المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٤

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌القسْم الثانىعصْر الموحِّدينوانهيار الأندلسْ الكبرى

- ‌تصدير

- ‌الفصل الأولعصر الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وسقوط مملكة الشرق

- ‌الفصل الثالث حركة الجهاد بالأندلس والإخفاق في غزوة وبذة

- ‌الفصل الرابع أحداث الأندلس والمغرب

- ‌الفصل الخامس غزوة شنترين

- ‌الكِتابُ السابع عصْر الخليفة يعقوبْ المنصُور حَتى مَوقعَة العِقابْ

- ‌الفصل الأوّل عصر الخليفة يعقوب المنصور وبداية ثورة بني غانية

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وإفريقية

- ‌الفصل الثالث موقعة الأرك

- ‌الفصل الرابع ما بعد الأرك

- ‌الفصل الخامِسُ عصر الخليفة محمد الناصر

- ‌الفصل السادس موقعة العقاب

- ‌الكِتاب الثامِنْ الدولة الموحديّة في طريق الانحلال والتفكك

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة يوسف المستنصر بالله

- ‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة أبي العلي المأمونإلغاء رسوم المهدي ابن تومرت وقيام الدولة الحفصية بإفريقية

- ‌الكِتاب التاسِع انهيار الأندلس وسقوط قواعدها الكبرى

- ‌الفصل الأول الثورة في مرسية وبلنسية ونذر الانهيار الأولى

- ‌الفصل الثاني ابن هود وابن الأحمر وسقوط قرطبة

- ‌الفصل الثالث سقوط بلنسية وقواعد الشرق

- ‌الفصل الرابع سقوط إشبيلية وقواعد الغرب

- ‌الكتاب العاشر نهاية الدولة الموحديّة

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد

- ‌الفصل الثاني عصر الخليفة أبي الحسن على السعيد

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة المرتضى لأمر الله

- ‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها

- ‌الكتاب الحادي عشر الممالك الإسبانية النصرانية خلال العصْر الموحّدى

- ‌الفصل الأول قشتالة وليون

- ‌الفصل الثاني أراجون ونافارا والبرتغال

- ‌الكتاب الثاني عشر نظم الدولة الموحديّة وخواص العصْر الموحدي

- ‌الفصل الأول الحكومة الموحدية بالمغرب والأندلس

- ‌الفصل الثاني الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الثالث الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الرابع الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

الفصل: ‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها

‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها

مبايعة أبي العلاء إدريس الواثق. الوحشة بينه وبين زعيم هسكورة. خروج الواثق في قواته. تصرفاته ومحاولاته لدى هسكورة. مخاطبته ووعوده للأمير أبي يوسف. مؤامرة في مراكش ضد الواثق. ضبطها وإخمادها. تأهب الواثق للزحف على بلاد السوس. ورود مبايعة يغمراسن وتحذيره من بني مرين. مسير الواثق ونزوله في جبال السوس. مهاجمته لحصن تيزغت واقتحامه. مسيره إلى حصن تيوينوين. مهاجمة الحصن وصموده. علي بن يدر يتظاهر بعرض الطاعة. مسير الواثق إلى الحضرة في موكبه الخلافى الفخم. أبو يوسف يطالب الواثق بتنفيذه عهوده. شعور الواثق بقوته وكثرة حلفائه. رده الجاف على أبي يوسف. غضب أبي يوسف وزحفه على الحضرة الموحدية. استنجاد الواثق بيغمراسن. مهاجمة يغمراسن لأطراف الأراضي المرينية. ارتداد أبي يوسف لمحاربته. اللقاء بينهما في وادي تلاغ. المعركة العنيفة. هزيمة يغمراسن وفراره إلى تلمسان. عود أبي يوسف إلى التأهب لمحاربة الواثق. مسيره إلى مراكش وغزواته المخربة في طريقه. أبو دبوس يحشد سائر قواته. خروجه للقاء بني مرين. ارتداد أبي يوسف نحو الشمال ومطاولة الموحدين. اللقاء بين الفريقين في وادي غفو. المعركة المضطرمة. بلاء أبي دبوس وجيشه. صمود بني مرين. مصرع أبي دبوس وتمزيق قواته. تعليق رأسه على سور فاس. مسير أبي يوسف إلى مراكش. فرار الموحدين إلى تينملل. دخول أبي يوسف مراكش واستقباله ومبايعته. انتهاء الدولة الموحدية. سيطرة بني مرين على سائر المغرب الأقصى. أبو يوسف يرسل حملة لإخضاع بلاد السوس. خروجه لمطاردة العرب في قطاع درعة وإخماد حركتهم. عوده إلى مراكش. مطاردته لبقايا الموحدين. ظفره بالقبض على بعض أكابرهم وإعدامهم. أبو يوسف يعقد ولاية العهد لولده أبي مالك. مسيره صوب سبتة وطنجة. استيلاؤه على طنجة. إذعان العزفى صاحب سبتة وإقراره بالطاعة. مسير أبي يوسف إلى سجلماسة وافتتاحها. جهاد أبي يوسف بالأندلس ونصرته لمملكة غرناطة. كون هذا الجهاد استمرار لرسالة المغرب التاريخية. وفاة السطان أبي يوسف. الدولة الموحدية وعوامل تفككها. موقعة العقاب وآثارها. العوامل الأدبية. الحكومة الموحدية وصفتها الإقطاعية والعائلية. ضعف هذا النظام وقصوره. استطالة الممالك النصرانية على الأندلس. قصور الجيوش الموحدية عن حمايتها. التنافس على عرش الخلافة. خروج البياسى وأخيه السيد أبي زيد وما ترتب على ذلك. ثورة بني غانية وتخريبها لبلاد إفريقية. إنسلاخ إفريقية وقيام الدولة الحفصية. إنسلاخ تلمسان وسبتة وطنجة. نهوض بني مرين واستيلاؤهم تباعا على المغرب الأقصى. العوامل الأدبية. تحول الإمامة إلى ملك دنيوى. إلغاء الإمامة الموحدية ورسومها. ما خسرته الخلافة الموحدية بذلك. تقلب القبائل البربرية وطوائف العرب. الحرب الأهلية بين الخلفاء. انهيار الدولة الموحدية وكونه لم يحدث صدى قويا. انهيار الصرح القبلى الموحدي. عناصر هذا الصرح من القبائل والبطون. مصير هذه القبائل. اندثار هرغة قبيلة المهدي. قبر المهدي بتينملل. هنتاتة وفوزها بسلطان إفريقية. مصير جدميوه وغيرها.

- 1 -

لما دخل أبو العلي إدريس، الملقب بأبي دبوس حضرة مراكش في اليوم الثاني والعشرين من محرم سنة 665 هـ، واحتل القصر عقب فرار الخليفة المرتضى بايعه سائر الأشياخ والطلبة والكافة، وتلقب حسبما تقدم بالواثق بالله. وكان أول

ص: 562

ما قام به أن ركب في اليوم التالي، وطاف بأحياء الحضرة، للعمل على توطيد السكينة والنظام، وتهدئة روع الناس، وقمع المعتدين والمفسدين، ثم كتب إلى حليفه، الأمير أبي يوسف عاهل بني مرين، ينبئه بما تم، وما انتهى إليه مجرى الحوادث، ولبثت المخاطبات بينهما مدى حين.

