المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٤

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌القسْم الثانىعصْر الموحِّدينوانهيار الأندلسْ الكبرى

- ‌تصدير

- ‌الفصل الأولعصر الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وسقوط مملكة الشرق

- ‌الفصل الثالث حركة الجهاد بالأندلس والإخفاق في غزوة وبذة

- ‌الفصل الرابع أحداث الأندلس والمغرب

- ‌الفصل الخامس غزوة شنترين

- ‌الكِتابُ السابع عصْر الخليفة يعقوبْ المنصُور حَتى مَوقعَة العِقابْ

- ‌الفصل الأوّل عصر الخليفة يعقوب المنصور وبداية ثورة بني غانية

- ‌الفصل الثاني حوادث الأندلس وإفريقية

- ‌الفصل الثالث موقعة الأرك

- ‌الفصل الرابع ما بعد الأرك

- ‌الفصل الخامِسُ عصر الخليفة محمد الناصر

- ‌الفصل السادس موقعة العقاب

- ‌الكِتاب الثامِنْ الدولة الموحديّة في طريق الانحلال والتفكك

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة يوسف المستنصر بالله

- ‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة أبي العلي المأمونإلغاء رسوم المهدي ابن تومرت وقيام الدولة الحفصية بإفريقية

- ‌الكِتاب التاسِع انهيار الأندلس وسقوط قواعدها الكبرى

- ‌الفصل الأول الثورة في مرسية وبلنسية ونذر الانهيار الأولى

- ‌الفصل الثاني ابن هود وابن الأحمر وسقوط قرطبة

- ‌الفصل الثالث سقوط بلنسية وقواعد الشرق

- ‌الفصل الرابع سقوط إشبيلية وقواعد الغرب

- ‌الكتاب العاشر نهاية الدولة الموحديّة

- ‌الفصل الأول عصر الخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد

- ‌الفصل الثاني عصر الخليفة أبي الحسن على السعيد

- ‌الفصل الثالث عصر الخليفة المرتضى لأمر الله

- ‌الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها

- ‌الكتاب الحادي عشر الممالك الإسبانية النصرانية خلال العصْر الموحّدى

- ‌الفصل الأول قشتالة وليون

- ‌الفصل الثاني أراجون ونافارا والبرتغال

- ‌الكتاب الثاني عشر نظم الدولة الموحديّة وخواص العصْر الموحدي

- ‌الفصل الأول الحكومة الموحدية بالمغرب والأندلس

- ‌الفصل الثاني الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الثالث الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

- ‌الفصل الرابع الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي

الفصل: ‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس

‌الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس

.

ولاية الخليفة أبي محمد عبد الواحد. نشأته وصفاته. تصرفاته الأولى. اعتراض السيد أبي محمد عبد الله والي مرسية على خلافته. قيامه بالدعوة لنفسه وتلقبه بالعادل. انضمام إخوته ولاة قرطبة وغرناطة ومالقة إليه. تأييد أبي محمد عبد الله البياسى والي جيان له. مخالفة السيد أبي زيد والي بلنسية. استوزاره لابن يوجان ونزوحه إلى إشبيلية. القيام بدعوته في مراكش. مصرع الخليفة أبي محمد عبد الواحد. تطور الحوادث بالأندلس. خروج البياسى على العادل ودعوته لنفسه. مسير أبي العلى إدريس لقتاله. استنصار البياسى بملك قشتالة. تخاذل أبي العلى عن قتاله وارتداده. العادل يرسل جيشاً آخر لقتال البياسى. هزيمة هذا الجيش وفراره. استيلاء البياسى على قرطبة. إغارة النصارى على أحواز إشبيلية. خروج أهلها لرد الغزاة. هزيمتهم وتمزيق صفوفهم. إغارة النصارى على أحواز مرسية. هزيمة المسلمين. مغادرة العادل للأندلس ومسيره إلى مراكش. العادل ونشأته وصفاته. اهتمامه بشئون الأندلس وكتابه في ذلك. تفاقم الحوادث في الأندلس. أعمال البياسى والقشتاليين في أواسط الأندلس. تحالف البياسى وملك قشتالة. محاصرة ملك قشتالة لجيان. فشل الحصار وارتداد النصارى. افتتاح القشتاليين للقبذاق وباغة. غزوهم للوشة والحامة. محاصرتهم لغرناطة ثم جلاؤهم عنها. زحف البياسى على إشبيلية. خروج أبو العلى إدريس في الموحدين لمدافعته. هزيمة الموحدين وأهل إشبيلية. خضوع قرطبة وبلاد شرقي إشبيلية للبياسى. ما سلمه البياسى لملك قشتالة من المواقع والحصون. عود البياسى إلى مهاجمة إشبيلية. خروج أبي العلى للقائه. هزيمته وتمزيق جموعه. عود بلاد شرقي إشبيلية إلى طاعة العادل. كتاب أبي العلى إلى أخيه الخليفة. ثورة أهل قرطبة ضد البياسى. مطاردته ومصرعه وانهيار ثورته. صفاته الذميمة. افتتاح ملك قشتالة لحصن قبالة. استنجاد أهل بياسة بصاحب جيان. خروج أهلها منها واستيلاء النصارى عليها. استيلاء فرناندو الثالث على شوذر ومواضع أخرى. مسير السيد أبي العلى إلى مرتش وعجزه عن مهاجمتها. يعقد الهدنة مع القشتاليين. اضطراب الأحوال في المغرب. عيث الخلط وهسكورة في أحواز مراكش. خروج أبي العلى إدريس بالأندلس على أخيه. دعوته لنفسه بالخلافة. كيف مهد لنفسه طريق الدعوة. مبايعته واتخاذه لقب المأمون. سعى الوزير ابن يوجان لتأييده. اتفاق الموحدين على خلع العادل. رفض العادل التنازل ومصرعه. بيعة الأشياخ للعادل ثم عدولهم عنه إلى ابن أخيه يحيى الناصر. تلقب يحيى بالمعتصم. غضب المأمون واعتزامه العبور إلى العدوة.

لما توفي الخليفة يوسف المستنصر بالله دون عقب في يوم السبت الثاني عشر من ذي الحجة سنة 620 هـ، اجتمع رأى أشياخ الموحدين، وفي مقدمتهم الوزير أبو سعيد بن جامع، على أن يقدموا مكانه للخلافة السيد أبا محمد عبد الواحد

ص: 348

ابن الخليفة يوسف بن عبد المؤمن (1)، وكان شيخاً قد جاوز الستين، يعيش مغموراً في هدوء ودعة. ويقول لنا المراكشي، فيما بلغه، أنه لما توفي المستنصر، اضطرب الأمر، وتطلع الناس لنشوب الخلاف، ولكن معظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد العزيز (عبد الواحد)(2). على أنه يبدو أن اختيار عبد الواحد، كان أمراً تقرر بمنتهى السرعة، إذ بويع في اليوم التالي لوفاة المستنصر، أعني في يوم الأحد الثالث عشر لذى الحجة، ويبدو في نفس الوقت أن هذا الاختيار لشيخ جاوز الستين، يرجع إلى حكمة مزدوجة، أولا لكي يكون أداة مطواعة للزعماء الذين يقبضون على ناصية الحكم، وثانياً لكي تكون خلافته، ومفروض أنها سوف تكون قصيرة الأمد، فترة انتقال، يتمكن الأشياخ فيها من حسم خلافاتهم، والاتفاق على الخليفة الحقيقي.

