الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع سقوط إشبيلية وقواعد الغرب
ابن الأحمر واشتداد ساعده. يعتزم محاربة القشتاليين. محاصرته لمرقش. هزيمته للقشتاليين. غزو فرناندو الثالث للأندلس الوسطى. عيثه في أحواز جيان. افتتاحه لأرجونة وغزوه لفحص غرناطة. يعتزم افتتاح جيان. أهبة جيان وحصانتها. مسيره إلى جيان وحصارها. استنجاد واليها بابن الأحمر. طول الحصار ونفاد المؤن. موقف ابن الأحمر. يؤثر التفاهم مع ملك قشتالة. اعترافه بطاعة فرناندو. بقية شروط المعاهدة المعقودة. دخول القشتاليين جيان. جيان ومركزها التالد بين قواعد الأندلس. الأماكن الأخرى التي نزل عنها ابن الأحمر. انهيار الأندلس الشرقية والوسطى. تحول أنظار النصارى إلى إشبيلية. إشبيلية ومركزها أيام الفتنة. تطور مصايرها منذ قيام ابن هود. عودها إلى طاعة الموحدين. استقلالها المحلى. اعترافها بطاعة الدولة الحفصية. سبتة تحذو حذوها. الأمير أبو زكريا يعين والياً لإشبيلية ويوجه رسالة إلى أهلها. سوء تصرف الحكام الإفريقيين. أهل إشبيلية يخرجونهم ويقتلون زعيمهم ابن الجد. ماذا وراء ثورة أهل إشبيلية. زعماء إشبيلية الجدد. إعلانهم إلغاء المعاهدة التي عقدت بين ابن الجد وملك قشتالة. مضمون هذه المعاهدة. غضب ملك قشتالة لمصرع ابن الجد. محاولة الزعماء تجديد المعاهدة مع فرناندو. رفض فرناندو واعتزامه فتح إشبيلية. منعة إشبيلية وظروفها الجغرافية. فرناندو يعتزم أخذها بالحصار. مسيره إليها في قواته. معاونة ابن الأحمر للنصارى. استيلاء فرناندو على قلعة جابر. عيث القوات القشتالية في فحص الشرف وفحص شريش. تجهيز السفن للحصار. معاونة البابا في المشروع. فرناندو يجهز قوات الغزو النهائي في قرطبة. البدء بمهاجمة قرمونة. اشتراك جند ابن الأحمر في ذلك. تطويق النصارى لقرمونة. عرض أهلها للتسليم. استيلاء فرناندو على لورة وقنطلانة. تسليم غليانة وجرينة. مهاجمته للقلعة. دفاعها ثم تسليمها. دور ابن الأحمر في تسليم هذه المعاقل. مقدم أسطول الحصار. يرابط في الوادي الكبير. ظروف إشبيلية الدفاعية واستعدادها للدفاع. قصور الرواية الإسلامية في التعريف بزعماء إشبيلية ودروها الدفاعى. بداية الحصار. مهمة الأسطول النصراني. اشتراك ابن الأحمر وجنده في الحصار. إشبيلية تتلقى الأمداد من النهر ومن وادي الشرف. المعارك المستمرة بين الإشبيليين والنصارى. عيث النصارى في ضواحيها. السفن المغربية تصارع السفن النصرانية وتحمى خط إمداد المدينة. محاولتها حرق السفن النصرانية. مقدم قوات الفرسان والأحبار والمدن النصرانية لتعزيز الحصار. صريخ أهل إشبيلية إلى أمراء المغرب. قصيدة ابن سهل الإشبيلي. قصيدة أبي موسى هرون. تحطيم النصارى لقنطرة طريانة. مهاجمة النصارى لطريانة. دفاع الحامية الإسلامية. محاصرة طريانة وفصلها عن إشبيلية. اشتداد محن الحصار على المدينة. وصف ابن عذارى لذلك. اجتماع الزعماء وبحث الموقف. عرض الزعماء للتسليم الجزئي. رفض ملك قشتالة وإصراره على التسليم الشامل. المفاوضة في التسليم وشروطه. إخلاء المسلمين للمدينة. تأمين
النصارى للمهاجرين. مسيرهم إلى العدوة ومختلف أنحاء الأندلس الباقية. عبور القائد شقاف وزملائه إلى سبتة. مصيرهم المؤسى. دخول فرناندو الثالث إشبيلية. تحويل الجامع الأعظم إلى كنيسة. تقسيم دور المسلمين بين الفاتحين. إشبيلية تغدو عاصمة قشتالة. تأملات عن سقوط إشبيلية. افتتاح القشتاليين لقواعد هذه المنطقة. خضوع ابن محفوظ صاحب لبلة. خضوع صاحب شريش. أحوال شريش بعد ذلك. سقوط قادس. القاضي ابن محفوظ ومدى رياسته. تفاهمه مع ملك قشتالة. نزوله عن بعض الحصون والأماكن. استيلاء البرتغاليين على ميرتلة وشلب وطبيرة وشنتمرية الغرب. خروج ابن محفوظ على ملك قشتالة ألفونسو العاشر. مسير ألفونسو إلى لبلة ومحاصرتها. مناعة لبلة وصمودها. إطلاق المسلمين منها آلات تشبه المدافع. تسليم لبلة. مصير ابن محفوظ. الخلاف بين البرتغال وقشتالة على بعض قواعد الغرب. فرناندو الثالث. إشادة الرواية النصرانية بعبقريته. يعتبر قاهر الأندلس الحقيقي. البابا يسبغ عليه صفة القداسة.
- 1 -
في نفس الوقت الذي كانت فيه قواعد الشرق، تسقط تباعا في أيدي الأرجونيين، كان ملك قشتالة فرناندو الثالث، منذ استولى على قرطبة عاصمة الخلافة القديمة في شوال سنة 633 هـ، يتابع غزواته وفتوحه في منطقة الأندلس الوسطى.
وكان محمد بن الأحمر أمير غرناطة، يعمل خلال هذه الفترة على توطيد مركزه في الأندلس الجنوبية، وقد قوي أمره، واشتد ساعده، ونمت موارده، باستيلائه على ألمرية ومالقة عقب وفاة ابن هود، وغدا يبسط سلطانه على سائر المنطقة الممتدة من جنوبي الوادي الكبير حتى البحر، ومن ألمرية غربا حتى رندة.
ولم ينس ابن الأحمر أمر المنطقة الشمالية التي بدأ منها، والتي بها موطنه ومنشأ أسرته، وهي منطقة جيان وأرجونة. وكان القشتاليون، منذ استيلائهم على قرطبة، قد عاثوا مراراً في تلك المنطقة، وخربوا ربوعها، فلما شعر ابن الأحمر باشتداد ساعده وتكاثر جمعه، اعتزم أن يسير لقتال القشتاليين، وأن يعمل على تحرير تلك المنطقة من عيثهم، فخرج من غرناطة في قوة كبيرة، وقصد إلى مرتش وهي بلدة حصينة تقع جنوب غربي جيان، وكانت بيد القشتاليين، وضرب حولها الحصار، (سنة 636 هـ)، ولكن النصارى قدموا لإنجادها بسرعة، واضطر ابن الأحمر أن يرفع الحصار. وهنا وقعت بينه وبين القشتاليين بقيادة دون ردريجو ألونسو، وهو أخ غير شرعى لفرناندو الثالث، معركة عنيفة هزم فيها القشتاليون هزيمة شديدة، وقتل منهم وممن كان معهم من فرسان
شنت ياقب عدد جم. وكان لذلك الحادث أعمق وقع في قشتالة. ومضى على ذلك نحو عامين أو ثلاثة، ثم نهض فرناندو الثالث لتدارك الموقف، وخرج في قواته قاصداً إلى الأندلس من ناحية أرجونة، وهو يخرب تلك الأنحاء، وينتسف زروعها. ثم سار جنوبا نحو جيان والقبذاق، وكان يتوق للانتقام لهزيمة جنده في مرتش، فخرب أيضاً أراضي تلك المنطقة. ثم بعث جانبا من قواته لافتتاح أرجونة، وهي موطن ابن الأحمر ومثوى أسرته، فحاصرها القشتاليون مدى يومين، وفي اليوم الثالث أشرف عليها فرناندو في بقية جيشه، فلما أيقن أهلها المسلمون أنه لا أمل لهم في الصمود والإنجاد، سلموها بالأمان وغادروها حاملين أمتعتهم وذخائرهم، وبعث فرناندو قواته صوب الجنوب لتغزو فحص غرناطة، فعاثت في أنحائه وخربت كثيراً من ربوعه. ووقعت هذه الحوادث في أواخر سنة 1244 م (أواسط سنة 642 هـ) ثم قصد فرناندو بعد ذلك إلى قرطبة فاستراح بها حتى أوائل العام التالي.
وكان أهم هدف لملك قشتالة في تلك المنطقة، هو الاستيلاء على مدينة جيان عاصمتها التالدة، وأمنع قواعدها، وكان قد حاصرها قبل ذلك في سنة 1230 م (627 هـ) ولكنه أخفق في الاستيلاء عليها، وكان ابن الأحمر قد اتخذها مقرا لرياسته في مبدأ أمره. وكانت جيان مدينة عظيمة، حسنة التخطيط والبناء، ذات صروح وآثار جميلة، وكانت تتمتع بمناعة فائقة، سواء بأسوارها العالية، أو بقلعتها الحصينة الشامخة، التي مازالت أطلالها القائمة تنبىء بحصانتها القديمة، كما أنها بموقعها الطبيعي في منطقة من البسائط الخضراء اليانعة، كانت من أغنى قواعد الأندلس الوسطى وأكثرها رخاء (1). وكان الاستيلاء عليها يحقق للقشتاليين بسط سلطانهم على سائر أنحاء تلك المنطقة الغنية الخصبة. ومن ثم فقد عول فرناندو على افتتاحها، ولم يك ثمة سبيل آخر لتحقيق هذه الغاية سوى محاصرة هذه المدينة الكبيرة الغنية، حتى يرغمها الجوع على التسليم.
