الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامِسُ عصر الخليفة محمد الناصر
جلوس الخليفة محمد الناصر. وزيره ومستشاروه. أعماله الأولى. أحوال إفريقية. استيلاء يحيى ابن غانية على قابس. ابن عبد الكريم وظهوره. خلافه مع والي المهدية. القبض عليه ثم إطلاق سراحه. استيلاؤه على المهدية واستبداده بها. مسيره لغزو تونس. اشتباكه مع الموحدين وهزيمتهم. لومه وعوده إلى المهدية. الخلاف بينه وبين يحيى الميورقي. استيلاؤه على قفصة. اشتباكه مع الميورقي. هزيمته والتجاؤه إلى المهدية. محاصرة الميورقي له. تسليمه للمهدية. قبض الميورقي عليه هو وولده ثم اغتيالهما. امتداد سلطان يحيى إلى معظم أنحاء إفريقية. سيره إلى باجة واقتحامها. مسير الموحدين لقتاله. هزيمة الموحدين وسقوط محلتهم. مسير يحيى إلى بسكره واقتحامها. عوده إلى المهدية. قلق البلاط الموحدي لحوادث إفريقية. تجهيز حملة كبيرة لقتال الميورقي وتوقفها. ثورة أبي قصبة ببلاد السوس. مسير الموحدين لقتاله. هزيمة الدعى ومقتله. وقوع السيل العظيم بإشبيلية. تأهب الموحدين لافتتاح الجزائر الشرقية. عبد الله بن إسحاق حاكم الجزائر. مسالمته للدول النصرانية وتعاونه معها. انتزاعه لمدينة منورقة من الموحدين. إعداد الحملة الموحدية لافتتاح الجزائر. خروجها من دانية إلى يابسة ثم إلى ميورقة. استيلاء السفن الموحدية على منورقة. نزول الموحدين في ميورقة. القتال بينهم وبين عبد الله بن إسحاق. هزيمة عبد الله ومقتله. اقتحام الموحدين لمدينة ميورقة وافتتاحها. تعيين ابن طاع الله الكومي لولايتها. صدى هذا الفتح في أراجون والدول النصرانية الأخرى. تأثيره في خطط يحيى بن إسحاق. عزم يحيى على فتح تونس. مسيره إليها في قواته. قطع اتصالها بالبحر ومحاصرتها. اقتحام يحيى لها. قبضه على واليها السيد أبي زيد وأولاده وأشياخ الموحدين. يحيى يفرض غرامة فادحة على تونس. خروجه إلى جبل نفوسة وتغريم أهله. وقع سقوط تونس في بلاط مراكش. الناصر يعين ولاة الأندلس. عزمه على سحق الميورقي. مسير الحملة الموحدية والأسطول الموحدي إلى إفريقية. حركات يحيى بن إسحاق في الجنوب. وصول الأسطول الموحدي. وصول الحملة الموحدية بقيادة الناصر. عودة يحيى إلى تونس. إرساله لأمواله وذخائره إلى المهدية. إخلاؤه لتونس ومسيره في قواته إلى قفصة. احتلال الموحدين لتونس. مسير الحملة الموحدية في أثر الميورقي. تحصن الميورقي بجبل دمر. تحصينه للمهدية. مسير الناصر لمحاصرة المهدية. مسير حملة موحدية بقيادة الشيخ أبي حفص إلى جبل دمر. معركة دموية في رأس تاجرا. هزيمة الميورقي ومقتل أصحابه. فراره في فلوله. انقاذ السيد أبي زيد وصحبه. اشتداد المقاومة بالمهدية، المعارك المستمرة. طلب الغانى حاكم المهدية التسليم بالأمان. موافقة الناصر. خروجه من المهدية مع صحبه. دخوله في طاعة الموحدين. سحق بني غانية وتحرير إفريقية. مثل بني غانية في محاربة الموحدين. تحولها إلى مغامرة في سبيل السلطان والثراء. مثالب حكومة الميورقي وأساليبها الهمجية. بغض المحكومين لها. التجاء يحيى الميورقي إلى الصحراء الجنوبية. مطاردة الموحدين لطوائف المفسدين. تعيين الشيخ أبي محمد عبد الواحد لولاية إفريقية. اعتذاره وشروطه للقبول. موافقة الناصر ومغادرته لتونس. مسيره إلى تلمسان ثم إلى فاس. أعماله ومطاردته لعاملى فاس ومكناسة
مسيره إلى رباط الفتح ثم إلى مراكش. نظره في الأعمال السلطانية ومراجعته لأعمال العمال. وفاة السيد أبي الربيع والي بجاية. تعيين السيد أبي عمران موسى والياً لتلمسان. عود يحيى الميورقي إلى الحركة. تحول بعض طوائف العرب عن محالفته إلى الموحدين. مسير يحيى إلى الشمال. خروج الشيخ أبي محمد إلى لقائه. معركة تبيشة. هزيمة الميورقي وفراره. جمعه لقواته ومسيره غرباً صوب واحات سجلماسة. اقتحامه لسجلماسة ونهبها. اهتمام الموحدين في إفريقية ومراكش. عوده صوب تلمسان. مفاجأته لواليها
السيد أبي عمران وقواته. هزيمة الموحدين ومصرع السيد وصحبه. اقتحام الميورقي لمدينة تاهرت. عيث الميورقي في أحواز تلمسان. إنجاد المدينة وتأمينها. مسير حملة جديدة لمقاتلة الميورقي. ارتداده صوب طرابلس. عوده إلى الحركة. تضخم جيشه بالعرب والأغزاز. خروج الشيخ أبي محمد ْلقتاله. مسيره نحو جبل نفوسة. اشتباك الفريقين. هزيمة الميارقة وحلفائهم. مقتل أشياخ العرب. فرار يحيى وفله. عود القائد الظافر أبي محمد. كتابه إلى الخليفة بالفتح. معالجة الشيخ أبي محمد لشئون إفريقية. فضله في إخماد ثورة بني غانية. توطيده لسلطان الموحدين في إفريقية. التجاء سير أخي يحيى إلى الشيخ أبي محمد. أعمال الناصر وتعييناته للولاة والكتاب والقضاة. بعض حوادث المغرب في تلك الفترة. حريق مراكش. وفد المسلمين الصقليين إلى تونس. أحوال مسلمى صقلية منذ افتتاح النصارى للجزيرة. أقوال الرحالة ابن جبير عن ذلك.
لما توفي الخليفة يعقوب المنصور، في ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 595 هـ (22 يناير سنة 1199 م)، خلفه في صباح اليوم التالي ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالناصر لدين الله، وأخذت له البيعة العامة بعد ذلك بأسبوع في نهاية شهر ربيع الأول. ولم يعارضه أحد من الإخوة ولا العمومة. وكان المنصور قد اختاره لولاية عهده، وعقد له البيعة بذلك في أواخر سنة 587 هـ، حينما دهمه المرض الشديد، عقب عوده إلى المغرب، من جوازه الأول إلى الأندلس. ثم أخذت له البيعة بعد ذلك في سائر أقطار المغرب والأندلس. وكان الخليفة الجديد حين جلوسه، في نحو السابعة عشر من عمره، إذ كان مولده في أواخر سنة 576 هـ. ويقول لنا المراكشي إن أمه أم ولد رومية تدعى زهر. ولكن صاحب روض القرطاس، يقول إن أمه بالعكس كانت حرة اسمها أمّة الله، وأنها ابنة السيد أبي إسحق بن عبد المؤمن (1). وتولى الوزارة للخليفة الجديد، وزير أبيه أبو زيد عبد الرحمن بن موسى ابن يوجان، وهو ابن أخي الشيخ أبي حفص (2)، وتولى مهمة الاستشارة والتوجيه، الشيخ أبو زكريا وأخوه الشيخ أبو محمد عبد الواحد، إبنا الشيخ
(1) المعجب ص 175، وروض القرطاس ص 152.
(2)
وقد ورد في بعض الروايات " أبو زيد بن يوجاق "(راجع رحلة التجاني ص 363)
أبي حفص عمر الهنتاني، وتولى رياسة البيت المالك السيد أبو الحسن وأخوه السيد أبو زيد، ابنا السيد أبي حفص عم الخليفة الراحل، وذلك كله، وفقاً لوصية المنصور في مرض موته حسبما أشرنا إليه من قبل.
وأقام الخليفة الجديد عقب ولايته بحضرة مراكش بضعة أسابيع، حتى آخر شهر ربيع الثاني من سنة 595 هـ، وتمت البيعة خلال ذلك في سائر النواحي، ووصلت إلى الحضرة، وخرجت البركات للموحدين والأجناد كالعادة، وقدم الشعراء تهانيهم بتجديد البيعة. ثم غادر الخليفة مراكش في أول شهر جمادى الأولى، وقصد إلى مدينة فاس، فأقام بها حتى نهاية هذا العام. وعنى الخليفة خلال ذلك بتصريف الشئون، بمعاونة وزيره عبد الرحمن بن يوجان، وكان في مقدمة المراسم الجديدة، أن عين الخليفة السيد الحسن بن السيد أبي حفص والياً لبجاية وأعمالها، وأمده بالرجال والأموال ليستطيع مواجهة الحوادث في تلك المنطقة المضطرمة، وعين أخاه السيد أبا محمد عبد الله بن المنصور والياً على إشبيلية مكان أخيه السيد أبي زيد (1).
وكانت الأحوال في إفريقية قد ساءت في أواخر عهد المنصور، ولا سيما حين شغل بأمر الجهاد في الأندلس، ولم تسعفه الظروف حين عودته بعد ذلك إلى المغرب، ليعنى بالنظر في شئون إفريقية، وتدارك ما دهمها من الحوادث، حيث فاجأه المرض وتوفي. فكان على ولده الخليفة الفتى محمد الناصر، أن يواجه هذه الظروف، وأن يقوم بتداركها.
- 1 -
وقد وصلنا فيما تقدم من سرد حوادث إفريقية، إلى ظفر يحيى بن إسحاق ابن غانية الميورقي، بخصمه شرف الدين قراقوش، وفراره إلى الجبال، وانتزاع طرابلس من يد نائبه. ولما تم ليحيى ما تقدم سار إلى قابس، وكان نائب قراقوش قد غادرها على أثر هزيمة سيده، ووجه إليها الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص والي تونس، حافظاً من الموحدين يسمى ابن تفراجين. فقصد إليها يحيى بقواته ووجه إلى أهلها كتاباً ينذرهم فيه بالتسليم، ويحذرهم من المخالفة، ويحدد لهم ثلاثة أيام لإجابة مطلبه، فلما انتهى هذا الأجل دون أية إجابة، زحف
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 212 و 213
يحيى على المدينة، وحاصرها حصاراً شديداً، وقطع غابات النخيل القريبة منها، إلا نخلة واحدة تركها للعبرة. فأذعن أهل المدينة إلى التسليم، على أن يؤمن واليهم ابن تفراجين، ويُسمح له أن يغادر المدينة بأهله من طريق البحر، فأوفى لهم يحيى بذلك، وفرض على المدينة إتاوة قدرها ستون ألف دينار. وكتب كاتبه أبو محمد عبد البر بن فرسان كتاباً بهذا الفتح، يشيد فيه بعود المدينة إلى الدعوة العباسية (1). وبينما كان الميورقي يتابع مغامراته، ويعمل على توطيد سلطانه في بلاد الجريد، إذ ظهر بإفريقية عامل مقلق جديد بثورة ابن عبد الكريم. وكان محمد ابن عبد الكريم الرجراجى هذا، من زعماء الجند، الذين امتازوا بالشجاعة والنجدة، وأبوه جندى من أهل المهدية، ينتمى إلى قبيلة كومية الموحدية. وكان قد ظهر في مقاتلة الأعراب وغيرهم من العناصر المشاغبة المفسدة، واستطاع في كثير من المواطن أن يقمع شغبهم وضررهم، بمن التف حوله من الجند والأنصار، فلما قوي أمره، وظهرت كفايته، قدمه الوالي لتلك المهمة، وأطلق يده في محاربة الخوارج والمعتدين، فكان يطاردهم وينكل بهم، ويقتل من يقتل، ويعتقل من يعتقل، فلا يطلقه إلا بعد دفع الأموال الكثيرة، وإعطاء العهود المؤكدة على التزام الطاعة والسكينة.