ويقدم إلينا المراكشي، وقد عرف السيد عبد الواحد شخصياً، تفاصيل عديدة عنه، وعن حميد صفاته. فهو من أصغر أولاد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن وأمه حرة اسمها مريم وهي صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، كانت قد سبيت هي وأمها فيمن سبوا عند افتتاح عبد المؤمن للقلعة، فأعتقهما عبد المؤمن، وزوج مريم لابنه أبي يعقوب يوسف، فرزق منها بثمانية من الولد، أربعة ذكور، وأربع إناث، وكان الذكور هم ابراهيم وموسى وإدريس وعبد الواحد وهو أصغرهم. ولبث عبد الواحد طيلة شبابه مغموراً، لم تسند إليه ولاية ما، حتى تولى الخلافة ابن عمه الناصر لدين الله، فأسند إليه ولاية مالقة، وذلك في سنة 598 هـ، ثم صرفه عنها في سنة 603 هـ، وولاه أمر قبيلة هسكورة، وهي ولاية ضخمة، فاستمر في ولايته هذه طوال عهد الناصر، وشطراً من عهد ولده المستنصر. ثم اختاره المستنصر والياً لسجلماسة، ثم والياً لإشبيلية، وذلك حينما عزل عنها أخوه أبو العلاء إدريس، ونقل إلى ولاية تونس، ثم صرف عنها وعاد إلى مراكش.

وقد بويع السيد أبو محمد عبد الواحد بالخلافة على كره منه، فم يك راغباً فيها، ولم يك يصلح لها (3). وكان حسبما يصفه لنا المراكشي عن علم ومشاهدة،

(1) وفي الحلل الموشية أن كنيته " أبو مالك " ص 123.

(2)

المعجب ص 187.

(3)

روض القرطاس ص 162.

ص: 349

رجلا ورعا صالحاً، بعيد النظر، قوي العزم، شديد الشكيمة، حريصاً على اتباع الحق، لا تأخذه فيه لومة لائم، كثير التلاوة لكتاب الله، دؤوباً على تلاوة الأوراد، لا يمنعه عن ذلك مانع، ولا يترك وظيفة من الوظائف التي رتبها لنفسه، من أخذ العلم وقراءة القرآن والأذكار، رتبها على أوقات الليل والنهار. يقول المراكشي:" شهدت هذا كله بنفسى، لا أنقله عن أحد، ولا أستند فيه إلى رواية. هذا مع دماثة خلق، ولين جانب، وخفض جناح لأصحابه، ولمن علم فيه خيراً للمسلمين ". وأما عن شخصه فيصفه المراكشي بأنه كان " أبيض تعلوه صفرة، جميل الوجه جداً، معتدل القامة، متناسب الأعضاء "(1).

وتمت بيعة السيد أبي محمد عبد الواحد في جو من التفاهم والوفاق، ولم يختلف أحد في المغرب على بيعته، ولم يبد عليها اعتراض من أحد، ولم يتخذ الخليفة الجديد لقباً خلافياً كأسلافه، ولكنه عرف فيما بعد " بالمخلوع " لأنه كان أول من خلع بني عبد المؤمن عن كرسى الخلافة. وكان في مقدمة تصرفاته أن أمر بمحاسبة ابن أشرفى صاحب المخزن، ومطالبته بالمال. وكتب لأخيه أبي العلاء الكبير بتجديد الولاية على إفريقية، وكان المستنصر قد أوعز بعزله، بيد أنه توفي قبل استئناف ولايته، وأمر بإطلاق سراح الوزير السابق أبي زيد عبد الرحمن بن موسى ابن يوجان، ولكن الوزير ابن جامع اعترض على تنفيذ هذا الأمر، وبعث بابن يوجان مع الأسطول بقصد تغريبه إلى ميورقة (2). ولكنه لما وصل إلى الأندلس، أخذ وسجن في حصن جنجالة، فبقى فيه حتى توفي ابن جامع، وعندئذ أطلق سراحه (3). ثم كان ظهور الخلاف والمعارضة للخليفة الجديد، لا في المغرب ولكن في جهة أخرى، فيما وراء البحر، أعني في شبه الجزيرة الأندلسية. وذلك أنه لم يمض شهران على بيعته بالمغرب ومعظم أنحاء الأندلس، حتى ارتفع أول صوت ضد بيعته في شرقي الأندلس، وكان هو صوت ابن أخيه السيد أبي محمد عبد الله ابن يعقوب المنصور. وكان أبو محمد عبد الله عندئذ، واليا لمرسية. وكان إخوته أبو العُلى (أبو العلاء) والياً على قرطبة، وأبو الحسن والياً على غرناطة، وأبو موسى والياً على مالقة. وكان قد استوزر أبا زيد بن يوجان بعد إطلاق سراحه.

(1) المعجب ص 188.

(2)

ابن خلدون في العبر ج 6 ص 251.

(3)

الروض المعطار ص 67 في مقال جنجالة.

ص: 350

وكان ابن يوجان هذا داهية زمانه، فلما وردت الأنباء بأخذ البيعة لأبي محمد عبد الواحد، تقدم ابن يوجان إلى السيد أبي محمد عبد الله، وحذره من المبايعة للخليفة الجديد، وقال له إنهم بتنصيب عبد الواحد، قد أخرجوا الإمامة عن عقب سيدنا المنصور، وأنه يشهد بأن المنصور قال إن لم يصلح محمد (أعني الناصر) فعبد الله، وأنه أي عبد الله أحق بالخلافة، فهو ولد المنصور، وأخو الناصر، وعم المستنصر، وأنه صاحب عقل وحزم وسياسة وبعد نظر، ولن يختلف اثنان على استحقاقه للخلافة، خصوصاً وأن الناس يكرهون بني جامع الذين توارثوا الوزارة، وجعلوا يقصون عن الحضرة كل ذي رأى ومقدرة، وأخيراً فإن له من وجود أخوته الثلاثة في رياسة قرطبة وغرناطة ومالقة أكبر عضد (1). وكان لتوجيه ابن يوجان وتحريضه أكبر الأثر، فنهض السيد أبو محمد واستدعى أشياخ الموحدين والفقهاء والأعيان بمرسية وأحوازها، ودعاهم إلى مبايعته، فلبوا دعوته، وتسمى بالعادل، وكان ذلك في يوم 13 صفر سنة 621 هـ وذلك لشهرين من بيعة أبي محمد عبد الواحد، وبايعه إخوته ولاة قرطبة، وغرناطة ومالقة. وكذلك بايعه السيد أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله محمد ابن يوسف بن عبد المؤمن صاحب جيان، وهو الذي عرف فيما بعد بالبيّاسى، لقيامه فيما بعد ضد العادل ببياسة. وكان سبب انضمامه للعادل ما قرره الخليفة عبد الواحد من عزله، بعمه أبي الربيع بن أبي حفص، فانتقض عليه وبايع للعادل (2). وفي رواية أخرى أن عبد الله البياسى كان عند قيام العادل والياً على إشبيلية (3). وعلى أي حال، فقد استطاع العادل أن يحصل على تأييد سائر قواعد الأندلس، خلا بلنسية ودانية وشاطبة، حيث امتنع واليها السيد أبو زيد بن أبي عبد الله محمد أخو البياسى عن مبايعته، وبقيت هذه القواعد على طاعته. ثم خرج العادل من مرسية وبصحبته وزيره أبو زيد بن يوجان، وسار إلى إشبيلية، وأخذ في تدبير الأمور، ولم يلبث أن برم بطغيان ابن يوجان واسئثاره بكل أمر، فبعثه إلى سبتة، ليكون هناك نائبه، ولينظر في شئون العودة. وهنا يحيق الغموض بسير الحوادث سواء بالمغرب أو الأندلس.