وفي أواخر سنة 642 هـ (أوائل سنة 1245 م)، أشرف فرناندو الثالث بقواته على مدينة جيان، وضرب حولها الحصار. ولم يكن هذا الحصار أمراً هيناً لوقوعه في قلب الشتاء، وكان اشتداد البرد وهطل الأمطار، يضاعف متاعب الجند المحاصرين، واستمر الحصار على هذا النحو شهراً، وجيان صامدة، وقد
(1) الروض المعطار ص 70 و 71
خرج أهلها غير مرة لمقاتلة القشتاليين ففتكوا بهم وقتلوا وجرحوا الكثيرين منهم. بيد أن المدينة المحصورة كانت من جهة أخرى تعانى من الحرمان والجوع. وكان واليها أبو عمر علي بن موسى، حينما شعر بتحركات القشتاليين ومراميهم، قد أرسل قبل الحصار إلى ابن الأحمر يستغيث به، ويطلب إنجاده بالمؤن، لكي تستطيع المدينة مقاومة النصارى، فبعث إليه ابن الأحمر بقافلة كبيرة من المؤن استطاعت أن تجتنب القشتاليين، وأن تصل إلى المدينة، فلما طال الحصار نفدت الأقوات، وأخذ الموقف يتحرج، ومع ذلك فقد لبثت المدينة على صمودها. وكان ابن الأحمر خلال ذلك يرقب الحوادث بمنتهى الجزع، وكانت غزوات القشتاليين قد وصلت غير مرة، إلى فحص غرناطة، وإلى غرناطة ذاتها، وشعر ابن الأحمر أنه لابد أن يلتمس الوسيلة لتأمين سلطانه، واجتناب عادية القشتاليين، ولم يك ثمة وسيلة أنجع من التفاهم مع ملك قشتالة، والحصول على مهادنته. ومن جهة أخرى فقد أدرك ابن الأحمر، أنه لا سبيل إلى إنجاد جيان، أو اجتناب مصيرها المحتوم، وأنه يحسن تدارك الموقف، قبل أن تسقط المدينة في أيدي القشتاليين، أو يقومون باقتحامها وتخريبها. ومن ثم فقد بدأ ابن الأحمر بمفاوضة ملك قشتالة وكان فرناندو الثالث يصر على أن يكون أساس التفاهم مبدأً واحداً لا سبيل إلى تغييره، هو وجوب خضوع ابن الأحمر لسيادته، والاعتراف بطاعته. ولم ير ابن الأحمر محيصاً عن قبول هذا الشرط المؤلم، فسار بنفسه إلى المعسكر القشتالي تحت أسوار مدينة جيان، وقدم طاعته إلى ملك قشتالة. وعقدت بين الملكين معاهدة سلام وتحالف، خلاصتها أن تسلم مدينة جيان وأعمالها في الحال إلى ملك قشتالة، وأن يحكم ابن الأحمر مملكة غرناطة وسائر أراضيها، باعتباره تابعا لملك قشتالة، بكل ما يستتبعه هذا الاعتراف من فروض، ومنها أن يتعاون ابن الأحمر مع قشتالة في الحرب وفي السلم، وأن يشهد اجتماع الكورتيس (مجلس قشتالة النيابى)، وأخيراً أن يؤدي ابن الأحمر إلى ملك قشتالة جزية قدرها مائة وخمسون ألف مرافيدى تؤدى خلال عشرين عاما، وهي المدة التي اتفق أن يعقد خلالها السلم والتهادن بين الفريقين. وتم عقد هذه المعاهدة في أوائل سنة 1246 م (أواخر سنة 643 هـ)(1).
وعلى أثر ذلك دخل القشتاليون مدينة جيان العظيمة، وحول مسجدها الجامع
(1) J. Gonzalez: Las Conquistas de Fernando III en Andalucia، p. 94 & 95
في الحال إلى كنيسة، وغادرها معظم أهلها المسلمين، وتفرقوا في قواعد الأندلس الجنوبية. ولما تم احتلال الجند النصارى للمدينة، دخلها ملك قشتالة، في موكب فخم، وشهد القداس الذي أقيم في جامعها ابتهاجاً بالنصر، ووزع دور المدينة على أكابر الفرسان، ومعظمهم من جماعة فرسان شنت ياقب، وجماعة فرسان قلعة رباح.
وكانت جيان من مراكز العلوم والآداب بالأندلس، وإليها ينتسب عدد كبير من العلماء والأدباء، ومنهم الحافظ أبو علي الجيانى، والفقيه أبو ذر مصعب ابن محمد بن مسعود الخشنى. ومما أنشده بعض أهل جيان عند الخروج منها هذان البيتان:
أودعكم أودعكم جيّاني
…
وأنثر عبرتى نثر الجمان
وانى لا أريد لكم فراقا
…
ولكن هكذا حكم الزمان (1)
ونزل ابن الأحمر للقشتاليين، عدا جيان، عن أرجونة بلده ومثوى أسرته، وعن بركونة وبيغ والحجار، وكذلك نزل إليهم عن أرض الفرنتيرة لعجزه عن الاحتفاظ بها (2). وهكذا اشترى ابن الأحمر سلامته، وسلامة مملكته وأراضيه بهذا الثمن الفادح، وارتضى بالأخص أن يضحى باستقلاله السياسي وهيبته الملوكية إلى حين، وذلك لكي يأمن شر عدوان خصمه القوي القاهر، ولكى يتفرغ إلى تنظيم مملكته وإلى توطيد سلطانه الداخلي (3).
- 2 -
كان من الواضح، في تلك الآونة، بعد أن توالى سقوط قواعد الأندلس الكبرى، الشرقية والوسطى: قرطبة وبلنسية وشاطبة، ودانية، وبياسة، وأبدة وجيان، وكثير غيرها، وذلك كله في فترة قصيرة لا تعدو عشرة أعوام، أن الأندلس الكبرى قد انهارت دعائمها، وتحطمت منعتها، وقواها الدفاعية، وأنه باستثناء القواعد الجنوبية التي اجتمعت في ظل مملكة غرناطة، والتي يسيطر عليها
(1) الروض المعطار ص 72.
(2)
أرجونة بالإسبانية Arjona، وبركونة Porcuna، وبيغ أو بيغو Priego، والحجار هي Higuéra، وكلها تقع في منطقة جيان.
(3)
راجع ابن خلدون ج 7 ص 190، والذخيرة السنية ص 72، وابن الخطيب في اللمحة البدرية ص 36، وفي الإحاطة المطبوع ج 2 ص 65
ابن الأحمر، لم يبق من قواعدها الكبرى دون فتح، سوى مدينة إشبيلية العظيمة وأحوازها، والقواعد القريبة منها في الشرق والغرب والجنوب.
كانت إشبيلية بعد قرطبة، هي التي تجذب عندئذ أنظار ملك قشتالة، وأنظار الأحبار وجماعات الفرسان النصارى، وهم الذين كانوا يفوزون من غنائم المدن المفتوحة، بأعظم قسط. ولكن إشبيلية لم تكن هدفاً سهل المنال، ولم تكن مثل قرطبة مجردة من وسائل الدفاع، وكانت خطوطها الدفاعية الأمامية، ماتزال تدعمها طائفة من القواعد والحصون القوية، التي كان لابد من إخضاعها قبل الإقدام على منازلة إشبيلية ذاتها.
وكانت إشبيلية مذ عمت الفتنة أرجاء الأندلس، وتوالت الثورة ضد الموحدين في مختلف القواعد، تتولى مصايرها بنفسها، وترسم لنفسها خطة قيادتها وحكمها. وكانت باعتبارها أعظم حواضر الأندلس في ذلك العصر، وباعتبارها مركز الحكم الموحدي بالأندلس، تتخذ مركز القيادة في تصرفاتها واتجاهاتها، وقد لبثت تحتفظ بهذه الصفة، حتى قيام أبي العلى المأمون بها، واتخاذه لقب الخلافة، وذلك في سنة 624 هـ، ثم مغادرته لها ليعبر إلى العدوة، وذلك في أواخر سنة 626 هـ (أواخر سنة 1228 م).
ولما قام ابن هود بثورته في شرقي الأندلس، وبزغ نجمه، وأطاعته معظم القواعد الشرقية والوسطى، خلعت إشبيلية طاعة الموحدين، ونادت بطاعته، وولي عليها أخاه عماد الدولة. ولكن أهل إشبيلية لم يلبثوا طويلا على طاعته، فنكثوا ببيعته، وأخرجوا أخاه من المدينة، والتفوا حول قاضيهم ابن مروان الباجى، وذلك في سنة 629 هـ. ولما قوي أمر ابن الأحمر أمير جيان يومئذ في المنطقة الوسطى، واشتدت المنافسة بينه وبين ابن هود، تفاهم ابن الأحمر مع الباجى، وتحالف الإثنان على قتال ابن هود، وهزماه على مقربة من إشبيلية (631 هـ)، ودخل ابن الأحمر إشبيلية، وغدر بحليفه الباجى، ودس عليه من قتله، فثار به أهل إشبيلية، وأخرجوه منها، ونادوا بطاعة ابن هود مرة أخرى.
ولما توفي ابن هود في أوائل سنة 635 هـ، وانهارت بوفاته دعوته في معظم القواعد، رأى أهل إشبيلية أن يعودوا إلى طاعة الدولة الموحدية. وكان زعيمهم عندئذ الفقيه أبو عمرو بن الجد، وهو حفيد الحافظ الشهير أبي بكر بن الجد، وبعث أهل إشبيلية بدعوتهم وفداً إلى الخليفة الرشيد بمراكش، وقدموا للولاية عليهم
السيد أبا عبد الله بن السيد أبي عمران، وأقره الرشيد في منصبه، وهكذا عادت الحاضرة الأندلسية الكبرى إلى الانضواء تحت لواء الخلافة الموحدية.
