الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول عصر الخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد
بيعة الخليفة الرشيد. دخوله مراكش. بعض خواص عهده. قدوم ابن وقاريط زعيم هسكورة. موقفه من الرشيد. مغادرته للحضرة وإعلانه للعصيان. تحالفه مع يحيى. خروج الرشيد لقتال يحيى وحلفائه. هزيمة يحيى وفراره. قدوم الزعيم غنصلة إلى الحضرة. ما فعله قبل مقدمه بأهل قادس. أبو عثمان الجدميوى ورغبته في العودة إلى الطاعة. توسيطه لمبعوث الرومي جوان كيس في ذلك. ميل الزعماء الموحدين إلى العودة إلى الطاعة. القائد شانجه يعرض الأمر على الرشيد. موافقة الرشيد واغتباطه. مقدم أبي عثمان وصحبه إلى الحضرة. مساعيه ومفاوضاته في سبيل عود الموحدين إلى الطاعة. مساعى الرشيد ودعوته لهم. تأهبهم للقدوم ثم إحجامهم خوفا من عدوان الخلط. مسعود شيخ الخلط وأعماله العدوانية. اعتزام الرشيد القضاء عليه. يضع خطة لذلك. استدراج مسعود إلى الحضرة. تدبير المؤامرة لاغتياله. البطش به وبأصحابه ومصرعهم داخل القصر. القبض على عرب الخلط وإهلاكهم. دعوة الرشيد للموحدين للقدوم. رسل الموحدين إلى الرشيد. مطالبة الموحدين بإعادة رسوم المهدي. وعد الرشيد بتحقيقها. مقدم الموحدين إلى الحضرة. إعادة رسوم المهدي. إعادة حقوق الموحدين وأملاكهم. تضعضع الدولة الموحدية. تحالف الخلط وابن وقاريط ويحيى. زحف الحلفاء على مراكش. خروج الرشيد في قواته لقتالهم. هزيمة الرشيد وتمزيق قواته. عزمه على مغادرة الحضرة صونا لها. حيلته ليشق لنفسه طريق الخروج. نجاحه والخروج والفرار. التجاؤه إلى الجبل ثم إلى سجلماسة. الضيق والجوع في مراكش. عيث العرب في أحوازها. دخول يحيى وابن وقاريط والخلط المدينة. تغلب ابن وقاريط على الخليفة. فرار الموحدين من المدينة. استعداد الرشيد لاستئناف القتال. مسيره إلى مراكش. اللقاء بينه وبين يحيى وحلفائه. هزيمة يحيى والخلط. دخول الرشيد الحضرة وإنقاذها من العيث. غزو الجنويين لسبتة. ظروف هذه المحاولة وفشلها. التنكيل بالجنويين المحليين. مقدم أسطول جنوة ومحاصرته لسبتة. تعويض الجنويين وإقلاعهم. الخلط يدبرون خطة الانتقام. يبعثون ابن وقاريط سفيراً إلى ابن هود. استعداد الرشيد للقضاء على خصومه. مسيره إلى فاس. التجاء يحيى إلى عرب المعقل ومصرعه بأيديهم. يحيى وصفاته. عودة الرشيد إلى الحضرة. حوادث سجلماسة. مسير الرشيد إلى فاس. مهاجمة ابن وقاريط لسلا وفشل المحاولة. عوده إلى إشبيلية. وفاة ابن هود وعودة إشبيلية إلى طاعة الخلافة الموحدية. القبض على ابن وقاريط وإرساله إلى المغرب. إعدام جملة من زعماء الخلط. تعذيب ابن وقاريط وإعدامه. بيعة ابن الأحمر للرشيد. الثورة في السوس ومصرع زعيمها. المجاعة في سبتة وأسبابها. بنو مرين وسيطرتهم على الأقطار الغربية. وصولهم إلى فاس. تعيين ابن وانودين لولاية الأقطار الغربية. النزاع بينه وبين بني مرين. تقدم دعوة بني مرين. مصرع أبي سعيد عثمان أمير بني مرين. أخوه أبو معرف يخلفه في الإمارة. الشقاق بين بني مرين. تحالف ابن وانودين مع بني عسكر. محاربته لبني مرين. اجتماع بني مرين حول زعيمهم أبي معرف محمد بن عبد الحق. مسيرهم إلى مكناسة وفتكهم بالروم التابعين لابن وانودين. مسير
ابن وانودين لقتالهم. لقاء الفريقين قرب مكناسة. هزيمة ابن وانودين وحلفائه. التجاؤه إلى قصر عبد الكريم. تضاعف هيبة بني مرين وامتداد سلطانهم. ابن وانودين وقصته وعوده إلى مراكش. الرشيد يبطش بوزيره المومنانى. مصرع الرشيد في حادث البحيرة. مختلف الروايات حول ذلك. خلال الرشيد وصفاته. وزراؤه وكتابه. شخصه.
بويع أبو محمد عبد الواحد الرشيد، حسبما تقدم عقب وفاة أبيه، وهو في طريق عودته على رأس جيشه من سلا إلى مراكش، وذلك في مستهل شهر المحرم سنة 630 هـ (18 أكتوبر سنة 1232 م)، وكانت بيعة خاصة انحصرت في أكابر الأشياخ والسادة، إذ كتمت وفاة الخليفة الراحل إلى حين. ولما وصل الرشيد في جيشه إلى الحضرة، بعد هزيمته لابن عمه يحيى بن الناصر، واستعدت الحضرة لاستقباله، بعد أن كانت على أهبة لرده، مما فصلناه من قبل، دخلها في منتصف شهر المحرم، ونزل بالقصر، وساد التفاؤل والبشر بين الناس، وكانت طوائف الموحدين والعرب التي قدمت مع يحيى، ولاسيما عرب سفيان وشيخهم يومئذ جرمون بن عيسى، قد عاثت في أرجاء العاصمة وخربتها، ونهبت من الأموال والذخائر مقادير طائلة. ووصل مع الرشيد كثير من عرب الخُلط المخلصين له ولأبيه من قبل، واستقروا في مختلف الأنحاء، ووصل معه كذلك عمه السيد أبو محمد عبد الله بن أبي سعد بن المنصور، فأنزله الرشيد أكرم منزل وولاه وزارته، وكانت له في الدولة مكانة رفيعة.
ولما استقر الرشيد بمراكش، اجتمع الناس على طاعته، ووصلته البيعات من مختلف الجهات من الحواضر ومن القبائل.
وكان عهد الرشيد الذي استطال زهاء عشرة أعوام، عهداً بعيداً عن الهدوء والاستقرار، مليئاً على قصره بالأحداث والانقلابات العنيفة. بيد أنه قد امتاز في نفس الوقت بوقوع بعض الظواهر الهامة، وفي مقدمتها عود الموحدين الخوارج، إلى تأييد الدولة الموحدية، وإحياء ما اندثر من رسوم المهدي، والقضاء على تمرد عرب الخلط، وقبيلة هسكورة، وتحرير البلاد من عيثهم، وطغيانهم، وامتاز أخيراً بتقدم دعوة بني مرين، وسيطرتها على معظم الأنحاء الشمالية.
وفي أوائل سنة 630 هـ، قدم إلى مراكش عمر بن وقاريط زعيم هسكورة من جبله، ومعه أولاد الخليفة المأمون إخوة الرشيد الصغار، ومنهم السيد أبو الحسن، وكان أبوه قد تركه بإشبيلية في كفالة بعض الأشياخ، ثم أخرجه أهلها، فأخذ
إلى عمه أبي موسى بسبتة، ولجأ أولئك الصبية أثناء احتلال يحيى لمراكش إلى هسكورة، تحت كنف ابن وقاريط ورعايته.