(1) الروض المعطار ص 68، وروض القرطاس ص 162.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 251.

(3)

هذه رواية ابن عذارى في البيان المغرب - القسم الثالث ص 248.

ص: 351

ففي رواية أن العادل حينما وصل إلى إشبيلية، وصلته هنالك بيعة أهل مراكش وبلاد المغرب. وفي رواية أخرى أنه كتب إلى الأشياخ الموحدين بحضرة مراكش يدعوهم إلى بيعته، وخلع عبد الواحد ووعدهم بجزيل الصلات، ورفيع المناصب والولايات، فصدعوا برغبته ودخلوا على الخليفة عبد الواحد، وهددوه، وأرغموه على أن يعلن خلع نفسه، وأن يشهد بذلك على نفسه أمام القاضي والفقهاء والأشياخ، وكان ذلك في اليوم الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة 621 هـ. ولم تمض أيام قلائل على ذلك، حتى دخلت عليه جماعة من الموحدين، وخنقوه، ونهبوا قصره، وسبوا حريمه، فكان بذلك أول من خلع وقتل من بني عبد المؤمن (1) ومن جهة أخرى فإنه يبدو أن أشياخ الموحدين بمراكش، لما بلغتهم بيعة العادل بالأندلس، اختلفوا فيما بينهم أولا، وبادروا بعزل الوزير ابن جامع، واقتسموا السلطات فيما بينهم، وأنفذوا أوامرهم إلى الأسطول بمنع جواز العادل إلى المغرب. ولكن الظاهر أنهم قرروا أمرهم فيما بعد، وبعثوا ببيعتهم إلى العادل (2).

- 1 -

وفي أثناء ذلك اضطربت الحوادث بالأندلس، واتخذت وجهة جديدة لم تكن في الحسبان. وكانا لبيعة العادل أكبر أثر في تطورها على هذا النحو. وذلك أن السيد أبا محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب جيان، لما رأى من رفض أخيه السيد أبي زيد والي بلنسية ودانية وشاطبة، بيعة العادل، واعتصامه بهذه القواعد الشرقية، عاد بدوره، فأعلن خلعه لطاعة ابن عمه العادل ودعا لنفسه وتلقب بالظافر، وأطاعته جيان وأبدة وقيجاطه وبياسة، وسائر أراضي تلك المنطقة. فبادر العادل، وبعث من إشبيلية أخاه أبا العلاء إدريس ابن المنصور، في قوة كبيرة من الموحدين، لقتال السيد أبي عبد عبد الله وإخماد ثورته، فخرج السيد عندئذ من جيان ولجأ إلى بياسة وامتنع بها، وسمى من ذلك التاريخ بالبياسى، وبعث إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، يستنصر به، ونحن نعرف منذ أيام الطوائف، ماذا كان الثمن الذي يتقاضاه الملوك النصارى نظير هذه المعونة، فقد كان دائماً قطعة من أشلاء الأندلس، تبذل دون تحفظ، إلى

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 47، وروض القرطاس ص 162 و 163.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 251 و 252.

ص: 352

جانب الخضوع والطاعة. ولم يشذ البياسى عن هذه القاعدة المؤلمة، بل سنرى أنه ذهب فيها إلى أبعد حد.

وأشرف الجند الموحدون بقيادة أبي العلاء على بيّاسة في أواخر سنة 621 هـ (أواخر سنة 1223 م)، ونزلوا في ظاهرها، وكان الوقت شتاء، وقد بلغ البرد ذروته، واشتد هطل الأمطار، وغمرت السيول كل صقع، فحاصر أبو العلاء بياسة أياما قلائل، ثم خشى أن يفيض النهر (الوادي الكبير) فيتعذر عليه العبور عند العودة، وخشى كذلك أن يداهمه القشتاليون حلفاء البياسى، وبعث إليه البياسى من جهة أخرى بعوده إلى طاعة العادل، وأرسل إليه ولده الأصغر رهينة لديه، فاكتفى أبو العلاء بذلك وارتد عائدا بقواته إلى إشبيلية، دون أن يحقق شيئاً من مهمته، فقوبل في إشبيلية بمنتهى الاستهجان والسخط، ورمى بالخور والجبن (1). وعندئذ بادر العادل بتجهيز جيش موحدى آخر، أسندت قيادته إلى أبي سعيد عثمان بن أبي حفص. فسار هذا الجيش إلى بياسة ونزل على بعد خمسة أميال من جنوبي المدينة، على مقربة من شمال الوادي الكبير، فخرج إلى قتاله نحو مائة فارس من أصحاب البياسى، وقوة من حلفائه القشتاليين، فسرى الرعب إلى الموحدين عند رؤيتهم، وبادروا إلى الفرار دون قتال وارتدوا إلى إشبيلية، وبقى البيّاسى في بياسة دون منازع، وقد احتل حلفاؤه القشتاليون قصبتها (2).

وهنا يحيق الغموض بموقف البياسى وتحركاته، ويبدو من مختلف الروايات أنه استطاع في تلك الآونة أن يبسط سلطانه، فضلا عن منطقة بياسة، على مدينة قرطبة، وذلك على خلاف في طريق تملكها، فابن عذارى يقول لنا إن العادل هو الذي أسند إليه ولايتها، وقت أن كان مُقراً بطاعته، وصاحب روض القرطاس يقول إن أهل قرطبة هم الذين انضموا إليه. وأما صاحب الروض المعطار، فيقول إن البياسي هو الذي تملك قرطبة، بل يزيد على ذلك أنه تملك أيضا مالقة، " وكاد يستولي على الأمر لو ساعده القدر "(3). وعلى أي حال

(1) الروض المعطار في مقاله عن بياسة ص 57، وروض القرطاس ص 163.

(2)

الروض المعطار ص 58.

(3)

البيان المغرب - القسم الثالث 249، وروض القرطاس ص 164، والروض المعطار ص 58.

ص: 353

فقد كان من الواضح أن البياسى، كان يحتل في الأندلس الوسطى مركزاً له خطره، وكان منافساً قوياً للعادل، يكاد ينتزع الأمر منه.