على أن هذا العود إلى طاعة الخليفة الموحدي لم يكن سوى مسألة شكلية فقط، وكان حكم المدينة الفعلي باقيا بيد زعيمها القوي ابن الجد. وكانت إشبيلية في الواقع منذ اضطرب أمر الموحدين، وعمت الفتنة أرجاء الأندلس، تتمتع في إدارة شئونها بنوع من الإستقلال المحلي، وذلك بالرغم من انضوائها تحت لواء هذا الأمير أو ذاك. ثم إن هذا العود لم يطل أمده، ذلك أن أحوال الخلافة الموحدية وما كان يضطرم حول عرش مراكش من الخلافات والحروب، كان نذيراً بانحلال الدولة الموحدية وتضعضع قواها، وعجزها عن أن تنجد الأندلس وقت الخطر الداهم. ومن جهة أخرى، فقد كانت الدولة الحفصية التي قامت بإفريقية على أنقاض سلطان الدولة الموحدية، وأخذ نجمها يبزغ في الأفق، تبدو بما تتمتع به من القوي والموارد والفتوة، ملاذاً أفضل وأقدر على تأدية رسالة المغرب القديمة في إنجاد شبه الجزيرة، وكانت مبادرة أميرها أبي زكريا الحفصى إلى إنجاد بلنسية، حينما دهمها النصارى استجابة لصريخ أميرها أبي جميل زيان سنة 636 هـ، ماتزال بالرغم من إخفاقها في تحقيق الغاية المنشودة، مثلا يضرب في الشهامة والوفاء، والجهاد في سبيل الله. ومن ثم فقد انتهى أهل إشبيلية بتوجيه زعيمهم أبي عمرو ابن الجد، إلى خلع طاعة الخلافة الموحدية، والاتجاه إلى الدولة الحفصية، وإعلان بيعتها. وكان لهم في ذلك أسوة، بما قام به ابن الأحمر نفسه في بداية أمره، وما قام به أبو جميل زيان أمير بلنسية، من مبايعة الدولة الحفصية والانضواء تحت لوائها.
وعقد أهل إشبيلية بيعتهم للأمير أبي زكريا يحيى الحفصي في سنة 643 هـ (1245 م)، وبعثوا بها إلى تونس مع وفد من كبرائهم. وفي نفس هذا العام أعلن أبو علي بن خلاص صاحب سبتة بيعته أيضاً إلى الأمير أبي زكريا، وبعث بها مصحوبة بهدية إلى الأمير مع ولده في سفينة خاصة، فغرقت باليم بمن فيها. ولما وصل وفد إشبيلية إلى تونس، وعلم بأمر بيعة سبتة، استقبل الأمير أبو زكريا البيعتين بمنتهى الارتياح، وندب للولاية على سبتة ابن الشهيد الهنتاني، وعلى أشغالها ابن أبي خالد البلنسى، وندب لولاية إشبيلية ابن أخيه أبا فارس عبد العزيز ابن الشيخ أبي حفص لكي يستقر في قصبتها، ويشرف على شئونها إلى جانب
ابن الجد (1) ووجه الأمير إلى أهل إشبيلية بتاريخ العاشر من محرم سنة 646 هـ رسالة، يعرب فيها عن اغتباطه ببيعتهم، ويعدهم بأن يمهد لهم سبل إصلاح شئونهم، وتوفير أمنهم وسلامتهم، والبدار إلى إنجادهم عند النوائب والخطوب، وأن يثقوا بنصر الله وإمداده (2).
وعاد وفد إشبيلية بعد إتمام مهمته، في تقديم البيعة للأمير الحفصي، وصحبهم الوالي وبعض رجاله والقائم بالأعمال، ووصلوا في جملة من السفن إلى إشبيلية، وهنالك قام أولئك النفر من أهل إفريقية بارتكاب ضروب من الفساد والأمور الشنيعة " التي لا يمكن ذكرها ". فأخرجهم أهل إشبيلية من مدينتهم، وقتلوا ابن الجد، إذ كان هو السبب فيما حدث، وأدى إلى مقدم هؤلاء القوم المفسدين. وتزيد الرواية على ذلك، أن مقتل ابن الجد كان سببا في زحف النصارى على إشبيلية وحصارهم لها، إذ كان ملك قشتالة مصادقا لابن الجد " ومصالحا له على المسلمين " فلما قتل فسد هذا الصلح، وقام النصارى بحصارهم (3).
على أن ذلك لم يكن وحده سبباً في قيام الثورة التي أودت برياسة ابن الجد وحياته، ذلك أنه كان لابن الجد خصوم ومنافسون أقوياء، وكان من أخطاء ابن الجد، أنه طرد أولئك الخصوم من ديوان الحكم، وأخرج بعضهم من قيادة الجيش، فنظمت المؤامرة، وقامت الثورة. وكان أبرز زعمائها القائد شقاف وهو الذي تسميه الرواية الإسلامية " بقائد الفحص شقّاف "(4) وتسميه الرواية النصرانية Axataf. وفي الحال تولى الزعماء الجدد الرياسة، وأعلنوا بطلان المعاهدة التي عقدها ابن الجد مع النصارى، وجددوا الدعوة إلى طاعة أمير إفريقية الحفصى، وانضواء إشبيلية تحت لوائه (5).
- 3 -
وأما حقيقة هذه العلاقات التي كانت قائمة بين ابن الجد وبين فرناندو الثالث ملك قشتالة، والتي كانت كفيلة بقيام التهادن بينه وبين النصارى، وتأمين سلام
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 375، وابن خلدون ج 4 ص 171.
(2)
راجع نص هذه الرسالة في البيان المغرب ص 379 و 380.
(3)
البيان المغرب ص 381.
(4)
البيان المغرب ص 400.
(5)
ابن خلدون ج 4 ص 171، وكذلك: Is. de las Cagicas: Sevilla Almohade y ultimo Anos de su Vida Musulmana (Madrid 1951) p. 30
إشبيلية، فمردها إلى معاهدة كانت قد عقدت بين ابن الجد باعتباره صاحب إشبيلية أو أميرها، وبين ملك قشتالة، على نمط المعاهدة التي عقدت بين هذا الملك وبين ابن الأحمر، وخلاصتها أن يعترف بطاعة ملك قشتالة، وأن يؤدي إليه الجزية. وأن يشهد اجتمعات " الكورتيس " باعتباره من أتباعه، وأن يقدم إليه العون متى طلب إليه ذلك. وربما كانت تتضمن فوق ذلك، تعهده بتسليم بعض المواقع والحصون في منطقة إشبيلية. وقد رأينا فيما تقدم أنه لم يكن يكفل سكون ملك قشتالة المؤقت، ومسالمة الزعماء المسلمين سوى هذه العهود وأمثالها. فلما قتل ابن الجد، وانقلب أهل إشبيلية إلى مخاصمة النصارى، غضب ملك قشتالة لما حدث، وأبدى امتعاضه لمقتل صديقه ابن الجد (1). وكان زعماء إشبيلية الجدد، قد أدركوا غير بعيد، ما قد يؤدي إليه مخاصمة النصارى من سيىء العواقب، فحاولوا السعى في تجديد الهدنة مع ملك قشتالة، ولكن فرناندو الثالث لم يرد أن يعقد التفاهم مع زعماء إشبيلية الجدد، وبالعكس فقد كان يرى أن يتخذ مصرع ابن الجد ذريعة للتدخل والانتقام، وأن هذا هو الطريق المفضل عندئذ للتصرف والعمل، وأن الوقت حان لكي ينهض إلى افتتاح إشبيلية، خصوصاً وقد أصبحت الحاضرة الأندلسية العظيمة، معزولة، لا تستطيع أن تعتمد على أية معاونة عاجلة، لا من ملك غرناطة، وقد خضع لملك قشتالة، ولا من الموحدين، وقد نكثت إشبيلية ببيعتهم غير مرة، ولا من أمير إفريقية، بعد الذي حدث نحو عماله. وهكذا استقر الأمر على غزو إشبيلية وانتهى السلم الذي كان معقوداً بينها وبين القشتاليين (2).
على أن افتتاح إشبيلية كبرى حواضر الأندلس، وهي أزخرها سكاناً، وأمنعها جانبا، وأكثرها حصوناً وقلاعاً، كان يقتضى أهبات خاصة. ومن جهة أخرى، فإن أخذها بالحصار، لم يكن أمراً ميسوراً، إذ كانت تقع في منطقة كثيرة الخصب والنماء، وكان اتصالها بالبحر عن طريق نهر الوادي الكبير، يمكنها من تلقى الأمداد والمؤن من عدوة المغرب. ومن ثم فإنه كان من الواجب إذا استقر الأمر على أخذها بالحصار، أن تخضع أولا سائر حصونها الأمامية من سائر النواحي، وثانيا أن تخرب سائر بسائطها الخضراء التي تمدها بالمحاصيل
(1) ابن خلدون ج 4 ص 171.
(2)
J. Gonzalez: ibid ; p. 100 & 101
والمؤن، وثالثا أن تحكم محاصرتها من ناحية البحر بالسفن حتى لا يتسرب إليها شىء من الأمداد من وراء البحر.
وقد انتهى ملك قشتالة، بعد التشاور مع أكابر قادته وفرسانه، بأن قرر أن يلتجىء إلى وسيلة الحصار لإخضاع الحاضرة الأندلسية الكبرى، وأن يسير سفنه من الثغور الشمالية إلى مصب الوادي الكبير، ليحول دون تلقى المسلمين لأية أمداد أو مؤن تأتى من عدوة المغرب.
وفي خريف سنة 1246 م (أوائل سنة 644 هـ) حشد ملك قشتالة بعض قواته، ولاسيما من فرسان شنت ياقب وفرسان قلعة رباح، وجيش قرطبة، وسار في قواته صوب إشبيلية، وعبر الوادي الكبير تجاه قرمونة، وأخذ ينتسف زروع هذه المنطقة ويخرب ضياعها، ويأسر من يلقى من المسلمين. وهنالك على مقربة من قرمونة، وافاه ابن الأحمر حليفه وتابعه في قوة قوامها خمسمائة فارس، مقدماً عونه وفقاً لعهوده. وسارت القوات المشتركة جنوبا نحو قلعة جابر (1) حصن إشبيلية من الجنوب الشرقي، وانتهى ابن الأحمر بإقناع حاميتها الإسلامية بتسليمها حقنا للدماء، وصونا للأموال والأرزاق، وتسلم فرناندو الثالث القلعة، ووضع بها حامية نصرانية، وأخذ النصارى في إصلاحها وتحصينها (2). وبعث فرناندو بعد ذلك بعض قواته بقيادة أخيه دون ألفونسو وبلاى كوريا أستاذ فرسان شنت ياقب، لكي تعبر الوادي الكبير غربا، وتقوم بتخريب فحص الشّرف الممتد أمام إشبيلية، وبعث حملة مشتركة من قوات غرناطة وقشتالة وفرسان قلعة رباح، لتسير جنوبا، ولتقوم بتخريب فحص شريش. وفي الوقت الذي كانت تقوم فيه هاتان الحملتان كل بمهمتها، ورد على ملك قشتالة نبأ وفاة والدته، فأمر باختتام الغزو، وصرف ملك غرناطة، في قواته، وسار إلى قرطبة ومنها إلى جيان، وهنالك قضى جانبا من الشتاء.