وكان ابن وقاريط منذ البداية من أنصار الخليفة المأمون، وخصوم ابن أخيه يحيى، ولكنه لما تولى الرشيد شعر نحوه بشىء من التوجس، بيد أنه توسل باستصحاب إخوته الصغار أبناء المأمون إلى الحضرة، إلى نيل عطفه وثقته، ولما وصل إلى مراكش واستقر بها، توثقت أواصر المودة بينه وبين السيد أبي محمد ابن أبي سعد عم الرشيد، وصديقه الحميم العلامة الفقيه أبي إسحاق بن الحجر، وكان من أقطاب عصره علما ومكانة، بيد أن ابن وقاريط لم يكن صادق الولاء، وكانت نفسه تجيش بنيات ونوازع مختلفة، لم تلبث أن كشفت عنها الحوادث. وكان ابن وقاريط، شعوراً منه بكثرة جمعه، وتوطد نفوذ قبيلته، يكثر من الرغبات والمطالب، وخصوصاً منذ توفي صديقه وناصحه السيد أبو محمد بن أبي سعد، وكان الرشيد يستجيب إلى معظم رغباته، ومن ذلك أنه منحه جباية هزرجة وأغمات وريكة، وغير ذلك. بيد أنه لم تهدأ ثائرة نفسه، وفي ذات يوم - آخر سنة 630 هـ - غادر مراكش بحجة الاتصال بإخوانه وإصلاح شئونه، ولكنه لم يعد، ولم يلبث أن كشف القناع، وأظهر العصيان للرشيد، والانضواء تحت طاعة منافسه يحيى المعتصم، وسار إليه بمقره ببلاد مزالة، وكان من الواضح أن عمله كان نذيراً ببدء فصل جديد، من الصراع بين الرشيد، وبين يحيى وحلفائه.
- 1 -
وذلك أن الرشيد لما علم بما وقع من عقد التحالف بين هسكورة ويحيى، حشد قواته، وخرج لقتال خصومه، واستخلف على مراكش صهره زوج أخته السيد أبا العلى إدريس، فقام على ضبطها وتسيير أمورها بحزم وكفاية. ولما وقف ابن وقاريط ويحيى، على أهبة الرشيد للقتال، أخذا في استنفار أنصارهما، واجتمعت حشود هسكورة ومزالة وجلاوة، وأخذت تتأهب للسير صوب مراكش، فبعثت أم الرشيد إلى ولدها تستحثه وتهيب به أن يستدرك الموقف قبل أن يهدد الأعداء العاصمة، فحول الرشيد خط سيره، وقصد إلى بلاد هزرجة، واخترق في طريقه بلاد هسكورة وخرب بسائطها، واستعد يحيى وحلفاؤه لمنازلته في حمى بعض الجبال، فسار الرشيد لقتالهم، ولما اضطرمت المعركة بين الفريقين، تخاذل أنصار يحيى وولوا الأدبار، واعتصموا بالجبال،
وتركوا محلاتهم، فاستولى عسكر الرشيد على ما فيها، وفر يحيى في فلوله إلى بلاد سجلماسة، وعاد الرشيد ظافر إلى مراكش (1).
وقدم عندئذ إلى الحضرة الزعيم غنصلة (كونثالو) أخو شانجه (سانشو) قائد الروم (الجند النصارى) مع طائفة من الجند النصارى، وكان قبل مقدمه، قد جاز على مدينة قادس، وانقض عليها في عصبته، وفتك بأهلها، وحمل منهم عدداً من الأسرى. وكانت قادس يومئذ تدين بالطاعة لابن هود، ألد خصوم الخلافة الموحدية، واستاق غنصلة الأسرى المسلمين معه حتى ثغر آسفى، فقام أهله بافتدائهم، وتم تسريحهم، وبقيت قادس بعد ذلك خرابا حتى تملكها النصارى فيما بعد، في عهد ألفونسو العاشر (2).
وكان أهم ما حدث في هذا العام - 631 هـ - هو التقرب بين زعماء الموحدين وبين الرشيد، وذلك على يد أبي عثمان سعيد بن زكريا الجدميوى. وكان يتردد على جدميوه، وهي من منازل الموحدين القديمة، بعض التجار النصارى، وكان من هؤلاء مبعوث " للرومى " جوان كيس وكيل شانجه قائد النصارى، وكان هذا المبعوث يتردد على أبي عثمان، ويقدم إليه مختلف الهدايا تسهيلا لمهامه، وأبو عثمان من جانبه يقوم بخدمته ومعاونته. ولما علم بذلك جوان كيس قرر أن يزور أبا عثمان وأن يوثق معه علائقه، فاستقبله الزعيم الجدميوى أجمل استقبال، وانتهز الفرصة فأبدى له رغبته في العودة إلى الطاعة، وأن يقوم بذلك المسعى القائد شانجُه، لمكانته من الرشيد، فأبدى جوان كيس اغتباطه بذلك، ووعد بتحقيقه. وكان الزعماء الموحدون الخوارج على الرشيد، قد برموا بحركات يحيى، وارتمائه في أحضان هسكورة وابن وقاريط، وهو خصمهم الأكبر، وسرت بينهم فكرة العودة إلى الطاعة، وعقد الصلح مع الرشيد. وكان أبو عثمان يسره أن يكون البادئ بهذا المسعى الحميد. ولما وقف القائد شانجه على ذلك أدرك ما لهذا المسعى من الأهمية والفائدة، وعرض الأمر على الرشيد وطلب موافقته، فأبدى الرشيد اغتباطه، وإصدر عهده لأبي عثمان بالأمان والقبول، فلما وصل العهد إلى أبي عثمان، بادر بالسير إلى الحضرة في أهله وإخوانه، ومن اتبعه من قبيلته، فاستقبله شانجه أجمل استقبال، وصحبه إلى الدار التي خصصت له، وشمله الخليفة هو وسائر
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 291 و 292، وابن خلدون ج 6 ص 254.
(2)
البيان المغرب ج 3 ص 292، والذخيرة السنية ص 70
صحبه بعنايته ورعايته وجزيل صلاته. وأخذ أبو عثمان يعمل على توثيق علائقه برجال الدولة من جهة، وعلى بث سعيه الحثيث، لدى زملائه الموحدين من جهة أخرى، ليجمع كلمتهم على الطاعة، والعود إلى الالتفاف حول كرسى الخلافة. واستمرت مساعيه ومفاوضاته في سبيل ذلك حينا، واستطاع في النهاية، أن يقنع زملاءه الموحدين بالعود إلى الطاعة، على أن يشملهم العفو التام، وعلى أن تعاد رسوم إمامهم وقوانينهم وتقاليدهم كما كانت، وهو ما وعد الخليفة بتنفيذه، وبذل الرشيد من جانبه، مساعيه لاستجلاب الموحدين، واستدعائهم إلى الحضرة، لما فيه خيرهم وصلاحهم، فبعث الموحدون إليه بالشكر والدخول في الطاعة، وأخذوا في الأهبة للسير إلى الحضرة، وندب الرشيد لمصاحبتهم والوصول معهم، عمه موسى بن الناصر، ولكن حدث أن وقف على ذلك شيخ الخلط مسعود بن حميدان، ورأى في انضمام الموحدين إلى الرشيد تقوية لشوكته، وإضعافا لمركز الخلط، فرتب قوة من رجاله، لتعترض الموحدين وتفتك بهم، وعلم الموحدون بتلك الخطة الغادرة، فارتدوا إلى جبلهم سالمين. ولما نمى ذلك إلى الرشيد، استشاط غيظاً، وتشاور في الأمر مع وزارائه وخاصته، واستقر الرأي على استدراج زعيم الخلط والقضاء عليه.
