الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول قشتالة وليون
منذ عهد الفونسو الثامن حتى عهد فرناندو الثالث
ألفونسو الثامن الملقب بالنبيل. الممالك النصرانية الإسبانية في عهده. ألفونسو الثاني ملك أراجون. العلائق بين قشتالة وأراجون. اجتماع ألفونسو الثامن وألفونسو الثاني. تسوية العلائق بينهما وتحالفهما. زواج ألفونسو الثامن من إبنة ملك انجلترا هنري الثاني. ألفونسو الثامن يشهر الحرب على نافارا. غزوه للأراضي الإسلامية. استيلاؤه على قونقة. توثق العلائق بين قشتالة وأراجون. التحكيم بين قشتالة ونافارا. تنظيم فتوح الإسترداد بين قشتالة وأراجون. اضطراب العلائق بين قشتالة ونافارا. وفاة فرناندو ملك ليون. يخلفه ولده ألفونسو التاسع. غزوات القشتاليين لأراضي الأندلس حتى موقعة الأرك. غزوات الموحدين لأراضي قشالة. تحالف ملك قشتالة وبيدرو الثاني ملك أراجون. تعاونهما في محاربة نافارا وليون. استنصار سانشو ملك نافارا بالموحدين. عبوره إلى المغرب وزيارته للخليفة الناصر. غزو ملك قشتالة لنافارا واستيلاؤه على جيبوسكوا. اهتمام البابوية بالتجاء ملكى نافارا وليون إلى الموحدين. مطالبتها بإلغاء زواج ألفونسو التاسع من ابنة عمه برنجيلا. إلغاء هذا الزراج وآثاره. إهتمام ألفونسو الثامن بفتوح الإسترداد. سعيه في جمع كلمة الملوك النصارى. تكتل اسبانيا النصرانية ضد اسبانيا المسلمة. تأييد البابوية والنصرانية لهذا التكتل. عبور الناصر إلى الأندلس. موقعة العقاب ونتائجها المشئومة. غزوات ألفونسو الثامن لأراضي الأندلس. وفاته وخلاله. إصلاحاته الداخلية. ولده الطفل إنريكى يخلفه على العرش. وقوعه تحت وصاية آل لارا. مشروع لزواجه وإلغاء البابوية لهذا المشروع. وفاة إنريكى في حادث. الملكة برنجيلا تنصب ولدها فرناندو الثالث على عرش قشتالة. فرناندو الثاني ملك ليون. يعقد الصلح مع ألفونسو الثامن. وفاته وقيام ولده ألفونسو التاسع في العرش. عقده لمجلس الكورتيس. يعقد الصلح مع قشتالة والبرتغال. زواجه من الأميرة تريسا البرتغالية وإلغاء البابوية لهذا الزواج. تحالفه مع الموحدين. عقد التحالف بين نافارا وليون والموحدين. عود ألفونسو التاسع إلى التفاهم مع قشتالة. زواجه من الأميرة برنجيلا ثم إلغاء هذا الزواج. تردده بين مخاصمة قشتالة ومسالمتها. إجتماع كلمة الملوك النصارى تحت ضغط البابوية. غزوات القشتاليين لقطاع أبدة، ومحاصرة ألفونسو التاسع لقاصرش. قيام فرناندو الثالث في عرش قشتالة أثر وفاة ألفونسو الثامن. محاولة ملك ليون معارضته وانتزاع العرش منه. فشل هذه المحاولة. عقد السلام بين قشتالة وليون. عود ألفونسو التاسع لمحاصرة قاصرش وافتتاحها. استيلاؤه على ماردة وبطليوس. وفاته. يترك العرش لإبنتيه. تنازلهما عنه لفرناندو الثالث. عود اتحاد قشتالة وليون. فرناندو الثالث ملك قشتالة وليون، وخايمى الأول ملك أراجون. اهتمام فرناندو الثالث بفتوح الإسترداد. ظروف الأندلس تمهد لهذه الفتوح. غزوات فرناندو في الأندلس الوسطى. استيلاؤه على أبدة. استيلاؤه على قرطبة وأحوازها. تنافس ابن هود
وابن الأحمر على مصانعته. وفاة ابن هود واحتواء ابن الأحمر على معظم تراثه. اهتمام فرناندو بالضغط على ابن الأحمر. ابن الأحمر يعقد الصلح مع فرناندو ويعترف بطاعته. أعظم أعمال فرناندو استيلاؤه على إشبيلية. استيلاؤه على بقية قواعد هذه المنطقة. عنايته بالشئون الداخلية. إصلاحه لنظم الحكم والإدارة. إنشاؤه لجامعة شلمنقة. إنشاؤه لدار الصناعة بإشبيلية. مشروعه في توحيد القوانين القشتالية. إتمام هذا المشروع في عهد ولده ألفونسو العاشر. وفاته وخلاله.