وكانت هذه أول مرحلة في افتتاح إشبيلية. وفي أثناء ذلك كان أمير البحر رامون بونيفاس، قد حشد في ثغور كنتبريا أسطولا قويا، وشحنه بالبحارة والجند والمؤن. وحصل فرناندو من البابا على قرار بأن تخصص الكنيسة القشتالية والليونية ثلث إيراداتها للمساهمة في نفقات الحرب. ولما تمت هذه الأهبة سار
(1) وهي بالإسبانية Alcala de Guadaira.
(2)
راجع الذخيرة السنية ص 72 و 73
خريطة:
قطاع إشبيلية وأحوازها ومواقع الغزو القشتالي 644 هـ - 1246 م
فرناندو إلى قرطبة، وهي التي اتخذها مركزاً لتجهيز الحملة (صيف سنة 1247 م) وهنالك احتشدت قوات جماعات الفرسان الدينية، وقوات ليون وبطليوس وغيرها، وسير فرناندو بعض قواته إلى قرمونة، وهي أمنع حصون إشبيلية الأمامية من ناحية الشمال الشرقي، فخربت سائر البسائط المحيطة بها، ثم لحقت بها بعد ذلك قوات أخرى من مختلف ولايات قشتالة، وتزيد الرواية النصرانية على ذلك أن قوات غرناطة، كانت ضمن الحشود الوافدة على قرمونة، وهو ما يعنى اشتراك ابن الأحمر في جيش الغزو القشتالي لإشبيلية (1). والواقع أن الرواية الإسلامية حسبما نرى بعد، تؤيد وجود ابن الأحمر وجنده، تحت أسوار إشبيلية إلى جانب القوات القشتالية المحاصرة (2). وطوق النصارى قرمونة بحشود ضخمة، فلما رأى أهل قرمونة ضخامة هذه الحشود، وأيقنوا بعبث الدفاع، عرضوا تسليم المدينة بعد ستة أشهر، إذا لم تصلهم خلالها نجدة ما، فقبل ملك قشتالة هذا العرض، ثم سار في قواته صوب إشبيلية من طريق شمالية بحذاء الوادي الكبير، واستولى في طريقه على لورة بالأمان، واعترف أهلها بطاعته، ثم سار بعد ذلك إلى قنطلانة، الواقعة شمالي إشبيلية على الوادي الكبير، وهاجمها، واقتحمها عنوة، وأسر منها سبعمائة مسلم، وقصد بعد ذلك إلى غليانة، فسلم أهلها اعتباراً بما حدث لقنطلانة، وكذلك سلمت جرينة القريبة منها، وبعث فرناندو بعد ذلك قوة إلى بلدة القلعة الحصينة الواقعة على الوادي الكبير (3)، على مقربة من شمالي إشبيلية، فصمدت حاميتها وصممت على المقاومة. وكان أهل إشبيلية قد شحنوها بالجند والمؤن تقديراً لأهميتها في الدفاع عن المدينة. واضطر فرناندو أن يحاصرها، وضربها القشتاليون بالآلات، وخرجت حاميتها غير مرة لتشتبك مع النصارى في معارك عنيفة، وقام النصارى بتخريب سائر ما حولها من الكروم والزروع، وأخيرا رأى قائد الحصن أبو الحسن بن أبي على حاكم قرمونة السابق، أنه من العبث أن يستمر في الدفاع على هذا النحو، فاتفق مع ملك قشتالة على أن ينسحب في جنده، وهم ثلاثمائة فارس إلى إشبيلية، وأن
(1) Cronica General (Ed. Pidal) V. II. p. 749
(2)
ابن خلدون ج 7 ص 190.
(3)
قنطلانة هي بالإسبانية Cantillana، وغليانه Guillena، وجرينة هي Gerena، والقلعة أو قلعة النهر هي Alcala del Rio
تسلم المدينة بالأمان، وفقاً لأفضل الشروط الممكنة، وهكذا سقطت القلعة، وبسقوطها أصبحت سائر الحصون الأمامية لإشبيلية من جهة الشرق والشمال، والغرب كلها في أيدي القشتاليين (1).
ونستطيع أن نتصور الدور الذي قام به ابن الأحمر ملك غرناطة في معاونة ملك قشتالة على إخضاع هذه المجموعة الكبيرة من البلاد والحصون الهامة، منذ قرمونة حتى القلعة، وذلك بإقناع أهلها والمدافعين عنها بالتسليم بالأمان، وإقناع ملك قشتالة من جهة أخرى بالتساهل في شروط التسليم، على أن دور الزعيم المسلم لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه كما سنرى إلى معاونة النصارى ومؤازرة جهودهم ضد المسلمين، بطريقة إيجابية فعالة.
- 4 -
وهنا وبعد أن جردت إشبيلية من سائر حصونها الأمامية وخطوطها الدفاعية الأولى، يأتى دور المرحلة الأخير في افتتاح الحاضرة الأندلسية الكبرى، ولم تكن هذه المرحلة سوى محاصرتها وإرهاقها، حتى ترغم على التسليم.
وبدأ التمهيد للحصار بمقدم الأسطول النصراني بقيادة رامون بونيفاس، وكان يتألف من ثلاث عشرة سفينة كبيرة وعدة أخرى صغيرة، مشحونة بالرجال والمؤن، ودخوله إلى مياه مصب الوادي الكبير، وتخصيص قوة برية لمؤازرته على إحكام حصار المدينة من ناحية البحر، وثانيا على رد أية قوات تأتى لمناجزته، سواء من طنجة أو سبتة أو إشبيلية.
وغادر فرناندو بلدة القلعة في قواته جنوبا إلى إشبيلية، وذلك في الخامس عشر من أغسطس سنة 1247، وأخذ يضع خطته لتنظيم الحصار. ولم يكن حصار إشبيلية أمراً سهلا، وكان لابد لتحقيقه من تعاون سائر القوات البرية والبحرية، ومن جهة أخرى فقد كان من الضروري أن يعمل حساب لهجمات المسلمين على مختلف القوات النصرانية، وقد كانت إشبيلية تموج بقوات مدافعة زاخرة حسنة الأهبة، وكانت مشحونة بكميات وافرة من الطعام توقعاً لحدوث هذا الحصار، وكان من حسن الحظ أن استطاع أهل المدينة أن يجمعوا محاصيل فحص الشرف قبل مقدم النصارى. وكانت مهمة القشتاليين في المرابطة على ضفة الوادي الكبير،
(1) وردت سائر هذه التفاصيل في موسوعة Cronica General ; V. II. p. 749 & 750 وراجع أيضاً: J. Gonzalez: ibid ; p. 104 - 106
لحماية أسطولهم من الهجمات الفجائية من الأمور الشاقة، إذ كانت حامية حصن الفرج الإسلامية، وهو حصن إشبيلية الجنوبى الواقع على النهر، تهدد القوات القشتالية المرابطة على النهر باستمرار، وفضلا عن ذلك فقد كان طريق الشرف مفتوحا أمام ابن محفوظ صاحب لبلة، وكان بوسعه أن يفاجىء القشتاليين في أية لحظة. وفي الوقت الذي كان فيه ملك قشتالة يمهد لتنفيذ خطته في حصار إشبيلية، كان أهل إشبيلية من جانبهم يستعدون للذود عن مدينتهم بكل ما وسعوا. وقد سجل لنا التاريخ، ولاسيما عن طريق الرواية النصرانية، عن دفاع أهل إشبيلية، صحفاً رائعة من البسالة والتضحية. ولكن الرواية الإسلامية، لا تقدم إلينا مع الأسف تفاصيل شافية عن هذا الدفاع. بل هي لا تذكر لنا سوى القليل عن الزعماء الذين قادوا هذه المعركة الدفاعية المجيدة، التي استطالت خمسة عشر شهراً. فهى لا تعرفنا بشىء عن القائد شقّاف وزملائه، يحيى بن خلدون، وابن شعيب، ومسعود بن خيار، وهم زعماء إشبيلية، الذين ألقى القدر عليهم تبعة السهر على مصايرها، في تلك الفترة الدقيقة، وكل ما هنالك أنها تحدثنا عن شقاف في كلمة عابرة، وتصفه " بقائد الفحص شقاف المشهور، الذي كان السبب مع قضاء الله تعالى في دخول النصارى مدينة إشبيلية "(1). وتحدثنا الرواية النصرانية عن زعماء إشبيلية وقت حصارها، فتذكر منهم شقاف وهو لديها Axataf، وتسميه أحيانا أبو الحسن الشقاف، والرئيس ابن شعيب (2). وإذا فلابد لنا أن نعتمد في استقاء تفاصيل الأحداث التي اقترنت بمصير إشبيلية الأخير، وكذلك أعمال الزعماء الذين قادوها عندئذ، بالأخص على أقوال الرواية النصرانية.
وبدأ حصار إشبيلية في النصف الثاني من أغسطس سنة 1247 م (جمادى الأولى سنة 645 هـ)، وتقاسمت الكتائب القشتالية والليونية والجليقية، وغيرها من القوات النصرانية، مناطق الحصار، وضرب فرناندو الثالث محلته جنوبا على ضفة نهر الوادي الكبير، قريباً من سفن الأسطول النصراني، ولكنه اضطر إزاء هجمات المسلمين العنيفة، أن ينقل محلته إلى مكان قريب يسمى " بتلاطة ". واحتل الأسطول النصراني مياه مصب الوادي الكبير، وكانت مهمته
(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 400.
(2)
Cronica General ; No. 1077، 1122 & 1123 ; - M. Lafuente: Historia General de Espana ; T. IV.p. 59
خريطة:
حصار إشبيلية 645 - 647 هـ = 1247 - 1248 م.
