلما ارتد القشتاليون، وفروا نحو الربوة يحاولون الاعتصام بها، حالت بينهم القوات الموحدية، فارتدوا ثانية نحو السهل، فحملت عليهم العرب والمطوعة وهنتانة والأغزاز والرماة، وحصدوهم حصداً، وأفنوهم حسبما تقول الرواية عن آخرهم. ولما علم أمير المؤمنين بما حدث، ضربت الطبول ونشرت الرايات، وفي مقدمتها اللواء الخليفي الأبيض، وزحف المنصور في القوات الموحدية نحو القشتاليين، تؤيده سائر الحشود والقبائل. وكان ملك قشتالة حينما رأى ما حل بقواته، وضرب الطبول، وعجيج الأبواق، قد اعتزم أن يلقى ضد الموحدين بما تبقى من قواته، ولكن القشتاليين حينما رأوا كثافة الجيوش الموحدية، وروعة هجومها واضطرامها عولوا على الفرار، فتلاحقت بهم فرسان الموحدين، تحصدهم قتلا وأسراً، وأحاط المسلمون بحصن الأرك، يظنون أن ألفونسو الثامن قد اعتصم به، ولكن تبين أنه قد لاذ بالفرار من أحد أبوابه الخلفية، فدخل المسلمون الحصن عنوة، وأضرموا النار في أبوابه، واحتووا على جميع ما فيه، وما في محلة النصارى، من الذخائر والأسلاب والسلاح والمتاع والدواب والنساء (2).

وعلى أي حال، فإنه يبدو من أقوال الرواية الإسلامية، أن القشتاليين هم الذين بدأوا بالهجوم على الموحدين، وتؤيدها في ذلك الرواية النصرانية. وتقدم إلينا الرواية النصرانية عن المعركة، وصفاً موجزاً يختلف قليلا عما تقوله الرواية الإسلامية، وهو أنه لما رأى القشتاليون الموحدين، يتقدمون من محلتهم في الصباح الباكر من ذلك اليوم، حدثت ضجة في معسكر النصارى، وخرج القشتاليون في قليل من النظام وتقدموا، ثم اشتبكوا مع المسلمين، وفي الصدمة الأولى سقط عدة من أكابر النصارى، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة.

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 194 و 195.

(2)

روض القرطاس ص 150.

ص: 208

ولما رأى ملك قشتالة رجاله يسقطون في المعركة على هذا النحو تقدم بنفسه إلى الأمام، وأخذ يثخن مع طائفة من رجاله في المسلمين يميناً وشمالا. ولكن رجاله رأوا أنه يستحيل عليهم أن يقاوموا ضغط الحشود الموحدية، خصوصاً بعد أن سقط كثير من النصارى، وقد استطالت المعركة إلى منتصف النهار، فتضرعوا إليه أن يحتفظ بحياته، خصوصاً وأنه يبدو أن الله قد تخلى عن النصارى. ولكنه أبي أن يصغى إليهم، فجذبوه من المعركة رغم إرادته، وارتد نحو طليطلة في نفر من الفرسان وقلوبهم تنفطر لما حدث حزناً وأسى (1).

وتتفق الروايتان الإسلامية والنصرانية على أنه عقب الهزيمة، لجأت فلول القشتاليين إلى حصن الأرك بقيادة دون ديجو لوبث دي بسكاية. وتقدر الرواية الإسلامية هذه الفلول بخمسة آلاف، فطوق الموحدون الحصن، وكان الخليفة المنصور يعتقد أن ملك قشتالة قد لجأ إليه، ولكنه تأكد من أقوال حليفه وخديمه القشتالي دون بيدرو فرنانديث دي كاسترو الموجود بمحلته، أن الملك قد لاذ بالفرار إلى طليطلة، فعندئذ طالب المنصور بتسليم الحصن في الحال، وأن يُعطى اثنى عشر فارساً كرهينة، حتى يحضر دون ديجو إليه بمراكش ويسلم نفسه أسيراً، وإلا فإنه سوف يقتحم الحصن ويقتل كل من فيه. وتقول لنا الرواية الإسلامية من جهة أخرى، إن الاتفاق تم بواسطة دون بيدرو فرنانديث (وتسميه ببطره ابن فراندس) على أن يفرج عن خمسة آلاف من أسرى المسلمين مقابل إطلاق القشتاليين المحصورين بالحصن، وأن المنصور ارتضى هذا الاتفاق، حرصاً على استنقاذ أسرى المسلمين، وأخذت رهائن وُجهت إلى إشبيلية. وهكذا استطاع دون ديجو لويث أن يخرج من الحصن، وأن يلحق بمليكه في طليطلة (2).

ولكن صاحب روض القرطاس يقدم إلينا عن تسليم حصن الأرَك رواية يطبعها شىء من الخيال، وهو أن الموحدين أخذوا في حصن الأرك أربعة وعشرين ألف أسير من زعماء الروم، فرأى الخليفة المنصور أن يمن عليهم بالإفراج، فأطلق سراحهم وأقالهم من الأسر بعد أن مَلَكهم، وأن هذا التصرف من جانبه،

(1) الرواية النصرانية اللاتينية Chronique Latine des Rois de Castille التي سبقت الإشارة إليها.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 195 و 196. والرواية النصرانية اللاتينية التي سبقت الإشارة إليها. وينقل صاحب الحجب المستورة هذه الرواية (مخطوط المتحف البريطاني ص 154).