بيد أنه وقعت وحشة، بين الواثق وبين ابن جلداسن زعيم هسكورة، لم توضح لنا الرواية أسبابها، وكان ابن جلداسن من حلفائه، ومعاونيه في حركته إلى افتتاح مراكش، حسبما ذكر في موضعه، ومن ثم فإنه لم تمض بضعة أشهر حتى أخذ الواثق في الأهبة للحركة والخروج، فخرج في قواته من مراكش، في الثاني عشر من شعبان سنة 665 هـ، فنزل أولا بالبحيرة، ثم سار إلى بلاد هيلانة فوادى أغمات، ونزل فيه بمكان يسمى تادارت معطاسة، وهنالك وفد عليه بعض أشياخ هسكورة، ومنهم الشيخ حميدى بن مخلوف الهسكورى، وكان يقوم من قبل الواثق بالاتصال بالأمير أبي يوسف، ويتردد بينهما في مراسلات ومفاوضات مختلفة. وقدم الواثق أبا موسى بن عزوز على بلاد حاحة، ليقوم بالنظر في أعمالها وتحصيل جبايتها، وبعث رجلا من ثقاته، هو عبد العزيز بن عطوش إلى ابن جلداسن زعيم هسكورة، ليستطلع الأمر، وليحادثه في بعض الشؤون، فعاد هذا الرسول، وأبلغه ما وقف عليه، والظاهر أن الأمور كانت قد هدأت عندئذ ولم ير الواثق في موقف ابن جلداسن ما يستدعى الغضب والمؤاخذة، فتركه على حاله، وقنع منه بالطاعة، مؤثراً مودته على خصومته (1).

وسار الواثق بعد ذلك من تادارت إلى الولجة الواقعة في شرقها، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بانصراف بني مرين، وإجازتهم لوادى أم الربيع ومسيرهم إلى بلادهم، وكان الأمير أبو يوسف يعقوب، قد خرج في حشوده من فاس، وسار إلى بلاد دُكاله وانتسف زروعها، نذيرا لأبي دبوس، فبعث إليه أبو دبوس الشيخ الصالح أبا العباس الهسكورى بهدية سنية، ليطمئنه وليؤكد له أنه سوف يفى بعهوده وينفذ ما اشترطه على نفسه، فتقبل أبو يوسف ذلك الوعد، وارتد منصرفا إلى بلاده. فكان ذلك من بواعث الارتياح في المحلة الموحدية (2). بيد أنه وصلت في نفس الوقت، أنباء تدل على أنه يخشى من وقوع أحداث في الحضرة، من جراء نشاط مريب، يقوم به السيد عبد العزيز بن الخليفة السعيد، فسار الواثق في

(1) البيان المغرب ص 457 و 458.

(2)

الذخيرة السنية ص 126

ص: 563

ْجنده، إلى تاونزرت على مقربة من الحضرة، وبعث من هنالك بعض قواته لتحصيل الجباية من حاحة ورجراجة، وكان السيد عبد العزيز هذا، من ولد الخليفة الراحل السعيد، وكان يرى أن قيام الواثق في الخلافة، وهو ليس من عقب المنصور، اغتصابا يجب منعه، وانضم إليه في ذلك بعض الزعماء، وكاتب ابن جلداسن شيخ هسكورة سراً، ليقوم بمعاونته، ووقف الواثق على ذلك من صهره، السيد أبي زيد ابن السيد أبي عمران والي مراكش، وضبطت بعض كتب كانت مرسلة، من السيد عبد العزيز إلى جلداسن، وكان السيد عبد العزيز يلزم داره متحرزاً على نفسه، فعمل السيد أبو زيد على استدراجه واستدعائه، فقصد إليه مع بعض أشياخ الموحدين، فواجهه بما نسب إليه، وأبرز له كتبه المكتوبة بخطه، فأسقط في يده وبهت، وعندئذ قبض عليه، وأعدم بأمر الواثق، وأخمدت هذه المؤامرة في مهدها (1).

وعلى أثر ذلك أخذ الواثق في الأهبة للزحف على السوس، وفي خلال وجوده بوادي تانسيفت، وردت إليه هدية ومكاتبة، من الأمير يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان، يقدم فيها بيعته للخليفة الموحدي، ويحذره من أطماع بني مرين فيما بقى من أقطار الدولة الموحدية، ويعد بمحالفته، وتعهده بأن يكفيه شر بني مرين. وذاع أمر هذه البيعة الهامة بين الجند، وضربت الطبول ابتهاجا بها، وعم السرور لذلك في المحلة الموحدية (2). ثم تحرك الواثق صوب بلاد السوس، وتقدمه الشيخ أبو زكريا ابن وانودين، ليستنفر القبائل للخدمة، والحركة ضد علي بن يدر الثائر بالسوس، واستمرت الحملة في مسيرها حتى وصلت إلى جبال السوس (وهي شعبة من جبال الأطلس)، ونزلت هنالك في بعض البسائط، وهنالك قضى الواثق عيد الفطر.

وأخذت الحملة بعد ذلك في التنقل بين القبائل، وأصدر الواثق عدداً من الظهائر لبطون جزولة وغيرها، يبلغهم عزمه، على القضاء على ثورة علي بن يدِّر وتأمين أرجاء نواحي السوس. ثم مرت الحملة بتارودنت حاضرة السوس، وقد خرب أكثرها، ونزلت المحلة هنالك في واد أخضر، في أسفل حصن تيزغت المنيع، وكانت به حامية قوية، من جند علي بن يدر، فاستعد الجند لمهاجمته، ونشبت بينهم وبين حاميته معارك عنيفة، استمرت بضعة أيام، حتى اضطر قائده أخيراً، واسمه حمدين، إلى طلب الأمان، وقرر بأن علي بن يدر، على

(1) البيان المغرب ص 459 و 460.

(2)

الذخيرة السنية ص 127، والبيان المغرب ص 461

ص: 564

استعداد لإعلان الطاعة، وقبل الواثق طلبه، ولكن لم يتم التسليم، وانتهى الأمر، بأن اقتحم الموحدون أحواز الحصن، بعد قتال شديد، ولجأت الحامية إلى الداخل، بعد أن قتل منهم عدد جم. وأخيراً اقتحم الحصن نفسه، وأبيدت حاميته قتلا وأسراً، وكانت أخت علي بن يدر ضمن الأسرى، وكتب بالفتح إلى الحضرة، وكان ذلك في 13 شوال سنة 665 هـ (1).

وفي اليوم الحادي والعشرين من شوال، استأنفت الحملة سيرها داخل بلاد السوس، وقدم عندئذ أبو زكريا بن وانودين مع جمع كبير من واوزجيت، وهم من خصوم علي بن يدر، وبعد يومين نزلت الحملة قرب تارودنت، وكان ابن يدر قد خرب حصنها الكبير وهدمه، فأمر الواثق بتجديده وإعادة بنائه، ولكن لم يتم أمره بذلك. واتجهت الحملة بعد ذلك، إلى حصن تيوينوين، وهو من أعظم حصون السوس وأمنعها، وكان في معظم الأحيان مركزاً للعصيان والثورة، فاستعدت حاميته القوية للدفاع، وهاجم الموحدون الحصن، وذلك في الثاني من ذي القعدة، فدافعت حاميته دفاعا شديداً، ووصل عندئذ كتاب من السيد أبي زيد والي مراكش، ومعه كتاب ببيعة أبي الحسن علي بن أبي على، من زعماء الخلط، ودخوله في الطاعة، فكان لذلك أطيب وقع. ولما رأى الواثق مناعة الحصن، وشدة بأس حاميته، قرر اتخاذ الأهبة لاقتحامه، بمعاونة من كان معه، من حشود العرب وزناتة، ولمطة وبني واوزجيت، وهوجم الحصن بشدة، وضرب بالمنجنيق، ولكن حاميته استمرت في المقاومة.