1 -
مملكة قشتالة
انتهينا فيما تقدم، من تاريخ الممالك الإسبانية النصرانية حتى وفاة القيصر ألفونسو ريمونديس (1157 م) وما أعقب وفاته من تقسيم مملكته، بين ولديه سانشو وفرناندو، حيث اختص أكبرهما سانشو بعرش قشتالة، واختص الأصغر فرناندو بمملكة ليون وجلّيقية، وما حدث بعد ذلك من وفاة سانشو فجأة في سنة 1158 م، لعام فقط من حكمه، دون أن يترك لوراثة العرش سوى طفل في الثالثة من عمره هو ألفونسو، وما أثارته مسألة الوصاية على هذا الأمير الطفل في قشتالة من حرب أهلية مضطرمة بين أسرتى كاسترو ولارا، استمرت بضعة أعوام، وانتهت حينما بلغ الطفل الحادية عشر من عمره بإعلانه ملكاً على قشتالة، تحت كنف أسرة لارا القوية.
كما تحدثنا فيما تقدم، عن قيام جماعات الفرسان الدينية، في الممالك الإسبانية النصرانية، وعن قيام مملكة البرتغال، واشتداد ساعدها، في عصر ملكها ومنشئها الحقيقي ألفونسو هنريكيز.
ونود الآن أن نتابع تاريخ هذه الممالك الإسبانية النصرانية، خلال العصر الموحدي، وذلك في شىء من الإيجاز، ولاسيما فيما يتعلق بمراحل الصراع، بينها وبين الأندلس المسلمة، أو بعبارة أخرى بينها وبين الدولة الموحدية، صاحبة السيادة على الأندلس في تلك الفترة، وذلك لأننا تتبعنا مراحل هذا الصراع خلال كتابنا بإفاضة وافية.
بدأ ملك قشتالة الصبي ألفونسو الثامن، الملقب بألفونسو النبيل، حكمه حينما بلغ الرابعة عشرة في سنة 1169 م. وكانت إسبانيا النصرانية، تنقسم يومئذ إلى أربع ممالك، هي قشتالة وليون وأراجون ونافارا (نبرّة)، هذا عدا مملكة البرتغال، وكانت تشق طريقها الخاص في غربي شبه الجزيرة، وتتخذ لنفسها سياسة مستقلة، عن باقي الممالك الإسبانية. وكانت قشتالة، بالرغم من انفصال ليون عنها، وقيامها مملكة مستقلة، ما تزال أكبر المالك الإسبانية رقعة،
وأوفرها قوة وموارد، تليها في ذلك مملكة أراجون التي اتسعت رقعتها، ونمت قوتها باتحاد إمارة قطلونية أو إمارة برشلونة معها، وذلك منذ سنة 1137 م حسبما سبق أن فصلناه في موضعه. وكانت ليون ثالثة الممالك الإسبانية، بيد أنها لم تكن في الواقع، بالرغم من استقلالها وانفصالها عن قشتالة، وفقاً لوصية القيصر ألفونسو ريمونديس، سوى إمارة ضعيفة تشق طريقها بصعوبة، ولم يكن لها كبير شأن، في سير الحوادث الهامة في شبه الجزيرة، وكان التوتر سائداً بينها وبين شقيقتها الكبرى قشتالة. وكانت نافارا وهي رابعة هذه الممالك كعهدها دائماً، مملكة صغيرة الرقعة، ولكن قوية الشكيمة، ممتنعة وراء جبالها الوعرة، وحرصها المأثور على استقلالها.