محلات الجيوش النصرانية المحاصرة
الأولى هي أن يمنع ورود الأمداد والمؤن على المدينة من طريق البحر. ولم يأت يوم 20 أغسطس، حتى كانت إشبيلية قد طوقت من كل ناحية، سواء من البر أو البحر. وكان من الأحداث المؤلمة التي تنفطر لها النفس، وجود ابن الأحمر أمير غرناطة على رأس قوة من فرسانه، إلى جانب القوات النصرانية المحاصرة، وذلك وفاء بتعهداته لملك قشتالة، وكان يرابط بقواته إلى جانب فرسان شنت ياقب جنوبي حصن الفرج، وهكذا كان هذا الأمير المسلم يشترك مع أعداء أمته ودينه في تطويق الحاضرة الإسلامية، ومحاولة افتتاحها، وتشريد أهلها وسحق دعوة الإسلام بها. ويفسر لنا ابن خلدون هذا التصرف المشين من جانب الأمير المسلم، بأن ابن الأحمر كان يرمى بمعاونة النصارى على هذا النحو، إلى الانتقام من أهل إشبيلية، لأنهم خذلوه ونكلوا عن طاعته، وأخرجوه من المدينة (1). على أن ذلك لم يكن يعنى أن المدينة، قد قطعت سائر علائقها الخارجية أو أنها عدمت وسائل الاتصال، ولاسيما مع عدوة المغرب. فمن الحقائق التي تسجلها الرواية النصرانية أنه في الوقت الذي يرابط فيه الأسطول النصراني في مياه الوادي الكبير، كان يوجد في نفس المياه عدد من السفن الإسلامية، ومعظمها في الغالب سفن مغربية، قدمت من مياه سبتة وطنجة، وأن اتصال إشبيلية بوادي الشرف، كان مكفولا عن طريق حصنها الغربي طريانة الذي تربطها به عبر الوادي الكبير قنطرة من السفن المثبتة بسلاسل حديدية ضخمة. وكانت المؤن مازالت بالرغم من الحصار، ترد على المدينة المحصورة، من العدوة، ومن الشرف، وغربى الأندلس، وكان أهل إشبيلية، لاطمئنانهم إلى حالة التموين يحصرون اهتمامهم في مقاتلة النصارى، والاشتباك معهم كلما سنحت الفرص. وقد نظم المسلمون غير كمين للإيقاع بالنصارى، وأصيب النصارى بالهزيمة غير مرة، ومنى منهم فرسان القنطرة وقلعة رباح، بخسائر فادحة، وخرج المسلمون في قوة كبيرة، هاجمت المحلة الملكية، فردتها قوات ولى العهد ألفونسو والإنفانت إنريكى، فعادت إلى المدينة بعد أن تكبدت بعض الخسائر. وكان النصارى خلال الحصار يخرجون إلى القرى والضياع المجاورة، ويقومون بتخريبها وانتهابها، ومن ذلك أنهم اقتحموا منية البحيرة الغاصة بالحدائق، والرياض، الواقعة في جنوب شرقي المدينة، والتي كان قد أنشأها الموحدون،
(1) ابن خلدون ج 7 ص 190
وعاثوا فيها، ونهبوا الماشية والمتاع والثياب، وقتلوا من كان بها من المسلمين، وأحرقوا دورها، وفعلوا مثل ذلك بربض مقرينه، الواقع في شمالها الشرقي. وأما، في مياه مصب الوادي الكبير، فقد كانت مهمة الأسطول النصراني، وهي قطع الإمداد والمؤن عن المدينة، من طريق البحر، مهمة شاقة، وكانت السفن الإسلامية التي وردت من مياه طنجة وسبتة، تثير في وجه السفن النصرانية، صعابا جمة، وكانت تفسح الطريق للأمداد والمؤن الواردة من العُدوة، وتعمل على حمايتها، حتى تجد سبيلها إلى المدينة، وقد حاول البحارة المسلمون فوق ذلك أن يحرقوا السفن النصرانية بالنار اليونانية، واقتربوا منها بالفعل، تحميهم من ضفة النهر بعض حشود من الجند، وأمامهم مواعين مملوءة بالزيت والمواد الملتهبة ولكن النصارى فطنوا إلى المحاولة، وهاجموا المسلمين من البر والبحر، فلجأ الجند الذين بالشاطىء إلى قلعة طريانة، ونشبت بين سفن الفريقين معركة شديدة، واستطاع المسلمون أن يقذفوا موادهم الملتهبة، ولكن النصارى استطاعوا أن يخمدوا النار قبل اندلاعها. وهكذا فشلت المحاولة، ولكن المعارك البحرية الجزئية كانت تضطرم بين الفريقين باستمرار. وفي ربيع سنة 1248 م، وفدت على المعسكر النصراني طوائف كثيرة من الجند، منها قوة من فرسان قشتالة، بقيادة ولى العهد ألفونسو، وقوة من فرسان قطلونية، بقيادة ألفونسو ولى عهد أراجون، وقوة من الفرسان البرتغاليين بقيادة بيدرو ولى عهد البرتغال، وقوة من جند بسكونية وقشتالة القديمة بقيادة لوبيث دي هارو، وكذلك قدم يوحنا مطران شنت ياقب في قوة من جند جلّيقية، قدمت حشود أخرى من مدينة سالم، ومدلين، وقورية، وغيرها، ووفد كثير من الأساقفة والرهبان، وفرسان الجماعات الدينية، وانضمت هذه الحشود الجديدة، إلى القوات المحاصرة، في مختلف مناطق الحصار، وهكذا عزز الحصار حول إشبيلية، وأحكمت حلقاته، وعول ملك قشتالة، أن يلجأ إلى الوسيلة، المأمونة المؤكدة، وهي إرهاق المدينة بأقصى ما يستطاع، وإرغامها على التسليم بالجوع والحرمان.
وكان قد مضى على حصار النصارى لإشبيلية زهاء تسعة أشهر وهي صامدة، تزداد ثباتا وإصراراً على مدافعة النصارى، ولكنها مذ أحكمت حولها حلقات الحصار، أخذت تشعر بالضيق يدب إليها حثيثاً، وشبح الجوع يقترب منها شيئاً فشيئاً. ولم يبق لديها عندئذ سبيل للتنفس البطىء سوى طريانة، قلعتها
الجنوبية الغربية المشرفة على الشّرف. وهنا كرر أهل إشبيلية صريخهم إلى المغرب، وإلى سائر أمرائه وزعمائه، يصفون محنتهم الغامرة، ويلتمسون الغوث والإنجاد قبل فوات الوقت. وكان مما نظمه في هذه المناسبة شاعر إشبيلية يومئذ، إبراهيم ابن سهل الإشبيلي الإسرائيلى قصيدة مؤثرة، يستصرخ فيها أهل العدوة، ويستحثهم على المبادرة إلى نصرة إخوانهم في الدين وفيها يقول:
ورداً فمضون نجاح المصدر
…
هي عزة الدنيا وفوز المحشر
نادى الجهاد بكم بنصر مضمر
…
يبدو لكم بين القنا والضُّمر
خلوا الديار لدار عز واركبوا
…
عبر العجاج إلى النعيم الأخضر
وتسوغوا كدر المناهل في السرى
…
ترووا بماء الحوض غير مُكدّر
يا معشر العرب الذين توارثوا
…
شيم الحميّة كابرا عن أكبر
إن الإله قد اشترى أرواحكم
…
بيعوا ويهنئكم وفاء المشترى
أنتم أحق بنصر دين نبيكم
…
ولكم تمهد في قديم الأعصر
أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا
…
ذاك البناء بكل لون أسمر (1)
ونظم أبو موسى هرون بن هرون قصيدة طويلة، يصف فيها محنة أهل إشبيلية حينما طوقها النصارى، وما نزل بأهلها من صنوف الآلام والخطوب، ويهيب فيها بأهل العُدوة أن يبادروا إلى إنجادها، وتدارك أهلها، وقد جاء في أولها:
يا حمص أقصدك المقدور حين رما
…
لم حق فيك الردى إلا ولا ذمما
جرت عليك يد الدهر ظالمة
…
لا يعدل الدهر في شىء إذا حكما
ما كنت أحسب أن الحادثات إذا
…
همت بك السوء لا تلقى لك السلما
قد كان حسنك فتان الشباب فمذ
…
أصبت عوضت منها القبح والهرما
يا جنة زجرتنا عن زخارفها
…
ذنوبنا فلزمنا البت والندما
ومنها في وصف الحصار ومصائبه، واستنهاض همم أهل العدوة:
ويمموا حمص في جمع يضيق به
…
ذرع الفضا بالمرهفات الماع فاكتتما
واستوطنوا القبر في الوادي وقام لهم
…
جسر منه الفلك لا تشكو به السأما
فكم أسارى غدت في القيد موثقة
…
تشكوا من الذل أقداما لها حطما
(1) أورد لنا هذه القصيدة صاحب الذخيرة السنية، ص 74 وما بعدها
وكم صريع رضيع ظل مختطفا
…
عن أمه فهو بالأمواج قد فطما
وكم بطريانة أبقى الأسبى ندبا
…
في القلب يبعث وجدا كلما كلما
يا حسنها عرف للحسن جامعة
…
ما طار قط لها إلا النعيم جما
يا عين فابك على حمص وقل لها
…
منك البكاء إذا ما ترسليه دما
وقد أصيبت بها الدنيا وساكنها
…
حقاً وأصبح ركن الدين قد ثلما
سطا بها الكفر إذ قل النصير بها
…
فمن معز بها الإسلام ما سلما
يا أهل وادي الحما بالعدوة انتعشوا
…
هذا الذماء فقد أشفى به سقما
فماذا يبطئكم عنا وحولكم
…
أن تبصروا دار قوم أصبحت رمما
وحقنا واجب فالدين يجمعنا
…
مع الجوار الذي مازال منتظما
وقد دعونا فأسمعنا على كثب
…
بما قد استنفد القرطاس والقلما (1)
وكان الاستيلاء على قلعة طريانة حصن إشبيلية من الجنوب الغربي، أهم ما يشغل بال النصارى، وكان لابد قبل محاولة الاستيلاء عليها أن تحطم القنطرة القوية الضخمة، التي تربطها بإشبيلية عبر الوادي الكبير، عند برج الذهب. وكانت هذه القنطرة، تتكون حسبما قدمنا، من مجموعة من السفن المثبتة بسلاسل ضخمة من الحديد. وهذا ما اعتزمه النصارى بالفعل. وجهز بونيفاس قائد الأسطول النصراني لهذا الغرض مركبين كبيرين، وركب في إحداهما. ودُفع المركبان نحو القنطرة، فنجحت إحداهما في قطع السلاسل الحديدية، وإحداث ثغرة في القنطرة، وأسرع الملك فرناندو في قوة كبيرة ليحمى بونيفاس ومركبه، وليحقق الفصل بين المسلمين في طريانة، وأهل المدينة، ووقع ذلك الحادث في اليوم الثالث من مايو سنة 1248 م.