وكان ابن وقاريط خلال ذلك، يجد في وضع خططه وإحكام وسائله، وكان يوحى إلى حليفه القديم، شيخ الخلط بمختلف المشاريع العدوانية، وشيخ الخلط مسعود من جانبه، يعيث فسادا في الأرض أينما حل، ويفرض سلطانه الغاشم على الناس، ويرهقهم بالمغارم والفروض، ويستبيح الأموال والحُرم، وكان وكيله، واسمه موسى الكافر، رجلا فاجراً يستطيل على رجال الخليفة وخدامه، دون حياء ولا وازع، وكان الرشيد يشهد ذلك كله، مظهراً الصبر والإغضاء، وهو يضطرم في قرارة نفسه رغبة في التخلص من هذا الزعيم المتجبر الباغى، ويرقب الفرص لتحقيق بغيته.
ولم يكن القضاء على شيخ الخلط بالأمر الهين، فقد كان يعتمد على قوة محاربة تتألف من نيف وإثنى عشر ألف فارس، غير الأتباع والحشود التي لا تحصى، وكانت فرسانه وجنده، حسنة الأهبة كاملة السلاح، ولديه من الأموال والثياب والدواب والإبل مقادير وافرة، وبالجملة فقد كان مسعود ابن حميدان ملكاً غير متوج، قوي الشوكة، وافر البأس، وكان لابد للقضاء عليه
وعلى سلطانه، من التذرع بكثير من الحكمة والصبر والدهاء (1).
ووضع الرشيد خطته لذلك بالاتفاق مع وزرائه ونصحائه، وخلاصتها، أن يرسل الجيش مع وزيره السيد أبي محمد الكبير في مهمة إلى بلاد حاحة. ذلك لأن شيخ الخلط كان يخشى المثول في الحضرة، مع وجود الجيش، ومن ثم فقد تحرك السيد أبو محمد بالجيش إلى حاحة برسم جبايتها. وعلى أثر ذلك بدأ الرشيد مسعاه في استدعاء مسعود بن حميدان إلى الحضرة، فقبل الدعوة بعد لأى وتسويف، واستقبل بمنتهى المودة والإكرام، وصار يتردد إلى باب الخليفة في جموعه، وكان يقيم بالحضرة معاوية بن وقاريط عم عمر بن وقاريط، وهو يظهر التبرؤ من عمر وفعله، والولاء للرشيد، بيد أنه كان من جهة أخرى، يبدى صداقته لمسعود، وقد أعد له هو وإخوانه ذات صباح مأدبة حافلة، ولكن الرشيد لم يصبر على تلك المظاهرة فأمر بالقبض على معاوية وإعدامه، وكان مسعود في ذلك الوقت نفسه في دار الخلافة لمصالح يقضيها، فلما نمى إليه الخبر لم يهتز له، وقال لقد أفسد علينا غذاء الخلط، فأقيمت له ولأصحابه في الحال مأدبة عظيمة، وبولغ في إكرامه والحفاوة به.
وهنا وضع الرشيد خطته للإيقاع بمسعود، حينما يفد على القصر، وبث له الكمائن من الفتيان والعبيد والحشود، داخل القصر وحواليه. فلما حضر مسعود أذن له بالدخول، فطلب أن يدخل مع أصحابه، ولكنه أجيب إلى الدخول بمفرده، ومنع الصحب، فتردد أولا ثم ارتضى أن يدخل وحده، فلما وصل إلى مكان معين احتاط به يحيى بن عبد الرحيم، ونفر من العبيد والفتيان، فشعر بالخطر يحدق به، وشهر سيفه وصاح برفاقه الدين تخلفوا ورائه، وتمكن من اللحاق بهم، فشهروا سلاحهم وحاولوا الخروج، ولكن الأبواب كانت قد أغلقت، ففتحوا الباب الأول، بعد جهد، ولكن لقيهم من ورائه ابن ماكسن صاحب الشرطة وأعوانه، ولكنهم استطاعوا التغلب عليهم، ووثبوا إلى الباب الثاني، ولكنه كان أيضاً مغلقاً، وهجم عليهم في ذلك الفناء، كل من كان كامنا في الرياض من الفتيان والكتاب والخدم، وعرف الجميع أن العرب هم المطلوبون، ودافع مسعود ورفاقه عن أنفسهم أعنف دفاع، ولكن السيوف تلقفتهم من كل ناحية، وتساقطوا حول زعيمهم واحداً بعد الآخر، ثم كانت الخاتمة بمصرع
(1) البيان المغرب ص 295 - 298
مسعود، فسقط مضرجا بدمه، واحتز رأسه في الحال، وحمل إلى الرشيد، فحمد الله على ما حقق من هلاك هذا الخصم الخطر، وفي الحال أمر الرشيد بالقبض على من كان بالحضرة من عرب الخلط، وقتلهم، والطواف بجثثهم، وكان مصرع مسعود بن حميدان، وانهيار سلطانه على هذا النحو، عمل انقاذ لموقف شديد الحرج، إذ كان عرب الخلط قد اشتد عيثهم في أنحاء البلاد، واغتصبوا جباياتها وعشورها، وأصاب البلاط الموحدي من جراء ذلك منتهى الضيق والإرهاق (1).
ولم يمض على مصرع زعيم الخلط سوى أيام قلائل، حتى عاد الجيش الذي أوفد إلى بلاد حاحة، بقيادة السيد أبي محمد، بعد أن قام بمهمته. وعلى أثر ذلك قام الرشيد بتوجيه كتبه إلى الموحدين بالوفادة عليه، بعد أن مهد السبيل، وزالت العقبات، فبعث الموحدون إليه منهم رسولين، هما أبو بكر بن يعزى التينمللى، ومحمد بن بزريجن الهنتاتى، فاستقبلا في الحضرة بمنتهى الترحاب والبشر والتكريم، وغمرهما الرشيد بعطفه ورعايته. وأبديا للخليفة شروط الموحدين للعودة، وهي إعادة ما نسخه أبوه الخليفة المأمون، من رسوم الإمام المهدي، وذلك بإعادة اسمه في الخطبة، ونقشه في السكة، وإعادة الدعاء له بعد الصلاة، والنداء " بتاصليت الإسلام "" وسودوت "" وناردى "" وأصبح ولله الحمد" وغير ذلك مما جرى عليه التقليد، منذ قيام الدولة الموحدية، وقضى المأمون بإزالته، وتبعه في ذلك ولده الرشيد، فوعد الرشيد بتحقيق مطالبهم. وعلى أثر ذلك قدم الموحدون إلى الحضرة، ونزلوا فيما خصص لهم من الدور، وانتظموا كما كانوا في طاعة الخلافة، وتمهل الرشيد وقتاً في تنفيذ ما وعد به من إحياء رسوم المهدي، ولكنه لما شهد قلقهم وتوجسهم من ذلك، بادر بتنفيذ عهده، وأعيدت رسوم المهدي ابن تومرت كما كانت قبل إلغائها، واستقبل الموحدون ذلك بمنتهى العرفان والرضى (2)، وقرن الرشيد ذلك بأن رد على الموحدين دورهم وأملاكهم وأموالهم، وسائر حقوقهم وامتيازاتهم القديمة، فطابت نفوسهم، واتسعت أحوالهم، وأقبلوا على الانضمام إلى الجيش، والاضطلاع بنصيبهم من المسئوليات والشئون، ولاح أن الدولة الموحدية قد استردت سابق تماسكها ووحدتها وقوتها (3).
(1) البيان المغرب ص 301 - 303، وابن خلدون ج 6 ص 255.
(2)
البيان المغرب ص 304 و 305، وابن خلدون ج 6 ص 254.