وكان على عرش أراجون في الوقت نفسه ملك فتى آخر، هو رامون برنجير الذي سمى ألفونسو الثاني، وقد تولى العرش عقب وفاة أبيه رامون برنجير الرابع في سنة 1162 م، ولقب كأبيه بملك أراجون وقطلونية، وكانت علائق أراجون وقشتالة، منذ أواخر عهد القيصر ألفونسو ريمونديس، على أتم صفاء ووفاق، وذلك لما كان يربط القيصر بعاهل أراجون رامون برنجير الرابع، من وشائج المصاهرة، بزواجه، من ابنته الملكة برنجيلا. وكان أول عمل قام به ألفونسو الثامن، أن اجتمع في ساهاجون بزميله الفتى ملك أراجون ألفونسو الثاني، وذلك في سنة 1170 م، وقد شهد هذا الاجتماع أكابر الأحبار، والأشراف من المملكتين، واتفق الملكان على تسوية سائر الشئون والخلافات القائمة بين المملكتين، وعقدا معا حلفا ضد باقي الملوك والأمراء، ما عدا ملك انجلترا هنري الثاني، وذلك لأن ألفونسو الثامن كان قد عقد خطبته على ابنته الأميرة إلينور، ثم سار الملكان إلى سرقسطة عاصمة أراجون، وقضى ألفونسو الثامن في سرقسطة زهاء شهرين في انتظار مقدم عروسه الأميرة الإنجليزية، وكانت قادمة من انجلترا في حاشية فخمة من الأحبار والفرسان الإنجليز والنورمان والغسقونيين، وكانت قد سارت بعثة ملكية قشتالية، على رأسها أسقف طليطلة حتى ثغر بوردو، وعادت بالأميرة الإنجليزية إلى اسبانيا. وسار الملكان إلى طرسونة حيث عقد زواج ألفونسو الثامن بالأميرة إلينور في حفلات باذخة، في تلك المدينة الأرجونية المتواضعة.
وكانت أول حركة قام بها ألفونسو الثامن هو شهره الحرب على نافارا،
وكان سانشو السادس ملك نافارا قد انتهز فرصة قصر ألفونسو، وانتزع جزءاً كبيراً من أراضي قشتالة المجاورة، فلما عقد التحالف بين أراجون وقشتالة، زحف ألفونسو على نافارا في جيش ضخم في صيف سنة 1173 م، واستولى على بريفسكا ولوجرينو وناباريتي، وهزم ملك نافارا، وطارده حتى أحواز بنبلونة. وبعد ذلك بعامين عاد ملك قشتالة وحليفه ملك أراجون، فشهرا الحرب ضد نافارا، وأوقعا بها هزائم أخرى.
وكانت فكرة غزو الأراضي الإسلامية، هي الهدف الأول للسياسة القشتالية. ولم يشذ ألفونسو الثامن عن هذه القاعدة، ففي أواخر سنة 1176 م، خرج ألفونسو ووصيه السابق الكونت نونيو دي لارا، واتجها صوب حدود شرقي الأندلس، وكانت مدينة قونقة إحدى قواعد الحدود الإسلامية، هدف هذه الغزوة، خصوصاً وقد كان الموحدون، يتخذونها قاعدة للإغارة على أراضي شرقي قشتالة، واضطرت القوات القشتالية، نظراً لمناعة المدينة، أن تضرب حولها الحصار، واستمرت قونقة، صامدة نحو تسعة أشهر، ولم تستطع الأمداد الموحدية أن تصل إليها، حيث اعترضتها قوات ملك أراجون حليف ملك قشتالة، وسقطت المدينة المسلمة في النهاية، في أيدي القشتاليين، في سبتمبر سنة 1177 م، وذلك كله حسبما سبق أن فصلناه في موضعه (1).