وكان العادل قد غدا بإشبيلية على أثر فشل قواته في إخضاع البياسى، في مأزق حرج. وزاد من حرج مركزه عندئذ، غزوة قام بها النصارى في أراضي الشّرف غربي إشبيلية. وذلك أن قوة من الجند الليونيين يقودها مارتن سانشيز، وهو ابن غير شرعى لملك البرتغال سانشو الثاني، دخل في خدمة ملك ليون، عبرت جبال الشارات، وسارت جنوبا حتى وصلت إلى أراضي الشّرف، وعاثت في تلك المنطقة، واستولت على كثير من الغنائم والسبي، وألفى العادل، وأخوه أبو العلاء، ووزيره ابن يوجان، ومن معهم من أشياخ الموحدين، أنفسهم عاجزين عن دفع النصارى، وحماية المدينة مما قد يصيبها. ووقع الهرج بين أهل المدينة، واجتمع الناس خاصتهم وعامتهم بالمسجد الجامع، وطالبوا العادل وأشياخ الموحدين بجمع الصفوف، والخروج إلى لقاء العدو، فاستنفر العادل الناس، واحتشدت مهم جموع غفيرة، ومعظمهم من غير سلاح، واجتمع من الفرسان نحو مائة، وسارت هذه الجموع إلى حيث نزل النصارى على مقربة من طلياطة (1) وهي تقع غربي إشبيلية على مقربة من لبلة، وكان النصارى في قوة كبيرة حسنة الأهبة والسلاح، فأراد العامة أن يدفعوا قوة الفرسان الصغيرة إلى لقاء العدو، فامتنع قائدها عبد الله بن أبي بكر بن يزيد، وحاول أن يقنع العامة بعبث هذه المحاولة، وبأن التزام الدفاع أفضل وأولى، فتطاولوا عليه وسبوه، فانسحب مع فرسانه. وعندئذ أنقض النصارى على هذه الجموع الهزيلة المفككة من المسلمين، ففتكوا بها وأفنوا الكثير منها قتلا وأسراً، وفر الكثير منهم في مختلف الأنحاء. ويقدر من هلك من المسلمين في الموقعة بعدة آلاف، ويبالغ بعضهم فيقدرها بنحو عشرين ألفاً، ووقعت موقعة طلياطة هذه في شهر جمادى الأولى سنة 622 هـ (مايو 1224 م)(2).

ولم يمض شهران على ذلك، حتى وقعت في شرقي الأندلس غزوة نصرانية مماثلة، وهزيمة مماثلة للمسلمين. وذلك أن حكام قونقة ووبذة والأركون ومويا،

(1) وهي بالإسبانية Tejada

(2)

ينفرد صاحب الروض المعطار بما يقدمه إلينا عن هذه الموقعة من تفاصيل وافية (ص 128 و 129).

ص: 354

جمعوا قواتهم، وسارت منها حملة غازية بقيادة ألبرو تليس اخترقت وادي شُقر جنوباً حتى أراضي مرسية، فخرج لردهم جند مرسية وأهلها بقيادة أبي على ابن أشرقى، وكانوا على مثل أهل إشبيلية من التفكك والفوضى، فنشبت بينهم وبين النصارى، في مكان يعرف بعفص Aspe يقع شرقي مرسية، معركة شديدة هزم فيها المسلمون هزيمة فادحة، وأسر وقتل منهم فيها الكثير. وكان ذلك في شهر رجب سنة 622 هـ (يوليه 1224 م)، وفي ذلك يقول شاعر مرسى، مقارنا بين موقعتى عفص وطلياطة:

موقعة عفص وطلياطة

تكامل إقبال أيامنا

فبالغرب تلك وبالشرق ذي

أناخا على شم أعلامنا (1)

- 2 -

في ذلك الحين، كانت بيعات الموحدين بمراكش والمغرب، قد وصلت إلى العادل بإشبيلية، وكان الخليفة عبد الواحد، قد خُلع ولقى مصرعه، وأصبح عرش الخلافة الموحدية خاليا، فرأى العادل أن الوقت قد حان لكي يعبر إلى المغرب، خصوصاً وقد أخذت الحوادث تتجهم في الأندلس، على أثر فشله في التغلب على البياسى، وفي رد النصارى عن أراضي إشبيلية، فندب أخاه أبا العلاء إدريس للنظر على شئون الأندلس، وغادر إشبيلية، وعبر البحر إلى المغرب، وذلك في شهر ذي القعدة سنة 622 هـ (أكتوبر سنة 1224 م)(2).

والظاهر أنه لقى في طريقه إلى مراكش صعابا من تعرض العربان وغيرهم إليه. ولما وصل العادل إلى مراكش، واستقر بقصر الخليفة، استوزر أبا زيد

(1) راجع الروض المعطار ص 136.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 252، والروض المعطار ص 129. ونحن نرجح الأخذ بهذا التاريخ الذي يقدمه إلينا صاحب الروض المعطار لعودة العادل، ولكن يبدو من أقوال ابن عذارى أن العادل عاد إلى مراكش يوم السبت 20 شعبان سنة 622، وهو آخر يوم من حكم عبد الواحد، وأنه دخل عليه القصر في هذا اليوم. وفي اليوم التالي أشهده على نفسه بالخلع، وأن عبد الواحد خنق بعد ثلاثة أيام من خلعه (البيان المغرب ص 247 و 248) ومعنى ذلك أن العادل هو الذي قام بخلع عبد الواحد ثم أوعز بقتله، ونهب قصره وسبي حريمه. وهذه الرواية التي ينفرد بها ابن عذارى، تبدو في نظرنا ضعيفة بعيدة الاحتمال. وبالعكس فإن الظروف والقرائن الزمنية تحمل كلها على الاعتقاد بأن عودة العادل كانت بعد خلع عبد الواحد ومصرعه. ويستفاد ذلك فضلا عن قول صاحب الروض المعطار، من قول ابن خلكان (ج 2 ص 434)، وصاحب الحلل الموشية (ص 123) وصاحب روض القرطاس (ص 163) وكذلك ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال 1674 الغزيرى) لوحة 54 أ.

ص: 355

ابن أبي محمد بن أبي حفص، وأقر عماله سواء بالمغرب أو الأندلس على أعمالهم، وأقر خاصته وحشمه كل في وظائفهم وطبقاتهم.

وقد تقدم نسب العادل، فهو أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور بن يوسف ابن عبد المؤمن بن علي، وأمه أم ولد نصرانية برتغالية، من سبى شنترين اسمها سر الحسن أسرت فيما يبدو، حين غزوة المنصور الأولى للبرتغال في سنة 586 هـ (1190 م)، وبذلك يمكن أن نضع تاريخ مولد العادل في نحو سنة 587 هـ (1191 م) فيكون عمره وقت أن تولى الخلافة، نحواً من أربعة وثلاثين عاما. ولقبه الكامل هو " العادل في أحكام الله تعالى ". وأما عن صفته، فقد كان العادل نحيل القد، أشهل العينين، أقنى الأنف، خفيف العارضين (1). وكان العادل من خيرة بني عبد المؤمن، فاضلا وقوراً، كبير النفس، عالى الهمة، من أهل العلم والمعرفة (2).

وتولى العادل حكم غرناطة في سنة 619 هـ، أيام ابن أخيه يوسف المستنصر، ثم نقل باختياره إلى ولاية مرسية. ولما تولى الخلافة عمه أبو محمد عبد الواحد، خرج عليه بمرسية، كما تقدم، ودعا لنفسه بالخلافة، وذلك في يوم 13 صفر سنة 621 هـ، ولم يتخلف عن بيعته بالأندلس سوى السيد أبي زيد والي بلنسية، وأخوه السيد أبو عبد الله صاحب جيّان، وهو العروف بالبياسى. وأما في المغرب فقد تلقى بيعة سائر الموحدين، ما عدا بيعة بني حفص ولاة افريقية، وكان هؤلاء عندئذ يدبرون الخطة لانفصالهم عن الدولة الموحدية، والاستقلال بحكم ما تحت أيديهم. وكان في مقدمة ما فعله العادل، أن وجه إلى قواعد الأندلس، كتابا يؤكد فيه عناية الموحدين بشئون الجزيرة، واجتماع كلمتهم على الجهاد. وقد أورد لنا ابن عذارى من الكتاب المذكور فقرة ننقل منها ما يلي:

" وها هم بحمد الله (أي الموحدين) قد انتظم شملهم، واتصل حبلهم، واجتمعت أهواءهم، واتفقت على إعزاز الحق آراؤهم، وحلوا بدار الموحدين، ومطلع الخلفاء الراشدين المهتدين، حيث الجموع وافرة. والأعداد متكاثرة، وطائفة الحق متعاضدة متظاهرة، وذلك حلول استدعاء واستنفار، لا حلول إقامة واستقرار، عازمين على الجهاد، والله تعالى ممضى عزائمهم، ويجبرهم

(1) روض القرطاس ص 163.