(3)
البيان المغرب ص 306
- 2 -
على أن الأمر لم يكن كذلك في الواقع. ذلك أن الدولة الموحدية لم تكن عندئذ سوى بقية هزيلة مما كانت عليه. ولم يكن سلطان الخليفة الموحدي يتعدى يومئذ أحواز العاصمة الموحدية - مراكش - وما إليها، وكانت أطرافها قد قصت من كل ناحية، ففضلا عن انسلاخ إفريقية، وقيام دولة بني حفص المستقلة بها، فقد غلب بنو مرين على معظم الأنحاء الشمالية الشرقية، ولبثت طوائف العرب، ولاسيما عرب الخلط، مسيطرة على الأنحاء القريبة من العاصمة، واستقر يحيى المعتصم مع فلوله في قطاع سجلماسة. ومن جهة أخرى، فقد كان لمقتل مسعود ابن حميدان زعيم الخلط، نتائج بعيدة المدى. ذلك أن طوائف الخلط هاجت وماجت، وأزمعت الانتقام، واختارت لزعامتها يحيى بن هلال بن حميدان، واضطرمت كلها بنار الفتنة، وانتهز ابن وقاريط تلك الفرصة، ليضع يده مع الخلط، وليذكى فيهم ظمأ الانتقام والعيث، وكان منذ هزيمته في هزرجة، قد لبث إلى جانب يحيى المعتصم. واستنفر الخلط سائر حشودهم، فاجتمعت منهم جموع غفيرة، وانضم إليهم يحيى وابن وقاريط بقواتهما، وزحفت الجموع المشتركة على مراكش، وعاثت في أحوازها، وانتسفت الزروع والرياض والبحائر القريبة، وضربت المدائن والقرى، وانقطعت المؤن والأمداد عن الحضرة، واشتد بها الضيق، وأخذ الجند في التسلل إلى الخلط، فعندئذ رأى الرشيد أن يدفع بقواته لمقاتلة المهاجمين، فخرج غنصالة، (كونثالو) قائد الروم في فرسانه، ومعه جند الرشيد، إلى وادي تانسيفت، حيث اجتمع الخلط وهسكورة، وكان معه أيضاً عبد الصمد بن يلولان الهسكورى، خصم ابن وقاريط الألد في جمع من أنصاره، ونشب بين الفريقين قتال عنيف، وقاتل الروم ومن معهم بمنتهى الشجاعة، ولكن تكاثرت عليهم الخلط وهسكورة وفتكت بهم، فهزموا هزيمة شديدة، وارتدت فلولهم عند دخول الليل إلى المدينة، فأغلقت أبوابها، وساد بها الاضطراب والفزع، وزاد الضيق وعدمت الأقوات، وانهارت هيبة الخلافة والخليفة، وأخذت الأمور تنذر بأخطر العواقب (632 هـ - 1234 م)(1).
وعندئذ اقترح الموحدون على الرشيد، صونا للمدينة، وانقاذاً لها من الحصار والخراب، وانقاذاً لأهلها من الهلاك والأسر، أن يغادرها الرشيد، وأن يلجأ
(1) البيان المغرب ص 307 و 308، وابن خلدون ج 6 ص 255
إلى جبال الموحدين في قاصية جبال الأطلس، فقبل الرشيد هذا الرأي، ولكن كان لابد لتنفيذه من أن يلتمس الرشيد له طريقاً للخروج والإفلات، من خصومه المتربصين به خارج الحضرة، ومن ثم لجأ الرشيد إلى الحيلة، فأمر بأن يكتب خطابان على لسان جرمون شيخ عرب سفيان، موجهان إليه، بانتصار عرب سفيان على الخلط، وأنهم مرابطون في وادي أم الربيع، وأنهم مازالوا على ولائه وطاعته. وقد كان عرب سفيان دائماً من أنصار المأمون وولده الرشيد، وكانوا من أعداء الخلط، ثم عهد بالخطابين المزورين إلى رسولين (رقاصين) أجزل لهما العطاء، وأمرا بأن يمرا قرب محلة الخلط، وأن يتظاهرا بأنهما قادمين من لدن عرب سفيان إلى الرشيد، فتمت الحيلة، وقبض الخلط على الرسولين، وضبط الكتابان، فقررا أنهما قدما من لدن جرمون، وأنه مقيم بحشوده في وادي أم الربيع، وخشى الخلط أن يكون قد وقع مكروه لباقى مواطنيهم، فقوضوا محلتهم خارج الحضرة، وساروا مع حلفائهم بني هسكورة صوب وادي أم الربيع (1).
وما كاد الخلط وحلفاؤهم يبتعدون عن الحضرة، حتى بادر الرشيد فجمع أمواله وعتاده ومتاعه، وغادر مراكش في أهله وولده، ووجوه دولته، وأشياخ الموحدين، واستخلف على المدينة أبا محمد عبد الله بن زكريا، وخرج في أثره كثير من الناس بأهلهم، ولحسن الطالع لم يتعرض له أحد في ذلك اليوم، فسار في أمن حتى وصل ومن معه إلى أغمات. ولما علم الخلط بما حدث بعد يوم أو اثنين، هرعوا في أثر الخليفة الفار، وحاصروه بأغمات مدى يومين، شغلوا خلالها بالبحث عن الأقوات والمؤن، وتحيل الرشيد من جهة أخرى في الخروج صوب الجبل، فنجح، ووصل إلى أطراف الجبل، قبل أن يفطن إلى ذلك خصومه، ثم بعث بجنده إلى تينملل، ولما أدرك الخلط ما حدث، ولم يجدوا أحداً بالمحلة، ارتدوا على أعقابهم إلى حيث أتوا.
وسار الرشيد، في قواته جنوبا، فاخترق بلاد هرغة، ثم اتجه شرقاً صوب سجلماسة، وكان واليها أرقم بن يحيى بن شجاع بن مردنيش، فامتنع، واستعد للمقاومة. ولكن طائفة من النصارى كانت بالمدينة، فتحت الأبواب وأعلنت الطاعة، فدخل الناس المدينة وأسعفوا بالأقوات، وهدأت الأحوال.
وكانت مراكش، منذ غادرها الرشيد، قد ساد بها الاضطراب والضيق،
(1) البيان المغرب ص 310 و 311
وعزت الأقوات واشتد الكرب، وأكل الناس كل ما وصل إلى أيديهم من صنوف النبات والحشائش، ومات كثير من الجوع، وكان العرب خارج المدينة يحولون دون إغاثتها وتموينها، ويقيمون هم في خصب وسعة. ثم كان أن تسور المدينة السيد أبو ابراهيم بن أبي حفص الملقب بأبي حاقة، وفر الوالي أبو محمد بن أبي زكريا، وضبط السيد أبو ابراهيم البلد، وأمل الناس أن ينقذهم من عيث العرب وبطشهم، وبدأت تباشير الفرج بوصول الناس إلى الحقول والزرع الأخضر.
وفي تلك الأثناء وصل يحيى المعتصم وابن وقاريط وطوائف الخلط إلى المدينة، فتوجس الناس شراً، ودخل يحيى في الحال مراكش واحتلها، واستولى أصحابه من العرب والهساكرة على الدور، ووزر ليحيى يومئذ أبو محمد بن وانودين، وأبو يحيى بن زكريا بن يجلد، ودخل ابن وقاريط في أشياعه، ونزل بدار الوزير السابق أبي سعيد بن جامع، واقتسم الزعماء القصور والرباع الفخمة، وغلب ابن وقاريط والعرب على الخليفة الضعيف يحيى. وكان المسيطر عليه يومئذ فتى أفاق يدعى بلال ويكنى أبا حمامة، وأوقع بلال هذا بعلى أخي يحيى ووشى به، فأمر يحيى بالقبض عليه ثم إعدامه، بالرغم من شفاعة ابن وقاريط والخلط، وكثر الإرجاف، وساءت الظنون، وخرج الموحدون الذين كانوا بالمدينة، وغادروها تباعا بمختلف الوسائل والحيل، وساروا إلى الجبل، وانتظروا يرقبون الحوادث.