ص: 209

قد عز على الموحدين وعلى كافة المسلمين، واعتبروه سقطة من سقطات الملوك (1).

تلك هي تفاصيل موقعة الأرك العظيمة التي أحرز فيها الموحدون أعظم نصر، حققوه خلال حكمهم الطويل لشبه الجزيرة الأندلسية. على أن الرواية الإسلامية تقدم إلينا عن نتائج المعركة بعض الأقوال والأرقام المغرقة، وهي قبل ذلك تقدم إلينا عن عدد الجيش القشتالي أرقاماً لا يسيغها العقل لكي تتفق مع هذه النتائج.

وهي لا تقدم إلينا شيئاً واضحاً عن عدد الجيش الموحدي، وتكتفي بأن تتحدث عن عظمة حشوده، وبأن تصفه بأنه جيش يضيق له الفضاء (2)، ولكنها تقول لنا إن جيش القشتاليين يزيد على ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل (3). ويقول الضبي إنه كان ينيف على خمسة وعشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل (4). أما عن خسائر النصارى، فيقول لنا صاحب روض القرطاس، إنه قتل في المعركة من الكفرة ألوف لا تعد ولا تحصى. ويقول لنا ابن الأثير ويتابعه النويري، إن عدد القتلى من الفرنج بلغ مائة ألف وستة وأربعين ألفاً، وبلغ عدد الأسرى ثلاثة عشر ألفاً (5). بيد أنه توجد عن خسائر النصارى رواية أخرى أكثر اعتدالا، هي رواية يوسف بن عمر، مؤرخ الموحدين، التي نقلها إلينا صاحب البيان المغرب، وهو أنه قتل في المعركة من النصارى زهاء ثلاثين ألفاً (6). ويأخذ بهذه الرواية صاحب كتاب " الحجب المستورة " وهو يتابع في روايته رواية البيان المغرب مع تعديلات يسيرة (7). وأما عن خسائر المسلمين فيقول لنا ابن الأثير، ويتابعه النويري، إنه قتل من المسلمين نحو العشرين ألفاً، وهي رواية تبدو معقولة وربما مبالغاً فيها بعض الشىء من حيث الكثرة (8)، وتقول لنا بعض الروايات الأخرى إنه قتل من أعيان المسلمين نفر قلائل، وإن عدد القتلى من المسلمين يبلغ نحو الخمسمائة وهو عدد ضئيل بالنسبة لاشتداد القتال، وطول أمد المعركة.

(1) روض القرطاس ص 151.

(2)

ابن الأثير ج 12 ص 45، والنويري (طبعة جسبار ريميرو السالفة الذكر ج 8 ص 274).

(3)

روض القرطاس ص 149.

(4)

بغية الملتمس (المكتبة الأندلسية) ج 3 ص 35.

(5)

ابن الأثير ج 12 ص 45، والنويري؛ الطبعة المشار إليها ص 274.

(6)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 195.

(7)

كتاب المعجب المستورة في محاسن المقصورة (مخطوط المتحف البريطاني ص 154).

(8)

ابن الأثير ج 12 ص 45، والنويري (الطبعة السالفة الذكر) ج 8 ص 274.

ص: 210

وعلى أي حال، فإنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن الرواية الإسلامية هنا، وكعادتها في مثل هذه المواقع العظيمة الحاسمة، التي تضطرم بين الإسلام والنصرانية، تجنح إلى نوع من المبالغة والإغراق، يمكن فهمه وتعليله وإن لم تمكن استساغته. ومن المحقق أن خسائر النصارى كانت فادحة في مثل هذه المعركة التي بلغ فيها القتال أشده، والتي ثقلت فيها وطأة المطاردة على الجيش المنهزم، وأثخن الموحدون في فلوله قتلا وأسرا، ولكنها لا يمكن أن تعدو بضع عشرات من الألوف. ومن ثم كان الرقم الذي يقدمه إلينا المؤرخ الموحدي المعاصر وهو ثلاثون ألفاً، يطبعه التعقل والاعتدال. ثم إن الرواية الإسلامية تقدم إلينا بعد ذلك من الغنائم والأسلاب أرقاماً مدهشة. فيقول لنا ابن الاثير، ويتابعه النويري، إن المسلمين حازوا من الخيام مائة وخمسين ألفاً، ومن الخيل ستة وأربعين ألفاً، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف، هذا غير مقادير لا تحصى من الأموال والتحف. وقسم الخليفة الغنائم بعد استبعاد الأخماس، بين المسلمين وفقاً لأحكام الشريعة. وكان الخليفة فضلا عن ذلك، قد نادى في عسكره أن من ِغنم شيئاً فهو له سوى السلاح، فحُصر ما حمل إليه منه، فكان يزيد على سبعين ألف لباس (1).