وكان تحطيم القنطرة على هذا النحو ضربة شديدة للمسلمين، إذ ترتب عليه الفصل بين قلعة طريانة، وبين المدينة، وقطع طريق الشّرف، وهو الملاذ الأخير الذي كان باقيا للمحصورين، لاستيراد الأقوات والمؤن، بعد أن أضحى طريق النهر محفوفاً بأعظم المخاطر. كما ترتب عليه عزل طُريانة وتعرضها لخطر هجوم النصارى. وهذا ما عول عليه النصارى بالفعل على أثر تحطيم القنطرة.
(1) أورد لنا ابن عذارى نص هذه القصيدة بأكملها في البيان المغرب ص 382 - 384
على أن الاستيلاء على طريانة لم يكن مهمة سهلة. ذلك أن المسلمين كانوا على حذر، وكانوا يدركون أهمية طريانة الدفاعية، وكانوا لذلك قد شحنوها بالرجال والسلاح والمؤن، ورتبوا بها بالأخص جماعة من الرماة يستطيعون إصابة الفرسان بقذائفهم عن بعد. ومن ثم فإنه لما هاجمها النصارى بقوات كثيفة استطاعت حاميتها القوية أن تحطم هذا الهجوم الأول بسرعة، وعندئذ كرر النصارى هجومهم بشدة، والمسلمون يحبطون كل محاولة، وكان بالقلعة عندئذ زعيم إشبيلية الأول القائد شقاف. ولما تكرر فشل النصارى في اقتحام القلعة اقترب منها فرناندو بقواته، ودفع الحفارين إلى السور لإحداث ثلمة به، ولكن المسلمين نجحوا أيضاً في إحباط هذه المحاولة، وعندئذ عمد النصارى إلى محاصرة القلعة براً وبحراً، وضربها بمختلف الآلات، واعتزموا أخذها بالحصار، وقدمت سفنهم إلى النهر أسفل القلعة فنجحت بعد مجهود عنيف في قطع كل صلة بين طريانة وبين إشبيلية.
واستمر الحصار حول إشبيلية وطريانة، وهو يشتد كل يوم، والحاضرة المحصورة تشعر بالضيق، يرهقها شيئاً فشيئاً، والنصارى يوالون ضربها بالآلات المخربة، حتى نفدت الأقوات، وأخذ الجوع يفتك بالمحصورين. ويصف ابن عذارى حالة المدينة المحصورة في قوله:" وعدموا المرافق كلها، قليلها وجليلها، إلا ما كان في بعض ديار الأغنياء مثل الفقيه القاضي ابن منظور، فإنه كان يطمع في إقلاع النصارى عن المدينة، فيأمر الناس بالقتال والرمى بالنبال، والناس مع ذلك حيارى، يمشون سكارى وما هم بسكارى. ومات بالجوع خلق كثير، وعدمت الأطعمة من القمح والشعير، وأكل الناس الجلود، وفنيت المقاتلة من العامة وأصناف الجنود "(1). وهكذا فتك الجوع والحرمان والمرض بأهل إشبيلية، وأضنتهم المعارك المستمرة بعد حصار صارم مرهق استمر خمسة عشر شهراً، وغاض كل أمل في الإنقاذ والإنجاد، فلم يتحرك الموحدون لانشغالهم بمكافحة بني مرين، وأمير إفريقية الذي اتخذ لقب الخلافة، ولم يتحرك أمير إفريقية لما سبق من موقف الإشبيليين نحو عماله، وربما أيضاً اعتباراً بما حدث من فشل محاولته لإنقاذ بلنسية، وقد كان إنجادها أقرب وأيسر. فلما بلغ الضيق أشده، طلب القائد شقاف وهو في طريانة، إلى النصارى هدنة ليتمكن
(1) البيان المغرب ص 381 و 382
من الاتصال بأهل المدينة، والتفاهم معهم على التسليم. وبحث زعماء المدينة الموقف من سائر نواحيه، واتفقوا على أن يسلموا إلى ملك قشتالة القصر وجباية المدينة، على أن لا يدفعوا من المكوس أكثر مما كانوا يدفعونه لملوكهم، ولكن ملك قشتالة رفض هذا العرض الجزئي رفضاً باتا، فعاد الزعماء وعرضوا أن يسلموا القصر وثلث المدينة، فرفض هذا العرض أيضاً. واضطر الزعماء أن يتقدموا خطوة أخرى. فعرضوا أن يسلموا نصف المدينة، بعد أن يخليه المسلمون، وأن يترك النصف الآخر للمسلمين، وأن يقام بين النصفين سور فاصل. ونصح بعض مستشارى الملك إليه بقبول هذا العرض، ولكن ملك قشتالة أصر على أن يتسلم المدينة كلها حرة ودون شروط (1).
وعندئذ لم ير زعماء إشبيلية وأهلها، بدّا من قبول مصيرهم المحتوم، وجرت المفاوضة بينهم وبين ملك قشتالة في تسليم المدينة، وذلك عن طريق ممثل ملك قشتالة، دون ردريجو ألباريس، وانتهت المفاوضات بين الفريقين على أن تسلم المدينة بالشروط الآتية: أن تسلم المدينة كاملة حرة سليمة، لا يهدم من صروحها شىء، وأن يغادرها سكانها مع السماح لهم بأن يحملوا معهم كل أمتعتهم المنقولة والمال والسلاح، وأن يسلم القصر في الحال بعد إخلائه عقب وضع شروط التسليم، وأن تسلم مع المدينة سائر الأراضي التابعة لها، وأن يعطى ملك قشتالة إلى القائد شقاف، والرئيس ابن شعيب، من بلاد الشرف، شلوقه وحصن الفرج، ثم لبلة متى تم افتتاحها، واتفق على أن تُمنح لأهل المدينة مهلة لا تقل عن الشهر لتسوية شئونهم وإخلاء دورهم، والتأهب للرحيل.
ولما وُقع عهد التسليم بين الفريقين، سُلِّم القصر، وهو مقر الولاة، ويقع في جنوبي المدينة على مقربة من باب جَهْور، إلى ملك قشتالة، وبعث ملك قشتالة مندوبه ليرفع شعاره الملكى فوق برجه الأعلى، وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1248 م، وهو يوافق يوم الاثنين الخامس من شعبان سنة 646 هـ، وهو اليوم الذي تضعه الرواية الإسلامية لسقوط إشبيلية في أيدي النصارى (2). بيد أنه يوجد تاريخ آخر، هو
(1) M. Lafuente: ibid ; T. IV. p. 59 ; J. Gonzalez: ibid ; p. 118 ; Cronica General، No. 1122
(2)
ابن الأبار في التكملة (القاهرة) ج 2 ص 903. ويقول صاحب الروض المعطار إنه اليوم الثالث من شعبان (ص 22)
تاريخ دخول النصارى المدينة، وهو يعتبر أحيانا تاريخ سقوطها.
وقضى المسلمون زهاء شهر في إخلاء المدينة، وتصفية شئونهم، وبيع متاعهم، وكان ملك قشتالة، يسرح سريات من فرسانه لتأمين المهاجرين منهم بطريق البر حتى مدينة شريش، وحتى ثغر سبتة لتأمين المهاجرين منهم بطريق البحر، وخصص لذلك الغرض أسطولا يتكون من خمس سفن كبيرة، وثمانى صغيرة (1). وخرجت من إشبيلية جموع غفيرة من المسلمين يصعب تحديد عددها، وتشمل سائر الطبقات. ولم تحدد لنا الرواية الإسلامية عدد المهاجرين منها، ولكنها تقول لنا فقط إنه قد خرج الخاص منها والعام " وكل منهم في بحر المنايا غاص وعام، مماحل بهم من الأوجال والآلام "(2). وتقدر بعض الروايات من خرج من أهل إشبيلية من المسلمين بأربعمائة ألف، منهم مائة ألف هاجروا بطريق البحر إلى سبتة، وثلاثمائة ألف ساروا براً بطريق شريش (3). وتفرقوا في مختلف الأنحاء بالأندلس والمغرب. وقصد أكثرهم بالأندلس مملكة غرناطة، وذلك بتشجيع ابن الأحمر، وكورة لبلة وغربى الأندلس، وقصد من عبر البحر منهم إلى مختلف ثغور المغرب، ولاسيما سبتة وتونس، وكان في مقدمة من غادرها منهم زعيمها القائد شقاف، ولم يحفل بما عرضه النصارى عليه من منح وإقطاعات وعبر البحر إلى سبتة مع جماعة من القواد والأجناد، والظاهر أنه استطاع أن يتدخل في شئونها، وأن يشاطر واليها الحفصى ابن أبي خالد قسطا من السلطة، ولكن حدث بعد فترة قصيرة أن نهض زعيم سبتة الدينى الفقيه أبو القاسم العزفى، واستطاع بمعاونة حليفه القائد أبي العباس الرنداحى أن ينتزع الرياسة لنفسه، وقتل شقاف وعدة من أصحابه فيمن قتل من ضحايا الانقلاب، وذلك في شهر رمضان سنة 647 هـ (4).
وبقيت إشبيلية، بعد أن غادرها أهلها، خالية ثلاثة أيام. وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1248 م " (أوائل رمضان سنة 646 هـ) دخل فرناندو الثالث ملك قشتالة، مدينة إشبيلية في موكب فخم، وكان مطران
(1) الروض المعطار ص 22، وكذلك: J. Gonzalez: ibid ; p. 120
(2)
البيان المغرب ص 385.