وكان دخول يحيى مراكش على هذا النحو في أواخر سنة 632 هـ (1235 م) فلبث بها حتى أوائل العام التالي، وكان الرشيد في تلك الأثناء بسجلماسة، ينظم شئونه، ويتخذ أهبته للمعركة المرتقبة. فلما شعر بعد بضعة أشهر بتحسن أحواله وازدياد قواته، واستجاب إلى نصرته عرب سفيان، وشيخهم جرمون بن عيسى، عول على التحرك والعمل. فخرج في قواته من سجلماسة، قاصداً إلى مراكش، وترامت هذه الأنباء إلى الحضرة، فسرى إليها الاضطراب، وخرج منها يحيى، وضرب محلته في ظاهرها استعداداً للقاء الرشيد، وقد تزايدت قواته بحشود حلفائه من الخلط وهسكورة.
وسار الرشيد في قواته أولا صوب وادي أم الربيع، ثم هبط منه نحو العاصمة، وهنالك في مكان يسمى أوجدام التقى الفريقان، ونشب بينهما قتال هائل، استمر طول اليوم دون حسم، ثم استؤنفت المعركة بعد بضعة أيام، ونشبت بينهما معركة عنيفة أخرى، انقض خلالها الروم من عسكر الرشيد، على ناحية
الخلط، وهاجموهم بشدة، وفتكوا بهم، فولى الخلط الأدبار مع أميرهم، وتحطمت جبهة يحيى وحلفائه، وانتهبت محلاتهم، وسبي أولادهم ونساؤهم، وتحقق للرشيد نصر كامل، ودخل الرشيد حاضرته في حفل فخم، فأغدق صلاته على حلفائه من عرب سفيان، فاتسعت أحوالهم، وزادت جموعهم، وأعلن الصفح عن خصومه، وساد التهادن والسلم، وتم ذلك في أواسط أو أواخر سنة 633 هـ (1236 م)(1).
وكانت هزيمة الخلط على هذا النحو الشامل، ضربة شديدة لتلك الطوائف الباغية المفسدة، أنقذت بها الخلافة الموحدية، وأنقذت مراكش من كابوس خانق، فانتظمت الأحوال وانتعشت النفوس، وعمرت الديار، وارتفعت المظالم المرهقة، التي كانت هذه الطوائف تنزلها بالناس، وأخذ الرشيد يستعد لمطاردة الخلط، والقضاء عليهم، وكانوا عندئذ قد انفضوا عن يحيى، وفر يحيى في نفر يسير من صحبه مفلولا كسيراً، والتجأ إلى جماعة من عرب المعقل.
وحدث في هذا العام - سنة 633 هـ - الذي بلغت فيه الحرب الأهلية ذروتها من الاضطرام، حادث لم يلتفت البلاط الموحدي إلى خطورته، وإلى خطورة دلالته، وهو غزو الجنويين لثغر سبتة، ومحاولة الاستيلاء عليه. وكان الجنويون يفدون في سفنهم على سبتة للاتجار مع أهلها، ومع القبائل المجاورة، وترتب على ذلك أن نزل بها وبأرباضها كثير منهم، ففكر جماعة منهم في الاستيلاء عليها، لأهميتها البحرية والتجارية، فنمى ذلك إلى واليها عندئذ، وهو أبو العباس اليانشتى، فكتب إلى القبائل المجاورة يستنفرهم، وحدد لوفودهم يوما معينا. وفي ذلك اليوم، وفدت على سبتة، منهم جموع غفيرة، وخرج اليانشتى للقائهم، فأدرك الجنويون فشل مشروعهم، وأسرعو إلى باب المدينة، يحاولون امتلاكه فردتهم عساكر البربر، وقتلوا منهم عددا كبيرا، ورمى كثير منهم أنفسهم إلى البحر، ووصلوا إلى سفنهم الراسية فيه، ونهبت أموال الجنويين وفنادقهم، وهرع من بقى منهم إلى جنوة، وأبلغوا أهلها ما حدث، فحشد أهل جنوة في الحال نحو مائة مركب، وساروا لمحاصرة سبتة، ولما وصلوا إليها نصبوا عليها المجانيق، وضيقوا عليها، وعولوا على ضربها وأخذها بالحصار، فبادر صاحب المدينة اليانشتى إلى مفاوضتهم، واتفق معهم على تعويضهم عن كل ما حدث من الخسائر
(1) البيان المغرب ص 318 - 324، وابن خلدون ج 6 ص 255
لمواطنيهم، وقدر هذا التعويض بمبلغ أربعمائة ألف دينار دفعها أهل سبتة، فتسلم الجنويون المال، وأقلعوا عن المدينة، ووقع ذلك في سنة 633 هـ (1236 م)، أو في سنة 632 هـ (1235 م) وفقاً لرواية صاحب روض القرطاس، وتضع بعض الروايات تاريخ هذا الحادث في سنة 636 هـ (1238 م)(1).
وفي تلك الأثناء كان عرب الخلط يجمعون فلولهم ويدبرون خططهم. ذلك أنهم لم ييأسوا من المقاومة، واقترح عليهم ابن وقاريط أن يعترفوا بطاعة صاحب الأندلس، محمد بن يوسف بن هود، وأن يستنصروا به، لكي يرسل إليهم جنداً لمحاربة الرشيد، فوافق العرب على ذلك، وندبوا ابن وقاريط وجماعة من أعيانهم للسير إلى ابن هود. وكان ابن وقاريط في الواقع يتوق إلى مغادرة المغرب، بعد أن شعر بفداحة هزيمته وخسران قضيته، فعبر البحر مع رفاقه إلى الأندلس، ووفد على ابن هود، فرحب بمقدمهم، وشملهم بعطفه وجوده، ولبثوا بإشبيلية في ضيافته وتحت كنفه، حتى سنة 635 هـ، وانتظر عرب الخلط وأمرهم فوضى، نتيجة هذه السفارة، حتى تحرك الرشيد حركته الثانية.، فدب إليهم الذعر وتفرقوا في مختلف الأنحاء.
وكان الرشيد عندئذ، قد استعد لحرب خصومه أعظم استعداد، وبذل الأعطية على نطاق واسع، وشمل الموحدين بسابغ عطفه وكرمه، وندب لولاية مراكش الشيخ أبا علي بن أبي محمد عبد العزيز، ولأشغالها أبا عبد الله بن أبي زيد التينمللى، ولقضائها أبا زيد المكادى، ولشرطتها يوسف بن عثمان الهنتاتي.
وسار الرشيد في قواته أولا إلى فاس، والناس يرحبون به أينما حل. وفي فاس نظر في الشئون، وطلب تحصيل الجبايات، وأرسل الجيش إلى غُمارة بقيادة الوزير السيد أبي محمد سعيد بن المنصور. وخلفه في الوزارة الشيخ أبو موسى ابن عطوش. وبقى الموحدون في فاس. وحصلت الجبايات العظيمة من قبائل غمارة وفازاز، ومنح الجند أعطيتهم، ووسع عليهم، واستقامت الأمور، وتحسنت الأحوال.
ووقع خلال إقامة الرشيد بفاس حادث حسم، هو مصرع يحيى المعتصم. وذلك أنه كان عقب هزيمته الأخيرة الساحقة، قد لجأ إلى عرب المعقل بقرب رباط تازا، واستجار بهم، فآووه ووعدوه بمؤازرتهم ونصرتهم، ولكنهم
(1) راجع في غزو سبتة البيان المغرب ص 346 و 347، وروض القرطاس ص 183
أخذوا يرهقونه بمطالبهم، في إصدار الظهائر لهم بامتيازات وحقوق معينة، أملا منهم في عوده إلى الخلافة، فأبى يحيى ذلك عليهم، فقتلوه غيلة، ودفنوا شلوه، وذلك في يوم الاثنين 28 رمضان سنة 633 هـ (مايو سنة 1236 م)، وذلك بمكان يسمى فحص الزاد، يقع بين فاس ورباط تازا، ثم بعثوا برأسه إلى الرشيد وهو بفاس (1)، فبعث بها الرشيد " في زق عسل " إلى مراكش، ومعها كتاب إلى الوالي أبي علي بن أبي محمد، فاستدعى الوالي الناس، وقرأ عليهم كتاب الخليفة، وعلق الرأس على باب الشريعة (2).