وثمة مسألة أخرى تميل الرواية الإسلامية إلى ذكرها بمناسبة وقيعة الأرَك، وهي المقارنة بين هذه الموقعة وبين موقعة الزلاّقة، وذلك من حيث ظروفها ونتائجها. فهى تذكر كيف أن جنود الأندلس كانوا أول من أصيب من عسكر المسلمين في الزلاقة، وكيف كثر القتل فيهم لولا أن تداركتهم في النهاية قوات ابن تاشفين المرابطية، وهذا بخلاف ما حدث يوم الأرك حيث لقيت الجيوش الموحدية النصارى، مجتمعة وفي جبهة واحدة، ومن ثم فقد كانت موقعة الزلاقة مقسومة الثقل، مكدرة الصفو، ولكن موقعة الأرك جاءت " هنيئة الموقع عامة المسرة ". ثم هي ترى بحق أن غزوة الأرك، كانت مثل الزلاقة من أيام الإسلام المشهورة، وبها اعتز الإسلام وعلت كلمته، بل ترى أنها كانت أعظم من موقعة الزلاقة، وأنها أنست كل فتح تقدمها بالأندلس (2). على أن المقارنة

(1) ابن الأثير ج 12 ص 45، والنويري (طبعة راميرو المشار إليها) ص 274 هـ، ونفح الطيب ج 1 ص 207.

(2)

راجع البيان المغرب - القسم الثالث ص 196، وروض القرطاس ص 151.

ص: 211

لا تقف عند هذا الحد، فقد رأينا فيما تقدم من حديثنا عن موقعة الزلاقة (1)، كيف أن الرواية الإسلامية تحيطها بطائفة من الأساطير التي تسبغ عليها هالة من القدسية، وكذلك فإن حديثها عن موقعة الأرك لا تخلو من ذكر هذه الأساطير، وأسطع ما تقصه علينا في ذلك هو حديث الحلم الذي يقال إن الخليفة يعقوب المنصور رآه قبل الموقعة ببضعة أيام، في ليلة الجمعة الرابع من شعبان، واستبشر به ببلوغ النصر، وهو أنه لبث طوال الليل راكعاً ساجداً مبتهلا، وداعياً لتأييد المسلمين على أعدائهم، فبينما هو راكع في مصلاه إذ غلبه النوم، فرأى كأن باباً قد فتح في السماء، ونزل منه فارس أبيض حسن الوجه، وبيده راية خضراء منشورة، قد سدت الأفق من عظمها، فسلم عليه، فقال له من أنت يرحمك الله، فقال أنا ملك من السماء، جئت لأبشرك بفتح من رب العالمين، لك ولعصابتك المجاهدين الذين أتوا تحت رايتك. ثم أنشد هذا الفارس أبياتاً حفظها الخليفة وهي:

بشائر نصر الله جاءتك سافرة

لتعلم أن الله ينصر ناصره

فأبشر بنصر الله والفتح إنه

قريب وخيل الله لا شك ظافرة

فتفنى جيوش الروم بالسيف والقنا

وتخلى بلاداً لا ترى بعد عامرة

وأن الخليفة نهض من نومه موقناً بالفتح والظفر (2). فهذا الحلم الذي تقصه الرواية الإسلامية بمناسبة معركة الأرك، يذكرنا بالحلم الذي تذكره لمناسبة موقعة الزلاّقة وهو أن الفقيه الناسك أبا العباس بن رميلة القرطبي وكان بمحلة ابن عباد، نهض في جوف الليل، قبيل نشوب المعركة فرحاً مسروراً، وهو يقول إنه رأى النبي، وإن النبي بشره بالفتح والشهادة (3). ثم تذكرنا كذلك بالحلم الذي تقول لنا إن ألفونسو السادس ملك قشتالة رآه قبيل معركة الزلاقة، وخلاصته أنه رأى أنه يركب فيلا، قد تدلى بجانبه طبل يحدث صوتاً مزعجاً كلما قرعه، وأن فقيهاً من أهل طليطلة، نبأه بأن هذا الحلم هو نذير هزيمته، مشبهاً ذلك بما حدث عام الفيل من سحق أبرهة، وقد كان يركب الفيل أيضاً. ثم يذكرنا كذلك، بما تزعمه الرواية النصرانية من آن لآخر، من أن الملوك النصارى، كانوا متى اشتد القتال بينهم وبين المسلمين، يرون ملاكاً يهبط من السماء وفي يده صليب أو نحو ذلك.

(1) راجع كتابي " دول الطوائف " ص 319 - 321.

(2)

روض القرطاس ص 147، 148.

(3)

الروض المعطار ص 91.