فلما وُلى الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص، من قبل الخليفة المنصور، على إفريقية، قدم على المهدية، أخاه أبا على يونس بن أبي حفص، فطالب ابن عبد الكريم أن يُشركه فيما يغنمه من أموال الأعراب المخالفين، فرفض ابن عبد الكريم تحقيق رغبته، وطلب إليه أن يتركه على ما كان عليه الولاة من قبل. فقبض عليه أبو علي وأهانه، وزجه إلى السجن، فاستغاث ابن عبد الكريم بالشيخ أبي سعيد والي إفريقية فلم يسعفه. وحدث عندئذ أن اشتد عيث الأعراب بالساحل، وكثرت الشكوى منهم، وألح الناس على أبي على أن يطلق ابن عبد الكريم، فاضطر إلى إطلاقه خشية الفتنة، ورد إليه منصبه وجنده، وأمره بالعمل على كف عيث أولئك الأعراب. فخرج ابن عبد الكريم في صحبه، وأقام محلته في ظاهر المهدية، وشكا إلى جنده ما لحقه من ظلم الوالي، وتفاهم معهم على الغدر بأبي على والاستيلاء على المدينة. ويقدم إلينا ابن الأثير تفسيراً آخر لتصرف ابن عبد الكريم، خلاصته أن جماعة من عرب بني عوف نزلوا على مقربة من المهدية، فخرج
(1) راجع رحلة التجاني ص 105 - 108
إليهم ابن عبد الكريم، فخافوا وفروا تاركين عيالهم وأموالهم، فاستولى ابن عبد الكريم على المال والعيال، وسلم العيال وجزءاً من المال والأسلاب إلى الوالي واحتفط بالباقى، فسار رؤساء بني عوف إلى الشيخ أبي سعيد، وقدموا الطاعة ووحّدوا واستغاثوا به، أن يرد إليهم أموالهم وعيالهم، فاستدعى ابن عبد الكريم وطالبه برد ما أخذ من أسلابهم، فاعتذر ابن عبد الكريم بأنه أعطاه إلى الجند ولا يستطيع رده. فأغلظ له الشيخ أبو سعيد القول، وهم أن يبطش به، فاستمهله حتى يعود إلى المهدية، ويحاول أن يسترد من الجند ما استطاع. فلما عاد إلى المهدية، نبأ صحبه بما حدث، واتفق معهم على الوثوب بأبي على يونس. وعلى أي حال فقد نفذ ابن عبد الكريم مشروعه، ودخل المدينة في أواخر الليل في ثُلة مختارة من صحبه، وبادر إلى قصر الوالي ونفذ إليه، وقبض على أبي على، وحبسه في موضع من القصر، ولم يطلقه إلا بعد أن وصل فداؤه من قبل أخيه الشيخ أبي سعيد، فارتد إلى أخيه مخذولا، وبسط ابن عبد الكريم بذلك حكمه على المهدية، وكان استيلاؤه عليها في شهر شعبان سنة 595 هـ (1)، لأشهر قلائل من ولاية الناصر.
واستبد ابن عبد الكريم بحكم المهدية، وتسمى " المتوكل على الله "، واستفحل أمره. وفي تلك الأثناء وصل السيد أبو زيد ابن السيد أبي حفص من قبل الناصر والياً على إفريقية، مكان الشيخ أبي سعيد، ومعه جماعة من الأشياخ والأجناد. فاعتزم ابن عبد الكريم أن يحاصره بتونس، قبل أن يستعد لقتاله، فسار إلى جهة قرطاجنة وعسكر عند مدخل البحر إلى البحيرة، فسير السيد أبو زيد السفن في البحر، والجند في البر لقتاله، وكان ابن عبد الكريم قد رتب كمائنه في بعض المواضع، فلما أقبل إليها الموحدون، خرجت عليهم تلك الكمائن، فأوقعت بهم الهزيمة وفتكت بمعظمهم، وانتشر عسكر ابن عبد الكريم في أحواز تونس، وعاثوا فيها نهباً. وعندئذ بعث السيد أبو زيد والشيخ أبو سعيد إلى ابن عبد الكريم، أشياخاً من الموحدين يسوقون إليه اللوم، ويذكرونه بانتمائه إلى الموحدين، وأن ما يفعله مروق ونكران لا يليق به، وأنه من الخير أن يعود إلى طائفته، فوعدهم ابن عبد الكريم خيراً، ثم عاد إلى المهدية. وكانت قد حدثت في تلك الأثناء وحشة بين ابن عبد الكريم، ويحيى الميورقي
(1) رحلة التجاني ص 350 - 352، وابن الأثير ج 12 ص 52
لما دب بينهما من عوامل التنافس والحسد، وفكر ابن عبد الكريم في محاربته ومحاصرته، وهو يومئذ بقابس، فاستخلف على المهدية ولده عبد الله وسار إلى قابس، ولكنه لما أشرف عليها بجموعه هالته منعتها، فارتد منها إلى قفصة واستولى عليها. وعندئذ خرج الميورقي من قابس لمطاردته ومحاربته، فخرج ابن عبد الكريم بقواته من قفصة، والتقى الفريقان في مكان يعرف بقصور لالة، فهزم ابن عبد الكريم، وفر إلى المهدية ناجياً بنفسه، وتبعه إليها من نجا من فلوله، واحتوى الميورقي على معسكره وجميع أسلابه. وكان ذلك في بداية سنة 597 هـ. وأراد الميورقي أن يقضى نهائياً على خصمه، وأن ينتزع منه المهدية، فبعث إلى السيد أبي زيد بتونس يسأله المهادنة والسلم، ويطلب منه أن يعينه بعدة سفن يستطيع بها محاصرة المهدية من البحر، والقضاء على ابن عبد الكريم. وكان السيد أبو زيد يتوق إلى التخلص من هذا الثائر الذي استفحل أمره، فبعث إلى الميورقي سفينتين، فعندئذ أدرك ابن عبد الكريم أنه لا مفر من التسليم، وبعث إلى الميورقي ولده عبد الله يعرض التسليم على أن يؤمن في نفسه وماله، فأجابه الميورقي إلى ذلك، وخرج ابن عبد الكريم وولده من المهدية وتوجها إلى الميورقي للسلام عليه، فلما رآهما أمر في الحال بالقبض عليهما متفرقين، واستولى على المهدية وعلى سائر ما كان بها لابن عبد الكريم من الأموال والذخائر. ثم زج بابن عبد الكريم وولده إلى السجن ولم تمض أيام قلائل حتى أخرج ابن عبد الكريم ميتاً من سجنه، ثم أخرج ولده عبد الله وحمل إلى السفينة، بزعم إرساله إلى ميورقة، ولكن السفينة ما كادت تصل إلى مقربة من قسنطينة، حتى ألقى به مكبولا إلى البحر، فابتلعته المياه (1).
وهكذا بسط يحيى بن إسحاق الميورقي حكمه على سائر إفريقية، ما عدا شاطئها الشمالي، واستولى على سائر قواعدها، طرابلس وقابس وصفاقس والمهدية والقيروان وسائر بلاد الجريد، ووصلت دعوته إلى بونة ولم يبق بيد الموحدين منها سوى تونس وبجاية وقسنطينة، وقد أصبحت كذلك في خطر السقوط. وبينما كان السيد أبو زيد والي إفريقية، ما يزال يعتقد أن الميورقي يرغب حقاً في السلم، وأنه ينوى أن يضع حداً لأعماله العدائية، إذا بالميورقي
(1) نقلنا هذه التفاصيل عن رحلة التجاني، وهي فيما يبدو أوثق الروايات عن هذه الحوادث ص 352 - 354. وراجع ابن خلدون في كتاب العبر ج 6 ص 194 و 195، وهو فيما يرجح، ينقل عن التجاني.
يسير فجأة إلى بلدة باجة الواقعة غربي تونس، وقد كانت من أخصب بلاد هذه
المنطقة وأوفرها حنطة وطعاماُ (1) ويقتحمها عنوة، ويستولي عليها، ويقتل حاكمها الموحدي على الفور. فبعث السيد أبو زيد في الحال جيشاً، تحت إمرة أخيه السيد أبي الحسن والي بجاية، لكي يعمل على إنقاذ باجة وحماية سكانها الذين عادوا إليها، وكان الميورقي قد عاد لحصارها، فلما علم بمقدم الموحدين، رفع الحصار عن المدينة وسار للقاء خصومه، وعسكر في موضع حصين بالقرب من قسنطينة، وهنالك أشرف عليه السيد أبو الحسن بجموعه، ونشبت بين الفريقين معركة هزم فيها الموحدون، واستولى الميورقي على معسكرهم وأسلابهم. وارتد أبو الحسن في بعض فلوله إلى بجاية وهو في أسوأ حال (2).
وكانت مدينة بسكرة التي استولى عليها الميورقي من قبل قد خلعت طاعته، وعادت إلى طاعة الموحدين، فسار إليها يحيى، واقتحمها عنوة، وعاقب السكان على نكثهم، بقطع أيدي الكثير منهم، وقبض على عاملها الموحدي وزجه إلى السجن. وخشى أهل بونة أن يصيبهم ما أصاب أهل بسكرة، فبعثوا إلى الميورقي بطاعتهم. ووقعت هذه الحوادث في سنة 598 هـ (1202 م)، وعاد يحيى بعد ذلك إلى المهدية فاستقر بها بعض الوقت (3). وفي خلال ذلك كان البلاط الموحدي بمراكش يتتبع أنباء الحوادث في إفريقية بمنتهى الجزع، ويحاول أن يقمع العدوان بالحملات المحلية المتوالية. فلما توالى فشل هذه المحاولات، جهز الخليفة الناصر، أو بالحرى مستشاروه من أشياخ الموحدين، حملة كبيرة ندب لقيادتها الوزير ابن يوجان، وسارت هذه الحملة إلى تلمسان ثم إلى بجاية ثم إلى قسنطينة، ولكنها لم تقم بأية محاولة لمقاتلة الميورقي، وعاد الوزير إلى تلمسان، وهنالك وصله الأمر بالنظر في أعمالها، ثم نُدب إلى ولاية فاس، وأقام بها حتى ندبه الناصر للسير معه إلى إفريقية (4).
وكان هذا التردد في مطاردة الميورقي، راجعاً إلى اضطرام ثورة جديدة في منطقة السوس. وذلك أن دعياً من أصل أندلسي، ينتمى إلى قبيلة جزولة،
(1) وهي طبعاً غير باجة بالأندلس. راجع الاستبصار في عجائب الأمصار ص 160.
(2)
المعجب ص 179.
(3)
ابن خلدون ج 6 ص 195، وكذلك: A. Bel: Les Benou Ghania، p. 113. (4)
(4)
البيان المغرب - القسم الثالث ص 214، والمعجب ص 179. هذا وتراجع خريطة إفريقية في ص 163، حيث وضحت بها سائر المواقع التي كانت مسرحاً لتلك المعارك المتوالية.
يسمى عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الفرس، ويعرف بالمهر وبأبى قصبة، كما يعرف عند البربر بما معناه " ابن الجزارة " ثار بالسوس. وكان هذا الدعى من طبقة العلماء بالأندلس. وحضر ذات يوم مجلس الخليفة يعقوب المنصور وبدرت منه بعض أقوال جدلية خشى عاقبتها، فاختفى حيناً، ثم ظهر بعد وفاة المنصور، في السوس في منازل جزولة، وانتحل الإمامة، وادعى أنه " القحطاني " الذي ورد ذكره في الحديث، بأنه لا تقوم الساعة، حتى يخرج رجل من قطحان، يقود الناس، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، ومما ينسب إليه في مصير بني عبد المؤمن شعر يقول فيه:
قولوا لأبناء عبد المؤمن بن علي
…
تأهبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء سيد قحطان وعالمها
…
ومنتهى القول والغلاب للدول
وذاعت دعوة أبي قصبة في أرجاء بلاد السوس، والتفت حوله جموع غفيرة، فبعث إليه بلاط مراكش عدة حملات صغيرة متوالية، كان يهزمها تباعاً، وأخيراً اضطر الناصر أن يجهز لقتاله حملة كبيرة من الموحدين والغز وغيرهم، وسار الموحدون إلى بلاد السوس، وأنذروا المصامدة وغيرهم من القبائل المجاورة، بأن الدعى يعتمد على تسامحهم وتغافلهم، وبذلك يقوى أمره، ولو شاءوا لقضوا عليه، فعند ذلك تحركت القبائل وانضمت إلى الجيش الموحدي القادم، في مقاتلة الدعى، فانفض عنه معظم جموعه، وقتل منهم من وقف إلى جانبه، وقُبض على الدعى وقتل، واحتز رأسه، وأرسل إلى مراكش، وكان مصرع أبي قصبة وانهيار ثورته، على هذا النحو سنة 598 هـ (1202 م)(1).