(2)

ابن الخطيب الإحاطة (مخطوط الإسكوريال المشار إليه) لوحة 54 أ.

ص: 356

على جميل معتقداتهم، على جهاد أعداء الله الكفار، فاعملوا وفقكم الله على ذلك، والله يبلغكم آمالكم والسلام عليكم " (1).

والواقع أن شئون الأندلس، كانت أهم ما يشغل العادل، وقد تركها عند مغادرته لشبه الجزيرة، في حالة اضطراب مروع، تتجاذبها تيارات جارفة، من الفتن الداخلية، ومن عدوان النصارى.

- 3 -

غادر العادل الأندلس، وترك أخاه أبا العُلى إدريس في إشبيلية ليواجه العاصفة. وكانت الأندلس قد غدت كما قدمنا مرة أخرى، مذ أعلن العادل دعوته بالخلافة، مسرحاً لصراع المتغلبين. وكانت حركة البياسى أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، في أواسط الأندلس، قد اتسع نطاقها، وكادت أن تمتد بعد الأندلس الوسطى، إلى إشبيلية، والأندلس الغربية. وكان البياسى، قد لجأ حسبما تقدم، إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، يستنصر به، ويطلب عونه ضد خصومه، وكان فرناندو، وهو الذي قدر له أن يفتتح فيما بعد معظم قواعد الأندلس الكبرى، يقدر كأسلافه، مزايا هذا التدخل في حوادث الأندلس، وفي حروبها الأهلية، وما يترتب عليه من مغانم سياسية، وإقليمية جليلة، فلبى نداء البياسى، وبعث إليه بالأمداد، وامتنع البياسي بمدينة بياسة، وصمد أمام الجيوش الموحدية، التي بعثها العادل لإخضاعه. ولما اطمأن إلى حصانة مركزه، خرج مع حليفه ملك قشتالة، ليعاونه على افتتاح أول قاعدة أندلسية من قواعد هذه المنطقة، وهي مدينة قيجاطة (2). الواقعة جنوب شرقي بياسة. وكان فرناندو الثالث قد خرج بجيشه في خريف سنة 1224 م (أواخر سنة 622 هـ)، واخترق أراضي أبّدة قاصداً إلى قيجاطة، وكانت تزخر بالأموال والثروات، فاقتحمها القشتاليون، وهدموا معظم أسوارها، وقتلوا من أهلها الألوف، وقتلوا وأسروا كذلك معظم حاميتها الموحدية (سبتمبر 1224 م). واستولى القشتاليون في نفس الوقت على عدة أخرى من حصون هذه المنطقة. ثم ساروا بعد ذلك، ومعهم حليفهم البياسي، فعاثوا في أراضي جيان، وقتلوا من أهلها نحو ألف وخمسمائة (أكتوبر 1224 م). ثم ارتد ملك قشتالة

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 249.

(2)

وهي بالإسبانية Quesada

ص: 357

في قواته مثقلا بالغنائم والأسرى، عند اقتراب الشتاء، وعبر نهر الوادي الكبير عائداً إلى بلاده (1).

وفي صيف العام التالي، أعني في سنة 623 هـ (1225 م)، خرج فرناندو الثالث من قشتالة بجيش ضخم، وعبر ممر مورادال بجبال سييرا مورينا (جبل الشارات) ونزل في سهل العقاب، على مقربة من شمالي بياسة، وبعث إلى البياسى يستدعيه، فهرع البياسى إلى لقاء ملك قشتالة، وقدم إليه خضوعه بصفة رسمية، وعقد معه عهداً يعترف فيه بطاعته، ويتعهد بأن يسلم إليه حصون مرتُش، وأندوجر، وجيان، متى حصلت في يده، وكذلك سائر الحصون، التي يطلب ملك قشتالة الاستيلاء عليها، في أراضي المسلمين، وسلم البياسى ولده الأصغر إلى ملك قشتالة كفالة بولائه وإخلاصه. وتعهد ملك قشتالة من جانبه بأن يقدم إلى البياسى المعونة العسكرية الكافية، لاسترداد أملاكه وتأمينها (2).

وعلى أثر ذلك قصد ملك قشتالة ومعه حليفه أو تابعه البياسى إلى مدينة جيان وهو يخرب سائر الأراضي التي يمر بها، خلا تلك التي يسيطر عليها البياسى. ولما وصل إلى جيان، ضرب حولها الحصار، وأخذ القشتاليون مدى أيام يهاجمونها دون جدوى. وكانت جيان أمنع قاعدة في تلك المنطقة، ولها أسوار عالية، وقصبة في منتهى المناعة، مازالت أطلالها قائمة حتى اليوم، تشهد بسابق حصانتها. وكانت تدافع عنها حامية موحدية قوية بقيادة عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى، ومعهم فرقة من الفرسان النصارى بقيادة ألبار بيريث دي كاسترو، وكان مثل أبيه يعمل في خدمة الموحدين بغيرة وإخلاص، ولما اشتدت هجمات النصارى، خرج المسلمون لهم، واشتبكوا معهم في معركة قتل فيها من المسلمين مائة وثمانون، وأسر نحو ألفين. ثم امتنع المسلمون بالمدينة، ولبثوا صامدين، وكرر القشتاليون هجماتهم على المدينة، وهم في كل مرة يرتدون عنها خائبين. وأخيراً اضطر ملك قشتالة أن يرفع الحصار عن المدينة، وأن يرحل عنها (3).

(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 249، والروض المعطار ص 61 وكذلك:

J. Gonzalez: Las Conquistas de Fernando III en Andalucia (Madrid 1946) ;

cit. Anales Toledanes ; p. 36 & 37

(2)

J. Gonzalez: ibid ; p. 38

(3)

J. Gonzalez: ibid، cit. Cronica Latinas ; p. 40

ص: 358

وسار ملك قشتالة بعد ذلك ومعه البياسى إلى القبذاق (1)، فاستولى عليها وسلمها لحليفه، إذ كانت من أملاكه، ثم سار جنوبا نحو باغة (2)، فقاومته حاميتها بشدة، واضطر إلى محاصرتها مدة، ثم سلمت حاميتها بالأمان نظير فدية كبيرة، وقصد بعد ذلك إلى لوشة، وهي جنوب باغه على ضفة نهر شنيل. فاقتحمها وفتك بأهلها. ولما وصل إلى مدينة الحامة في جنوبها، ألفاها خالية، إذ هجرها أهلها خوفاً أن يصيبهم ما أصاب أهل لوشة.