ص: 212

والرواية سواء أكانت إسلامية أو نصرانية تجنح إلى مثل هذه الأساطير، بالأخص في المواقع العظيمة الحاسمة بين الإسلام والنصرانية، مثل الزلاقة، والأرك وغيرها، على أن موقعة الأرك تختلف عن موقعة الزلاقة من بعض الوجوه الهامة. فقد كان المسلمون من أندلسيين ومرابطين يواجهون في الزلاقة، قوي اسبانيا النصرانية كلها، ملتفة حول عميدها ألفونسو السادس. أما في يوم الأرك فقد كانت الجبهة النصرانية، مقتصرة على ملك قشتالة وقواته. وقد غادر ألفونسو الثامن طليطلة في قواته، حينما علم بزحف الموحدين نحو أراضي قشتالة، ولم يرد أن ينتظر حليفه ملك ليون، وكان قد وصل عندئذ بقواته إلى طلبيرة، ولكنه لم يقدم على معاونة زميله، لأنه أبي أن يعطيه بعض الحصون التي طلبها، ثم انقلب بعد ذلك إلى خصومته، ومحالفة الموحدين أعدائه. وكذلك لم ينتظر ألفونسو الثامن معاونة من ملك نافارا، أو من ملك أراجون وذلك لوثوقه من رجحان قواته، ويقينه ببلوغ النصر على أعدائه. وقد انتصر عليهم من قبل مراراً في معارك محلية. ومن الغريب المدهش ما تقصه علينا الرواية الإسلامية من دلائل يقين ملك قشتالة بإحراز النصر على أعدائه، وهو أنه كان يصطحب معه حين مسيره لقتال الموحدين جماعات من التجار اليهود، جاءوا لشراء أسرى المسلمين، وأسلابهم، وأعدوا لذلك الأموال اللازمة (1).

وتختلف كذلك موقعة الأرك في نتائجها عن موقعة الزلاقة. ذلك أن موقعة الزلاقة بالرغم من كونها قد صدعت من قوي مملكة قشتالة، وقضت مؤقتاً على الخطر الذي كان يهدد دول الطوائف، فإنها اقتصرت على تحقيق النصر للمسلمين، ْولم يُتبع يوسف بن تاشفين نصره في الموقعة، بأية محاولة أخرى لاسترداد طليطلة أو غزو أراضي قشتالة. هذا في حين أن المنصور بث جيوشه عقب النصر مباشرة في أراضي قلعة رباح فاستولت على عدة حصون. ثم إنه لم تمض بضعة أشهر على معركة الأرك، حتى خرج المنصور في قواته ثانية لغزو أراضي قشتالة، واخترقها حتى شمالي طليطلة، واستولى على طائفة من المواقع والحصون حسبما نفصل بعد.

ولقد كان انتصار الموحدين في معركة الأرك، يرجع فضلا عن تفوقهم العددي، إلى عدة أسباب، روعي تحقيقها لأول مرة في الغزوات الموحدية

(1) بغية الملتمس (المكتبة الأندلسية) ج 3 ص 35.

ص: 213

الكبرى، وأولها وأهمها العناية بالمحافظة على نظام الجيش، وتوفير تموينه ومؤنه بصورة مؤكدة، وتقسيم حشوده، وتنظيم قياداته، وتعيين قائد عام يشرف على هذه القيادات، واعتماد الخليفة على مشورة قواده، ثم مراعاة الحزم والسرعة في تحرك الجيش، وإعداده لضرب العدو على الفور. فهذه الميزات التي روعي تحقيقها في الجيش الموحدي، كانت كفيلة بأن تحقق له الظفر في معركة الأرك، وأن تجنبه تلك المفاجآت السيئة، التي أصيب بها في غزوة وبذة، ثم بعد ذلك في نكبة شنترين (1).

- 2 -

ما كادت تنتهي معركة الأرك العظيمة، حتى بث المنصور سريات من جنده في أراضي قلعة رباح، فاستولت على عدة من حصون العدو في هذه المنطقة، ثم هاجم الموحدون قلعة رباح ذاتها، واقتحموها بعد قتال عنيف، وانتزعوها من أيدي فرسان جمعية قلعة رباح المتولين للدفاع عنها، وقتل أثناء المعركة أستاذ الجماعة نونيو دي فوينتس. وغادر الفرسان القلعة، ولجأوا إلى قلعة شلبطرّة القريبة منها. وهكذا استرد المسلمون هذه القلعة المنيعة، بعد أن لبثت في حوزة النصارى منذ سقوطها في أيديهم في سنة 1147 ذذ، زهاء نصف قرن.

وأمر المنصور بتطهير جامعها الذي كان قد حول إلى كنيسة، وقدم على حاميتها يوسف بن قادس (2).

نقول، وقد أتيح لنا أن نزور أطلال قلعة رباح القديمة (3) هذه، وأن نشهد بقايا هذه القلعة المنيعة، التي لبثت دهراً من حصون الأندلس الأمامية، والتي لعبت دوراً كبيراً في الصراع بين المسلمين والنصارى. وتقع هذه

(1) راجع في معركة الأرك، روض القرطاس ص 145 - 151، والبيان المغرب القسم الثالث ص 193 - 196، وابن الأثير ج 12 ص 44 و 45، والنويري (طبعة جسبار ريميرو) ص 274 و 275، وابن خلكان ج 2 ص 429 و 430، وابن خلدون ج 6 ص 245، والمعجب للمراكشي ص 159 و 160، ورفع الحجب المستورة في محاسن المقصورة (مخطوط المتحف البريطاني ج 2 ص 152 - 156). ونشره الأستاذ هويثي ضمن مقاله المنشور بمجلة المعهد المصري بمدريد ج 2 ص 57 - 61 وراجع أيضاً:

H. Miranda: Las Grandes Batallas de la Reconquista، p. 137-169

(2)

الروض المعطار ص 163.