واستمر الأمر كذلك حتى مر عيد الأضحى. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة، وصل رسل علي بن يدر، يعرضون التوبة، ويعدون البيعة والطاعة، ولكن لم يتم شىء من ذلك، واستمر حصن تيوينوين على امتناعه. وورد على المحلة خلال ذلك كثير من عرب المعقل في أهلهم وأموالهم برياسة شيخهم عبد المؤمن بن أبي الطيب لتقديم بيعتهم، فتلقاهم الوزير أبو موسى ومعه العسكر، وأكرم الواثق وفادتهم، وأجزل صلاتهم، وسمح لهم برؤية إخوانهم من المعتقلين، فاطمأنوا عليهم، ووعدوا بتسريحهم، ثم عادوا إلى منازلهم (2).

وفي الثامن والعشرين من المحرم سنة 666 هـ، تأهب الواثق للعود إلى

(1) البيان المغرب ص 465 و 466.

(2)

الذخيرة السنية 126 و 127، والبيان المغرب ص 470

ص: 565

حاضرته، وانتظم الموكب الخلافى، في أكمل وضع وأفخمه، على نسق المواكب الموحدية، فحمل المصحف الكريم (مصحف عثمان)، في هودجه بزينته القديمة، وجعلت قلائد الفضة في عنق الجمل الذي يحمله، وجملت البغال بالكسى الجميلة، وارتدى العبيد الذين يقودونها الثياب البيض، وسار الواثق وراء المصحف، ومعه الأهل والقرابة والحاشية، ومن بعدهم الوزراء في الساقة، ومعهم الأعلام الخلافية السبعة، وقبائل الموحدين كل منها رافعة علامتها التقليدية، وسار الموكب على هذا النمط حتى أشرف على الحضرة، فبرزت الناس والفرسان لاستقباله أعظم بروز، وهم يحملون البنود والطبول، واحتشد العرب من سائر البطون، وكان يوماً مشهوداً (1). ولم يكن يخطر يومئذ ببال أحد أن الخلافة الموحدية تشهر آخر مواكبها، وأنه سيكون لها بمثابة موكب الوداع، الذي تنهار من بعده، وتلفظ أنفاسها الأخيرة.

- 2 -

وكان قد مضى عندئذ زهاء عام، مذ دخل أبو العلى إدريس أو أبو دبوس حضرة مراكش، وتبوأ الخلافة، بمعاونة أبي يوسف، ولم تبدر أية بادرة من أبي دبوس، تدل على أنه يعتزم الوفاء بعهوده، وإشراك العاهل المرينى، فيما افتتحه من بقايا الدولة الموحدية القديمة، بمعاونة جنده وأمواله، وعندئذ كتب أبو يوسف إلى أبي دبوس ينذره بوجوب تنفيذ عهوده، وتمكينه من نصف البلاد التي غلب عليها، وفاء بعهوده. وكان أبو دبوس مذ وعده يغمراسن صاحب تلمسان بحلفه ومعاونته، ومذ توالت عليه بيعات القبائل من العرب والبربر، خلال زحفه على السوس، قد شعر بتوطد سلطانه، واشتداد ساعده، واعتزم أن يدافع عن عرشه، وعن تراث الدولة الموحدية. فلما جاءه نذير أبو يوسف، رد رسوله بجفاء، وطلب إليه أن يبلغ سيده، بأن يقنع بما في يده من البلاد، وإلا جرد عليه جنوداً لا قبل له بها، وكتب إلى أبي يوسف كتابا شديد اللهجة، يخاطبه فيه مخاطبة الخلفاء والرؤساء إلى عمالهم. فثار لذلك أبو يوسف، وخرج من فاس في حشود بني مرين والمغرب، وعبر وادي أم الربيع، وزحف على العاصمة

(1) البيان المغرب ص 471 و 472. وهنا ينتهي المجلد الثالث من كتاب " البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب " لابن عذارى المراكشي وهو المخطوط الذي وجد في الخزانة الناصرية بثامجروت بالمغرب وأشرنا إليه في الفصل الخاص بالمصادر. وقد تم نشره بمدينة تطوان بعناية الأستاذ هويسى ميرانده ومساهمة الأستاذين محمد بن تاويت وابراهيم الكتانى (أواخر سنة 1963) وقد كان لنا خلال قيامنا بتأليف هذا الكتاب من أقيم مصادرنا، وأهمها، وأكثرها تفصيلا

ص: 566

الموحدية، وهو ينتسف الزروع، ويخرب المنازل والضياع، فاضطربت الأحوال في مراكش، وانقطعت عنها الموارد، وقلت المؤن، وارتفعت الأسعار فامتنع أبو دبوس بالحضرة، وبعث إلى حليفه يغمراسن بن زيان أمير تلمسان، يستغيث به، ومع رسله إليه هدية سنية. فنهض يغمراسن في حشوده، منتهزاً فرصة ابتعاد أبي يوسف بالقوات المرينية، وأخذ يغير على أطراف المغرب الخاضعة لبني مرين، ولاسيما في وادي ملوية، أصل منازلهم، ويعيث فيها تخريباً ونهبا وسلبا. فلما وقف أبو يوسف على ذلك اعتزم لفوره، أن يترك أمر العاصمة الموحدية مؤقتا، وأن يسير لقتال يغمراسن، والقضاء على حركته أولا، ثم يعود لمناجزة الموحدين. ومن ثم فقد غادر وادي تانسيفت، وارتد راجعا في قواته إلى فاس، فأقام بها أياما يستكمل أهبته، ثم غادرها في جموع عظيمة، حسنة الأهبة والسلاح، وذلك في منتصف شهر ربيع الأول سنة 666 هـ وكان يغمراسن في تلك الأثناء قد استكمل من جانبه أهباته، وحشد سائر قواته لملاقاة المرينيين. وسار أبو يوسف نحو وادي ملوية، من طريق أجرسيف أو كرسيف، وكان اللقاء بوادي تلاغ، فنشبت بين الفريقين معركة عنيفة طاحنة، قاتل فيها كلاهما بمنتهى الإقدام والشجاعة، وامتازت بالأخص بمثول النساء في الهوادج والمراكب سافرات بين الفريقين، وتحريضهن للشجعان على الثبات والإقدام، وانتهت بانتصار بني مرين، وهزيمة يغمراسن وقومه بني عبد الواد، وتمزيق صفوفهم، ومصرع جماعة من أكابرهم، وفي مقدمتهم أبو حفص ولد يغمراسن. وفر يغمراسن بفلوله صوب تلمسان، وتبددت جموعه، واستولى بنو مرين على سائر ما في محلته، من السلاح والعتاد والأموال، ووقعت هذه الهزيمة الشنيعة على يغمراسن في الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 666 هـ (1).

وهكذا قضى أبو يوسف، على الجبهة المعادية في مؤخرته، بالقضاء على قوي أمير تلمسان، وارتد بقواته إلى فاس فاستراح بها حينا، وهو يستكمل أهباته للمعركة التالية. ثم غادر فاس في شهر شعبان من نفس العام (666 هـ) في حشود ضخمة، وعبر وادي أم الربيع، وهبط إلى البسائط المؤدية إلى مراكش، وهو يسرح جنده في كل ناحية لانتساف الزروع، وتخريب الضياع، والنهب والسبي، وأنفق بقية سنة 666 هـ في القيام بتلك الغزوات المخربة، ثم غزا عرب الخلط

(1) الذخيرة السنية ص 131 و 132 وابن خلدون ج 7 ص 180

ص: 567

ومنازلهم بناحية تادلا، وأثخن فيهم، ومزق جموعهم ثم غزا وادي العبيد، ونفذ إلى منازل صنهاجة، وهي الواقعة في شمالي وادي تانسيفت، وعاث فيها. واستغرقت هذه الغزوات المحلية عاما آخر هو عام 667 هـ (1268 م)(1).