وكان من حوادث الأندلس في تلك الفترة أن عزل الناصر أخاه السيد أبا محمد عبد الله بن المنصور عن ولاية إشبيلية، ولكنه عاد فاستبقاه في منصبه تحقيقاً لرغبته، وكان ذلك في سنة 597 هـ. وفي أوائل هذا العام بالذات، وقع بإشبيلية حادث مفزع هو وقوع السيل العظيم، الذي لم يسمع بمثله من قبل، فاجتاح أجزاء كبيرة من سور المدينة، ولاسيما ما بين باب طُريانة وباب المؤذن، وغمرت المياه المدينة بأسرها، وسقط عدد كبير من دورها قيل إنه ستة آلاف، وكان من رحمة القدر أن وقع هذا السيل ظهراً، وكان وقوعه يوم الاثنين 19 من جمادى الأولى سنة 597 هـ
(1) ابن خلدون في العبر ج 6 ص 246 و 250، والبيان المغرب القسم الثالث ص 215، والمعجب ص 180
(26 مارس 1201 م) واستمر ثلاثة أيام، ولو حدث وقوعه بالليل لغرق آلاف من أهل المدينة. واجتاح هذا السيل وادي النهر الكبير كله من قرطبة إلى إشبيلية، وحتى ثغر قادس، ومات من جرائه الكثيرون غرقاً. وكان من أشنع الحوادث التي شهدتها إشبيلية من عهد طويل (1).
- 2 -
وكان الخليفة الناصر، وأشياخ الموحدين، يتأهبون في نفس الوقت لمشروع ضخم، هو افتتاح الجزائر الشرقية (جزائر البليار). وكان استمرار يحيى ابن إسحاق الميورقي في عدوانه، وتفاقم أمره في إفريقية، وفشل الحملات الموحدية المتوالية في القضاء على سلطانه، قد حمل البلاط الموحدي على أن يفكر في افتتاح ميورقة، والقضاء على سلطان بني غانية فيها، وضربهم بذلك في موطن قوتهم الأصلى، ومصدر مواردهم وأمدادهم البحرية، فيكون ذلك الفتح ذاته، وسيلة لضرب سلطان يحيى الميورقي في إفريقية، والتمهيد للقضاء على حركته.
وقد سبق أن فصلنا ظروف استيلاء بني غانية على الجزائر الشرقية، وقيام حكمهم في ميورقة، ومحاولة الخليفة أبي يعقوب يوسف أن يخضع عميدهم إسحاق ابن غانية لسلطان الموحدين، وما كان من إرساله سفيره علياً الربرتير إلى ميورقة، ليعمل على تحقيق هذه الغاية، وإخفاق الربرتير في مهمته، ثم قيام علي بن إسحاق بافتتاح بجاية، وبداية تلك الحركة المضطرمة، وتلك الحملات المخربة المتوالية، التي قام بها بنو غانية في إفريقية، واستيلائهم تباعاً على معظم قواعدها.
وكان على حكم ميورقة في ذلك الوقت الذي اشتدت فيه حركة يحيى بن إسحاق بإفريقية، أخوه عبد الله بن إسحاق بن غانية. وقد سبق أن أشرنا إلى الظروف التي استطاع فيها عبد الله أن ينتزع حكم ميورقة من أخيه محمد بن إسحاق وذلك في سنة 584 هـ (1188 م)، واستبد عبد الله بحكم ميورقة، كبرى الجزائر، وازدهرت في عهده، واستمر على رياستها طوال هذه الأعوام دون منازع. وكان عبد الله، يتبع سياسة أبيه إسحاق بن غانية في مسالمة الدول النصرانية القريبة،
(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 214. والذيل والتكملة لابن عبد الملك (الجزء الرابع من مخطوط المتحف البريطاني، في ترجمة محمد بن أحمد بن تمام العذري.
ولاسيما جنوة وبيزة، ويعقد معها الصلات الودية، وكان ذلك مما يساعد على رواج التجارة بين ميورقة وبين هذه الدول البحرية. وفي سنة 594 هـ (1198 م) عقد عبد الله مع جمهورية جنوة معاهدة صلح وتجارة لمدة عشرين عاماً، وذلك بواسطة نيقولا لاكانوتزى سفير جنوة إلى ميورقة. وكان التجار النصارى في الجزيرة، يعيشون في دعة وطمأنينة آمنين على أنفسهم وأموالهم، وتعاون جهودهم في ترويج تجارة الصادر والوارد بين الفريقين. وكان من الواضح أنه منذ اضطرمت الخصومة بن بني غانية والموحدين، لم يكن في وسع الجزائر أن تعتمد في تموينها ومواردها الحيوية على الأندلس المعادية، ومن ثم فقد كانت تسعى للحصول على مواردها من النصارى، وكان هؤلاء يمدونها بالسفن والسلاح والذخائر، مقابل الحبوب ومنتجات الجزيرة الأخرى. ومن جهة أخرى، فقد كان النصارى يجنون ثمار هذه الصلات الودية مع ميورقة، وذلك بامتناع عبد الله عن الإغارة على شواطئهم. على أن عبد الله كان ما يزال ينظم غاراته البحرية على شواطىء الدول التي لم يكن يرتبط معها بعهود الصداقة والمودة، مثل فرنسا، وكانت هذه الغارات، توطد من مكانته لدى شعبه وتزيد في ثرائه. وبالرغم من أن عبد الله لم يكن في وسعه دائماً، أن يمد أخاه يحيى بالسفن والجند، في مغامراته الإفريقية، فإن ميورقة كانت تعتبر مع ذلك بالنسبة لبني غانية، مركزهم الرئيسي وموطن قوتهم الحقيقية (1).
كانت هذه أحوال ميورقة، حينما وصلت غزوات يحيى بن غانية للثغور الإفريقية إلى ذروتها، وحينما اعتزم البلاط الموحدي أن ينفذ مشروعه لغزو ميورقة، كوسيلة لضرب بني غانية في صميم مثوى قوتهم وسلطاتهم. وكان الموحدون يرون أنه متى سقطت ميورقة في أيديهم، فإنهم يستطيعون عندئذ أن يتفرغوا لمطاردة يحيى بن غانية والقضاء على سلطانه في إفريقية، دون أن يكون أمامه ملاذاً وملجأ أخيراً يتجه إليه.
وبذل الخليفة الناصر وأعوانه من أشياخ الموحدين جهوداً مضاعفة لإعداد حملة بحرية عظيمة توجه لغزو ميورقة. وفي تلك الأثناء، وقبل أن يتم إعداد الحملة، عمد عبد الله بن إسحاق بن غانية إلى مهاجمة جزيرة يابسة الواقعة جنوب
(1) A. Bel: Les Benou Ghania، p. 118 & 119
غربي ميورقة محاولا انتزاعها من الموحدين، وكان ذلك في أوائل سنة 597 هـ، خلال فصل الشتاء، حينما تكون الأساطيل الموحدية راسية في سبتة، فقاومته السفن الموحدية المرابطة بقيادة ابن ميمون، وانتزع ابن ميمون منه سفينتين وأحرقهما، فارتد إلى ميورقة خائباً. ولكنه سار في العام الثاني (598 هـ)، وهاجم جزيرة مِنورقة وانتزعها من أيدي الموحدين، وولي عليها من قبله رجلا اسمه الزبير بن نجاح. والظاهر أن عبد الله كان قد ترامت إليه الأخبار عن مشروع الموحدين في غزو ميورقة، فأراد أن يبادر بإبعادهم عن هذه المياه، وتأمين ميورقة بالسيطرة على منورقة ويابسة جناحيها من الشرق والغرب.
وأخيراً تم إعداد الحملة البحرية المنشودة، مكونة من أسطول سبتة بقيادة السيد أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، ومن جيش من الفرسان والرماة والرجالة، بقيادة الشيخ أبي سعيد بن أبي حفص. والتقت القوتان بثغر دانية، أقرب قواعد الأندلس البحرية إلى الجزائر. وكانت القوي البرية تتألف من ألف ومائتى فارس، وسبعمائة من الرماة، وخمسة عشر ألفاً من الرجالة غير غزاة القطع (أي السفن). وكان الأسطول يتكون من ثلاثمائة جفن (سفينة) منها سبعون غراباً، وثلاثون طريدة، وخمسون مركباً كباراً، ومائة وخمسون قارباً من مختلف الأنواع، وكانت الحملة مزودة بكميات كبيرة من العدد والسلاح والمجانيق والسلالم، ومختلف الأدوات، وكذلك من الدروع والسيوف والرماح والبيضات والدرق، والقسىّ، وصناديق النشاب، وكانت بالأخص مزودة بكميات وافرة من الطعام استعداداً لطول المقاومة أو طول الحصار. وأقلعت الحملة من ثغر دانية في أواخر سنة 599 هـ (1203 م)، فوصلت بعد أيام قلائل إلى جزيرة يابسة، فصلوا بها الجمعة، ثم أقلعت منها يوم السبت الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة (سبتمبر سنة 1203) قاصدة إلى ميورقة (1). ويبدو مما يقوله صاحب البيان المغرب، أن السيد أبا العلاء، قد انحرف أولا بجزء من الأسطول نحو جزيرة منورقة، وانتزعها من ابن نجاح، وقبض عليه، وأرسله مع بعض صحبه مصفداً إلى الحضرة، وهنالك أعدم وعلقت رأسه (2). وبذلك تم تأمين جناحى الحملة الموحدية، وتطويق ميورقة كبرى الجزائر. ثم أقبلت
(1) نقلنا هذه التفاصيل عن صاحب الروض المعطار (ص 189) وهو ينفرد بها.
(2)
البيان المغرب - القسم الثالث ص 216.
السفن الموحدية إلى ميورقة واحتلت مرساها، وأنزل العسكر المهاجم بالقرب من مدينة ميورقة عاصمة الجزيرة، فخرج إليهم عبد الله بن إسحاق في جموعه، واضطرم القتال بين الفريقين، واستمرت المعارك بينهما سبعة أيام، وعبد الله وجنوده يدافعون بمنتهى الشدة ويقاتلون قتال اليأس، وأخيراً دارت عليه الدائرة فهزم وقتل ومعظم أصحابه. وأغلق المدافعون في الداخل أبواب المدينة فطوقها الرماة وغزاة البحر، واقتحموها، ودخلها الموحدون وبدأوا بنهبها، ودخل السيد أبو العلاء والشيخ أبو سعيد المدينة، وأمامهما رأس عبد الله مرفوعة على قناة، فأمر في الحال بمنع النهب، وتأمين الناس، وقبض على أولاد عبد الله وأهله، فخرج الناس، وقد أمنوا واطمأنوا، وكُتب في الحال بالفتح إلى الخليفة الناصر. وكان فتح ميورقة على هذا النحو في شهر ربيع الأول سنة ستمائة (شهر ديسمبر سنة 1203 م)(1).
تلك هي تفاصيل الفتح الموحدي لميورقة حسبما يوردها لنا صاحب الروض المعطار، وحسبما تقصها علينا رسالة الفتح الصادرة عن الخليفة الناصر، والمدبجة بقلم كاتبه أبي عبد الله بن عياش. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن الحملة الموحدية لفتح ميورقة كانت بقيادة الخليفة الناصر نفسه، وأنه خرج من مدينة فاس فوصل إلى جزائر بني مزغنة، وجهز من هنالك الأساطيل والعساكر لفتح ميورقة، ففتحها وانتزعها من أيدي المرابطين (2). بيد أنه لا توجد أية رواية أخرى تؤيد هذا القول، فضلا عن أن رسالة الفتح الرسمية صريحة قاطعة في عدم صحته. ويقدم إلينا ابن خلدون إسمى قائدى الحملة وهما كما تقدم السيد أبو العلاء إدريس قائد الأسطول، والسيد أبو سعيد بن أبي حفص قائد القوي البرية (3). ويقول لنا صاحب البيان المغرب إن الناصر كان في الوقت الذي سارت فيه الحملة الموحدية إلى الجزائر مقيماً بحضرة مراكش (4).