(3)

وهي بالإسبانية Calatrava la Vieja.

ص: 214

صورة: جانب من أطلال قلعة رباح.

الأطلال على قيد خمسة عشر كيلومتراً من مدينة ثيوداد ريال، وعلى قيد نحو سبعة كيلومترات من ضاحيتها كريون، وهي عبارة عن مجموعة ضخمة من الأطلال الدارسة، تقع فوق ربوة قليلة الارتفاع، وسط بسيط كبير تظلله الجبال الشاهقة، ويستند من الشمال إلى نهر وادي يانه، وتنقسم هذه الأطلال إلى مجموعتين، في إحداهما وهي اليمنى، يوجد جدار برج عال، ومن تحته عضادة تظلل عقداً كبيراً كاملا، وفي الوسط يقوم جدار ضخم من عقد سابق. والمجموعة الأخرى، يفصلها عن المجموعة الأولى فراغ كبير تتخلله الأنقاض والخرائب، يبلغ طوله نحو ثمانين متراً، وهي عبارة عن كتلة كبيرة، يبدو أنها كانت قاعدة لعدة أبراج ضخمة. وتمتد الأطلال من الناحية الأخرى إلى مدى يبلغ نحو مائة وخمسين متراً، ويغمر هذه الأطلال الضخمة العالية، والمكان كله، جو من الوحشة والرهبة انقبضت له نفسي، وأنا أطوف حول المكان منفرداً، بين الأشواك والأدغال البرية، تحت أشعة الشمس الساطعة، وعواء الكلاب المتوحّشة، ونعيق الغربان والنسور الصغيرة، التي تعمر المكان، يزعجني، وينذرني بسرعة الرحيل.

ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن المنصور لم يكتف بذلك، بل سار مخترقاً أراضي قشتالة يثخن فيها قتلا وأسراً وسبياً حتى وصل إلى جبل سليمان (1) على مقربة من قلعة هنارس شمالي طليطلة. بيد أنه لا يوجد ما يؤيد هذه

(1) وهو بالإسبانية Cuesta de Zulema " مرتفع سليمان ".

ص: 215

الرواية. والظاهر أن صاحب روض القرطاس يشير بذلك إلى غزوة المنصور التالية لأراضي قشتالة بعد ذلك بعامين، وهي غزوة سوف نتحدث عنها فيما بعد (1).

وبعد أن أخرج المنصور خمس الغنائم، وقسم ما فيها على المجاهدين، سار في جيوشه المظفرة ميمماً شطر إشبيلية، وقد محا بهذا النصر الباهر ما لحق [[هيبة]] الحراب الموحدية في شبه الجزيرة، عقب نكبة شنترين من الانتكاس والتصدع، فوصل إليها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان سنة 591 هـ (6 أغسطس سنة 1195 م)، وأقبلت إليه الوفود من كل فج تزجي إليه تهاني النصر. ثم أمر أن يكتب بالفتح إلى سائر جهات الأندلس والمغرب. وطلب إلى أبي الفضل بن طاهر ابن محشرة أن يتوخى في كتب الفتح غاية الإيجاز، وأن يكتبها على مثل كتب الصحابة في فتوحهم، فصدع أبو طاهر بالأمر. ورفع الشعراء قصائدهم إلى الخليفة كالعادة، ونظم أبو العباس الجراوي شاعر البلاط الموحدي، في الفتح قصيدة جاء فيها:

هو الفتح أعيى وصفه النظم والنثرا

وعمت جميع المسلمين به البشرى

وأنجد في الدنيا وغار حديثه

فراقت به حسناً وطابت به نشرا

لقد أورد الأذفونش شيعته الردى

وساقهم جهلا إلى البطشة الكبرى

حكى فعل إبليس بأصحابه الألي

تبرأ منهم حين أوردهم بدرا

رأى الموت للأبطال حوليه ينتقى

فطار إلى أقصى مصارعه ذعرا

ألوف غدت مأهولة بهم الفلا

وأمست خلاء منهم دورهم قفرا

ودارت رحى الهيجا عليهم فأصبحوا

هشيماً طحيناً في مهب الصبا يذرا

وأنشد الشاعر الأندلسي المرسي، علي بن حزمون بين يدي الخليفة قصيدة، وقعت منه أجمل وقع، وهذا بعض ما جاء فيها:

حيتك معطرة النفس

نفحات الفتح بأندلس

فذر الكفار ومأتمهم

إن الإسلام لفي عرس

أإمام الحق وناصره

طهرت الأرض من الدنس

وملأت قلوب الناس هدى

فدنا التوفيق لملتمس

ورفعت منار الدين على

عُمد شُمٍّ وعلى أسس

(1) راجع روض القرطاس ص 151.