وقام الوالي أبو علي في نفس الوقت، بناء على أمر الخليفة، بإعدام بعض زعماء العرب من سفيان وجابر، وكانوا معتقلين بسجن الحضرة.
وهكذا كانت خاتمة يحيى المعتصم بن الناصر بن المنصور، بعد حياة مضطربة شريدة، استطالت مذ بويع بالخلافة لأول مرة في شوال سنة 624 هـ، حتى مصرعه في رمضان سنة 633 هـ، تسعة أعوام، لم ينعم خلالها بالاستقرار، والاتشاح بثوب الخلافة، سوى فترات يسيرة، كانت تتخللها مغامرات ومعارك مستمرة، أولا مع عمه ومنافسه القوي، أبي العُلى المأمون، ثم بعد ذلك مع ابنه الرشيد. وكان يحيى شخصية ضعيفة، لا تتميز بشىء من الإرادة أو حسن التصرف، وكان طول الوقت آلة في يد أنصاره، يوجهونه كيفما شاءوا، وإذا كنا نضعه من حيث الشكل في ثبت الخلفاء الموحدين، فإن عهد خلافته المتقطع، لم يقترن من الناحية العملية، بأي تصرف أو أثر يذكر.
- 3 -
وفي أوائل سنة 634 هـ، غادر الرشيد فاس عائداً إلى مراكش، فدخلها في موكب فخم، واستقرت الأمور، وانتظمت الأحوال، وساد الهدوء والسلام، وقام الرشيد بتعيين عمال النواحي، واستقام أمر الموحدين، وأخذوا في تنظيم شئونهم، وحرث أراضيهم، وتذوق الحياة الوديعة الهادئة.
وحدث في هذا العام أن استطاع أبو محمد بن وانودين والي درعة، الاستيلاء على سجلماسة، وكانت قد خرجت عن الطاعة. وذلك أن الرشيد لما غادر سجلماسة
(1) البيان المغرب ص 339، وابن خلدون ج 6 ص 255، وروض القرطاس ص 166.
وهو يسمى الموضع الذي قتل به يحيى، " بفيح عبد الله من أحواز رباط تازا ".
(2)
البيان المغرب ص 330
عين يوسف بن علي التينمللى والياً لها، فاستعمل قريبا له وهو يحيى بن أرقم ابن مردنيش لإدارتها، وثار بيحيى ثائر من صنهاجة وقتله، فقام ولده أرقم، واستطاع أن يتغلب على المدينة، وأن يفوز بحكمها مكان أبيه، وخشى أرقم أن يعزله الرشيد، فاستقل بالمدينة، وامتنع بها، فمازال أبو محمد بن وانودين به، حتى أقنعه بالعودة إلى الطاعة، واستطاع أن يسترد منه المدينة، وعفا عنه الرشيد (1) وغادر الرشيد الحضرة إلى فاس مرة أخرى، واستخلف على مراكش الشيخ أبا محمد بن أبي ابراهيم. وفي أثناء إقامته بفاس، وفد عليه رسل بني مرين، فأكرم مقدمهم، وأجزل صلتهم. وكان الخليفة الموحدي يدرك ما انتهى إليه بنو مرين يومئذ من القوة والشأن، ويبذل وسعه في مصانعتهم واسترضائهم.
ووقع عندئذ حادث مزعج، هو مفاجأة ابن وقاريط سلا بالهجوم عليها، ومحاولة أخذها. وكان ابن وقاريط مذ عبر إلى الأندلس لاستنصار ابن هود، قد لبث في إشبيلية يرقب الفرص، ثم اقترح على ابن هود مشروعاً لفتح سلا ورباط الفتح، وطلب منه بعض السفن، ليستعين بها في تنفيذ مشروعه، فوافق ابن هود، وقدم لابن وقاريط سفينتين. وكان على ولاية سلا يومئذ، السيد أبو العُلى صهر الرشيد زوج أخته فاطمة بنت المأمون، فسار ابن وقاريط في حملته البحرية الصغيرة، وفاجأ سلا بالهجوم عليها، ولكنه لقى مقاومة شديدة، واضطر أن يرتد أدراجه. واهتم الرشيد لذلك الحادث وبعث إلى سلا فاستقدم أخته وأمه إليه، وكانت معها، حرصا على سلامتهما (2).
وكانت هذه خاتمة محاولات ابن وقاريط. ذلك أنه ما كاد يعود إلى إشبيلية حتى تطورت الحوادث، وتوفي المتوكل ابن هود في ألمرية في جمادى الأولى سنة 635 هـ، حسبما فصلنا ذلك في موضعه، وعندئذ قام أهل إشبيلية بزعامة أبي عمرو ابن الجَد وأعلنوا خلع طاعة بني هود، والعودة إلى طاعة الخلافة الموحدية، وعقدوا بيعتهم للرشيد، وبعثوا إلى مراكش وفداً لتقديم بيعتهم. وحدث مثل ذلك في سبتة، حيث قام أهلها بخلع صاحبها أبي العباس اليانشتي، وبايعوا للرشيد، وبعثوا ببيعتهم وفداً إلى الحضرة. وحدث في نفس الوقت أن قام أهل إشبيلية بالقبض على ابن وقاريط، وكان الفضل في ذلك راجعاً إلى فقيه من أهل فاس يدعى
(1) ابن خلدون ج 6 ص 256، والبيان المغرب ص 331.
(2)
البيان المغرب ص 341، وابن خلدون ج 6 ص 256
أبو عبد الله المومنانى كان مقيما بإشبيلية، وبه ولاء للدولة الموحدية، فحرض أهل المدينة على القبض على الزعيم الخارج، وإرساله إلى المغرب، لما في ذلك من إرضاء للخلافة، وتحقيقاً لسلامها، فقبض على ابن وقاريط، وأرسل إلى المغرب محروساً في سفينة، رست به على ثغر أزمُّور، وهنالك تسلمه الوزير الشيخ أبو زكريا بن عطوش، وكان في سجن أزمور عدة من زعماء الخلط، كان الرشيد قد تحيل في استدعائهم وقبض عليهم، وبعث جنده فاستباحت محلاتهم وسبت أولادهم ونساءهم، ثم اعتقلوا بأزمور، فأمر الرشيد بإعدامهم، فأعدموا وحزت رؤوسهم، وأودعت في سفط وضع فوق جمل، أركب عليه ابن وقاريط وأرسل إلى مراكش على تلك الحالة. فلما وصل إلى الحضرة، احتاط به الناس، وأخذوا في لعنه، ثم أودع السجن، وأعدم بعد أيام قلائل، وعلقت جثته على باب الشريعة (أواخر سنة 635 هـ) وبذلك انتهى أمره، واستراح الرشيد من خصم من أخطر خصومه، وأشدهم عناداً وجلداً (1).
وفي العام التالي (636 هـ)، وصلت إلى الرشيد بيعة محمد بن الأحمر صاحب غرناطة ومالقة، وكان ابن الأحمر، يتردد في الطاعة بين الانضواء تحت طاعة ابن هود، والخلافة الموحدية والخلافة العباسية، وقد لبث يدعو للرشيد وللخلافة الموحدية، حتى وفاة الرشيد في سنة 640 هـ.
وحدث في هذا العام أيضا - 636 هـ - أن خرج ببلاد السوس ثائر يدعى بابن ياوجى، وامتنع بحصن تيوينوين، والتف حوله كثير من الناس، وانضم إليه عرب المعقل، فدس إليه أبو محمد بن أبي زكريا والي السوس رجلا من جزولة، استطاع أن يدخل الحصن وأن يقتله، ثم قطع رأسه وحمل إلى مراكش، وبذلك أخمدت ثورته في مهدها، وقد عرف حصن تيوينوين هذا من قديم، بأنه كان دائماً مركزاً للشقاق والعصيان، وبه خرج من قبل أبو قصبة، ثم ثار به ابن الفرس وامتنع به حتى اغتيل وقتل (2).