وكان البلاط الموحدي خلال ذلك، قد ساده الاضطراب والجزع، وأخذ أشياخ الموحدين والعرب، يهيبون بأبي دبوس أن ينهض لرد بني مرين، ودفع عاديتهم، بعد أن تفاقم الأمر، وخربت الديار، وقتل الأهل والإخوة أو شردوا، ولم يكن أمام أبي دبوس في الواقع أي سبيل آخر سوى خوض هذه المعركة الحاسمة، فحشد سائر قواته من الموحدين والعرب والأغزاز وبقايا الروم، واجتمع له من ذلك جيش ضخم، وخرج في قواته من مراكش يريد لقاء بني مرين، وكان آخر الخلفاء الموحدين شجاعا مقداما، وكان يعرف أنه سوف يخوض المعركة الأخيرة والحاسمة، فإما أن يكتب له النصر علي بني مرين، وعندئذ يستطيع أن يردهم إلى منازلهم، فيما وراء وادي أم الربيع، وإما أن يلقى هزيمته الحاسمة ويسقط مدافعا عن عرشه وقومه الموحدين. ولما علم أبو يوسف بخروج أبي دبوس في قواته لمحاربته، رأى أن يلجأ إلى خطة لاستدراجه وإبعاده عن قواعده، فارتد في قواته صوب الشمال. وتصور لنا الرواية ارتداد بني مرين، أمام زحف أبي دبوس، في صورة الخدعة الحربية، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكنه قد يدل من جهة أخرى على أن الأمير المرينى، وقف على ضخامة الجيش الموحدي وحسن استعداده، وأنه خشى أن يخوض معه المعركة الحاسمة، قبل العمل على مطاولته وإنهاكه. وعلى أي حال فقد ارتد أبو يوسف في قواته نحو الشمال، وسار الجيش الموحدي في أثره، وهو يطاوله من موضع لآخر، واعتقد أبو دبوس من جهة أخرى أنه يطارد جيشاً يخشى لقاءه، واستمرت هذه المطاردة حتى وادي غفو، وهنالك وقف بنو مرين واستعدوا للقاء الموحدين. ونشبت في وادي غفو بين الجيشين معركة عنيفة، قاتل فيها الفريقان بمنتهى الشجاعة والجلد، وكان الموحدون يوالون الهجوم علي بني مرين، وأبو دبوس يقود المعركة بنفسه، ولكن بنو مرين ثبتوا كالصخر وقاتلوا بشدة حتى اختلت صفوف الموحدين، وتمكنت جماعة من أنجاد فرسانهم، من تطويق أبي دبوس وصحبه الذين حوله، والتحمت بينهما معركة عنيفة، أثخن فيها أبو دبوس

(1) روض القرطاس ص 204، وابن خلدون ج 7 ص 182

ص: 568

خريطة:

تفكك الدولة الموحدية الكبرى والدول التي قامت مكانها في المغرب االأندلس 630 - 660 هـ = 1232 - 1262 م

ص: 569

طعناً بالرماح، وسقط صريعا عن جواده، وقتل معه وزيره أبو موسى عمران، وكاتبه علي بن عبد الله المغيلى، ومزقت صفوف الموحدين وبدد شملهم، وسقطت محلتهم، بسائر ما فيها من الأمتعة والأموال، في أيدي بني مرين، واحتز رأس آخر الخلفاء الموحدين، وحمل إلى أبي يوسف، فخر ساجداً شكراً لله على ما أولاه من النصر، وأرسلت الرأس فعلقت على سور فاس " ليعتبر برؤيتها جميع الناس ". ووقعت هذه الهزيمة الساحقة على الموحدين وهلك آخر خلفائهم في يوم الأحد الثاني من شهر المحرم سنة 668 هـ (أول سبتمبر 1269 م)(1).

وعلى أثر هذا النصر الحاسم، سار الأمير أبو يوسف إلى مراكش، وكان قد فر من كان بها من قرابة الخليفة وأشياخ الموحدين، على أثر وقوفهم على نبأ النكبة المروعة، ولجأوا إلى جبال الموحدين في تينملل، وهنالك بايعوا بالخلافة السيد أبا اسحاق أخا الخليفة المرتضى. بيد أنها لم تكن سوى شبح باهت ومهزلة تدعو إلى الرثاء. وفي يوم الأحد التاسع من المحرم سنة 668 هـ، دخل عاهل بني مرين أبو يوسف يعقوب حضرة مراكش في موكب فخم، فاستقبله سائر الأكابر والوجوه، من الفقهاء والقضاة والأشياخ، وبايعوه بالطاعة، والتمسوا إليه الأمان والحماية، فأمنهم أبو يوسف وطمأنهم، وأذاع الأمان لسائر أهل المدينة، وأحوازها فاطمأن الجميع، وسادت السكينة والأمن، واستقرت الأمور، ونزل أبو يوسف بالقصبة، وتم له بفتح مراكش ملك المغرب الأقصى، وقامت على أنقاض الدولة الموحدية الأخيرة، دولة جديدة هي دولة بني مرين الفتية، تسيطر على سائر أنحاء المغرب الأقصى، من وادي ملوية وجبال الأطلس الوسطى شرقا، حتى المحيط الأطلنطى غربا، ومن رباط تازا وجبال غمارة شمالا حتى وادي تانسيفت جنوبا، وتسمى أبو يوسف منذ دخوله حضرة مراكش " بأمير المسلمين "، وخرجت كتبه إلى القبائل بهذا اللقب، وكان قبل ذلك يكتفي بلقب " الأمير "(2).

ولبث أمير المسلمين أبو يوسف يعقوب، مقيما بمراكش إلى شهر رمضان سنة 669 هـ، وهو ينظر في شئونها وينظم أحوالها، وترد إليه الوفود مهنئة من كل صوب، وفي خلال ذلك، بعث ابنه الأمير أبا مالك عبد الواحد في حملة قوية إلى بلاد السوس لغزوها، وإخضاع من بها، من الثوار والقبائل الخارجة

(1) الذخيرة السنية ص 132 و 133، وروض القرطاس ص 205، وابن خلدون ج 6 ص 265 وج 7 ص 182.

(2)

الذخيرة السنية ص 134

ص: 570

عن الطاعة، فسار إليها، وغزا مختلف نواحيها، واستمر في توغله حتى ماسة، ثغر السوس الأقصى، وفرض الطاعة على سائر النواحي والقبائل، ثم عاد إلى الحضرة. وبعد ذلك خرج أبو يوسف بنفسه، إلى غزو طوائف العرب، التي بسطت سلطانها على منطقة درعة، وملكت حصونها، وعاثت فيها قتلا ونهبا، فسار إليهم في رمضان، واخترق منطقة درعة، واستنزلهم تباعا، وقتل منهم عدداً كبيراً، واستولى على أموالهم ودوابهم، وسبي نساءهم، وافتتح سائر بلاد درعة وحصونها، وقضى في غزوته هذه زهاء شهرين، ثم عاد إلى مراكش في منتصف شهر شوال، فأقام بها فترة قصيرة، وعقد عليها وعلى أعمالها لمحمد ابن علي بن يحيى، وهو من أكابر قرابته ووزرائه، وأنزله بالقصبة، وفوض إليه النظر في شئونها، وعهد إليه بالقضاء على آثار بني عبد المؤمن وتتبع آثارهم أينما كانوا (1). وكان من آثار هذه المطاردة أن قبض في سنة 674 هـ، بأحواز تينملل، على السيد إسحق بن السيد أبي ابراهيم، أخي الخليفة المرتضى، وكان قد نصبه الموحدون هنالك خليفة كما تقدم، وقبض كذلك على ابن عمه السيد أبي الربيع وغيره من القرابة، وسيقوا مع أولادهم إلى مراكش وقتلوا جميعا (2).