ثم سار القشتاليون بعد ذلك شمالا صوب غرناطة، وكان أهلها قد استدعوا ألبار بيريث لمعاونتهم على الدفاع. فلما اقترب القشتاليون من المدينة، وضربوا حولها الحصار، وسّط أهلها ألبار بيريث ليفاوض ملك قشتالة في أن يرحل عنهم، نظر تسليمهم إياه ألفا وثلاثمائة أسير من النصارى كانوا لديهم، فتم الاتفاق على ذلك، وعفا ملك قشتالة عن ألبار بيريث، فترك خدمة الموحدين، وعاد إلى خدمة مليكه، وارتد ملك قشتالة في قواته شمالا، حتى اقترب من بياسة، وهنالك قام البياسى بتسليمه حصنى مرتش وأندوجر، وفقاً لعهده الذي أخذه على نفسه (3). وكان البياسى قد شعر عندئذ بتوطد مركزه، وضخامة العون الذي يلقاه من حلفائه النصارى، فما كاد فرناندو الثالث يختتم غزوته في أراضي المسلمين، حتى سار البياسى في قواته، ومعه جيش من النصارى، تقدره الرواية بعشرين ألفاً (4) صوب إشبيلية، وعبر نهر الوادي الكبير إلى الشّرف، وخرجت القوات الموحدية وأهل المدينة بقيادة السيد أبي العلاء لرد الغزاة، وهنالك أيضاً، على مقربة من طلياطة، في فحص القصر، اشتبك الفريقان فهزم الموحدون وأهل إشبيلية، هزيمة شديدة، وقتل منهم نحو ألفين (5) وكان من نتيجة هذا النصر، أن خضعت معظم البلاد والحصون الواقعة شرقا بين اشبيلية وقرطبة لسلطان البياسى، بل إن أهل مدينة قرطبة ذاتها، حينما رأوا تفوق البياسى على هذا النحو، خلعوا طاعة حاكمهم الموحدي السيد أبي موسى أخي العادل، وأعلنوا طاعتهم للبياسي.

وكان فرناندو الثالث قد عاد في تلك الأثناء، فعبر بقواته إلى أراضي

(1) وهي بالإسبانية Alcaudete.

(2)

وهي بالإسبانية Priego.

(3)

راجع الروض المعطار ص 61 و 165 و 174. وكذلك:

J. Gonzalez، ibid: cit. Cronica Latina p. 42

(4)

روض القرطاس ص 164.

(5)

الروض المعطار ص 58.

ص: 359

الأندلس مرة أخرى، واستدعى البياسى إلى حصن أندوجر، وطلب إليه أن يسلم إليه طائفة من الحصون التي يرغب الاستيلاء عليها في منطقة قرطبة، فوعد البياسى بأن يسلمه حصون شلبطَرّة، وقبالة، وبرج الحمة (1)، وارتضى أن يسلمه قصبة بياسة كفالة بتنفيذ وعده، واحتل استاذ فرسان قلعة رباح ورجاله بالفعل قصر بياسة، وبقى المسلمون على حالهم بالمدينة. ثم بذل البياسى جهده في تسليم حصن شلبطرة، وندب لذلك رسولا من قبله استطاع بعد مشقة أن يقنع حاميته بتسليمه للنصارى، وكذلك سلم النصارى حصن برج الحمة، ولم يبق عليه إلا أن يسلمهم حصن قبالة، الذي امتنع عليه (2).

ولم يقنع البياسى بما تم من توطد مركزه، واستقراره بعاصمة الخلافة القديمة، وسيطرته على معظم نواحي الأندلس الوسطى، ولكنه أراد أن يستولي على إشبيلية ذاتها، وأن يقضى نهائياً على سلطان منافسه العادل وأخيه أبي العلاء، فسار في قواته مرة أخرى صوب إشبيلية، وحاول أن يضرب حولها الحصار. وكان أبو العلاء قد استعد للقائه فخرج إليه في حشود الموحدين وأهل المدينة، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة هزم فيها البياسى، ومزقت جموعه، وارتد في فلوله صوب قرطبة. ويضع ابن عذارى تاريخ هذه الموقعة، في الخامس والعشرين من شهر صفر سنة 623 هـ، وهو يوافق التاريخ الذي تضعه الرواية النصرانية للموقعة، وهو 25 فبراير سنة 1226 م (3).

وكان لهذا النصر الحاسم الذي أحرزته القوات الموحدية على البياسى، نتائج هامة، فقد ارتدت طلياطة وحصن القصر، وبقية الحصون والبلاد الممتدة شرقي إشبيلية عن طاعة البياسى، وعادت إلى طاعة الخليفة العادل (4) وكتب السيد أبو العلاء إلى أخيه العادل بمراكش، كتاباً ينبئه فيه بهذا النصر، ومما جاء في الكتاب المذكور:

" إن المحنة بهذا البائس قد بلغت مداها، وانقبضت بعد البسط يداها،

(1) وهي بالإسبانية على التوالى Salvatierra و Banos de la Encina، Capilla، وتقع الأخيرة شمالي اندوجر.

(2)

الروض المعطار ص 58، وكذلك: J. Gonzalez: ibid ; p. 46 & 47

(3)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 250، وكذلك: J. Gonzalez: ibid ; p. 48

(4)

البيان المغرب ص 251.

ص: 360

وانتهى إلى غاية لا يتعداها، والحمد لله الذي أذل للخلافة العادلية، أحد عداتها وأنصفها من منازعها بأداتها، فكافر النعم تستحيل عليه نقماً، وحاجب الشمس ضوءها، حافظاً بين ظلام وعماء، والموحدون عازمون على اتباع هذا العدو، إلى أن يدعوه عقيراً، أو يستثبتوه أسيراً إن شاء الله تعالى، وكتب في ربيع الأول من عام ثلاثة وعشرين وستمائة ".

وهنا خرج فرناندو الثالث في قواته مرة أخرى، وكان هدفه في هذه المرة الاستيلاء على حصن قبالة (1)، وهو من حصون الحدود الواقعة في شمالي قرطبة، وشمالى جبل الشارات، وكان قد تعذر على البياسى، أن يقوم بتسليمه وفقاً لتعهداته، وكان البياسى قد وصل في تلك الأثناء إلى قرطبة منهزما مدحوراً، وكان أهل قرطبة لما رأوا إفراطه في محالفة النصارى، وإسرافه في تسليم الحصون الإسلامية إليهم، قد خشوا أن ينتهي الأمر بأن يغدر بهم، ويسلم قرطبة ذاتها للنصارى، فاعتزموا الفتك به والتخلص منه، فثاروا به، وشعر البياسى بخطورة الأمر، ففر من المدينة، والتجأ إلى حصن المدوّر الواقع جنوبي النهر على مقربة من جنوب غربي قرطبة، ولكن الثوار طاردوه بشدة، وحاصروه في الحصن، ثم اقتحموه، وقتلوا البياسي، واحتزوا رأسه، وبعثوا بها إلى السيد أبي العلى بإشبيلية، فأرسلها بدوره مع كتاب إلى أخيه العادل بمراكش، فرد العادل بكتاب يتضمن تعيين أخيه أبي العلى واليا لقرطبة بالإضافة إلى إشبيلية (2)، وكان البياسي عند مصرعه شيخاً قد جاوز الستين.

وهكذا تحطمت ثورة أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، المسمى بالبياسى، بعد أن لبثت ثلاثة أعوام تبث الاضطراب والدمار إلى أواسط الأندلس، وتمهد للنصارى اقتطاع القواعد والحصون الواقعة في شرقي قرطبة وفي شمالها، وقد اقتطعوا منها بالفعل طائفة كبيرة، كان ضياعها سبباً في إضعاف خطوط الدفاع عن قرطبة، والتمهيد لسقوطها. وتقدم إلينا الرواية الإسلامية، البياسى، في صور بغيضة قاتمة (3). ونستطيع أن نعتبر البياسى بالفعل على ضوء ما تقدم، من أعماله وخياناته المتوالية لقضية

(1) وبالإسبانية Capilla.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 252، والروض المعطار ص 59.