وفي سنة 637 هـ، وقعت بسبتة وأحوازها مجاعة عظيمة، واشتد القحط والغلاء، وسمى هذا العام " عام سبعة " وكان ذلك من جراء الفتن المتوالية، التي عصفت بالمناطق الغربية، ومن جراء الشرق وقلة الأمطار حتى عدمت الموارد،
(1) البيان المغرب ص 341 و 342، وابن خلدون ج 6 ص 256.
(2)
البيان المغرب ص 344
وهلكت الزروع، وتفاقم الضر بعيث طوائف العرب، ولاسيما عرب رياح، في أحواز مكناسة، وفاس، ونشوب المعارك المتوالية بينهم وبين زناتة، وأحيانا بينهم وبين بني مرين. وقد أوقع بهم بنو مرين ومزقوا جموعهم، واستولوا على أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وكان بنو مرين يجوبون عندئذ سائر الأقطار الغربية، ويفرضون سلطانهم، على معظم القبائل والطوائف النازلة في تلك الأنحاء، ويقمعون أهل الشر والفساد، من العرب وغيرهم، ممن يعيثون في تلك المناطق فساداً، حتى أمنت السبل، واستقامت الأمور، وعلت كلمة بني مرين وهيبتهم، ودخل الناس في طاعتهم، وأخذوا في جباية الضرائب والمكوس، فاتسعت أحوالهم، وقويت شوكتهم، وغلب لديهم الرخاء والنماء (1).
وقد سبق أن تناولنا نشأة بني مرين، وخروجهم من منازلهم القفرة بوادي ملوية، إلى أنحاء المغرب، وما وقع بينهم وبين الموحدين، أيام يوسف المستنصر من المعارك، وكيف أنهم وصلوا في زحفهم داخل أنحاء المغرب حتى أحواز فاس، وكيف أنه لم ينقذ الدولة الموحدية يومئذ من خطر تقدمهم الداهم، سوى ما وقع بينهم من الشقاق الداخلى. وقد لبث بنو مرين في تلك الفترة التي اشتغلت فيها الخلافة الموحدية بحروبها الداخلية، يعملون على توطيد مركزهم، وتوسيع سلطانهم، والاندفاع غربا داخل أقطار المغرب، حتى أنهم فرضوا الإتاوة على مكناسة وغيرها من البلاد المجاورة، وكان أميرهم في الوقت الذي نتحدث عنه، هو أبو سعيد عثمان بن عبد الحق، ولم يكن الرشيد غافلا عن خطورة حلول بني مرين في تلك المنطقة الهامة من مناطق المغرب، ولكنه نظراً لازدياد قوتهم، كان يؤثر مصانعتهم وعقد السلم معهم.
ولما دخلت طنجة وسبتة في طاعة الرشيد، واستقامت الأمور نوعا في أواخر سنة 635 هـ، عين الرشيد لولاية المناطق الغربية أبا محمد عبد الله بن وانودين. وكان ابن وانودين من خيرة زعماء الموحدين، وكان يمت إلى بيت الخلافة بصلة المصاهرة، إذ كان متزوجاً بالسيدة بنت يوسف المستنصر، وكانت له بذلك مكانة في الدولة. وكان قد وزر ليحيى المعتصم، ثم تركه ولحق بخدمة الرشيد، فولاه بلاد درعة في سنة 632 هـ، ونجح ابن وانودين أثناء ذلك في استخلاص سجلماسة، من يد أرقم ابن مردنيش حسبما تقدم، فولاه الرشيد عليها، ثم عاد إلى مراكش في سنة 634 هـ.
(1) البيان المغرب ص 348، 349
ولما عين الرشيد ابن وانودين لولاية الغرب، عين معه في نفس الوقت أبا علي بن خلاص البلنسى لولاية سبتة، وعين للنظر على دار الصناعة أبا زكريا ابن مزاحم الكومي. وخرج ابن وانودين من مراكش في عسكر كبير، من الموحدين والمطوعة والعرب، وفوض له الرشيد النظر في أحوال البلاد، فسار أولا إلى بلاد غمارة، لينظر في شئونها، فثارت عليه بعض قبائلها، وكان عدد من هذه القبائل قد دخل في طاعة بني مرين. وكان الرشيد يعتمد على فطنة ابن وانودين، ولباقته في معالجته الأمور مع بني مرين بالكياسة والحسنى، وقد بعث معه بعض أحمال من الكسى الفاخرة برسم بني عبد الحق وأشياخ بني مرين، ولكن ابن وانودين ما كاد يصل إلى مقربة من أحيائهم، حتى بادرهم بالخصومة والعداء، وطالبهم برد الفارين إليهم من بني غمارة، فرفضوا، ووقع النزاع بين الفريقين، وانتهى إلى القتال بينهما، فأغار بنو مرين على محلة ابن وانودين، وقتلوا جملة كبيرة من أجناده، وعلم الرشيد بما حدث، فأمره بالاستقرار في تلك المنطقة، تحوطا لحركات بني مرين (1).
واستمر أمر بني مرين في تقدم، وأطاعتهم معظم القبائل في تلك المنطقة ومنها هوارة وتسولة ومكناسة، وصالحتهم بعض المدن على أموال معلومة، يؤدونها في كل عام، وكان منها فاس ومكناسة ورباط تازا وغيرها. وكان بنو مرين يرون، بعد أن ضعفت الدولة الموحدية، وعجز الخلفاء الموحدون عن ضبط البلاد، وخرجت معظم المدن والقبائل عن طاعتهم، وانتشرت الفوضى في معظم الأنحاء، أنهم غدوا أولى بالنظر في شئون الدين، وصون مصالح المسلمين وحمايتهم من العدوان والفوضى (2).
وفي سنة 637 هـ، وقيل في محرم سنة 638 هـ (1240 م) قتل أمير بني مرين أبو سعيد عثمان بن عبد الحق، اغتاله فتى من علوجه رباه صغيراً، ثم هرب هذا العلج إلى ابن وانودين. وقيل عندئذ أن ابن وانودين هو الذي حرضه على ارتكاب جريمته (3). فخلفه في رياسة بني مرين أخوه الأمير أبو معرف محمد ابن عبد الحق. فأطاعه بنو مرين، ولكن خالف عليه أبناء عمومته بنو حمامة، وعاد
(1) البيان المغرب ص 350 و 351.
(2)
روض القرطاس ص 192.
(3)
البيان المغرب ص 351، وروض القرطاس ص 192، والذخيرة السنية ص 62
الشقاق القديم بين بني حمامة وبنى عسكر يمزق صفوفهم. وبعث ابن وانودين، بقلم كاتبه أبي الحسن السرقسطى إلى الرشيد، يعرفه بما تقدم من شئون بني مرين، وقد اغتر ابن وانودين بما حدث بينهم من شقاق، وأظهر المودة لبني عسكر وتحالف معهم، ونهض معهم بالفعل إلى مقاتلة بني عبد الحق (بني حمامة)، والتقى الفريقان على مقربة من سلفات، وخسر كل من الفريقين قتلى، وارتد ابن وانودين مع الموحدين وبنى عسكر، ونزل بظاهر مكناسة، واشتد في معاملة أهلها، وفرض عليهم المغارم الفادحة، لأنهم كانوا يدينون بطاعة بني عبد الحق، ثم سار إلى فاس ففعل بها مثل ما تقدم، ثم عاد إلى مكناسة، ونزل على مقربة من جبل زرهون الواقع في شمالها، ففر منه الناس في مختلف الأنحاء (1).