وندب السيد أبو العلاء لولاية الجزائر عبد الله بن طاع الله الكومي، فكان
(1) الروض المعطار في روايته السابقة الذكر ص 189، وراجع الرسالة السادسة والثلاثين من رسائل موحدية، وهي خاصة بفتح ميورقة (ص 235 وما بعدها)، وكذلك روض القرطاس ص 153.
(2)
روض القرطاس ص 153، ويتابعه في ذلك الأستاذ الفرد بل: Les Benou Ghania، p. 167
(3)
ابن خلدون في العبر ج 6 ص 247.
(4)
البيان المغرب - القسم الثالث ص 218.
أول ولاتها من الموحدين، وعين لقضائها الفقيه المحدث عبد الله بن حوط الله. ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد بن أبي يعقوب يوسف، وندب ابن طاع الله لقيادة البحر.
وكان فتح الموحدين لميورقة ضربة شديدة لبني غانية، قضت نهائياً على سلطانهم في الجزائر، ومن جهة أخرى فقد كان له وقع عميق لدى الممالك النصرانية القريبة، ولاسيما مملكة أراجون المواجهة في شبه الجزيرة. وإلى هذا تشير رسالة الفتح صراحة بقولها " ولأخذُ ميورقة على صاحب أرغون وبرشلونة، أشدُّ من رشق النبل وأهول من وقع السيف، وأوحش من القطع بحلول الممات " وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يتبعه بنو غانية من سياسة المسالمة والمودة نحو الدول النصرانية المجاورة، ولاسيما مملكة أراجون وجمهوريتى جنوة وبيزة. وكانت تجمع بين بني غانية أصحاب الجزائر وبين أراجون بالأخص فكرة مشتركة، هي خصومة الموحدين والكفاح ضدهم وكانت أراجون وحليفاتها من الدول النصرانية لذلك، تنظر إلى سيادة بني غانية للجزائر بعين الإغضاء، ما التزم بنو غانية سياسة المودة والمسالمة. أما الآن، وقد احتل الموحدون الجزائر، فإنه كان لابد للدول النصرانية، وفي مقدمتها أراجون أن تتخذ نحو الجزائر موقفاً آخر. ومن المحقق أن أراجون ومن ورائها جنوة وبيزة كانت تطمع دائماً إلى انتزاع الجزائر من المسلمين. وقد جاء استيلاء الموحدين على الجزائر عاملا جديداً، يذكى هذه الرغبة ويؤكدها. على أن ظفر الموحدين بالاستيلاء على الجزائر، كانت تقابله من الناحية الأخرى، ضربة جديدة مؤلمة الموحدين في إفريقية. ذلك أن يحيى بن إسحاق بن غانية، كان يشعر حين ترامت إليه أنباء الحملة الموحدية، التي سيرت إلى الجزائر، أن مصير ميورقة قد بت فيه، وأنه لم يبق لبني غانية إلا أن يعملوا على توطيد أمرهم بإفريقية، وأنه لابد لتحقيق هذه الغاية أن يسحق سلطان الموحدين نهائياً في تلك المنطقة. وكان يحيى قد ظفر عندئذ بالاستيلاء على المهدية، والقضاء على خصمه ابن عبد الكريم. ففكر عندئذ في الاستيلاء على تونس عاصمة إفريقية. وكانت سائر الثغور الشرقية، وسائر القواعد الجنوبية القريبة من تونس قد سقطت في يد يحيى، وجردت العاصمة من سائر مواردها المعتادة، وكان والي إفريقية السيد أبو زيد لا يحتكم على قوي كافية للدفاع. ومن جهة أخرى، فإن انشغال الموحدين في نفس
هذا الوقت بالذات، بتسيير حملتهم الكبيرة إلى الجزائر، كان يحول دون إرسالهم الأمداد العاجلة إلى إفريقية. ومن ثم فإن الظروف كلها كانت مؤاتية لمشروع يحيى الميورقي. فاستعمل على المهدية ابن عمه علي بن الغانى بن عبد الله بن محمد ابن غانية ويعرف بالكافى. وسار في قواته وعُدده صوب تونس، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة سنة 599 هـ، ونزل بالجبل الأحمر في ظاهر تونس، ونزل أخوه الغازى بن إسحق بالموضع المعروف بحلق الوادي حيث يتصل البحر بالبحيرة شرق المدينة، فردم المجرى الموصل بينهما وجعله أرضاً يابسة، ورتب عليه الحرس، وقطع بذلك سير القوارب الداخلة إلى المدينة والخارجة منها، ثم تحول إلى قبلى المدينة، على مقربة من باب الجزيرة وردم الخندق المواجه له، ونصب أمام الباب المجانيق وآلات الحرب، وضرب الميورقيون حول تونس حصاراً صارماً، ولم يجرؤ الموحدون على الخروج من المدينة، والاشتباك مع العدو في أية معركة، لقلة عددهم، وضآلة مواردهم. واستمر هذا الحصار المرهق أربعة أشهر. وفي يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر سنة ستمائة (15 ديسمبر سنة 1203 م)، اقتحم يحيى في قواته البلد، وقبض على واليها السيد أبي زيد وولديه، وجماعة من أشياخ الموحدين، وثقفوا بمكان بداخل القصبة تحت حرس قوي، وأعلن يحيى الأمان لأهل تونس في أنفسهم وأملاكهم، ولكنه فرض عليهم غرامة قدرها مائة ألف دينار، قال إنها هي مقدار ما أنفقه في الاستيلاء عليها، وقُسّطت هذه الغرامة على أهل المدينة وفق أحوالهم المادية، وعهد باقتضائها إلى كاتبه الأثير ابن عصفور، وإلى أبي بكر بن عبد العزيز السكاك من أهل المدينة، فاشتطا في تحصيل المال، ولحق الناس من ذلك منتهى الإرهاق والعنت، وقتل منهم كثير بسبب ذلك، وانتحر إسماعيل بن عبد الرفيع المقدم على قبض مال المخزن وغيره من الناس، فلما علم الميورقي بذلك، أمر برفع ما بقى من الغرامة عن الناس، ونودى فيهم بالأمان. وعلم الميورقي بعد ذلك أن أهل جبل نفوسة توقفوا عن أداء الإتاوة المفروضة عليهم، وكان أهل هذه المنطقة معظمهم من الخوارج، وكانوا يبغضون نير الموحدين ونير بني غانية معاً، ويثورون من آن لآخر محافظة على استقلالهم. فخرج إليهم يحيى بنفسه، واستصحب معه السيد أبا زيد وزملاءه من الموحدين المعتقلين، مبالغة في التحفظ عليهم، وفرض على أهل نفوسة ألفى ألف دينار. ولما انتهى من اقتضائها منهم
بوسائله المروعة، عاد إلى تونس واستقر بقصبتها (1).
- 3 -
وهكذا تم ليحيى بن إسحاق الميورقي الاستيلاء على عاصمة إفريقية، ولم يبق بيد الموحدين من إفريقية، بعد أن سقطت جميع قواعدها الشرقية والداخلية في يد الميورقي، سوى ثغر بجاية، وما يليه غرباً. وكان لسقوط تونس، وما اقترن به من أسر واليها وزملائه من أشياخ الموحدين، وقع عميق في بلاط مراكش. وكان مما يضاعف هذا الوقع، ما يرتكبه الميورقي باستمرار من ضروب العيث والقمع والقسوة، في مختلف القواعد التي يسيطر عليها. وكان الموحدون، بعد أن ظفروا بالاستيلاء على ميورقة، وجردوا بني غانية بذلك من ملاذهم ومركز سلطانهم في الأندلس، يرون أن الوقت قد حان للقضاء على سلطانهم بإفريقية، وتحريرها من نيرهم ومن عيثهم، واسترداد سلطان الموحدين، والعمل على توطيد هيبتهم في تلك الأنحاء. بيد أن الموحدين كانوا يشعرون في نفس الوقت بفداحة هذه المهمة، ومن ثم فإن الخليفة الناصر حينما شاور الأشياخ في ذلك الأمر، رأى معظمهم أن يكتفي بمسالمة ابن غانية والاتفاق معه، ولكن أبا محمد بن الشيخ أبي حفص أشار بوجوب السير إلى إفريقية، ومحاربة ابن غانية، ووافق الناصر على هذا الرأي.
وكان الناصر في الوقت الذي سار فيه الموحدون لفتح ميورقة، أعني في سنة ستمائة، يقيم بحضرة مراكش، ويعنى بشئون الأندلس الإدارية والعسكرية، وكان من أهم ما عنى بذلك إرسال الأوامر المؤكدة إلى سائر ولاة الأندلس بالنظر في صنع الآلات الحربية. ففي شهر المحرم من هذا العام، وصل الأمر إلى إشبيلية بضرب الآلات وشراء الدروع المحكمة. وفي شهر ربيع الأول ندب الناصر عمه السيد أبا إسحق بن يوسف بن عبد المؤمن لولاية إشبيلية، مكان الشيخ أبي عبد الله ابن يحيى، الذي نقل إلى ولاية بسطة. ووُلّى السيد أبا محمد عبد الواحد بن يوسف ابن عبد المؤمن على مدينة شلب وبلاد غربي الأندلس، والشيخ أبا يحيى بن أبي سنان على مدينة بطليوس وجهاتها. وندب أبا عبد الله بن عبد السلام الكومي لقيادة أسطول سبتة. وفي نفس العام وصل إبراهيم بن الفخار اليهودى رسول
(1) رحلة التجاني ص 354 - 356، وابن خلدون ج 6 ص 195 و 248.
ألفونسو التاسع ملك قشتالة ووزيره، إلى مراكش، يطلب تجديد المهادنة. فلما ترامت الأنباء بسقوط تونس في يد الميورقي، واشتداد عيثه وبطشه بأنحاء إفريقية، وعقد الخليفة الناصر عزمه على محاربته والقضاء على سلطانه، أعدت حملة موحدية جديدة للسير إلى إفريقية، وصدرت الأوامر إلى الأسطول بالسير من سبتة إلى مياه إفريقية، وعين لقيادة وحداته أبويحيى بن أبي زكريا الهزرجى. وكان يحيى الميورقي في ذلك الوقت بالذات، ما يزال ينزل ضرباته بمختلف أنحاء إفريقية، وكان بعد أن قام بإخماد ثورة أهل جبل نفوسة، قد سار إلى ناحية طرّة قاعدة بلاد نفزاوة لإخماد ثورتهم أيضاً، فاقتحم أحياءهم، واشتد في معاقبتهم، وقتل جنده كثيراً منهم، وأضرموا النار في دورهم، ثم سار إلى حمة مطماطة، ففعل بأهلها مثل ذلك، وضجت هذه الأنحاء كلها من سفكه وشديد عيثه (1).
هذا وبينما الميورقي سادر في هذا العيث والسفك، إذ بلغته الأنباء باقتراب القوات الموحدية، وعلى رأسها الخليفة الناصر. وكان الناصر قد غادر مراكش على رأس قواته في أواسط جمادى الآخرة سنة 601 هـ (فبراير سنة 1205 م) وسار إلى رباط الفتح قاعدة تجمع الجيوش الموحدية. ثم غادر رباط الفتح في قواته متجهاً صوب إفريقية، وكانت وحدات الأسطول الموحدي، تسير في نفس الوقت بحذاء الشاطىء، صوب بجاية وتونس، بقيادة أبي يحيى بن أبي زكريا الهزرجى. فلما علم الميورقي باقتراب الأسطول الموحدي من تونس، ووصول الجيش الموحدي إلى بجاية، وأدرك أنه لا قبل له بالصمود أمام هذه القوي الجرارة جمع أمواله وذخائره، وأرسلها إلى المهدية، لتكون تحت حراسة ابن عمه على ابن الغانى، ثم بادر بإخلاء تونس، وارتد في قواته جنوباً، فوصل إلى القيروان وأقام بها أياماً، وهو يجد في الأهبة، ثم سار إلى قفصة، وهنالك استدعى طوائف العربان، وبذل لهم الأموال والوعود، وأخذ مواثيقهم ورهائنهم على مناصرته والقتال معه. ووقف الموحدون على انسحاب الميورقي من تونس، فنزلتها القوات البحرية الموحدية، وقتلوا كل من وجدوه بها من أتباع الميورقي، وأصدر قائد الأسطول الأمان لأهلها. ولما علم الناصر باستيلاء قواته على تونس، وفرار الميورقي في قواته نحو الجنوب، سار في أثره
(1) رحلة التجاني ص 356.