وجدد ملك قشتالة وملك أراجون تحالفهما، بمناسبة ما أبداه ملك أراجون، من المعاونة في فتح قونقة، وأحلّ ملك قشتالة زميله الفتى، من عهد الولاء الذي كانت ترتبط به أراجون نحو قشتالة، منذ عهد رامون برنجير الرابع. وفي الوقت نفسه اتفق ملك قشتالة مع خصمه سانشو السادس ملك نافارا، على تسوية ما بينهما من خلاف، واتفقا على أن يخضعا في ذلك لتحكيم هنري الثاني ملك انجلترا، وبعث كل من الملكين سفراء إلى لندن، ليعرضا ما بينهما من أوجه الخلاف. وبعد أن درس هنري الثاني، وجوه النظر المختلفة، وأخذ رأى البرلمان في ذلك، أصدر قراره بأن يرد كل من الملكين إلى الآخر بعض القواعد والأراضي، التي كان يدعى كل ملكيتها، وأن يرد ملك قشتالة بالأخص إلى نافارا، لوجرينو وأوسيخو ووناباريتى، وأن يدفع ملك قشتالة لملك نافارا مدى عشرة أعوام ثلاثة آلاف مرافيدى كل عام، فقبل الملكان هذا القرار،
(1) تراجع قصة حصار قونقة وسقوطها في ص 96، 97 من هذا الكتاب
وعقد بينهما السلم لمدة عشرة أعوام.
وكانت فكرة التحالف بين قشتالة وأراجون، وهما أقوى الممالك الإسبانية النصرانية، تنطوى قبل كل شىء على التكتل ضد الجبهة الإسلامية في شبه الجزيرة، والتعاون في دفع حركة الإسترداد النصرانية La Reconquista ضد الأندلس، ومن ثم فقد كان لابد من تنظيم هذه الحركة، وتحديد مناطقها بالنسبة لكل من المملكتين، وقد عقد اتفاق جديد من هذا النوع بين الملكين في بلدة كسولا Cazola حيث التقيا، وذلك في سنة 1179 م، وفيه خصت مملكة أراجون بالفتوح في منطقة بلنسية الإسلامية جنوبا حتى ثغر لقنت، وخصت مملكة قشتالة بالفتوح في سائر الأراضي الواقعة جنوب هذا الثغر، وجاء هذا الاتفاق، مؤيداً لأول اتفاق عقد بهذا الشأن، بين القيصر ألفونسو ريمونديس، والكونت رامون برنجير، بمدينة كربون في سنة 1150 م، حسبما سبق أن أشرنا إليه في موضعه (1).
وعقد ملكا قشتالة وأراجون أيضاً، حلفاً جديداً ضد ملك نافارا، لأنه بدأ يعارض في قرارات التحكيم التي أصدرها ملك انجلترا، والتزم كل من الفريقين بتنفيذها، واضطر ملك قشتالة من جراء ذلك أن يحتل لوجرنيو وناباريتى وبريفيسكا وغيرها، وهي الأماكن التي تقرر ردها إلى نافارا، لأن ملك نافارا أبي من جانبه أن يرد الأماكن التي تقرر ردها إلى ملك قشتالة. وقد اقترح ملك أراجون، أن يعقد اجتماع جديد بين الملكين المتخاصمين، وعقد هذا الاجتماع بالفعل في جريدا، في سنة 1185 م، ولكنه لم يسفر عن نتائج حاسمة، واستمر التوتر في العلائق قائما بين نافارا وقشتالة.