(3)

راجع الروض المعطار ص 58 و 61، والبيان المغرب ص 249 و 250.

ص: 361

الإسلام، وقضية الأندلس، تحقيقاً لأطماعه الوضيعة، شخصية بغيضة مثيرة، تستحق أن يدمغها التاريخ بأقسى الأحكام، ويرميه ابن عذارى بالارتداد عن الإسلام، واعتناق النصرانية، بيد أننا لم نجد في الروايات النصرانية ما يؤيد هذا الاتهام، ولو وقع لكانت الرواية النصرانية أول من يسجله ويشيد به.

- 4 -

وكان فرناندو الثالث حينما وصلته أنباء هذه الحوادث أمام حصن قبالة المنيع، وقد ضرب حوله الحصار (أوائل يونيه سنة 1226) وأخذ يهاجمه باستمرار، وحاميته الإسلامية صامدة، بيد أنه لما طال الحصار، واشتدت هجمات النصارى، اضطر المسلمون إلى مفاوضة ملك قشتالة، وعرضوا أن يقدموا رهائنهم بالتسليم، وأن يبعثوا رسلهم إلى السيد أبي العلاء، وكان عندئذ بقرطبة، يطلبون إليه الإنجاد، فإذا لم تصل إليهم النجدة خلال ثمانية أيام، سلموا الحصن بالأمان، فقبل فرناندو هذا العرض. ولم تمض أيام قلائل حتى عاد الرسل من قرطبة خائبين، فسلم المسلمون الحصن، وسمح لهم وفقاً للاتفاق، أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم، وأن يسيروا محروسين حتى حصن " غافق " الواقع جنوب قبالة، وهو أقرب الحصون الإسلامية إليهم، ودخل فرناندو الحصن وفي الحال حول مسجده إلى كنيسة، ووضع به حامية نصرانية، وكان تسليم حصن قبالة في أوائل أغسطس سنة 1226 م (أواخر سنة 623 هـ).

وجاء بعدئذ دور بيّاسة، وكان من الواضح، بعد مصرع البياسى، أن مصير بياسة غدا في كفة القدر، وأن ملك قشتالة كان يتطلع إلى أخذها باعتبارها من أملاك تابعه. وكان فرسان قلعة رباح قد احتلوا قصبة بياسة كما قدمنا كفالة بتنفيذ البياسى لتعهداته، فلما قتل البياسى، أراد أهل بياسة أن يخرجوا النصارى من قصبتهم، فبعثوا إلى صاحب جيّان عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى، يستنجدون به، فقدم عليهم في بعض قواته، ومعه القائد محمد بن يوسف المسكدالى، ودخل المدينة، وكان بها سوى من بالقصبة، طائفة كبيرة من النصارى، فقتلوا جميعاً مدافعين عن أنفسهم، ولكن صمد من كان منهم بالقصبة لحصانتها، فطلب أهل بياسة إلى الوالي الموحدي، أن يبقى يوماً أو يومين لحصار النصارى بالقصبة لإرغامهم على التسليم، لأنهم كانوا يتلقون مؤنهم من أهل المدينة يوماً بعد يوم، فأبى وأصر على الخروج من فوره، وذلك خوفاً من قدوم القشتاليين

ص: 362

وقال لأهل المدينة، إنى ذاهب، فمن أحب أن يخرج معى فليخرج، ومن أراد البقاء فليبقى، فاضطر أهل المدينة إلى مغادرتها خوفاً من الوقوع أسرى في أيدي النصارى، وتفرقوا في مختلف الأنحاء. وهكذا استولى النصارى الذين بالقصبة وهم فرسان قلعة رباح على سائر المدينة، وذلك في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة سنة 623 هـ (أول ديسمبر سنة 1226 م) ووهب فرناندو الثالث الفرسان من أجل ذلك كثيراً من دور المدينة ورياضها وضياعها (1).

وفي العام التالي استولى فرناندو الثالث على شوذر (2) الواقعة جنوبي بياسة، وعلى عدة من الحصون المجاورة، وأخرج من بقى من المسلمين في بياسة ومرتُش وغيرهما من القواعد والحصون التي استولى عليها.

وهكذا استطاع القشتاليون أن يخرجوا من ثورة البياسى، بأكبر غنم، وأن يضعوا أيديهم على طائفة كبيرة من القواعد والحصون الأندلسية الهامة في منطقة جيان وقرطبة، وأن يتحكموا بذلك في خطوط الدفاع عن الأندلس الوسطى، وأن يقتربوا من قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، التي كان الاستيلاء عليها من أعز أمانيهم.

وكان السيد أبو العُلى (أبو العلاء) إدريس، مذ حلّ بقرطبة عقب مصرع البياسى، يحاول أن يضع حداً لعدوان النصارى في تلك المنطقة، فسار في بعض قواته إلى مرتش وحاصرها، وحاول أن يستولي عليها، ولكن الأمداد القشتالية ْجاءت أخيراً لتنقذها من السقوط، واضطر السيد أبو العلى أن يرفع الحصار وأن ينصرف بقواته، وذلك في أوائل سنة 624 هـ - 1227 م. فلما شعر أبو العلى باشتداد وطأة القشتاليين على الأراضي الإسلامية، سعى إلى عقد الهدنة معهم، وبعث رسوله أبا القاسم للمفاوضة، وتم الاتفاق على أن تعقد الهدنة بين الفريقين لمدة عام واحد، وأن يدفع الموحدون لقاء عقدها ثلاثمائة ألف قطعة Naravedi من الفضة، دفع بعضها عند توقيع التعاقد ودفع الباقى بعد ذلك (3).

- 5 -

لم نجد بعد أن سجلنا أحداث الأندلس الأليمة في عهد الخليفة العادل، ما نسجله

(1) الروض المعطار ص 58 و 59، وكذلك: J. Gonzalez: ibid، p. 52

(2)

وهي بالإسبانية Jodar

(3)

J. Gonzalez: ibid ; cit. Cronica Latina، p. 55،،،،،،

ص: 363

من الأحداث في عهده بالمغرب، وهو عهد لم يطل إلا نحو عامين، إلا ما كان من تفاقم الأحوال، واضطراب حبل الأمن، وازدياد الفوضى، وتوالى عيث العرب، وبعض القبائل البربرية، ولاسيما هسكورة، في الأنحاء القريبة من العاصمة وازدياد شأن بني مَرِين، وتغلبهم على كثير من النواحي والقبائل، وفرض المغارم عليها، بل وفرضهم الإتاوات على بعض المدن القريبة من منازلهم، مثل فاس وتازى ومكناسة، وذلك لكي يكفوا الغارة عنهم (1).

وكان أهم ما حدث في تلك الفترة القصيرة، قيام عرب الخُلط، وشيخهم هلال بن مقدم، وهسكورة، وشيخها عمر بن وقاريط، بالعيث في نواحي مراكش، وتخريبهم بلاد دُكالة. وخرج إليهم في البداية ابن يوجان فلم يستطيع شيئاً، فوجه إليهم العادل عسكراً من الموحدين بقيادة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حفص، فهزم وقتل، واستمرت أعمال العدوان والعيث على حالها (2).