واجتمع بنو مرين حول أميرهم محمد بن عبد الحق، وانضمت إليهم حشود من زناتة، وغيرها، وساروا إلى مقربة من مكناسة واصطدموا هنالك بقوة من النصارى (الروم) كان ابن وانودين قد بعثها لحراسة تلك المنطقة ففتكوا بها، وعندئذ وضع ابن وانودين خطة لمهاجمة بني مرين، وسار في قواته من الموحدين والعرب وبنى عسكر، وتأهب بنو مرين للقائه. ونشبت المعركة بين الفريقين على قيد نحو ثمانية أميال من مكناسة، فقاتل بنو مرين بعنف وشجاعة، وفتكوا بالموحدين وحلفائهم، وحقت الهزيمة الفادحة على ابن وانودين، ومزق عسكره، من العرب وبنى عسكر، فلجأ ابن وانودين إلى مكناسة، وامتنع بها. واستولى بنو مرين على محلته، وسائر ما فيها من المتاع والدواب، ثم غادر ابن وانودين مكناسة في جملة من الخيل، ومعه ابنه أبو زكريا، وقصد إلى قصر عبد الكريم (القصر الكبير) حيث لحق هنالك بأسرته وامتنع به. ووقعت هذه الحوادث في أواخر سنة 637 هـ (2).
وكانت هزيمة ابن وانودين على هذا النحو، ضربة شديدة للخلافة الموحدية وكسبا جديداً لبني مرين زاد في قوتهم وفي هيبتهم، وامتد سلطانهم بذلك إلى جهة القصر الكبير، ومن فيها من عرب رياح، ودخل في طاعة الأمير محمد بن عبد الحق، من تخلف من قبائل بني مرين، وسائر قبائل غُمارة وغيرها، وأصبح
(1) البيان المغرب ص 352.
(2)
البيان المغرب ص 353
بنو مرين يتجولون في تلك الأنحاء سادة أحراراً، وجنح الرشيد إلى مهادنتهم، ومصانعتهم، وكانت بينه وبينهم مراسلات ودية.
وعلم ابن وانودين وهو في ملجئه بقصر عبد الكريم، أن كثيراً من أهل البلاد التي كانت تحت حكمه، قد كتبوا في حقه إلى الرشيد، وشكوا مما كان ينزله بهم من المظالم، واتهموه بأنه كان يقصد أن يحذو في منطقته حذو بني حفص، وأن يستقل بحكمها، وأن الرشيد قد صدق هذه الاتهامات، فغادر قصر عبد الكريم، وقصد إلى جبال الموحدين، وسار ليلا ونهاراً حتى وصل إليها، بالرغم من مطاردة بني مرين، وبقى لاجئاً إليها، حتى نمى إليه أن الرشيد، تحقق في النهاية من براءته مما نسب إليه، فعاد إلى مراكش، وأكرم الرشيد وفادته.
وفي سنة 639 هـ (1241 م)، بطش الرشيد بوزيره وكاتبه أبي حفص ابن المومنانى، وكان من أكابر الدولة وأعلام الكتاب، وله عند الرشيد حظوة ومكانة رفيعة. ولكنه ارتكب زلة خطيرة حينما وجه خطابا خاصاً إلى صديقه السيد أبي حفص عمر بن عبد العزيز بن المنصور، يهنئه فيه بإسناد إحدى الولايات إليه، ويقول له في خطابه إنها " إن شاء الله ابتداء الخلافة "، وأخطأ الرسول، ودفع الخطاب إلى أهل القصر، فوقع في يد القائد أبي المسك، ودفعه أبو المسك إلى الرشيد، فلما وقف عليه الرشيد، أمر من فوره بقتل المومنانى والسيد أبي حفص، فنفذ أمره في الحال وهلك الرجلان ضحية عبارة طائشة (1).
بيد أنه لم تمض بضعة أشهر على ذلك الحادث الدموى، حتى هلك الرشيد نفسه. ذلك أنه خرج ذات يوم للتنزه في إحدى الرياض التي كان قد أنشأها بجوار القصر، وكانت توجد في تلك الروضة بحيرة صغيرة، أو صهريج وفقا لوصف المؤرخ، فنزل في هذه البحيرة مع بعض جواريه في زورق برسم التنزه، فانقلب الزورق بمن فيه، وغرق الرشيد ومات لوقته، وقيل إنه انتشل محموما من الماء، وحمل إلى القصر، وهنالك توفي بعد ثلاثة أيام. وكان غرق الرشيد في يوم الثلاثاء السابع من جمادى الآخرة سنة 640 هـ (2 ديسمبر سنة 1242 م) فإذا أخذنا بالرواية الثانية، فتكون وفاته في اليوم العاشر من جمادى الآخرة الموافق ليوم 5 ديسمبر. وفي رواية ثالثة ينقلها إلينا ابن عذارى عن مصادر مسندة عن حاجب الرشيد، أن الرشيد نزل بزورقه في الصهريج في ليلة باردة،
(1) البيان المغرب ص 357.، وابن خلدون ج 6 ص 256
ثم خلع عمامته، فلما أزالها أصابته نزلة شديدة، فأخرج من الزورق، وحمل إلى قصره حيث توفي، في يوم الجمعة العاشر من جمادى الثانية سنة 640 هـ (1). وكان الرشيد حينما توفي في الرابعة والعشرين من عمره، وقد استطالت خلافته أكثر من عشرة أعوام.
…
وكان الرشيد، كأبيه الخليفة المأمون، يتمتع بطائفة من الخلال القوية اللامعة، من الذكاء والجرأة، وحدة النفس، وقوة العزم، وبعد النظر، ولو لم ترغمه الحوادث على أن ينفق أعوامه العشرة في مقارعة خصومه، والدفاع عن عرشه، لكان لنا أن نتوقع منه خططا وأعمالا إنشائية أخرى، ربما كان لها أثرها في إنقاذ الدولة الموحدية، وإطالة حياتها. بيد أنه تولى العرش وحكم في ظروف سيئة، وكانت التيارات الخصيمة، قد سارت قدما في تقويض هيكل الدولة الموحدية، وتحطيم أسسها، ولم يكن باقيا منها سوى شبح باهت، يرتكز من الناحية المادية، على رقعتها الجنوبية. وكان من أهم ما عمله الرشيد لتقوية الدولة من الناحية المعنوية، هو استدعاء بقية الزعماء الموحدين إلى مؤازرته، بعد أن بطش بهم أبوه، ومزق شملهم، ولو أنه اضطر في سبيل ذلك إلى إعادة العمل برسوم المهدي الدارسة.
وقد وزر للرشيد، السيد أبو محمد عبد الله بن أبي سعد بن المنصور، وأبو زكريا بن أبي الغمر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الجنفيسى، وأبو علي بن أبي محمد عبد العزيز، وذلك بالتعاقب، ثم تولى الجنفيسى مرة أخرى، وبالرغم من أن الرشيد لم يكن كأبيه المأمون أديبا ولا كاتبا، فقد استخدم لكتابته، عدة من أعلام كتاب العصر المغاربة والأندلسيين، مثل أبي زكريا الفازازى، وأبي عبد الله القباجى، وأبي عبد الله ابن أبي عشرة، وأبي عبد الله الفازازى، وأبي المطرِّف ابن عميرة المخزومي، وأبي الحسن الرُّعينى، وأبي عبد الله التلمسانى. وكان من هؤلاء من كتب لأبيه من قبل مثل أبي زكريا الفازازى، وأبي المطرف بن عميرة، وأبي الحسن الرعينى. وتصف الرواية الرشيد، بأنه كان فتى أزهر اللون، أشقر، كث اللحية، حسن القد، في وجهه نمش يسير (2).
(1) البيان المغرب ص 358. وفي روض القرطاس (ص 171) والذخيرة السنية (ص 64) أن وفاة الرشيد كانت في يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة.
(2)
البيان المغرب ص 283