صوب قفصة. فسار الميورقي في قواته إلى جبل دمّر، وتحصن به. وسار الناصر إلى قفصة، فأقام بها أياماً، ثم توجه إلى قابس وندب لها عاملا من قبله. وكان يحيى الميورقي قد قرر أن يركز مقاومته الأخيرة في المهدية، فضاعف تحصيناتها، وشحنها بطائفة من قواته المختارة، ووكل الدفاع عنها لابن عمه علي بن الغازى. واستعد هو للقاء القوات الموحدية بمكانه الحصين من جبل دمّر، وقرر الموحدون من جهة أخرى مطاردة الميورقي في مركزى مقاومته في وقت واحد، فسار الناصر بنفسه لمحاصرة المهدية، وطوقها بقوات كثيفة من الموحدين والعرب، ونصب عليها المجانيق، وسار إليها الأسطول الموحدي ليحاصرها من ناحية البحر. وبعث الناصر في نفس الوقت جانباً من القوات الموحدية يحتوى على أربعة آلاف فارس بقيادة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص لمقاتلة الميورقي في جبل دمّر، فلما أشرف الموحدون على محلته، وشهد ضخامة عددهم، أراد الفرار بقواته في البداية، ولكن ضباطه شجعوه على الثبات وخوض المعركة، فنشبت بين الفريقين فوق جبل صغير يعرف برأس تاجْرَا، على مقربة من وادي مجسر، جنوب شرقي قابس (1) معركة دموية عنيفة، استمرت نحو ثلاث ساعات ودارت فيها الدائرة على الميورقي وأصحابه، فقتل وأسر معظمهم، وكان بين القتلى أخوه جبارة، وكاتبه علي بن اللمطى، وعامله الفتح بن محمد؛ وفر يحيى مع جماعة قليلة من صحبه، وكان قد ترك ولده وأهله في موضع بعيد عن مكان المعركة فصحبهم في فراره، وأنقذوا بذلك من الأسر، واستطاع الشيخ أبو محمد القائد المظفر أن ينقذ السيد أبا زيد وأصحابه أحياء من أسر الميورقي، وكان الموكل بالسيد أبي زيد على وشك أن يجهز عليه، واستولى الموحدون على محلة الميورقي، ورايته العباسية السوداء، وسائر ما كان بالمحلة من الأموال والأسلاب والإبل، وكانت غنيمة وافرة تحتوي على ثمانية عشر ألفاً من أحمال المال والمتاع والآلات، وحمل ذلك كله إلى الخليفة الناصر، وهو تحت أسوار المهدية، وكان بين الأسرى الأمين الموكل بثقاف السيد أبي زيد، فشهر به فوق جمل عال، وبيده الراية السوداء؛ ووقعت هذه الهزيمة الساحقة بالميورقي بجبل تاجْرا في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول سنة 602 هـ (17 أكتوبر سنة 1205 م)(2).
(1) تراجع خريطة إفريقية المنشورة في ص 163 ففيها بيان لمواقع هذه المعركة.
(2)
رحلة التجاني ص 357 - 359، وروض القرطاس ص 123 و 124، والبيان المغرب القسم الثالث ص 220 و 221، وراجع أيضاً: A. Bel: Les Benou Ghania، p. 129
وكان الموحدون في تلك الأثناء يضاعفون جهودهم للضغط على المهدية، وإرغامها على التسليم. وكان يحيى الميورقي، توقعاً لهذا الحصار، قد بالغ في اتخاذ الأهبة، وشحن المهدية بالرجال والمؤن. وكان حاكم المدينة علي بن الغازى جندياً جريئاً، ومدافعاً قوي الشكيمة، فبذل جهوداً عنيفة لرد المحاصرين، وخرج لقتالهم عدة مرات، وفي كل مرة يوقع بهم ويحرق مجانيقهم وآلاتهم ويسبب لهم خسائر شديدة، واضطر الموحدون إزاء ذلك إلى الإكثار من المجانيق والآلات، وإعداد السلالم والأبراج العالية للإشراف على المدينة، ومضاعفة الحشود حولها، واستمر الأمر على هذا المنوال، حتى وقعت معركة رأس تاجْرا، وهزم يحيى وألجىء إلى الفرار، وحمل الموحدون الغنائم والعلم الأسود إلى الناصر تحت أسوار المهدية، وقاموا بتبريز الغنائم، وتوزيعها بمشهد ظاهر من أهل المدينة المحصورة، ومع ذلك فإن الغازى وصحبه لبثوا حيناً غير مؤمنين بهزيمة يحيى، واستمرت المعارك بينهم وبين المحاصرين وقتاً، وجمع الناصر المجانيق على جهة واحدة من السور، وشدد في ضرب المدينة، فكثر القتلى والجرحى من أهلها، واضطر الغازى وصحبه أخيراً إلى طلب الأمان والتسليم، على أن يُسمح لهم باللحاق بيحيى، فوافق الناصر على طلبهم، وسلمت المدينة للناصر في اليوم السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 602 هـ (11 يناير سنة 1206 م) وغادر علي بن الغازى - وكان الموحدون يسمونه بالحاج الكافر - المدينة مع صحبه، ونزل بموضع قريب منها بنية اللحاق بيحيى، ولكنه عاد في اليوم التالي، فعدل عن هذه النية، وبعث إلى الناصر يعلن طاعته ودخوله في الدعوة الموحدية، فاغتبط الناصر بتوحيده، واستدعاه إليه، وغمره بعطفه وإكرامه، وصحبه معه فيما بعد إلى مراكش، ولما عبر الناصر البحر بعد ذلك إلى الأندلس بقصد الجهاد، سار علىٌّ معه، واشترك مع الموحدين في معركة العقاب، وقتل ضمن من قتل منهم (1).
وفي يوم عشرين من جمادى الأخرى، غادر الناصر المهدية، بعد أن عفا عن سائر أهلها، من المقاتلين وغيرهم، وأمر بترميم أسوارها، وتنظيم أمورها، وعين لها والياً هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن يغمور الهنتاني، وعين لولاية طرابلس عبد الله بن إبراهيم بن جامع. ثم سار إلى تونس، ومنها أصدر كتب الفتح، واستقر بها بقية عام اثنين وستمائة، ومعظم العام التالي.
(1) رحلة التجاني ص 358 و 359، وروض القرطاس ص 153 و 154، والبيان المغرب القسم الثالث ص 220 و 221 و 223.
- 4 -
وهكذا انتهت هذه المعركة العنيفة الشاملة، بسحق يحيى بن إسحاق الميورقي، وسحق سلطان بني غانية في إفريقية، واسترداد الموحدين لسلطانهم وهيبتهم، في تلك المناطق الغنية الآهلة. وكان قد مضى نحو ربع قرن، منذ نفذ بنو غانية أصحاب الجزائر الشرقية، مشروعهم في مهاجمة إفريقية، واتخاذها مسرحاً للصراع ضد الموحدين خصوم الدولة المرابطية والمنتزعين لتراثها، ومنذ استولى عميدهم علي بن إسحاق بن غانية الميورقي، على ثغر بجاية في سنة 580 هـ (1184 م) في أوائل عهد الخليفة المنصور. وقد تتبعنا حركات بني غانية ومغامراتهم في إفريقية من ذلك التاريخ، وأتينا على فتوحاتهم المتوالية للقواعد والثغور الإفريقية، وعلى ما نشب بينهم وبين الموحدين، في مختلف المواطن والتواريخ، من معارك مريرة مستمرة. ولقد كان بنو غانية رجال حرب وسياسة معاً، يبغون افتتاح الأقطار، وبسط السيادة والسلطان على ما يفتحونه من الأراضي، ولكن كانت تحفزهم إلى خوض هذه المعارك مع الموحدين مشاعر ومثلٌ خاصة، فقد كانت تجثم وراء هذه المعارك والفتوحات المتوالية، إلى جانب شهوة السلطان والملك، رغبة مضطرمة في تقويض أسس الدعوة الموحدية، والقضاء على سلطان الموحدين. وكانوا يرون الدعوة الموحدية، دعوة ختل وخداع، ويعتبرون الموحدين غاصبين آثمين، استولوا بغير حق ولا سند شرعى، على تراث الدولة المرابطية غدراً وظلماً، ويعتبرون المرابطين سادتهم وحماتهم الأوائل، وبنى قبيلهم وجلدتهم، مجاهدين شهداء، يجب الانتقام لهم، والانتصاف لحقهم المغصوب.
كانت هذه العواطف والمثل هي التي تحرك بني غانية في البداية إلى شهر صراعهم ضد الموحدين في إفريقية، ولكنهم بعدما تحقق لهم الظفر في ذلك الصراع، وبعد أن استولوا على معظم القواعد والثغور الإفريقية، ونعموا بالملك والسلطان، وامتلأت أيديهم من الأموال والغنائم، تحولوا إلى فئة من المغامرين، تقصد قبل كل شىء إلى تحقيق الغُنم والسلطان بأى الوسائل، وتضاءل لون المعركة المذهبي والمثالى شيئاً فشيئاً، واستحال إلى صراع مادي على امتلاك ملك المنطقة الغنية الآهلة - إفريقية - وانتزاعها من أيدي الموحدين، لتغدو غنماً لبني غانية. وقد أسفر هذا الصراع عن تحقيق أمنية بني غانية كاملة، واستطاع
يحيى بن غانية، بعد فترة قليلة من مصرع أخيه علي بن غانية، أن يفتتح سائر القواعد والثغور الإفريقية - القيروان وسوسة والمهدية وصفاقس وقفصة وبلاد الجريد، وجبل نفوسة وطرابلس وغيرها، وانتهى أخيراً بأن افتتح تونس ذاتها، وتغلب على خصومه من الغز في المنطقة الشرقية، وسحق سائر الحملات الموحدية التي وجهت لقتاله، ولم يبق بيد الموحدين من إفريقية سوى بجاية، وما يليها من الشاطىء.
على أن هذه المملكة العظيمة، التي استطاع يحيى بن غانية أن يبسط عليها سلطانه، لم تكن وحدة متماسكة متناسقة، فقد كان سكانها يتألفون من عناصر مختلفة متنافرة، من العرب والبربر، وكان من بينها في الجنوب في جبل نفوسة، وما يليه، طوائف من الخوارج لا تدين بالولاء لأحد. ولم يكن يحيى بن غانية بالرغم من براعته وبسالته كجندى وقائد، يتصف بشىء من المقدرة الإدارية والنظامية، ولم يستطع بالرغم من ظفره على خصومه في معظم المعارك التي خاضها، أن ينشىء في البلاد التي افتتحها أية نوع من الحكومة المنظمة، بل كان يجرى في حكمها على نوع من الارتجال الخطر، وكانت أساليبه في الحكم هي أساليب الطاغية المطلق، أعني حكم عسف وهوى، لا يعرف معنى للحق والعدل، فلم يكن ثمة في ظله ضمان للنفس أو الأموال أو الحرم، بل كان يتميز قبل كل شىء بالقتل والغصب واستباحة الحُرم، وعلى الجملة، فلم تكن حكومة الميورقي، وعماله في تلك الأقطار، سوى حكومة عصابات ناهبة تعتمد في تدعيم سلطانها على الإرهاب المطبق. وكان يحيى لا يدخر وسعاً في استلاب المال بكافة الوسائل، ينفق منه على حملاته ومشاريعه الحربية التي لا تنتهي، ويبذل الوفير لأحلافه من طوائف الأعراب القُلّب الذين لا يخبو لهم جشع. وقد رأينا ما كان من بالغ جشعه واشتطاطه في فرض الغرامات على أهل تونس، وجبل نفوسة، وما اقترن باقتضائها من رائع السفك والتقتيل.