وغادر أبو يوسف مراكش في منتصف ذي القعدة (669 هـ) فسار إلى رباط الفتح، وقضى بها عيد الأضحى، ثم أخذ البيعة لولده الأمير أبي مالك بولاية عهده (3)، وعاد بعد ذلك إلى حاضرته فاس.

وعنى أبو يوسف بأمر سبتة وطنجة لما لهما من أهمية بارزة بموقعهما على المضيق، وكونهما معبر المغرب إلى الأندلس، ومعبر الأندلس إلى المغرب، ولاسيما بعد ما ظهر من نيات إسبانيا العدوانية نحو المغرب، منذ غزو سفنها لثغر سلا، فاعتزم الاستيلاء على هذين الثغرين الهامين، وكان ابنه الأمير أبو مالك قد زحف على طنجة في سنة 666 هـ، ولكنها امتنعت عليه، وكان يسيطر على كلا الثغرين، الفقيه العزفي حسبما تقدم ذكره. فسار أبو يوسف في قواته إلى طنجة في أوائل سنة 672 هـ، واستولى عليها، ومنح الأمان لأهلها، ثم بعث ولده الأمير أبا يعقوب في قوة كبيرة إلى سبتة فنازلتها أياما، ثم أذعن العزفى إلى الطاعة، وتعهد بأداء

(1) الذخيرة السنية ص 134 و 138، وروض القرطاس ص 205 و 206، وابن خلدون ج 7 ص 182.

(2)

ابن خلدون ج 7 ص 182.

(3)

الذخيرة السنية ص 139، وروض القرطاس ص 206

ص: 571

الجزية، فتقبل السلطان منه ذلك، وارتد عائداً في قواته إلى فاس (1).

ولم يكن باقيا من قواعد المغرب الأقصى دون فتح سوى سجلماسة، وكانت بيد يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان، وحلفائه من عرب المنبّات من بطون المعقل، فسار إليها أبو يوسف في جيش ضخم، وضرب حولها الحصار، ثم اقتحمها عنوة، وكان افتتاحها في شهر صفر سنة 673 هـ. وتم بذلك افتتاح بني مرين لسائر أمصار المغرب الأقصى وأقطاره، وبسطهم لسيادتهم عليه كاملة شاملة.

ووقعت قبل ذلك في سنة 670 هـ، حروب ومعارك طاحنة بين أبي يوسف ويغمراسن في أحواز تلمسان، ووجدة، كان النصر فيها لأبي يوسف، وهي أحداث ليس من موضوعنا أن نتناولها هنا، لأنها تتعلق بتاريخ بني مرين وبنى عبد الواد، ولا علاقة لها بتاريخ الدولة الموحدية.

أما عبور السلطان أبي يوسف إلى الأندلس بعد ذلك غير مرة، استجابة لنداء ابن الأحمر صاحب غرناطة، وجهاده بها ضد النصارى، وانتصاراته الباهرة في ذلك الميدان، وما كان بينه وبين ابن الأحمر طوراً بعد طور، من التحالف والقطيعة، فقد تناولناه مفصلا في كتابنا " نهاية الأندلس ". وإنما نود أن نشير هنا إلى أن نزول بني مرين ميدان الجهاد بالأندلس، إنما كان قياما بنفس الرسالة التاريخية، التي بدأ بها المغرب منذ عصر المرابطين، وأن بني مرين خلفوا الموحدين، في القيام بأعمال الجهاد في الأندلس، ولكن بعد فوات الوقت، وبعد سقوط معظم القواعد الأندلسية التالدة، في أيدي النصارى، خلال الفترة التي انهار فيها سلطان الدولة الموحدية، وتضاءلت قواها ومواردها بالأندلس ثم المغرب. بيد أن تدخل بني مرين في سير الحوادث بالأندلس، ومناصرتهم لمملكة غرناطة، آخر الممالك الإسلامية بالأندلس، عصراً امتد زهاء ثمانين عاما، كان أكبر عون لها في كفاحها ضد إسبانيا النصرانية، وفي صمودها الطويل، في ميدان الصراع، ولولا عون بني مرين وعبورهم المتوالى إلى شبه الجزيرة، ليشدوا بأزر المملكة الإسلامية الصغيرة، لما كتب لغرناطة كل هذا العمر الطويل الذي عاشته، والذى امتد بعد انهيار الأندلس الكبرى زهاء قرنين آخرين.

وتوفي السلطان أبو يوسف يعقوب المرينى، قاهر الدولة الموحدية ومبيدها

بعد حياة حافلة بالفتوح المظفرة، في أنحاء المغرب، وأعمال الجهاد الجليلة بالأندلس

(1) ابن خلدون ج 7 ص 187

ص: 572

وذلك بثغر الجزيرة الخضراء، في المحرم سنة 685 هـ (مارس سنة 1285 م) وقد أسبغت عليه انتصاراته الباهرة بالأندلس لقب المنصور بالله (1).

- 3 -

والآن نقف لحظة تأمل، نحاول فيها أن نستعرض بعض العوامل والأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة الموحدية، بعد أن عاشت منذ قيامها، بإعلان المهدي ابن تومرت لإمامته ورياسته، في جبل إيجليز في رمضان سنة 515 هـ، حتى سقوط حاضرتها مراكش، في يد السلطان أبي يوسف يعقوب المرينى في المحرم سنة 668 هـ، مائة واثنتين وخمسين عاما، قضت منها زهاء نصف قرن، في القضاء على الدولة المرابطية بالمغرب، وافتتاح سائر أقطاره، ثم افتتاح إفريقية وثغورها، وافتتاح قواعد الأندلس بعد ذلك، والقضاء على ثورة ابن مردنيش والاستيلاء على مملكة مرسية، آخر مهاد الثورة والمقاومة بالأندلس، وذلك في سنة 567 هـ، وقامت الإمبراطورية الموحدية الكبرى من ذلك التاريخ، تمتد من لوبية وساحل تونس شرقا، حتى المحيط الأطلنطى غربا، ومن ضفاف نهر التاجُه بالأندلس شمالا، حتى وادي درعة وبلاد السوس ومشارف الصحراء الكبرى جنوبا. على أن هذه الإمبراطورية العظيمة المترامية الأطراف، لم تمكث على وحدتها وتماسكها أكثر من نحو نصف قرن، هو الذي يشغله الشطر الأخير من عهد الخليفة عبد المؤمن، وعهد ولده الخليفة أبي يعقوب يوسف، ثم عهد الخليفة المنصور. ومنذ عهد ولد المنصور، الخليفة محمد الناصر (595 - 610 هـ)، تعمل عوامل الانحلال والتفكك، التي بدأت قبل ذلك حتى في عهد المنصور، وحجبتها قوته وعزمه وانتصاراته الباهرة، عملها الفعال، في تقويض دعائم الدولة الموحدية، وتمزيق وحدتها. ويمكننا أن نعتبر موقعة العقاب المشئومة (صفر 609 هـ - يوليه 1212 م) أخطر العوامل الحاسمة، في تسرب هذا الانحلال، إلى ذلك الصرح الشامخ، فقد هزت هذه الكارثة العظيمة أسس الدولة الموحدية إلى الأعماق، وكان ما وقع فيها من إفناء مروع للجيوش الموحدية وسحق لقوى الدولة ومواردها العسكرية، نذيراً واضحاً بانحلالها، وتضعضع قواها، وتضاءل مواردها. ثم جاء عصر الخلفاء الأحداث والخلفاء الضعاف،

(1) راجع في جهاد أبي يوسف وغزواته بالأندلس كتاب " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين " الطبعة الثانية ص 88 - 98

ص: 573

وعصر التنافس على عرش الخلافة، والحروب الأهلية المستمرة، وذلك كله في ظل دولة تقتص أطرافها وتنهار مواردها تباعا.