وفي سنة 1188 م. توفي فرناندو الثاني ملك ليون وجليقية، وهو كما نذكر عم ملك قشتالة، وخلفه في الحكم ولده ألفونسو التاسع، ورأى ملك ليون الجديد، أن يعدل سياسة الخصومة التي كان يتبعها أبوه نحو قشتالة، وأن يعقد معها أواصر الود، فقابل ألفونسو الثامن في كريون، وقدم إليه طاعته، وأسبغ عليه ملك قشتالة ثوب الفروسية، وهكذا ارتدت ليون إلى التفاهم مع قشتالة، بعد أن لبثت حينا تناصبها العداء.
ولسنا في حاجة لأن نكرر هنا، الحديث عند الغزوات المتوالية، التي قام
(1) راجع ص 509 من القسم الأول من هذا الكتاب
بها القشتاليون في أراضي الأندلس، منذ استيلائهم على حصن شنتفيلة في سنة 1182 م، حتى غزوة مطران طليطلة وفرسان قلعة رباح لأراضي جيان وقرطبة في سنة 1191 م، وخروج ملك قشتالة في قواته لاختراق جبال الشارات، وغزو أراضي الأندلس مرة أخرى في سنة 1194 م، على أثر انتهاء أجل الهدنة التي سبق أن عقدها الخليفة يعقوب المنصور، منتهزاً فرصة انشغال المنصور بحوادث إفريقية، وما كان لهذا العدوان من أثر، في تحرك الخليفة الموحدي، وعبوره إلى الأندلس في جيوشه الزاخرة، لقمع هذا العدوان، وما تلا ذلك من نشوب موقعة الأرك العظيمة بين الموحدين وبين قوي قشتالة، وذلك في 18 يوليه سنة 1194 م (9 شعبان سنة 591 هـ)، وهي معركة انتهت بنصر الموحدين الباهر، وذلك كله حسبما فصلناه فيما تقدم من كتابنا.
وقد وضعت هزيمة الأرك، حدا مؤقتا، لتفوق قشتالة العسكرى في شبه الجزيرة، ولنشاطها المخرب في أراضي الأندلس، وكانت فرصة انتهزها سانشو ملك نافارا، فأغار على أراضي قشتالة من ناحية سُرية وعاث فيها، وهذا إلى ما قام به الموحدون من جانبهم، من استردادهم لقلعة رباح، ومن غزوات مخربة متوالية، في منطقة طلبيرة وطليطلة والقلعة، ووادي الحجارة وغيرها، وما قام به ألفونسو التاسع ملك ليون من غزو أراضي قشتالة بمعاونة الموحدين، واجتياحها حتى مدينة كريون، وهي غزوة تعاونت قوات قشتالة وأراجون في دفعها (1).
ولم يجد ملك قشتالة، إزاء هذه الخطوب المتوالية، ملاذا إلا في محالفة أراجون وكان ملكها ألفونسو الثاني قد توفي في سنة 1196 م، وخلفه ولده الملك بيدور الثاني، وتوثقت أواصر هذا الحلف مع أراجون، وغدا ملكها الجديد، أكبر عون لملك قشتالة. وبدت ثمار هذا الحلف في معاونة ملك أراجون لقشتالة في محاربة نافارا وليون وحلفائها الموحدين، وشهر الملكان الحرب على نافارا، ثم على ليون، ونفذت الجيوش المتحدة إلى ليون وعاثت فيها. وترتب على هذه الحرب أن ألغى مشروع زواج ألفونسو التاسع ملك ليون، من الأميرة برنجيلا إبنة ملك قشتالة، وكان ألفونسو الثامن قد جعل مهرها رد الأراضي والحصون التي اقتطعها من ليون.