وقد كان حريًّا بمثل هذا الحكم أن يثير بغض سائر المحكومين ومقتهم وأن يحفزهم إلى ترقب انهياره والخلاص منه. وهكذا كان سلطان بني غانية، يقوم على بركان من البغض الخطر، الذي لا يلطف منه أي عطف أو ولاء. وبالرغم من أن حكم الموحدين لإفريقية لم يكن حكماً مثالياً، فقد كان على الأقل حكماً نظامياً، في معنى من المعانى، وكان بعيداً عن مثل هذه الفظائع، التي كانت تصم حكم
بني غانية باستمرار، ومن ثم فإنه لم يكن غريباً أن يتوق أهل المدن الإفريقية إلى عودة الحكم الموحدي، وأن يستقبلوا الجيوش الموحدية بالترحيب والرضى، وأن يبتهجوا لسقوط الميورقي وانهيار سلطانه.
تلك هي الظروف والعوامل التي اجتمعت لتقوض سلطان بني غانية في إفريقية، ولتحول انتصارات يحيى الميورقي وفتوحاته، إلى حملات ناهبة غير مستقرة الدعائم، ولتجعل من حكمه لتلك المملكة الغنية الشاسعة، حكم عصابة مغامرة، ولتحمل إليه في النهاية عوامل الانهيار والسقوط.
على أن يحيى الميورقي، بالرغم من هزيمته الساحقة في جبل تاجرا، ومن فقده لأمواله وعتاده، ومعظم صحبه، وفراره في فلوله شريداً إلى الصحراء الجنوبية، لم ييأس مع ذلك، ولم تتكسر نفسه الوثابة، ولم تخب قواه المعنوية، ولم يعتبرها كلمة الفصل النهائية، في معركته مع الموحدين، وسوف نراه عما قريب ينزل إلى ميدان النضال والصراع مرة أخرى، مزوداً بقوى جديدة، وآمال جديدة.
- 5 -
كان أهم ما عنى به الناصر خلال إقامته بتونس، هو أن يتخذ كل إجراء ممكن، لتأمين إفريقية، وتوطيد سلطان الموحدين بها، والحيلولة دون قيام أمر بني غانية مرة أخرى. وكان يحيى الميورقي على أثر هزيمته الساحقة في موقعة تاجرا، قد فر في فلوله حسبما تقدم إلى الواحات الجنوبية، بيد أنه لم يكن ثمة ما يدل على أنه قد سحق بصورة نهائية. ومن جهة أخرى فقد كانت توجد ثمة طوائف أخرى من البربر والأعراب في الجهات الجنوبية، دائبة الشغب والعصيان. ففي شهر صفر سنة 603 هـ، وجه الناصر وهو ما يزال بتونس حملة موحدية جديدة، تحت إمرة أخيه السيد أبي إسحق، إلى الأطراف الجنوبية لاستئصال أهل الشر والفساد، فسارت هذه الحملة، وهي تتقصى آثار " الأشقياء " شرقاً وغرباً، حتى وصلت إلى أحواز طرابلس، وقامت بردع بني دمر، ومطماطة، ووصلت إلى آخر جبال نفوسة، وهي تعمل على مطاردة العناصر المشاغبة وسحقها، ثم عادت إلى تونس بعد أن قامت بتأدية مهمتها، دون أن تلقى معارضة أو مقاومة (1).
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 223 و 225.
على أن أنجع إجراء اتخذه الناصر لتأمين إفريقية هو إسناده ولايتها إلى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاني، وهو الظافر في معركة تاجرا. وكان أبو محمد يومئذ عميد أشياخ الموحدين، وأعلاهم مكانة، وأشدهم نفوذاً لدى الخليفة. وكان يمت إلى الخليفة بصلة النسب الوثيق، إذ كان متزوجاً أخته إبنة الخليفة المنصور. وكان الناصر يثق بحكمته، وسديد رأيه ووافر مقدرته. وقد اعتذر أبو محمد بادىء ذي بدء عن قبول هذا المنصب، وشعر أنه نوع من الإبعاد له عن البلاط، والمشاركة في الجليل من الشئون، فبعث الناصر إليه ابنه وولىّ عهده الفتى يوسف، ليقنعه بالقبول. ويفصل لنا التجاني في رحلته، ما قاله ولى العهد للشيخ، وما نوه به من أهمية إفريقية، وما ضحى به الموحدون في سبيلها من المال والرجال، وأن الخليفة لم يجد عن اختيار الشيخ معدلا، وقد أكبر الشيخ حركة الخليفة ومقدم ولى عهده، فأبدى قبوله لولاية إفريقية، بشروط خلاصتها أنه لا يبقى في منصبه إلا بقدر ما تصلح أحوال إفريقية، وينقشع خطر الميورقي عنها، وهو يقدر لذلك ثلاث سنين، وأن يختار من قوات الجيش من يرى بقاءهم معه، وألا يُسئل عن تصرفاته كائنة ما كانت، وأن يُخير في أمر الولاة الذين اختارهم الخليفة لبلاد إفريقية، فيبقى من يشاء ويعزل من يشاء، فقبل الناصر كل شروطه. ثم أزمع الرحلة إلى المغرب، فغادر تونس في السابع من شهر شوال سنة 603 هـ، وصحبه الشيخ أبو محمد مدى ثلاثة أيام. وحدث عند خروج الناصر أن مثل بين يديه أهل تونس وأبدوا له خوفهم، من أن يعود الميورقي إلى عدوانه، بعد سفره، فاستدعى الناصر أعيانهم، وطمأنهم بوجود الشيخ أبي محمد على رأس الولاية، وأنه آثرهم بوجوده رغم شدة حاجته إليه، فاطمأن الناس لقوله واستبشروا بولاية الشيخ (1).
وسار الناصر أولا إلى تلمسان، فوصل إليها في أوائل شهر ذي الحجة، واستقر بها وقتاً، وأنفذ منها الأوامر إلى ولاة إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبسطة وألمرية ومرسية، لموافاته مع أتباعهم، وكان عند خروجه إلى غزوته في إفريقية، قد أمر بعزل السيد أبي إسحق عن ولاية إشبيلية، وقدم عليها أخاه السيد أبا موسى. وقضى أيام عيد النحر بتلمسان، وبقى بها حتى نهاية ذي الحجة، ثم غادرها إلى مدينة فاس، ونزل بها في أوائل شهر المحرم سنة 604 هـ، واستأنف بها النظر في
(1) رحلة التجاني ص 361 و 362، وابن خلدون ج 6 ص 248 و 249.
الأعمال، وشكا إليه أهل فاس من مظالم عاملهم أبي الحسن بن أبي بكر، كما شكا إليه أهل مكناسة من مظالم عاملهم أبي الربيع بن أبي عمران، فأمر بالقبض عليهما، واستصفاء أموالهما، ثم رحل إلى مكناسة، ونزل بها في صفر، وأصابته هنالك وعكة، يبدو أنها كانت من أثر مرض وبائى فشا ببلاد الأندلس وانتقل إلى العدوة. فلما تماثل للشفاء، غادر مكناسة إلى رباط الفتح، فوصل إليها في شهر ربيع الأول، ثم رحل منها مباشرة، إلى مراكش، فوصلها بعد أيام قلاثل (1).
وما كاد الناصر يستريح من وعثاء السفر، حتى عاد إلى النظر في الأعمال السلطانية، فقدم أبا محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد على الأشغال بالعدوتين المغرب والأندلس. وكان أبو سعيد بن جامع متولياً للوزارة، فبقى على ما كان عليه، وكانت تربطه بعبد العزيز بن أبي زيد روابط الصداقة. ووصل معظم العمال مع أتباعهم وكتابهم، وفقاً للأمر الصادر بذلك، وأخذ في تصفح أعمالهم ومراجعتها، وكان ممن وصل من العمال بالأندلس، يوسف بن عمر الكاتب ومؤرخ الخليفة المنصور، وكان يتولى النظر على بعض الأشغال المخزنية والسهام السلطانية، وكان قد لحقت بتصرفاته بعض الريب، فما كاد يقترب من الحضرة حتى أحيط بأحماله ومتاعه وقبض عليه وثقف، ثم فتحت أحماله وأمتعته بحضور الشهود وروجعت، فلم يوجد بينها شىء مما يدينه، فأمر الخليفة بإطلاق سراحه، ورد ماله ومتاعه إليه، وكان مما شفع له في ذلك عند الناصر، كتابه الذي ألفه في محاسن والده المنصور (2).
وفي هذا العام توفي السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن والي بجاية، وكان قد قام بتجديدها عقب الحريق الذي أصابها وخرب كثيراً من ربوعها. وفي العام التالي أعني سنة خمس وستمائة أقيل السيد أبو الحسن بن عمر والي تلمسان لمرضه وعجزه عن ضبط الأمور، واضطراب قبائل زناتة في تلك المنطقة، وعين مكانه في الولاية السيد أبو عمران موسى أخو الخليفة، فقدم إلى تلمسان ومعه عسكر من الموحدين ليستعين بهم في ضبط الأمن والسكينة في تلك المنطقة.
وفي تلك الأثناء كانت الحوادث في إفريقية قد عادت إلى اضطرامها، وعاد يحيى الميورقي إلى استئناف نشاطه ومغامراته. وكان مذ لحقت به
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 225 و 226.
(2)
ابن خلدون ج 6 ص 249، والبيان المغرب ص 227 و 228.
الهزيمة الساحقة، بجبل تاجرا، وارتد بفلوله إلى الجنوب، يرقب الفرص للانتقام واسترداد شىء من سلطانه الضائع. وكان ما يزال يلتف حوله بعض طوائف من حلفائه الأعراب، الذين بقوا إلى جانبه بالرغم من محنته. وقد أشرنا من قبل غير مرة إلى الدور الذي كانت تقوم به طوائف العرب في أرجاء إفريقية، من احتراف الحرب، والتقلب في محالفة مختلف الجهات. وكان بنو غانية يعتمدون بالأخص على معاونة العرب في سائر مشاريعهم الحربية. وكان يحيى الميورقي يجمع حوله كثيراً من حشودهم، ويأسرهم بوافر بذله، وإطلاق أيديهم كلما سنحت الفرص، في أعمال السلب والنهب. وكذلك كان الموحدون يعتمدون على بعض طوائف العرب في تزويد جيوشهم بفرق المرتزقة. فلما حلت الهزيمة بيحيى وتحطم سلطانه، تركه كثير من حلفائه العرب السابقين، وانضموا إلى جانب الموحدين الظافرين، وكان من هؤلاء بنو مرداس وبنو عوف من بطون بني سُليم، وكانت أحياؤهم تقع في المنطقة الممتدة من قابس نحو بونة، أما بنو زغبة فقد كانوا أصلا من خصوم بني غانية، ولم ينقطعوا عن محاربتهم قط، وكانوا دائماً إلى جانب الموحدين، ثم تحالفوا بعد ذلك مع بربر زناته الضاربين في المغرب الأوسط، واستمرت المصادمات بينهم وبين بني غانية. بيد أن يحيى استطاع بالرغم من محنته أن يستبقى إلى جانبه بالأخص، حشوداً كبيرة من رياح وسليم، ومن الزواودة من بطون رياح، وشيخهم محمد بن مسعود البلط لم يفارقه في ضرائه.
فلما غادر الخليفة الناصر، تونس، وسار في معظم قواته صوب المغرب، في أواخر سنة 603 هـ، أخذ يحيى الميورقي، يتأهب للنهوض والحركة مرة أخرى، ثم سار على رأس جموعه نحو الشمال، وهو يعيث حيثما حل، وكان الشيخ أبو محمد الحفصى والي إفريقية ساهراً، يرقب عن طريق عيونه حركات الميورقي، فلما ترامت إليه الأخبار بتحركه، خرج في جيش من الموحدين والعرب، من بني عوف وسليم ومرداس، وسار تواً للقائه. والتقى الفريقان في منطقة تبيشة على ضفة وادي شبرو، واقتتل الفريقان بشدة وعنف، واستمرت المعركة طول اليوم، وأسفرت في النهاية عن ظفر الموحدين وهزيمة المرابطين الميورقيين ومن معهم من العرب، فارتد يحيى في فلوله وهو جريح، والموحدون في أثره، ولكنه استطاع أن يلحق بالصحراء في اتجاه طرابلس، واستولى الموحدون على
محلته وسائر عتاده وأسلابه ومتاعه، وكانت غنيمة وافرة، وتمت هذه الهزيمة على يحيى الميورقي في 30 ربيع الأول سنة 604 هـ (24 أكتوبر سنة 1207 م). ورجع أبو محمد إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الناصر بالفتح، واستنجزه وعده في الإقالة من منصبه، فبعث إليه الخليفة يشكره ويعتذر له بانشغاله بشئون المغرب، ويرجوه الاستمرار في النظر، وبعث إليه بالمال والخيل والكسى للإنفاق والعطاء، وبلغ ما أرسله من المال وحده مائتي ألف دينار (1).