على أن موقعة العقاب الحاسمة، جاءت لتعزز عوامل خطيرة أخرى، كانت تجتمع تباعا، لتحدث آثارها المخربة المادية والأدبية، في صرح الدولة الموحدية. وقد كانت هذه العوامل تعمل عملها حتى في ظل عصر النهضة، وعصر الخلفاء الأقوياء، وقد كان في مقدمة هذه العوامل، نظام الحكومة الموحدية ذاته، وأسلوب الحكم الموحدي. فقد كانت الحكومة الموحدية تقوم على أساس العصبية والقبيلة والأسرة، وكان الخليفة الموحدي وهو رأس الدولة، يجعل من أقطار الدولة وعمالاتها إقطاعات قبلية وعائلية، فلا يتولى الحكم في الأقطار والعمالات سوى السادة من أبناء الخليفة، وأبناء عمومته وقرابته، إلا في أحوال نادرة، وكانت هذه القاعدة تطبق في المغرب والأندلس في وقت واحد. ولم يكن أولئك السادة أو الحفاظ، أو الزعماء القبليين، الذين يتولون الحكم، في المقاطعات والمدن، يتمتعون دائما بمستوى عال، من الكفاية والحزم والنزاهة، وإن كان منهم في أحيان كثيرة، رجال من ذوى المقدرة، والنباهة والعفة، وقادة من أقدر رجال الحرب. ولا شك أن هذا الأسلوب الإقطاعى الضيق، في حكم العمالات والمدن، لم يكن دائماً كفيلاً بتحقيق النظام والأمن والرخاء، أو بالدفاع عن مختلف أقطار الإمبراطورية وثغورها، ومن ثم فقد كشفت حوادث الأندلس وإفريقية، غير بعيد، عن ضعف هذا النظام وقصوره. فأما في الأندلس فقد استطالت إسبانيا النصرانية والبرتغال على الأراضي الإسلامية، ونفذت قشتالة بغزواتها إلى ما وراء جبل الشارات (سيرّا مورينا)، ووصلت جيوشها إلى بسائط قرطبة وإشبيلية، ونفذت مملكة ليون الصغيرة حتى ضفاف نهر وادي يانه، واستطاعت مملكة البرتغال الناشئة من جانبها، أن تستولى على قواعد ما وراء التاجه، وأن تنفذ بغزواتها جنوبا حتى شلب، وشرقا حتى بطليوس. ولم تستطع القيادة الموحدية بالأندلس بالرغم مما كان لديها من الموارد والحاميات العديدة، وبالرغم مما كان يتدفق عليها من القوات من وراء البحر، أن تقمع هذا العدوان المستمر من جانب النصارى، أو أن تقف في وجه الغزوات النصرانية بطريقة ثابتة، بل لم يستطع الخلفاء الموحدون أنفسهم، بالرغم من عبورهم إلى شبه الجزيرة غير مرة، في جيوشهم الزاخرة، وعُددهم الهائلة، حماية الأندلس

ص: 574

واسترداد قواعدها وثغورها المفقودة، وكان ما أصابهم من مرارة الإخفاق أكثر مما حققوا من الفتح والنجح، ولم يكن بين غزواتهم الموفقة اللامعة سوى غزوات المنصور وانتصاره الباهر في معركة الأرك العظيمة (شعبان 591 هـ - يوليه 1194 م) وهو انتصار لم تلبث أن محت آثاره هزيمة العقاب الساحقة (609 هـ). وتفاقمت هذه الآثار في الأندلس بقيام الخليفة العادل، خروجا على خلافة أبي محمد عبد الواحد بمراكش، ثم اضطرام ثورة البياسى (621 - 623 هـ)، وجنوحه إلى ممالأة ملك قشتالة، وتسليمه إليه عديد الأراضي والحصون، ثم خروج الخليفة المأمون على أخيه العادل 624 هـ، والتجائه إلى ملك قشتالة، واستعانته بالجند النصارى على تحقيق أمره، وتسليمه بدوره لملك قشتالة طائفة جديدة من الحصون الأندلسية. ويجب أن نضيف إلى ذلك مأساة السيد أبي زيد والي بلنسية وأخى عبد الله البياسى، فقد رأينا ما كان من أمر هذا السيد، حينما نهض الأمير أبو جميل زيان وانتزع منه حكم بلنسية، فقد التجأ إلى حماية ملك أراجون، واعتنق النصرانية وأصبح حربا على أمته ودينه، يسلم للنصارى ما كان بيده من الحصون، ويقودهم إلى غزو الأراضي الإسلامية. وقد كانت هذه الأحداث المبيرة كلها، نذيراً بانهيار الأندلس، وتمزيق وحدتها، وتفكك أوصالها، والتمهيد لسقوط قواعدها الكبرى، وكان في الوقت نفسه نذيراً بفقد الدولة الموحدية لهذا القطر العظيم من أقطارها. وأما في إفريقية، فقد كان غزو بني غانية لثغورها وقواعدها الغنية، وعيثهم في بسائطها، وقتلهم لسكانها وانتهابهم لأموالها، وذلك مدى ثلاثين عاما، وما اضطرت الخلافة الموحدية أن تخوضه من المعارك المستمرة في إفريقية، خلال هذه الفترة، وما تكبدته من الجهود والنفقات الهائلة، في سبيل هذه المعارك، وما هلك من جيوشها في ميدان القتال لمدافعة بني غانية، وللذود عن سلطانها في إفريقية: كان لذاك كله أثر بالغ في تقويض مواردها، وإضعاف قواها. وتخريب قطر من أعظم أقطارها، وأغناها وأزخرها بالموارد. وبالرغم من أن الخلافة الموحدية، استطاعت في النهاية أن تقضى على فورة بني غانية، وأن تسترد منهم سائر الثغور والأراضي الإفريقية، وأن تفتتح ميورقة موطنهم الرئيسي، ومثوى حكومتهم ورياستهم، فإن ذلك لم يكن كافيا لتوطيد سلطان الدولة الموحدية بإفريقية، ولم يكن ليحول دون تيار الحوادث الجارف، وقد كان يندفع بإفريقية إلى قدر آخر غير البقاء في ظل الدولة الموحدية