ص: 216

وصدعت رداء الكفر كما

صدع الديجور سنا قبس

لاقيت جموعهم فغدوا

فرساً في قبضة مفترس

جاءوك تضيق الأرض بهم

عدداً لم يحص ولم يقس

ومضيت لأمر الله على

ثقة بالله ولم تخس

فأناخ الموت كلاكله

بظباك على بشر رجس

وتساوى القاع بهامهم

المرفض مع الحدب والضرس

فأولئك حزب الكفر ألا

إن الكفار لفى نكس (1).

وأمر المنصور بتسريح الحشود والقبائل وسائر الجنود، على أن يكونوا على أهبة للاستعداد للجهاد في أية لحظة. وقضى فصل الشتاء بإشبيلية، وانتقل إلى حصن الفرج، الواقع جنوب غربي المدينة على الضفة الأخرى من النهر الأعظم (الوادي الكبير) وهو الحصن، الذي أمر بإنشائه قبل ذلك بقليل، وكان يحبه ويؤثر الإقامة فيه، وأمر باستكمال غروس بستانه، وإنشاء النواعير على شاطىء النهر تحت الحصن لريه، كما أمر بإصلاح المسجد الجامع، واستكمال بناء صومعته، وهو الجامع الذي كان قد أنشأه أبوه، وأمر بإنشاء صومعته قبيل وفاته بقليل. ولما انتهى الشتاء وأقبل الربيع، أمر المنصور باستئناف الحركة والاستعداد لمعاودة الجهاد، واستنفار مختلف الحشود من منازلها، فلما تم وصول مختلف الطوائف وحشدها، أمر الخليفة بتمييز الجيوش وتنظيمها، واستعدادها لاستئناف الغزو.

على أن المنصور، قبل أن يبدأ الحركة، رأى أن يستشير الزعماء والقادة في أمر توجيه الغزو، واختيار المنطقة الملائمة في أراضي النصارى لإجرائه. وفي أثناء ذلك تردد رسل ملك قشتالة في طلب المهادنة وعقد السلم، فرفض المنصور (2)، واستقر الرأي على أن توجه الغزوة إلى ما تسميه الرواية الإسلامية " ببلاد الجوف " أعني منطقة إسترمادورة، وذلك لاسترداد ما انتزعه النصارى من قواعد هذه المنطقة. وخرج المنصور من إشبيلية في قواته في منتصف جمادى الأولى سنة 592 هـ (3)(منتصف أبريل سنة 1196 ذذ)، واتجه شمالا إلى حصن منتانجش (4).

(1) راجع هذه القصيدة بأكملها في المعجب ص 165 - 167.

(2)

الرسالة الخامسة والثلاثون من رسائل موحدية (ص 231).

(3)

ذكر صاحب البيان المغرب أنه منتصف رجب. ولكن هذا التاريخ يتعارض مع سياق الحوادث ومع التواريخ التي توردها الرواية النصرانية.

(4)

ورد اسمه في الرسالة الموحدية الخامسة والثلاثين الخاصة بهذه الغزوة (منت أنتش) ص 231.

ص: 217

وقد كان حسبما أشرنا إليه من قبل من أمنع حصون منطقة بطليوس، فتقدمت لمهاجمته قوة من الأندلسيين، فلما رأت الحامية القشتالية مقدم الجيوش الموحدية الزاخرة، طالبت بالأمان والتسليم، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأمر قائد الجيوش الأندلسية أبو عبد الله بن صناديد، بتوصيلهم إلى المنطقة الآمنة، ولكن حدث حينما بدأوا السير أن هاجمتهم جماعة من " أوباش العرب " وسبت من كان معهم من النساء والأطفال، فغضب الخليفة لهذا الاجتراء والإخلال بالعهود المقطوعة، وأمر بسجن من عثر عليه من المعتدين، ورد النساء والأطفال إلى ذويهم، وأوصل الجند القشتاليين آمنين إلى أوائل بلادهم.

وقصدت القوات الموحدية بعد ذلك إلى مدينة تَرجالُه " قاعدة الثغر الشمالي " الواقعة شمال شرقي منتانجش، وشرقي مدينة قاصرش، وكان سكانها النصارى قد أخذوا في إخلائها، حينما شعروا باقتراب الموحدين، فاستولى الموحدون على المدينة، وطاردوا سكانها وأفنوا الكثير منهم، وسبوا الكثيرين من نسائهم. واستولوا كذلك على بلدة سانتا كروث " (1) القريبة منها، وكانت حاميتها قد لاذت بالفرار. ثم عبر الموحدون نهر التاجُه، واتجهوا شمالا نحو مدينة " بلاسنثيا " وهي التي تسميها رسالة الفتح الموحدية (ابلتانسية) وكان ألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد انفق بضع سنين في إنشائها وتحصينها، ونقل إليها كثيراً من أهل الشمال، وكان أهلها المدنيون قد غادروها، وبقيت حاميتها في قلعتها، فاستولى الموحدون على المدينة ودمروها، ثم هاجموا القلعة وضربوها بالنبال ضرباً شديداً، حتى اضطرت الحامية بعد ليلة واحدة فقط من الاعتصام إلى التسليم، واعتبر أفرادها أسرى بحكم مقاومتهم (2). ويقول صاحب الروض المعطار، وهو يسمى (بلاسنثيا) بلنسية، إن الموحدين فتحوها عنوة، وقبضوا على قائدها، مع مائة وخمسين من أعيان النصارى، وجهوا إلى خدمة الجامع الكبير بسلا مع أسارى معركة الأرك (3). وتقول الرواية النصرانية إن الموحدين بالعكس قتلوا الأسقف والرهبان وكثيراً من النصارى.