(3)
Cronica General: ibid ; No 1124
(4)
الذخيرة السنية ص 85، والبيان المغرب ص 400 و 401
طليطلة قد قام بتحويل الجامع الأعظم إلى كنيسة، وصنع به هيكل مؤقت، فقصد إليه الملك النصراني، وحاشيته من أكابر الأحبار والقادة والفرسان، وأقيم قدّاس الشكر، ثم قصد فرناندو بعد ذلك إلى القصر وتسلمه، وعنى بوضع أسس الحكم للحاضرة المفتوحة، وجعل منها مركز مطرانية، كما كانت قبل الفتح الإسلامي، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم، بين أولئك الذين بذلوا أكبر جهد في تحقيق الفتح. وبذلك اختتم الفتح، وأخذ النصارى في تقويض محلاتهم خارج المدينة ونزلوا بها (1).
ومن ذلك التاريخ تغدو إشبيلية، عاصمة مملكة قشتالة، ومقر البلاط القشتالي، بدلا من طليطلة.
وهكذا سقطت إشبيلية، حاضرة الأندلس العظمى، بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتحها موسى بن نصير في سنة 712 م، خمسة قرون وثلث قرن، وحكمها الموحدون زهاء قرن، وكانت قاعدة حكومتهم بالأندلس، فجاء سقوطها، بعد سقوط قرطبة، وقواعد الشرق، تصفية نهائية لسلطانهم في شبه الجزيرة الإسبانية. وكانت إشبيلية إلى جانب قرطبة من أعظم مراكز العلوم والآداب في الغرب الإسلامي، وبها سطعت عبقريات فريدة في تاريخ الفكر الإنسانى، مثل بني زهر أعظم أساتذة الطب والكمياء في الغرب في العصور الوسطى، وأبي العباس بن الرومية أعظم النباتيين والعشابين، بعد ديسقوريدس. وسطعت إشبيلية أيام الطوائف في ظل بني عباد، ولبثت زهاء نصف قرن أعظم مجمع للآداب وللشعر والنثر في الأندلس. وجعل منها الموحدون قاعدة الحكم في الأندلس، وغدت في ظلهم أعظم حواضر شبه الجزيرة، وأزخرها عمرانا، وأجملها تخطيطاً وصروحاً، تتيه بمسجدها الجامع أعظم جوامع الأندلس، بعد جامع قرطبة، وبمنارته الشاهقة الرائعة، التي مازالت تقوم حتى اليوم أثراً من أعظم الآثار الأندلسية الباقية، وذلك بالرغم من تحويلها إلى برج لأجراس الكنيسة.
(1) يراجع في فتح إشبيلية: البيان المغرب ص 381 و 382، وابن خلدون ج 4 ص 171 وج 7 ص 190، والذخيرة السنية ص 71 - 76 وص 80، والروض المعطار ص 22، ومن المراجع القشتالية: Cronica General (Ed. Pidal) No. 1080 - 1125 - J. Gonzalez ibid ; p. 98 - 121 - Is. de las Cagicas: Sevilla Almohade ; p. 31 - 33 -- M. Lafuente: ibid ; T. IV. p. 53 - 59
وكان لسقوط إشبيلية وقع عظيم في الأندلس، أو بعبارة أخرى فيما بقى من قواعدها وربوعها، وفي شبه الجزيرة الإسبانية كلها، وفي المغرب وسائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد رثاها الشعر في قصائد عديدة مبكية، حتى قبل أن تسقط نهائيا في أيدي النصارى. وقد أوردنا فيما تقدم بعض ما نظمه الشعر في ذلك.
- 5 -
وكان سقوط إشبيلية نذيراً بسقوط سائر القواعد والبلاد القريبة منها، ولاسيما قواعد الغرب التي أصبحت معزولة عن بقية القواعد الأندلسية.
وما كاد فرناندو الثالث ينتهي من تنظيم شئون " مملكة إشبيلية " ويستريح من عناء الغزوة الكبرى، حتى سيّر بعض قواته شرقاً وجنوبا، لتفتتح قواعد هذه المنطقة. وليست لدينا تفاصيل عن كيفية افتتاح هذه القواعد أو سقوطها في أيدي النصارى، ولكن الرواية النصرانية تجمل قصة هذه القواعد في قولها، إن فرناندو الثالث، استطاع عقب افتتاحه لإشبيلية أن يبسط سلطانه على شريش وشذونه والقلعة وقادس وشلوقة وأركش والبريجة وروطة أو روضة (1) بعضها بالفتح وبعضها بعقد المعاهدات، وأن إخضاع هذه القواعد قد تم في سنة 1249 م (647 هـ)، وتزيد على ذلك أن ابن محفوظ صاحب لبلة وما إليها من الأراضي والحصون، قد اعترف بطاعة فرناندو الثالث (2). ولكن الرواية الإسلامية تقدم إلينا عن إخضاع هذه القواعد بعض تفاصيل أخرى، فتقول لنا إن الوزير أبا خالد صاحب شريش أعطى في سنة 648 هـ للفنش (وتريد هنا فرناندو الثالث) مدينة أركش وحصن فريس، وحصن تنكر، والأفراس، وأن النصارى استولوا في نفس العام على قرمونة، والقلعة، والقليعة، وشلوقة، وغليانة، وروطة، وجميع حصن الوادي وحصن الفرج (3). ولنلاحظ أولا أن قرمونة، والقلعة، وغليانة، وهي من حصون إشبيلية الأمامية، قد سقطت كلها في أيدي النصارى، في سنة 645 هـ قبيل حصار إشبيلية. وأما عن شريش وهي أهم قواعد الفرنتيرة، فيلوح لنا أنها قد خضعت بمقتضى الاعتراف، وأن صاحبها أبا خالد، قد أعلن خضوعه
(1) هي بالإسبانية على التوالى San Lucar، Cadiz، Alcala، Medina Sedonia، Jerez Rota، Lebrija، Arcos
(2)
J. Gonzalez: ibid ; p. 121 & 122
(3)
الذخيرة السنية ص 87
لملك قشتالة، وتعهد بأداء الجزية، ومكّن النصارى من القصر دون أن يحتلوا المدينة، ونزل لملك قشتالة عن أركش والحصون التي سبق ذكرها، رهينة بحسن طاعته. والظاهر أن هذه الحالة قد استمرت عدة أعوام أخرى، لأن الرواية الإسلامية تقول لنا إن سرية من الفرسان النصارى قصدت إلى شريش في سنة 658 هـ (1260 م) برسم إخلاء موضع القناطر، وإخراج المسلمين منها، وأن ديارها قد أخليت بالفعل برسم الطاغية (ملك قشتالة)، وأن النصارى دخلوا قصبة شريش صلحاً في العام الثاني (659 هـ)، ثم أرادوا أن يغدروا بالمسلمين، فتغلب المسلمون عليهم، واستطاعوا إخراجهم منها بمعاونة قوة من عسكر بني مرين عبرت إلى شبه الجزيرة بقيادة عامر بن إدريس بن عبد الحق، وذلك في سنة 662 هـ (1263 م)، واحتل عامر بن إدريس، ومن معه من المجاهدين مدينة شريش، واستمروا بها زهاء عامين حتى أخرجهم القشتاليون منها، بقيادة ملكهم ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم وذلك في سنة 1264 م (665 هـ)(1).
وقد شاطرت مدينة قادس فيما يبدو نفس الظروف ونفس المصير، فخضعت أولا بإعلان الطاعة وأداء الجزية لملك قشتالة. ويبدو كذلك أن النصارى قد احتلوا قصبتها على غرار ما حدث في شريش. يدل على ذلك ما تذكره الرواية الإسلامية في حوادث سنة 647 هـ (1249 م) من أن القائد الرنداحى، وهو قائد الأسطول بها، قتل ثمانين من زعماء الروم بجزيرة (ثغر) قادس (2). وقد استمرت الأحوال على اضطرابها بقادس حتى افتتحها القشتاليون في سنة 1261 م، وافتتحوا في نفس الوقت شذونة، والبريجه، وغيرهما من قواعد الفرنتيرة.
واستولى القشتاليون في العام التالي (662 هـ) على مدينة إستجة، الواقعة في جنوب غربي قرطبة. سلمها إليهم صاحبها ابن يونس بالأمان، ولكن قائدهم دون خيل ما كاد يدخلها في قواته، حتى أخرج المسلمين منها، وقتل معظمهم، واستولى على أموالهم، وسبي نساءهم، حتى أطلقهن من يده دون نونيو قائد قشتالة الأكبر، وعذل دون خيل على غدره بالمسلمين (3).
وأما عن بقية قواعد ولاية الغرب، الواقعة غربي الوادي الكبير، وحتى
(1) البيان المغرب ص 430 و 431، والذخيرة السنية ص 111 و 112.
(2)
الذخيرة السنية ص 85.
(3)
الذخيرة السنية ص 112
أراضي البرتغال، فقد كان معظمها تحت سلطان القاضي شعيب بن محفوظ، أقوى زعماء هذه المنطقة، وكانت مدينة لبلة الحصينة قاعدة حكمه، وبها ثار منذ سنة 632 هـ، ودعا لنفسه وتسمى بالمعتصم، واستطاع أن يبسط سيادته على معظم القواعد والأنحاء الواقعة غربي الوادي الكبير، وفيما وراء نهر وادي يانه. ولا تحدثنا الرواية عن شخصية ابن محفوظ، ولا عن أصله ونشأته. ويبدو لنا من مختلف القرائن، أنه كان من بقية زعماء الموحدين في تلك المنطقة، وتسبغ الرواية النصرانية عليه بالفعل هذه الصفة. ولما زحف القشتاليون على قطاع إشبيلية، وأخذت قواعدها وحصونها الأمامية تسقط في أيديهم، شعر ابن محفوظ بأن سلطانه في تلك المنطقة أضحى معرضاً للانهيار، فسعى إلى التفاهم مع ملك قشتالة، وذلك بنفس الطريقة التي كان يجرى عليها سائر الزعماء المسلمين يومئذ، فنزل إليه وفقاً لقول الرواية الإسلامية عن مدينة طبيرة والعُلى وشلب والخزانة، ومرشوشة، وبطرنا، والحرة، وكلها من قواعد أقصى الغرب، وذلك في سنة 645 هـ (1247 م)(1). واعترف بطاعته على حكم لبلة كما تقدم. بيد أنه يبدو أن سلطان ابن محفوظ على قواعد الغرب، لم يكن يمتد إلى هذا المدى البعيد من قواعد الغرب البرتغالية، مثل طبيرة وشلب وشنتمرية الغرب. يدل على ذلك ما تذكره لنا الرواية الإسلامية بعد ذلك، من أنه لما تم لفرناندو الثالث افتتاح إشبيلية، تقدم ابن محفوظ في سبيل إرضائه خطوة أخرى، فنزل له عن حصن اللقوه، وجبل العيون، ووادي أنه، وشنتيل، والحصين، وشلطيش، وذلك صلحاً، على أن يبقى محتفظاً بلبلة وأحوازها مع الاعتراف بالطاعة وأداء الجزية (2). وهذه الأماكن كلها تقع في منطقة ولبة (أونبة القديمة)، شرقي نهر وادي يانه، وهو أقصى مدى كان يمتد إليه سلطان ابن محفوظ.