ص: 575

وقد كان انسلاخ إفريقية عن الدولة الموحدية، وقيام الدولة الحفصية بها منذ سنة 627 هـ (1229 م) في الواقع نتيجة لفورة بني غانية، والأحداث العظيمة التي أثارتها، وكان هذا الانفصال، بعد ضياع الأندلس، أخطر ضربة أصابت الإمبراطورية الموحدية من الناحية الإقليمية، ثم تبعتها تلمسان فاستولى عليها يغمراسن بن زيان وقومه من بني عبد الواد، وقامت بها إمارة مستقلة، أخذت في التوطد والنماء، وبذلك فقدت الدولة الموحدية إفريقية والمغرب الأوسط وفقدت في نفس الوقت ثغرى سبتة وطنجة، حيث قامت كلتاهما أولا بالدعوة الحفصية، ثم استقلت سبتة برياسة الفقيه العزفى (سنة 647 هـ) وتبعتها طنجة، فاستقلت برياسة ابن الأمين. وبذلك فقدت الدولة الموحدية سائر ثغورها الشمالية. ثم كانت المرحلة الأخيرة في تفكك الدولة الموحدية، وهي المرحلة التي ظهر فيها بنو مرين، وقوى أمرهم بوادي ملوية، وغلبوا تباعا على أطراف المغرب الأقصى. وفي الوقت الذي شغلت فيه الخلافة الموحدية بمصانعة طوائف العرب من الخلط وغيرهم، ومعالجة غدرهم وخياناتهم، وبقمع الثورة في الأنحاء الجنوبية، كان بنو مرين يتوغلون تباعا في الأنحاء الشمالية. ولما شعر الموحدون بخطر بني مرين، على ما تبقى من إمبراطوريتهم الشاسعة، في المغرب الأقصى، كان الوقت قد فات للتغلب على تلك القوة الناهضة الدافعة، وكان سقوط مكناسة في أيدي بني مرين في سنة 643 هـ، بداية النهاية في ضياع أمصار المغرب الأقصى، وتلتها فاس عاصمة المغرب القديمة التالدة، فسقطت لأول مرة في أيدي بني مرين في سنة 646 هـ، ثم استولوا عليها نهائيا بعد ذلك بعامين، وكان سقوط فاس أعظم أمصار المغرب الأقصى بعد مراكش، عنوان الانهيار الأخير، فلم تمض عشرون عاما أخرى هي عهد الخليفة المرتضى، حتى اجتاح بنو مرين سائر أراضي المغرب الأقصى، فيما وراء وادي أبي رقراق ووادي أم الربيع، واستولوا على سائر تلك المنطقة، ثم كان استيلاؤهم على مراكش في المحرم سنة 668 هـ من يد صنيعتهم أبي دبوس، خاتمة ذلك الصراع المرير المؤلم، وكان خاتمة الدولة الموحدية.

وإذا تركنا العوامل والأسباب المادية جانبا، فإن العوامل الأدبية قد لعبت أيضاً، دوراً في هذه المأساة التاريخية. ذلك أن الدولة الموحدية، قامت على أسس الإمامة المهدية، والعقيدة الموحدية، وكانت هذه الأسس بغض النظر عن حقيقة أمرها، توثق أواصر الزعامة الموحدية، وتجمع كلمة الموحدين القبلية

ص: 576

والعقيدية، حول إمامة واحدة، فلما تحولت الإمامة الموحدية، إلى خلافة دنيوية، وانحصرت في بني عبد المؤمن، ضعفت هذه الأواصر العقيدية، التي كانت توثق بين الزعامة الموحدية، ولم يبد الخلفاء الموحدون من بعد عبد المؤمن أية حماسة ظاهرة في تمجيد الإمامة المهدية. وكان الخليفة المنصور بالعكس، يبدى ريبه في صحة إمامة المهدي، وفي عصمته، ولكنه لم يجرأ على أن يحدث أي تغيير ظاهر، في رسوم الإمامة الموحدية. فلما تولى ولده أبو العلا إدريس المأمون الخلافة، كان في ذلك أشد منه جرأة وإقداما، فأصدر مرسومه الشهير بإلغاء الإمامة المهدية، ومحو رسومها وآثارها (627 هـ) وقام بذلك بثورة حقيقية في كيان العقيدة الموحدية. وكان من أثر هذا الاجتراء على محو تراث المهدي ووصيته الدينية، أن خرج معظم الأشياخ الموحدين على خلافة بني عبد المؤمن، ولجأوا إلى منازلهم في جبال المصامدة. وبالرغم من أن هذا الانفصام لم يكن له أثر مباشر من الناحية المادية، فقد كان له من الناحية الأدبية أعمق وقع، وفقدت خلافة مراكش من جرائه كثيراً مما كانت تتمتع به، من التأييد الروحى والقبلى، ولاسيما في منطقة جبال المصامدة وبلاد السوس. فلما كان عهد الرشيد ولد المأمون، وقع التقرب بين الزعماء الموحدين وبين الخلافة الموحدية، وأعاد الرشيد رسوم الإمامة المهدية، وتقاليدها السابقة، إرضاء لهؤلاء الزعماء، وجمعا للكلمة. ولكن الخلافة الموحدية لم تبرأ من ذلك الصدع الذي أصابها، ولم يكن ذلك التقرب الجديد بينها وبين أوليائها القدماء، وثيق العرى، بل كانت تغشاه الريب المتبادلة والحذر الدائم.

وكذلك كان أمر الروابط القبلية بين الخلافة الموحدية، وبين بعض القبائل البربرية القوية، وطوائف العرب من أنصارها القدماء. وقد كانت هسكورة وهي من أقوى هذه القبائل وأكثرها عدداً، تتردد بين تأييد الخلافة الموحدية وبين الخروج عليها، لا بسبب العقيدة أو المبدأ، ولكن لبواعث المصلحة الشخصية، وقد لعبت بذلك دورا هاما في المرحلة الأخيرة، من مصاير الخلافة الموحدية. وأما طوائف العرب مثل عرب الخلط وعرب المعقل وبنى جابر وغيرهم، فقد كان موقفهم من الخلافة الموحدية، موقفاً ذميما مؤلما، ولم يكن يحدوهم في تأييدها أية عاطفة من الولاء الثابت، أو شكر الصنيعة، مهما أغدقت عليهم، وكان تقلبهم في تأييد الجهات المختلفة، لا تمليه سوى البواعث المادية الوضيعة. وكانت أعمال التخريب والعيث والسفك والنهب، هي جل ما يستغرق نشاطهم أينما حلوا، وكانت خياناتهم

ص: 577

وتخاذلهم عن نصرة حلفائهم، في مختلف المعارك، مضرب الأمثال، وقد عانت الخلافة الموحدية كثيراً من أعمال غدرهم ونكولهم، وذلك حسبما فصلناه في مختلف المواطن.

ويجب ألا ننسى تبعة الخلفاء الموحدين أنفسهم، في العمل على تقويض أسس سلطانهم ودولتهم. فقد رأينا الخلفاء، منذ وفاة يوسف المستنصر، ينحدرون إلى هاوية الحرب الأهلية، ويشتغلون بالصراع فيما بينهم، حول اغتنام العرش، ويبددون قوي الدولة ومواردها، في معارك أهلية عقيمة، وقد استغرقت معارك المأمون، ثم ولده الرشيد، ويحيى المعتصم، فترة طويلة وموارد زاخرة، في الوقت الذي كان فيه بنو مرين يتوغلون داخل أنحاء المغرب، ويوطدون سلطانهم فيها، وقد اجترأ الموحدون في أواخر عهدهم على قتل خلفائهم، فقتل الخليفة أبو محمد عبد الواحد، ثم قتل خلفه الخليفة العادل، وقتل المأمون أشياخ الموحدين، الذين نكثوا بيعته، وقد كانوا نحو مائة أو تزيد، وقد أفنيت بهذا العمل الدموى، خلاصة الزعامة الموحدية، وانهار نفوذها القوي في توجيه الشئون.