(1) وتسميها الرسالة الموحدية " شنتقروص Santa Cruz وتصفها بالقلعة " الحسيبة في الامتناع " ص 232.

(2)

الرسالة الموحدية السالفة الذكر، ص 234.

(3)

الروض المعطار ص 13.

ص: 218

واستمر الموحدون في زحفهم شرقاً صوب مدينة طلبيرة، وهي أكبر مدن ولاية طليطلة، وهم يثخنون في أراضي قشتالة، تخريباً، وأسراً وسبياً، فلما أشرفوا على طلبيرة انتسفوا زروعها، وحدائقها وأشجارها، ولكنهم لم يحاولوا اقتحام المدينة لمنعتها، ولعدم استعدادهم لضرب الحصار حولها، إذ كانت تنقصهم آلات الحصار، فقنعوا باجتياح كل ما حولها من مظاهر العمران، وصيروا أراضيها قاعاً صفصفاً. كل ذلك وملك قشتالة محتجب داخل مملكته، غير مجترىء على لقاء الغزاة في أية ساحة. ثم اتجه الموحدون شمالا إلى مكّادة (1)، وأنزلوا بأراضيها من التخريب ما أنزلوه بطلبيرة. وهبطوا أخيراً إلى طليطلة من ناحيتها الشمالية، وبرزت أمامها الحشود الموحدية فرساناً ومشاة في أكمل عددها وعدتها، وقد امتنع النصارى بداخلها مستعدين للكفاح والدفاع، ثم عبر الموحدون بعد ذلك نهر التاجُه، إلى ساحتها الجنوبية، وانتسفوا زروعها، وكرومها وحدائقها، ولاسيما منيتها الشهيرة، وهي التي كانت من قبل لبني ذي النون، وورثها النصارى، وامتدت أيامها حتى خربها الموحدون فيما خربوه من مرافقها وأراضيها، وقضى الموحدون حول طليطلة بضعة أيام، واقتصروا على تخريب ديارها، وإبراز مظاهر قوتهم، وروعة حشودهم الزاخرة (2).

ويقدم إلينا المقري عن غزوة طليطلة رواية خلاصتها أن المنصور لما حاصر طليطلة وضيق عليها، واشتد في ضربها بالمجانيق حتى أوشكت على السقوط، خرجت إليه والدة ألفونسو الثامن ملك قشتالة، وبناته ونساؤه، ومثلن بين يديه باكيات متضرعات إليه، أن يبقى البلد عليهن، فرق المنصور لضراعتهن، وكف عن ضرب المدينة، ووهب لهن قدراً من المال والجواهر الجليلة، وردهن مكرمات. وهذه رواية يصعب علينا تصديقها لمجانبتها للمنطق والمعقول (3).

وفي خلال الغزوة الموحدية لأراضي قشتالة، بعث ملك ليون، وهو ألفونسو التاسع إلى المنصور، يرجوه أن يعاونه ببعض قواته، على غزو قشتالة، فاستجاب المنصور لرغبته، لما كان من سالف موقفه قبيل معركة الأرك، وتنحيه عن معاونة ملك قشتالة ضد الموحدين، وجنوحه إلى مصادقتهم ومحالفتهم. وغزا ملك ليون، ومعه قوة من الموحدين أراضي قشتالة من ناحية تييرا دي كامبوس "،

(1) وهي بالإسبانية Maqueda. راجع الروض المعطار ص 13.

(2)

الرسالة الموحدية الخامسة والثلاثون ص 336 و 337. والبيان المغرب ص 199.

(3)

المقري في نفح الطيب ج 2 ص 207.

ص: 219

وتقول الرواية النصرانية إن الموحدين الذين كانوا يقاتلون معه، ضربوا الكنائس والأديار القشتالية بمنتهى القسوة، وقام الليونيون بانتساف وتخريب الضياع، ووصل ألفونسو التاسع في غزوته هذه حتى مدينة كريون. وفي نفس الوقت أغار سانشو ملك نافارا من جانبه على أراضي قشتالة المتاخمة له، واقتحم مدينة سُرية، وعاث في تلك المنطقة تخريباً ونهباً.

ولما انتهى المنصور من غزاته، وأثخن ما شاء في أراضي عدوه، وأبرزت ْحشوده أمام أعين النصارى كل مظاهر قوتها وروعتها، قرر العود بسرعة، قبل أن يختل نظام التموين في الجيش، فارتد بقواته نحو الجنوب، واقتحم الموحدون في طريقهم بعض حصون منطقة طليطلة الجنوبية، فاخترق أراضي قلعة رباح، ثم اتجه نحو جيان ثم إلى قرطبة، وسار من قرطبة إلى إستجة فقرمونة، ووصل إلى إشبيلية في أوائل رمضان (592 هـ) بعد أن قضى في غزوته نحو ثلاثة أشهر (1).