على أن هذه الهزيمة الثانية لم تفت في عضد يحيى بن غانية، ولم تخمد لديه عزم التوثب والنضال، فجمع أشتات قواته مرة أخرى، ورأى تلك المرة، تجنباً للصدام مع أبي محمد، وتفادياً لضرباته القاصمة، أن يتجه نحو المغرب، فسار في جموعه من المرابطين وطوائف العرب، متجهاً صوب الجنوب الغربي، وهو يعيث قتلا ونهباً أينما حل، وتحالف مع بطون زناتة الضاربة في تلك الأنحاء، واستمر في سيره حتى وصل إلى واحات سجلماسة، ثم هاجم سجلماسة واقتحمها، ونهبها، وفرق الغنائم في أصحابه، وكانت وفيرة، فانتعشت نفوسهم. وكان وصول الميورقي على هذا النحو إلى أعماق المغرب، واقترابه من العاصمة الموحدية، مثار الدهشة والروع بين الموحدين، ونهض الشيخ أبو محمد في قواته مرة أخرى للقاء الميورقي عند العود، وبعث إلى والي تلمسان السيد أبي عمران موسى يحذره من مفاجآت الميورقي، وأن يتجنب لقاءه، وكان السيد أبو عمران قد خرج من تلمسان يجوس بين قبائل زناتة الضاربة في جنوبها، يسترضيهم، ويستميلهم إلى أداء الجبايات، والتزام الطاعة والسكينة. وكان بين قوات الميورقي كثير من بطون زناتة، الخوارج على طاعة الموحدين، فاتصل بهم زملاؤهم زعماء زناتة المقيمين في جنوبي تلمسان، وعرّفوا الميورقي بظروف السيد أبي عمران، وعدم استعداده وضعف قواته، وابتعاده عن مدينته المحصنة، فسار الميورقي نحو الشمال حتى اقترب من جنوبي تلمسان. وعلم السيد أبو عمران
(1) ابن خلدون ج 6 ص 196 و 278. وقد جاء في " العبر " أن مبلغ ما أرسله الخليفة من مال كان " مائة ألف ألف دينار ثنتان ". ومعنى ذلك أن المال بلغت جملته مائة مليون دينار. وهذا رقم يصعب تصديقه، ولا يتفق بأي حال مع تقديرات العصر وموارده. وربما كان هناك تحريف في النص.
بمقدمه وتردد وقتاً في لقائه. ولكن الميورقي لم يلبث أن فاجأه بجموعه من المرابطين والعرب. واضطر السيد أن يلقاه في قواته القليلة، وتكاثر المرابطون والعرب على القوات الموحدية، وفتكوا بها، وصمد السيد أبو عمران ومن معه، فقتلوا جميعاً، وأسر بعض بني السيد، والكاتب أبو الحسن بن عياش، وبعض طلبة تلمسان، واستولى الميورقي على المحلة الموحدية وسائر ما فيها من العتاد والسلاح والخيل، واقتحمت مدينة تاهَرْت ونهبت وخربت حتى غدت أطلالا (605 هـ - 1209 م)، وانتشرت جنود الميورقي من المرابطين والعرب في أحواز تلمسان ونهبوها، وانتسفوا زروعها، فارتاع أهل المدينة، وأغلقوا أبوابها، وهم يتوقعون أسوأ مصير، وبادر السيد أبو زكريا يحيى والي فاس في قوة من الموحدين، فوصل مسرعاً إلى تلمسان، وطمأن أهلها وسكن روعهم. وأمر الناصر في نفس الوقت بتجهيز حملة كبيرة من قوات مختارة، زودت بوافر العدد والأقوات، وعين لولاية تلمسان الوزير أبا زيد بن يوجان، وقدّمه على العسكر، فسار ابن يوجان في قواته إلى تلمسان، وعلم يحيى الميورقي بهذه الاستعدادات الضخمة كلها، فغادر منطقة تاهرت في قواته، وقصد إلى الصحراء متجهاً نحو طرابلس، ومعه محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وطوائف رياح وسليم وغيرهم (1).
ولم يمض قليل على ذلك حتى اعتزم يحيى بن غانية أن يستأنف غاراته. وكانت نفسه قد قويت بما أحرز من نصر في تاهرت، وانتعشت جموعه لما أحرزت من المال والغنائم، وكان حلفاؤه العرب من جهة أخرى يتوقون إلى استئناف العيث والنهب، وهو قوام أطماعهم، ومورد عيشهم، وقد تضخم جيش يحيى بما انضم إليه من طوائف جديدة من الغز والعرب، جاءت لتبحث عن طالعها، ولتغتنم فرص الكسب، وكان من هؤلاء رياح وزغبة وعوف ودباب ونعات وغيرهم، هذا إلى الزواودة وشيخهم محمد بن مسعود. وكان يحيى ينوى هذه المرة أن يعود إلى مهاجمة أراضي إفريقية ذاتها. ولم تكن نيات الثائر بخافية على أبي محمد بن أبي حفص والي إفريقية اليقظ الحازم. فبادر بحشد قواته، معتزماً أن يبادر الميارقة وحلفاءهم قبل أن يخترقوا إفريقية، وخرج من تونس
(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 229 و 230، وابن خلدون ج 6 ص 249 و 278.
وراجع أيضاً: A. Bel: Les Benou Ghania، p. 148 & 149
سنة ست وستمائة، في جيش كثيف وافر العُدة، وسار جنوباً نحو قابس، ثم اتجه
نحو جبل نفوسة، حيث كان يحتشد المرابطون وحلفاؤهم العرب. والتقى الفريقان
في موضع من جبل نفوسة، وأقام أبو محمد محلته مزودة بالفساطيط والأبنية،
حتى لا تكون ثمة أية فكرة في التراجع. ثم اشتبك الفريقان في معركة عنيفة دامية، فانكشفت ميسرة الموحدين في البداية، وولي من كان بها من الغُز والأعراب منهزمين، وثبت الشيخ أبو محمد في القلب مع الموحدين والحفاظ، وانحازت إليه بعض طوائف من بني عوف وبنى سليم، واستمر القتال طول اليوم على أشده، وأسفر في النهاية عن هزيمة المرابطين وحلفائهم، وطارد الموحدون الجيش المنهزم، وأمعنواً فيه قتلا وأسراً، ولم ينقذهم من الفناء الشامل سوى دخول الليل، واستولى الموحدون على محلة الميورقي، وسائر ما بها من الأسلاب والغنائم، واستولوا كذلك على ظعائن العرب وغنائمهم التي كانوا يحتفظون بها، وذكر ابن خلدون نقلا عن ابن نجيل كاتب أبي محمد أن أحمال الغنائم في هذه الموقعة بلغت ثمانية عشر ألفاً، وكان بين القتلى محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وابن عمه حركات بن أبي الشيخ، وشيخ بني قرة، وشيخ مغراوة، ومحمد بن الغازى ابن غانية، وكثيرون من أنجاد بني رياح وبنى هلال. وكانت ضربة ساحقة ليحيى ابن غانية، وحلفائه، تضارع في عنفها وأهمية نتائجها ضربة جبل تاجرا، وفر يحيى في فلٍّ من صحبه، وقد هدته النكبة، وأوقعت في قلبه اليأس، وارتد أبو محمد في قواته إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الخليفة الناصر بالفتح، فقرىء كتابه بالمسجد الجامع، وجلس الناصر لتقبل الهناء والاستماع لمدائح الشعر (1)، وكان منها قصيدة لأبي عبد الله بن يخلفتن الفازازى هذا مطلعها:
هذه فتوح تفتحت أزهارها
…
وتدفقت ملء الملا أنهارها
وتأرّجت نفحاتها وتبرجت
…
صفحاتها وتبلجت أنوارها
وأتت بشائرها إليك سوافرا
…
عن أوجه يا حبذا إسفارها
ولم ينس أبو محمد ما قام به عرب سليم من محالفة الميورقي والقتال إلى جانبه، فاخترق ديارهم خلال عوده، وأمر بالقبض على زعمائهم، وأرسلهم مصفدين إلى تونس، فكان لتصرفه وقع عميق في تلك المنطقة، التي كثر فيها تقلب
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 231 و 232، وابن خلدون ج 6 ص 196 و 278.
الأعراب وفسادهم. وبالعكس عومل العرب الذين وقفوا إلى جانب الموحدين بالرعاية والإحسان، ووزعت عليهم أراض شاسعة خصبة في وادي القيروان. وكان أهل جبال نفوسة قد أرهقهم ابن عصفور نائب يحيى بجوره، وأثقل كاهلهم بالمظالم والفروض، فما كادت تقع الهزيمة على الميورقي، حتى وثبوا بابن عصفور فقتلوه ومعاونيه من المرابطين، كما قتلوا ولدين ليحيى.
وعكف أبو محمد بعد نصره الحاسم على معالجة شئون إفريقية، بما عرف عنه من الحزم والبراعة، فقمع كل صنوف الفساد والشغب، ووطد دعائم السكينة والنظام، واستوفى فروض الجباية من سائر الطوائف، فازدهرت في ظله بلاد إفريقية، وعمها الأمن والرخاء، وذاع اسم أبي محمد، واشتهر أمره، وسمت مكانته، حتى غدا ثانى رجل في الدولة بعد الخليفة ذاته، وكان العمل الذي اضطلع به ونجح في تحقيقه، وهو إخماد ثورة بني غانية، وتحرير إفريقية من نيرهم، وردها إلى سلطان الموحدين، وذلك في فترة يسيرة لا تتجاوز خمسة أعوام أو ستة، من أعظم الأعمال العسكرية والسياسية، التي استطاعت الدولة الموحدية أن تقوم بها في مدى ربع قرن، مذ نزل بنو غانية بإفريقية لأول مرة. ولم يكن ذلك عملا هيناً ولا ميسوراً إزاء ما كان يتصف به علي بن غانية وأخوه يحيى، وبقية هذه العصبة، من الجرأة والبسالة وشدة المراس. وكان توطيد سلطان الموحدين بإفريقية على هذا النحو، عمل إنقاذ وقى الدولة الموحدية كثيراً من أخطار التمزق والتفكك، التي كانت تتعرض لها، من جراء تغلب بني غانية على جزء من أهم أراضي الدولة، وعجزها عن رد عدوانهم. واستمر أبو محمد بن أبي حفص عدة أعوام أخرى حتى وفاته في سنة 618 هـ (1221 م) يسيطر على مصاير إفريقية، ويسهر على سلامتها وأمنها، ويوطد شئونها بمقدرة فائقة، فهل كان عندئذ يضمر أو يدور بخلده أنه إنما يمهد بهذا التوطيد لسلطان عقبه، وتأسيس أسرته الملوكية المستقلة، التي قامت بعد ذلك بقليل، في هذا القطر من أقطار الإمبراطورية الموحدية؟ (1).
أما يحيى بن غانية فقد لبث بعد نكبته الأخيرة في جبل نفوسة، ملتجئاً مع فلوله إلى الصحراء الجنوبية، يلوذ مؤقتاً بأهداب السكينة، ويرقب الحوادث. بيد أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى انفصل عنه أخوه سير بن إسحاق بن غانية،
(1) ابن خلدون ج 6 ص 279. وراجع أيضاً A. Bel: Les Benou Ghania، p. 152 - 154
وكان ممن شهد معه غزوة تلمسان، وسار إلى تونس ملتجئاً إلى الشيخ أبي محمد، لائذاً بطاعة الموحدين، فأكرم الشيخ مثواه، ثم استأذنه في السفر إلى الحضرة فأذن له، واستقبل هناك بالمودة والترحاب (سنة 607 هـ).