ومما تجدر ملاحظته أن الدولة الموحدية، جازت عهداً طويلا من الانحلال والتفكك، استطال زهاء ستين عاما، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتدرجت في هذا الانحلال أطواراً متعاقبة، فلم يكن سقوطها أمراً سريعاً مفاجئاً، كما حدث في أمر الدولة المرابطية، وإنما كانت كل مرحلة تنبىء عن المرحلة التالية، ومن ثم فإن سقوطها لم يحدث في الأمة المغربية هزة عميقة، كتلك التي أحدثها سقوط الدولة المرابطية، ولم يقع في مراكش أو غيرها من المدن المغربية، عند انهيار الحكم الموحدي، شىء من تلك المناظر المروعة، التي اقترنت بدخول الموحدين مراكش، وغيرها من الحواضر، واستقبلت الأمة المغربية دولتها الحاكمة الجديدة - دولة بني مرين - بشعور الاستبشار والرضى، ولم يلبث أن تألق الحكم الجديد، وسطعت دولة بني مرين الزاهرة، وساد الأمن والنظام، وعم اليسر والرخاء في الحواضر والبوادى، واختفت تلك الهزات والأحداث العنيفة، التي لبثت تعكر صفاء السلم والحياة الوادعة، أكثر من نصف قرن.

- 4 -

وعلى أثر انهيار الدولة الموحدية، انهار ذلك الصرح القبلى الشامخ، الذي كان ينتظم عقده، من سائر قبائل المصامدة، والموحدين، كلما جد الجد أو أقبل الجهاد، فيغدو عماد الجيوش الموحدية الجرارة، وكانت هذه القبائل تنقسم

ص: 578

إلى مجموعتين: الأولى قبائل المصامدة، والثانية قبائل الموحدين. فأما المجموعة الأولى، فكانت تضم قبائل هسكورة ودُكالة وهيلانة وحاحة وغيرها، من قبائل المصامدة، وكانت هسكورة أكبر هذه القبائل عددا وأكثرها بطونا، ومن بطونها قبيلة جنفيسة (كنفيسة)، وكانت لضخامتها ووفرة حشودها، تحتل مكانة ملحوظة، بين قبائل الدولة الموحدية، بيد أن أهلها كانت تغلب عليهم البداوة، لا يخالطون الموحدين، فيما انغمسوا فيه من حياة الحضر والترف، بل يؤثرون التزام جبالهم المتشعبة من جبال الأطلس الشامخة، والممتدة في جنوب شرقي مراكش حتى مشارف السوس الأقصى. ولما غلب بنو مرين على الدولة الموحدية ومحوا آثارها، اضطهدوا هسكورة وفرضوا عليها المغارم الثقيلة، فلزموا السكينة، ولبثوا معتصمين بجبالهم، ولم يرتضوا خدمة الدولة الجديدة، ولم يدينوا بدعوتها، وكانت كلما اشتدت عليهم وطأة عسكر بني مرين ردوهم بدفع الإتاوات من آن لآخر. وكان رؤساؤهم يتمتعون بنوع من الاستقلال المحلى، ويحشدون حولهم الحشود لحماية سلطانهم، وتحصيل جباياتهم، ويستعينون أحيانا ببعض قبائل الجبل من أهل بسائط السوس من بطون هسكورة وجنفيسة، وكذلك ببعض بطون العرب مثل بني الحارث من سفيان، والشبانات من عرب المعقل. وهكذا لبثت هسكورة بعيدة عن الولاء لبني مرين، لا تدين بطاعتهم، إلا عن طريق الجزية، كما حدث أيام السلطان أبي الحسن المرينى، وأحيانا تناوئهم متى شعرت بضعف الدولة وتراخيها (1).

وكذلك استقلت بقية قبائل المصامدة غربي مراكش، مثل دكالة وهيلانة وحاحة، بأمرها ورياستها، وكانت منازلهم تمتد غربا حتى شاطىء المحيط (2).

وأما المجموعة الثانية فكانت تضم قبائل الموحدين، ومنازلها على مقربة من مراكش، وكانت منها سبع قبائل امتازت بالسبق والإيثار على غيرها، لاعتناقها دعوة المهدي ابن تومرت، قبل أن يتوطد أمره، أو بعبارة أخرى قبل افتتاح مراكش. وهذه القبائل السبع تنتمى إلى المصامدة، وهي هرغة قبيلة الإمام المهدي، وهنتاتة، وتينملّل وهم الذين بايعوه مع هرغة في بداية أمره، وجنفيسة، وهزرجة، وجدميوة (كدميوة) ووريكة. وتلحق بها قبيلة ثامنة، هي كومية قبيلة الخليفة عبد المؤمن ابن علي كبير صحابة المهدي. وكانت هذه القبائل الثمان لسبقها في البيعة والطاعة، تتمتع بمزايا الإيثار في السلطان والنفوذ، وتولى المناصب والقيام بمهام الأمور. فلما

(1) ابن خلدون ج 6 ص 262 و 263.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 264

ص: 579

انهارت الدولة الموحدية ضعف أمرهم، وأضحوا من الرعايا العاديين للدولة الغالبة (1). وقد دثرت قبيلة هرغة - قبيلة المهدي - بعد سقوط الدولة بقليل، وفقدت كل مكانة ونفوذ، وكذا كان مصير قبيلة أو أهل تينملّل، وهم الذين نزل بينهم المهدي وأعلن إمامته، وأنشأ داره ومسجده، وكان لهم شأن في مناصب الدولة، وعمالاتها، ولكن رجالاتهم انقرضوا غير بعيد، وملك أمرهم غيرهم من زعماء المصامدة. وكان قبر المهدي لديهم بتينملّل، مايزال حتى العصر الذي كتب فيه ابن خلدون تاريخه، حوالى سنة 780 هـ، مايزال مزاراً مرموقاً، وعلى ما كان عليه من التجلة والتعظيم، يتلى به القرآن والأحزاب باستمرار ويقوم عليه الحجاب والحفاظ، وتترى إليه الوفود من كل فج، وتقدم الصدقات نذرا وتبركا. وكان أهل تينملل ومعهم كافة المصامدة، يعتقدون اعتقاداً جازماً، بأن أمر المهدي سيعود، وأن الدولة ستظهر على أهل المشرق، ويملأ المهدي الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك وفق ما وعدهم به (2).

وأما هنتاتة، فكانت من أشد قبائل الموحدين بأسا وتمكنا في الدولة، وذلك لما كان عليه زعيمها الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، أحد الصحب العشرة، من مكانة ملحوظة لدى المهدي، وقد لبث آبناؤه يتبوأون أرفع مناصب الدولة، وانتهى زعيمهم أيام الناصر، الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص، بأن غلب على ولاية إفريقية، ومهد ملكها لعقبه، فأقاموا بها دولة مستقلة عظيمة. ولما انتهت الدولة الموحدية، لبثت هنتاتة في موطنها القديم بجبال درن، على مقربة من مراكش، وكانوا أيام بني مرين، من القبائل الخاضعة لسلطان الدولة الجديدة، يولون عليها من شاءوا لضبطها وتحصيل جبايتها.

وكانت قبيلة جدميوة تابعة لهنتاتة، وتينملل، وجبلهم بجوار جبل هنتاتة، فلما انهارت الدولة افترق أمرهم، وخضع بعضهم لبني مرين، وامتنع البعض الآخر عن الطاعة. وكانت وريكة كذلك من القبائل المجاورة لهنتاتة، وكانت بينهم فتن وحروب مستمرة هلك فيها كثير من الفريقين المتخاصمين (3).

وهكذا كانت الخاتمة المؤسية، لتلك المجموعة من القبائل البربرية والبدوية، التي هزتها دعوة المهدي ابن تومرت إلى الأعماق، ومكنتها من أن تنشىء دولة من أعظم الدول، في الغرب الإسلامي، هي الدولة الموحدية الكبرى.

(1) ابن خلدون ج 6 ص 266.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 267، وراجع ما ورد في القسم الأول بشأن قبر المهدي ص 198.

(3)

ابن خلدون ج 6 ص 270 و 271

ص: 580