وما نود أن نلاحظه هو أن هذه الغزوة الموحدية التي استطاع الموحدون أن يدفعوها إلى صميم أراضي قشتالة، وإلى تطويق العاصمة القشتالية ذاتها، أعني طليطلة، لم تسفر عن أية نتائج مستقرة، ولم يحز الموحدون خلالها أية أراضٍ أو مواقع ذات شأن. وإنه لمما يلفت النظر أن يكتفي الخليفة المنصور، وهو الذي حطم قوي قشتالة قبل ذلك بأقل من عام في موقعة الأرك بالعيث والتخريب، والسبي والنهب في أراضي العدو، دون أن يتحرى غاية عسكرية جليلة، في وقت كان فيه في أوج قوته وأهباته العسكرية، وفي وقت كان فيه عدوه الرئيسي ملك قشتالة في منتهى الضعف والاستسلام، حتى أنه لم يحرك ساكناً للقاء الغزاة في أية مرحلة من مراحل الغزو. وإنه يحق لنا أن نتساءل ألم يكن في وسع الخليفة الظافر، في مثل هذه الظروف المؤاتية، أن يركز جهوده على محاولة الاستيلاء على طليطلة حصن الإسلام القديم على نهر التاجُه، وفي اعتقادنا أنه لو فعل، لما كانت هنالك، ثمة عقبات خطيرة تحول دون بغيته، ولكن السياسة العسكرية الموحدية آثرت مع الأسف أن تقنع بالمظاهرات العسكرية الجوفاء، التي يستطيع العدو القديم الخالد دائماً أن يصبر عليها، وأن يهضمها بسرعة ليعود إلى عدوانه.

(1) فصلت لنا الرسالة الموحدية المؤرخة في التاسع من شهر رمضان سنة 592 هـ، وهي الرسالة الخامسة والثلاثون من رسائل موحدية، مراحل هذه الغزوة بإسهاب يغلب عليه الزخرف الأدبي، وهي من إنشاء الكاتب أبي عبد الله بن عياش (ص 228 - 241).

ص: 220

وعنى المنصور خلال إقامته عندئذ بإشبيلية بأمرين، الأول النظر في أحوال الأعمال والنفقات ومحاسبة بعض العمال والنظار، الذين لحقت بهم ريب التقصير والاختلاس، والثاني الاستعداد للغزوة القادمة بعد أن ينال الجند قسطهم من الراحة والاستجمام والضيافة والإحسان. وقد أمر المنصور فيما يتعلق بالأموال بمحاسبة أبي سليمان داود بن أبي داود، وندب لمحاسبته لجنة من الكتاب، فحققت في سائر أعماله وتصرفاته مدى ستة أشهر، ثم انتهت بإدانته وإثبات ما في ذمته من أموال، بلغت في الأعمال نحو مائة وخمسين ألف، فاستصفيت أمواله، ولكنه لم ينكب ولم يعاقب حتى عُفي عنه. وأمر الخليفة في نفس الوقت بمحاسبة أبي على عمر بن أيوب، على ما كان تحت يده من أموال النفقات، فتبين أن في ذمته قدراً كبيراً من المال، فطولب به، ولما عجز عن الوفاء، اعتقل مع أبي سليمان حتى عفى عنه أمير المؤمنين.

وفي هذا العام أيضاً قام الخليفة ببعض التعيينات الهامة، فقلد أبا زيد بن يوجان أشغال البرّين (المغرب والأندلس) من الأعمال العلية والشئون السلطانية والوزارة، وما يتعلق به من أشغال الموحدين وملازمة الخدمة، فأبدى في تأدية مهامه المختلفة كفاية ظاهرة، وقدم أبا القاسم بن نصير على الإشراف على عمل إشبيلية، وقدم الكاتب المؤرخ يوسف بن عمر، بعد أن ترك خدمة بني حفص ابن عبد المؤمن، على المستخلص بمنطقة الشَّرْف ومدينة لبلة.

وكان المنصور يعني في نفس الوقت بالاستعداد لاستئناف الغزو في أراضي قشتالة. فلما انتهى فصل الشتاء أمر بالحركة وتعبئة الحشود، فاجتمعت مختلف الطوائف والقبائل حتى ضاقت إشبيلية بجموعهم، فلما استكمل الحشد والاستعداد، خرج الخليفة في قواته من إشبيلية في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 593 (14 أبريل سنة 1196) وسار ميمماً شطر قرطبة، وكانت سنة خصب ورخاء، فسارت الجموع طول الطريق في دعة وعيش طيب. ولما وصل المنصور إلى قرطبة، دخلها ونزل بها وقسم جيوشه لانتجاع الخصب ووفرة الأقوات، حتى تحل الفترة التي تكثر فيها المؤن والأقوات بأراضي قشتالة (1).

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 201 و 202.

ص: 221