وفي خلال ذلك كان الخليفة الناصر عاكفاً على معالجة الشئون الإدارية، والنظر في أعمال الولايات. وكان كثير التغيير والتبديل للولاة ورجال الدولة. ومن ذلك أنه في سنة خمس وستمائة، أقال أبا يحيى بن الحسن بن أبي عمران من الوزارة، وألزمه أن يبقى في داره، ثم عينه بعد ذلك والياً لميورقة مكان السيد أبي عبد الله بن أبي حفص، وعين السيد أبا عبد الله والياً لبلنسية، وقدم للوزارة أبا سعيد ابن أبي إسحاق بن جامع مكان أبي زيد بن يوجان. ثم عين أخاه السيد أبا إسحق والياً لإشبيلية، وأخاه السيد أبا محمد والياً لشرقى الأندلس، والشيخ أبا عمران بن ياسين الهنتاني والياً لمرسية، مكان أبي الحسن بن واجاج، وعين السيد أبا زيد والياً لجيان، وأبا عبد الله بن أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص والياً لغرناطة. وعين لكتابة الديوان الكاتبين أبا محمد بن الحسن، وأبا عبد الله بن منيع، وكان كلاهما من الكتاب المجيدين، واختص الأول بكتب التوقيعات والظهائر، واختص الثاني بديوان العسكر، والتنفيذات السلطانية. وكذلك تناولت هذه التعيينات شئون القضاء فعُزل القاضي أبو عبد الله الباجى عن قضاء إشبيلية، وعُين مكانه أبو محمد عبد الحق بن عبد الحق. وعُين لقضاء قرطبة ابن حوط الله، مكان أبي علي بن أبي محمد المالقي، واستدعى أبو علي إلى الحضرة حيث قُدم على طلبة الحضر، وهو المنصب الذي كان يتولاه أبوه وإخوته من قبل. وعُين أبو إبراهيم ابن يغمور لقضاء بلنسية. وندب القائد أبو عبد الله بن عيسى المرسى لقيادة قوات الغرب بشلب، ونُدب أبو الجيش محارب لاستقبال ملوك الروم وسفرائهم، والاشتغال بإنزالهم وضيافتهم، والترجمة عنهم، مكان ابن عوبيل، وهي وظيفة مستحدثة في البلاط الموحدي، ولم يسبق أن وقفنا على ذكرها من قبل ضمن مناصب الإدارة الموحدية. ووقعت هذه التغييرات والتعيينات كلها في عام واحد، هو سنة 607 هـ (1210 م)(1).
ووقعت بالمغرب في هذا العام عدة حوادث أخرى تستحق الذكر، منها
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 230 و 231 و 233 و 234، وابن خلدون
ج 6 ص 249.
مصرع ابن عطية الزناتى، أحد رؤساء زناتة الخوارج في منطقة تلمسان الجنوبية، وكان ممن تحالف مع ابن غانية حين غزوته لمنطقة تلمسان، فدس إليه ابن يوجان والي تلمسان من اغتاله بمقره. وفي هذا الحادث ما يدل على أن الاغتيال السياسي، كان من وسائل الموحدين في القضاء على خصومهم. ومنها أن الشيخ أبا محمد قام بغارة على أحياء الخوارج والمشاغبين من بني سليم، واستاق أشياخهم وأموالهم، وجعلهم رهينة لديه في تونس، حسماً لفسادهم وشغبهم، وإرغامهم على قطع إمدادهم ومعاونتهم لابن غانية، ومن جهة أخرى فقد قام محمد بن عبد السلام عامل طرابلس بغارة على منطقة جبل نفوسة واقتحم بها قصراً، ألفى فيه جملة من ثمين المتاع والأموال لبني غانية، ووطد أسباب الهدوء في تلك المنطقة.
وكان من أهم الحوادث في هذا العام أيضاً، الحريق الكبير الذي وقع بمراكش، وكان وقوعه في ليلة يوم الخميس الثالث عشر لجمادى الأولى، والناس يرقدون في مضاجعهم. وشبت النار أولا في حى القيسارية، وانتشرت بسرعة، وأتت على الحى كله، فشب الناس مذعورين من نومهم، وكثر الصراخ والاستغاثة، ونهض الخليفة الناصر على الضجيج وغادر قصره مسرعاً، واعتلى صومعة الجامع ليشهد تغلغل النار عاجزاً. واقتحم الغوغاء كثيراً من الدروب، وسلبوا ما استطاعوا سلبه مما سلم من الحريق، واستمر الحريق حتى صباح اليوم التالي، وقد أتى على كثير من أحياء المدينة. وأمر الناصر في اليوم التالي، بتتبع السفلة الناهبين، واسترداد ما يمكن استرداده منهم، فقبض على كثيرين من هؤلاء وأعدموا على الأثر. وهلك في تلك النكبة كثير من الأموال والدور، وافتقر كثير من ذوى اليسار، وفقدوا دورهم وثرواتهم. وأمر الناصر بأن يعاد تشييد الأحياء المحترقة بأحسن مما كانت عليه، خصوصاً وقد كانت تواجه القصر الخليفى يسبغ عليها أضواءه (1).
هذا ويذكر لنا صاحب البيان ضمن حوادث هذا العام، أعني عام 607 هـ، حادثاً يستوقف النظر، وهو أن بعض أعيان جزيرة صقلية ووجوهها، وفدوا على الشيخ أبي محمد بن أبي حفص بتونس، ونبأوه بأن المسلمين في صقلية انتزعوا كثيراً من المعاقل من أيدي الروم، وأقاموا الخطبة في بلادهم بالدعوة المهدية الموحدية، وقطعوا ما سواها من الدعوات من عباسية وغيرها.
(1) البيان المغرب ص 234 و 235.
ويبدو من تتبع تاريخ صقلية، في تلك الفترة أن الأقلية الإسلامية التي كانت بالجزيرة حتى هذا العهد، كانت تعانى من الضغط والاضطهاد. وكان المسلمون مذ سقطت الجزيرة في أيدي الأمراء النورمان في سنة 479 هـ (1086 م)، يتمتعون بطائفة من الحقوق والامتيازات، ومنها السكنى في بعض الأحياء، والأراضي، في مسينى، وبلرم، وترابانى، وجرجنت، ومازرة، وغيرها من المدن، ومزاولة شعائرهم الدينية في مساجدهم القليلة الباقية، ومزاولة مهنهم وأعمالهم السلمية. واستمر الأمر على ذلك نحو قرن، في ظل عدة متعاقبة من الأمراء النورمان ذوى التسامح المستنير، وفي مقدمتهم ولد فاتح الجزيرة، الدوق روجر (رجّار) الثاني، وهو الذي أسبغ رعايته على الشريف الإدريسي، وعهد إليه بوضع موسوعته الجغرافية الشهيرة " نزهة المشتاق ". فلما توفي في سنة 1154 م، خلفه ولده وليم الأول (غليام)، فولده وليم الثاني. وفي عهد هذا الملك، اشتدت وطأة الحكم على المسلمين وأراد أن ينزع منهم بعض الأراضي التي يحتلونها ليعطيها لبعض الأديرة المجاورة، فقام المسلمون ببعض ثورات محلية، واستولوا على بعض الحصون النصرانية، والظاهر أن الملك وليم، عدل بعد ذلك عن سياسة الضغط والقمع التي حاول أن يتخذها إزاء المسلمين، وعاد الصفاء يخيم على علائق المسلمين والنصارى.
وقد أورد لنا الرحالة الأندلسي ابن جبير وصفاً دقيقاً لأحوال مسلمى صقلية في عهد الملك وليم (ويسميه غليام) مما وقف عليه حين زيارته للجزيرة في شهر رمضان سنة 580 هـ (يناير سنة 1185 م)، وقد زار منها عدة مدن مثل مسينه، وبلارمه (بلرم)، واطرابنش، واجتمع فيها بالمسلمين، ووقف على أحوالهم. وهو يقول بصفة عامة، إن المسلمين يعيشون مع النصارى على أملاكهم وضياعهم، وأن النصارى قد أحسنوا السيرة في استقبالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم إتاوة يؤدونها في فصلين من العام، وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها، ثم يقول لنا، إنه لم يكن في مسينه إلا نفر يسير من المسلمين من ذوى المهن. وأما بلرم، وهي عاصمة الجزيرة، ففيها كثير من المسلمين وفيها سكنى الحضريين منهم، ولهم فيها المساجد، والأسواق المختصة بهم في الأرباض كثير، وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها، وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها. وللمسلمين في بلرم " رسم باق من الإيمان يعمرون به أكثر مساجدهم، ويقيمون الصلاة بآذان
مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسى. ولهم بها قاض، يرتفعون إليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون للصلاة فيه. وأما المساجد فكثيرة لا تحصى، وأكثرها محاضر لمعلمى القرآن، وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين، تحت ذمة الكفار، ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم، ولا في أبنائهم، تلافاهم الله بصنع جميل " (1).
وهذه العبارة الأخيرة من أقوال ابن جبير، تلخص لنا حقيقة أحوال المسلمين في صقلية في أواخو القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادى). ذلك أنه بالرغم من تلك الامتيازات الشكلية في السكنى والتجارة ومزاولة الشعائر، فإنه لم يكن ثمة شك في أن الأقلية المسلمة كانت تعيش داخل الجزيرة ذليلة مضطهدة. وهذا ما يفصله لنا ابن جبير بعد ذلك، إذ يقول إنه خلال إقامته ببلدة إطرابنش، " تعرف ما يؤلم تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها، وما هم عليه من الذل والمسكنة، والمقام تحت عهد الذمة، وغلظة الملك، إلى طوارىء دواعى الفتنة في الدين ". ثم يقول لنا، إنه التقى في هذه البلدة بزعيم مسلمي صقلية، وهو القاسم بن حمود المعروف بابن الحجر وهو من ورثة أهل السيادة، وكان من خيرة مسلمي الجزيرة كرماً ومآثر، وكان قد اتهم بمخاطبة الموحدين، واضطهد من أجل ذلك، وغرم أموالا طائلة. ويزيد ابن جبير على ذلك، أنه وقف من هذا الزعيم، على بواطن أحوال مسلمي الجزيرة مع أعدائهم " مما يبكى العيون دماً، ويذيب القلوب ألماً "(2).
ويحدثنا ابن جبير عن الملك وليم (غليام)، فيقول إنه عجيب في حسن السيرة، واستعمال المسلمين، وإنه كثير الثقة بهم، وساكن إليهم في أحواله، والمهم من أشغاله، وله جملة من العبيد المسلمين وعليهم قائد منهم. ثم يصف لنا فخامة قصوره، وتناهيه في الترف ورفاهة العيش، وشغفه باتخاذ الفتيان والجوارى، وأنه يقرأ العربية ويكتبها، وأهل عمالته في ملكه منهم مسلمون. ولما توفي الملك وليم الثاني في سنة 1189 م، وخلفه في حكم صقلية الإمبراطور فردريك الثاني، أول حكامها من آل هوهنشتاوفن، عاد فانتزع من المسلمين
(1) رحلة ابن جبير (القاهرة 1955) ص 314 و 323.
(2)
رحلة ابن جبير ص 332 و 333.
كثيراً من أراضيهم وأعطاها للكنيسة، وكان ذلك في سنة 1208 م (605 هـ)(1) والظاهر أن المسلمين عادوا يومئذ إلى الثورة، وانتزعوا بعض الحصون النصرانية مرة أخرى. ويبدو من مقارنة التواريخ، أن هذه هي الحوادث التي يشير إليها وفد المسلمين الصقليين إلى الشيخ محمد الحفصى. على أنه يبدو كذلك أنه لم يترتب على مسعى هذا الوفد أي أثر، وأن الموحدين لم يفكروا في التدخل في حوادث صقلية بأية صورة. وسنرى فيما بعد أن هذا الصراع يتجدد في صقلية بين المسلمين وحكامهم النصارى، ثم ينتهي بإخماد كل نزعة تحريرية للمسلمين، وإخراجهم من ديارهم.
(1) راجع: M. Amari: Storia dei Musulmani di Sicilia (Fierenze 1872) p. 586 & 591.