أما قواعد الغرب البرتغالية، وهي شلب وطبيرة وشنتمرية الغرب، فقد كانت من نصيب الفتوح البرتغالية. وكان ألفونسو الثالث ملك البرتغال، قد أدرك مذ سقطت إشبيلية في أيدي القشتاليين، وساد الانحلال والفزع في سائر قواعد الغرب الإسلامية، وانهارت فيها الروح الدفاعية، أن الفرصة قد سنحت للاستيلاء على ما بقى بأيدى المسلمين من هذه القواعد، في أراضي البرتغال
(1) الذخيرة السنية ص 76.
(2)
الذخيرة السنية ص 85
خريطة:
خريطة تبين انهيار الأندلس وما كسبته الممالك الإسبانية النصرانية 633 - 660 هـ = 1236 - 1262 م.
حدود الأندلس الشمالية قبل الانهيار
الجنوبية. وكان أخوه وسلفه الملك سانشو الثاني قد استولى على مدينة ميرتلة من المسلمين، وسلمها لفرسان شنت ياقب للقيام بالمحافظة عليها. وفي سنة 640 هـ (1242 م) استولى البرتغاليون على مدينة شلب، من يد واليها الموحدي واسمه المنصور، ولم يبق بعد الاستيلاء على شلب، وهي أهم قواعد الغرب الجنوبية، سوى طبيرة وشنتمرية الغرب. فأما طبيرة، فقد سقطت في أيدي الفرسان البرتغاليين في سنة 641 هـ (1243 م). وأما شنتمرية الغرب (1) فقد قام بافتتاحها ألفونسو الثالث، بعد أن حاصرها من البر والبحر، حتى اضطرت إلى التسليم، وذلك في سنة 647 هـ (1249 م)، واتفق على أن يحتفظ المسلمون الذين يريدون البقاء بها، بدينهم وشرائعهم وأموالهم، وأن يكونوا رعايا لملك البرتغال يؤدون إليه من المكوس ما كانوا يؤدونه إلى ملوكهم. وتابع ألفونسو الثالث بعد ذلك فتوحاته في هذه المنطقة الجنوبية، فاستولى على سائر الحصون والبلاد الإسلامية الباقية فيها، ولم تأت سنة 1250 م، حتى كانت ولاية الغرب البرتغالية كلها قد سقطت في أيدي البرتغاليين. وفي العام التالي عبر البرتغاليون نهر وادي يانه، ومضوا في فتوحهم في أراضي الغرب الأندلسية، وافتتحوا عدة من الحصون والقواعد على ضفته اليسرى، ومنها قلعتا أورشه وأورسينة الواقعتان على مقربة من لبلة. وكان ملك قشتالة، يعتبر عبور البرتغاليين إلى هذه المنطقة، اعتداء على أراضيه، ويرقب الفرصة لردهم إلى ما وراء نهر وادي يانه.
ولما توفي فرناندو الثالث (1252 م)، وخلفه ولده ألفونسو العاشر، شعر ابن محفوظ صاحب لبلة أن ملك قشتالة الجديد، ليس له من الحزم والسطوة ما كان لأبيه، فأخذ يتحلل من عهوده، ثم أبي أن يدفع الجزية، وثار بمدينة لبلة الحصينة وامتنع بها، فسار ألفونسو العاشر إلى لبلة في جيش قوي، وضرب حولها الحصار، وكان ضمن حشوده فرقة من جند ابن الأحمر، بعث بها لتشترك في الحصار، وإخضاع ابن محفوظ، وفاء بعهوده القديمة، وبغضا منه لهذا الزعيم الموحدي، بقية الدولة البائدة في شبه الجزيرة. ولم يكن افتتاح لبلة أمراً سهلا، نظراً لمنعتها الطبيعية بوقوعها فوق ربوة عالية، ونظراً لأسوارها الصلدة العالية التي تحيط بها إحاطة تامة، ومن ثم فقد صمدت المدينة في وجه المحاصرين، واستمر صمودها عدة أشهر. وكان أبرز ما في حوادث هذا الحصار، ما قام به
(1) وهي التي قامت فيما بعد على أنقاضها مدينة فارو Faro الحديثة
المسلمون من إطلاق النار والحجارة من فوق أسوار المدينة، من آلات قاذفة شديدة الفتك، يصحبها دوى كالرعد، لم يعرف كنهها ولم يسبق استعمالها في شبه الجزيرة، تشبه المدافع البدائية، وقد فتكت هذه الآلات بالجيش المحاصر، وأرغمته على إطالة الحصار أكثر من تسعة أشهر، ولكن المدينة المحصورة، اضطرت آخر الأمر، وبعد أن برحت بأهلها مصائب الحصار، ويئست من تلقى أية نجدة أو مدد، اضطرت إلى التسليم إلى القشتاليين بالأمان، وعوض ألفونسو صاحبها ابن محفوظ مقابل تسليمها، بأملاك وضياع واسعة في أحواز إشبيلية، وفي فحص الشرف. وكان تسليم لبلة في سنة 657 هـ (1257 م)(1).
هذا ما تقوله الرواية النصرانية عن حصار لبلة وتسليمها. ولكن الرواية الإسلامية مع تأييدها لخضوع ابن محفوظ، وأدائه للجزية وفق صلح منفرد عقده مع النصارى، ومع تنويهها بهول حصار لبلة وروعته، تضع تاريخ تسليم لبلة في سنة 660 هـ، أو 661 هـ (1262 أو 1263 م)، أعني بعد التاريخ الذي تضعه الرواية النصرانية بنحو أربعة أعوام. ثم هي تذكر لنا عن مصير ابن محفوظ رواية أخرى، خلاصتها أن ابن محفوظ عبر البحر إلى المغرب مع أهله وصحبه، وقصد إلى الخليفة المرتضى بمراكش، وانضوى تحت لوائه، قائداً بالجيش الموحدي، وظل على تلك الحالة حتى توفي (2).
وأما قواعد الغرب الواقعة شرقي نهر وادي يانه، والتي استولى عليها البرتغاليون، ومنها قلعتا أورشة، وأورسينة، فقد ثار بشأنها الخلاف بين البرتغال وقشتالة، وكاد يؤدي بهما إلى الحرب، لولا أن تدخل البابا، وانتهى الأمر بتسوية الخلاف بين ألفونسو العاشر ملك قشتالة وزميله ألفونسو الثالث ملك البرتغال، وذلك بأن يتزوج ملك البرتغال الأميرة بياتريس، وهي إبنة غير شرعية لملك قشتالة، وأن ينزل ملك قشتالة إليه، عن قواعد الغرب المذكورة، على أن يكون ذلك بطريق الإقطاع، وأن يقدم ملك البرتغال عربوناً بطاعته خمسين فارسا لمعاونة ملك قشتالة في حروبه كلما طلب ذلك إليه، وتم ذلك في سنة 1263 م (3).
(1) M. Lafuente: ibid ; T. IV. p. 119
(2)
البيان المغرب ص 436.
(3)
M. Lafuente: ibid ; T. IV. p. 120
هذا وقد توفي فرناندو الثالث ملك قشتالة، بعد مرض شديد، في الثلاثين من شهر مايو سنة 1252 م، في الرابعة والخمسين من عمره، وذلك بعد أن حكم ستة وثلاثين عاما، ودفن بمدينة إشبيلية آخر وأعظم فتوحه، وحاضرته الجديدة، فخلفه ولده، وولي عهده ألفونسو العاشر، وهو الذي لقب فيما بعد بالحكيم أو العالم.
وتشيد التواريخ الإسبانية بخلال فرناندو الثالث وعبقريته، وعظيم مآثره، وتعتبره من أعظم ملوك إسبانيا، ومن أعظم ملوك العصور الوسطى، وترى أن فتوح " الاسترداد " La Reconquista ، قد وصلت على يديه إلى ذروتها، وذلك بافتتاح قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وإشبيلية أعظم حواضر الأندلس. والواقع أننا نستطيع أن نعتبر فرناندو الثالث، هو قاهر الأندلس الحقيقي، وأنه هو الذي استطاع بضرباته وفتوحاته المتوالية لأراضيها وقواعدها، أن يحطم وحدتها وتماسكها، وأن يقوض صرحها الشامخ، الذي استطاع الموحدون أن يحتفظوا بسلامته زهاء قرن، وقد وضع افتتاحه لقواعدها الكبرى، حداً نهائياً لسيادة الإسلام في الأندلس الوسطى والغربية، وجاء استيلاؤه على قرطبة، وإشبيلية بالأخص، وهما أعظم مراكز الإشعاع الحضاري في الغرب الإسلامي، ضربة قاضية للنفوذ الحضاري والمؤثرات الأدبية الأندلسية، التي لبثت خمسة قرون متغلغلة في شبه الجزيرة الإسبانية.
وقد لبثت ذكرى فرناندو الثالث عصوراً، تقترن بالأخص بحماسته الدينية وغيرته الكاثوليكية، والصفة الصليبية التي كانت شعار حروبه ضد الإسلام في الأندلس، حتى جاء البابا كليمنضوس العاشر، فأسبغ عليه صفة القداسة وتوّجه قديسا، وذلك في سنة 1671 م، وأضحى فرناندو الثالث من ذلك التاريخ يعرف بالقدِّيس فرناندو San Fernando أو فرناندو المقدس Fernando el Santo