وبينما المغرب يجوز في ظل العادل، هذه الفترة المدلهمة، إذ وقع بالأندلس حدث جديد ضخم، هو خروج السيد أبي العلى والي إشبيلية وقرطبة على أخيه العادل، وخلع طاعته، وإعلانه الدعوة لنفسه، ومبايعته بالخلافة في إشبيلية، وذلك في الثاني من شهر شوال سنة 624 هـ (15 سبتمبر سنة 1227 م). ولم يتخذ السيد أبو العلى قراره ارتجالا، بل مهد إليه بالسعى والاتصالات، وكان معه بإشبيلية عدة من وجوه الموحدين وأشياخهم، الذين يعتد برأيهم، فأراد أن يسبر غورهم أولا، فاتفق مع قاضي المدينة، أبي الوليد بن أبي الأصبغ ابن الحجاج، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان، أن ينشىء خطبة بليغة يلقيها في يوم الفطر، وأن يتعرض فيها لمسألة الخلافة، وأن يشير بلباقة إلى ما يجول بخاطره من القيام بالأمر، فألقى القاضي خطبته حسبما اتفق، وأطنب في ذكر السيد واستحقاقه للأمر، وفي اليوم التالي، اجتمع أشياخ الموحدين بمجلس السيد أبي العلى، وقام الجميع بمبايعته، واتخذ لقب المأمون، وبايعه على أثر ذلك بعض ولاة الأندلس، وفي مقدمتهم السيد أبو زيد والي بلنسية، وبعثوا ببيعاتهم إليه. وكذلك بايعته من أنحاء العدوة سبتة وطنجة (3).

(1) روض القرطاس ص 166، وابن خلدون ج 7 ص 170.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 252.

(3)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 255، وروض القرطاس 166.،،،،،،

ص: 364

ويقول لنا ابن الخطيب، إن أبا العلى، قام على أخيه العادل بممالأة أخيه السيد أبا زيد أمير بلنسية وتحريكه إياه، وقد وهم ابن الخطيب فجعل من السيد أبي زيد وأخيه عبد الله البياسى، أخوين للعادل وأبي العلى، في حين أنهما من أبناء عمومتهما، إذ أن أبا زيد عبد الرحمن والي بلنسية، وأخاه عبد الله البياسى، هما ولدا محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، ومحمد هو أخ ليعقوب المنصور (1).

وبعث أبو العلى المأمون إلى ابن يوجان، يدعوه إلى مبايعته والعمل على نصرته، وكان العادل قد تغير على ابن يوجان وأقصاه، وخاطب ابن يوجان هلال بن مقدم أمير الخُلْط، وعمر بن وقاريط شيخ هسكورة، وأوعز إليهما بالاستمرار في الإغارة على أحواز مراكش، حتى يذعن الموحدون إلى خلع العادل ومبايعة المأمون (2). ويقول لنا صاحب روض القرطاس من جهة أخرى إن المأمون أرسل إلى الموحدين بمراكش يدعوهم إلى بيعته، وإلى الفتك بأخيه العادل، وأنهم صدعوا بأمره، وقتلوا العادل، وكتبوا بيعتهم إليه (3). على أن الأمور اتخذت في بلاط مراكش وجهة أخرى. وكان يسيطر على الدولة رجلان هما أبو زكريا بن الشهيد زعيم هنتاتة، ويوسف بن علي شيخ تينملّل. فلما وردت الأنباء بقيام أبي العلى المأمون وبيعته، ولما تفاقم أمر الخُلط وهسكورة، اتفقا على خلع العادل وعقد البيعة لأبي زكريا يحيى بن محمد الناصر. فدخل الموحدون القصر على العادل، وطلبوا إليه أن يخلع نفسه، ولما أصر على الرفض قتلوه، وذلك في اليوم الثاني والعشرين من شهر شوال سنة 624 هـ. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن القتلة، وضعوا رأس العادل في خصة تفور بالماء، وشنقوه بعمامته حتى مات. ويزيد على ذلك بأن الموحدين عقدوا البيعة أولا للمأمون، وبعثوا بها إليه، وخُطب له بالفعل على منبر جامع المنصور، ثم خشوا بعد ذلك بطشه وانتقامه، فنكثوا البيعة، وبايعوا إلى ابن أخيه يحيى بن الناصر (4).

ويؤيد ابن الخطيب هذه الرواية، فيقول لنا إن الموحدين عقدو البيعة للمأمون بمراكش والأندلس، ثم إن الموحدين بمراكش بدا لهم في أمره، وعدلوا

(1) ابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 419، ومخطوط الإسكوريال (1674 الغزيرى) لوحة 54.

(2)

الروض المعطار ص 69.

(3)

روض القرطاس ص 166 و 167.

(4)

البيان المغرب ص 253، وروض القرطاس ص 164 و 167.،،،،،،

ص: 365

عنه إلى ابن عمه (والصحيح ابن أخيه)، أبي زكريا يحيى بن الناصر (1) ثم يؤيدها بعد ذلك بصورة قاطعة، ما حدث عقب استيلاء المأمون على العرش، من قتله لأشياخ الموحدين، جزاء لهم على نكث بيعته بعد عقدها (2).

وعلى أي حال فقد انتهى الموحدون بمراكش، إلى البيعة ليحيى بن الناصر. ويقول ابن عذارى إن هذه البيعة قد تمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر شوال أعني في نفس اليوم الذي قتل فيه العادل (3)، وهذا ما لا يتفق مع سير الحوادث، وعقد البيعة للمأمون ثم النكث بها، ومن ثم فإنا نوثر الأخذ برواية صاحب روض القرطاس وهو أن بيعة يحيى قد تمت في اليوم الثامن والعشرين من شهر شوال سنة 624 هـ (4)، أعني بعد مصرع العادل بأسبوع، وهو أكثر اتفاقاً مع المنطق. وكان يحيى بن الناصر، هو الذي اجتنى ثمرة الجريمة، وليس أخو الخليفة المقتول، وقبض بعد ذلك بأشهر قلائل على الوزير السابق أبي زيد بن يوجان، وولده الأكبر بالرغم من اختفائهما وقتلا، وذلك لما نسب إليهما من تحريض عرب الخُلط وهسكورة على الاستمرار في عيثهما (5).

وتلقب يحيى بن الناصر، بالمعتصم، وكان وقت تقلده الخلافة، فتى حدثاً في السادسة عشرة من عمره، وامتنع من بيعته عرب الخُلط، وقبيلة هسكورة، وبقيا على ولائهما في بيعة المأمون.

ولما وصلت هذه الأنباء إلى المأمون بالأندلس، استشاط سخطاً وغضباً، وكان قد أخذ بالفعل في الأهبة للمسير، وقصد إلى الجزيرة الخضراء ليجوز منها إلى العدوة، فارتد إلى إشبيلية، وقد آلى على نفسه أن يعمل بكل ما وسع لانتزاع عرش الخلافة، والانتقام من أولئك الأشياخ المنافقين الذين غدروا به ونكثوا بيعته.

بيد أنه يجب قبل أن نتتبع مصاير الخليفة المأمون، وما اقترن بعهده من أحداث المغرب، أن نقف لحظة لكي نستأنف الكلام على سير الحوادث بالأندلس.

(1) الإحاطة (1956) ج 1 ص 419.

(2)

البيان المغرب - القسم الثالث ص 265.

(3)

البيان المغرب ص 253.

(4)

روض القرطاس ص 165.

(5)

الروض المعطار ص 69 و 70.،،،،،،

ص: 366