(1) راجع ص 233 من هذا الكتاب
ولما شعر سانشو ملك نافارا، بما يتهدده من جراء هذا الحلف القوي، بين خصميه ملكي أراجون وقشتالة، فكر في الاستنصار بالموحدين على غرار ملك ليون، وعبر البحر وجماعة كبيرة من الفرسان إلى مراكش، ملتجئاً إلى الخليفة المنصور ومستنجدا به، ولكنه ما كاد يصل إلى العاصمة الموحدية حتى كان المنصور قد توفي، وخلفه ولده محمد الناصر (أواخر يناير سنة 1199 م) فاستقبل الناصر الملك النصراني بمنتهى الحفاوة والتكريم، وأمضى سانشو في مراكش زهاء عامين، وتوثقت علائقه بالخليفة الموحدي وبلاطه، حتى كاد وفقاً لقول الرواية الإسلامية، أن يعتنق الإسلام (1)، وفي الرواية النصرانية أن سانشو اشترك خلال إقامته بالمغرب، في حروب الناصر في إفريقية وأبلى فيها (2)، وهو ما لم نجد له أثراً في الرواية العربية.
ويجب أن نذكر أن هذه الزيارة من جانب ملك نافارا لبلاط مراكش، قد تلتها زيارته الأخرى للناصر، عقب عبوره إلى الأندلس في سنة 607 هـ (1210 م)، وقد زاره ملك نافارا خلال إقامته بإشبيلية، وهي الزيارة التي تقدمها إلينا الرواية العربية في عبارات غامضة رنانة في نفس الوقت، وقد سبق أن أشرنا إليها تفصيلا.
وفي خلال ذلك، انتهز ملك قشتالة الفرصة، وغزا أراضي نافارا، وكانت ولاية جيبوسكوا، بالرغم من كونها لبثت دهراً منضمة إلى قشتالة، قد احتلها ملوك نافارا، وضموها إلى مملكتهم، فلما نفذ ألفونسو الثامن بقواته، إلى أراضي نافارا، وحاصر مدينة فتورية، طلب إليه أهل جيبوسكوا، أن تعود ولايتهم إلى أراضي قشتالة، فترك حصار فتورية للدون دي هارو، وسار إلى جيبوسكوا واتفق مع زعمائها على شروط وضعها تحت حماية قشتالة، واحتلت قواته سان سبستيان، وفوانتى رابيا، وحصن بلاسكواجا ووادي اديارسون. كما استولى على مقاطعة ألبة (سنة 1200 م)، وعلى أثر ذلك سلمت فتورية، وذلك بموافقة سانشو نفسه، وكان نائبه أسقف بنبلونة قد عبر البحر إلى مراكش لينبئه بما حدث وعاد بموافقته، وبذلك فقدت نافارا شطراً كبيراً من أراضيها (3).
(1) راجع ص 290 من هذا الكتاب.
(2)
Lafuente: Historia General de Espana، T. III. p. 346
(3)
Lafuente: ibid ; T. III. p. 346
وحاول ملك أراجون في نفس الوقت أن يحصل على نصيبه من أراضي نافارا، فهاجمها بقواته، ولكنه لم يستطع أن بفتتح منها، إلا بضعة أماكن صغيرة. ودافعت بنبلونة، وغيرها من المدن الكبيرة، عن نفسها أعنف دفاع، واستطاعت أن ترد القوي المغيرة على أعقابها.
وقد أثار التجاء ملك ليون ألفونسو التاسع، وملك نافارا سانشو القوي، إلى الموحدين، صدى سيئاً في اسبانيا، واهتمت البابوية، بجنوح هذين الملكين النصرانيين إلى محالفة المسلمين أعداء الدين، وبعث البابا سلستينو الثالث، بسفير خاص من قبله، ليسدى النصح إلى الملكين الخارجين، وليهددهما بصدور القرار بنفيهما من الكنيسة، إذا لم يعدلا عن مسلكهما، فنزل سانشو مرغما على هذا الوعيد، وعقد هدنة مع خصميه، ملكى أراجون وقشتالة، ولكنه نقضها قبل بعيد، ثم توفي البابا سلستينو، وخلفه البابا إنوصان الثالث، فبعث إلى اسبانيا برسول جديد، ليرى على من تقع تبعة هذه الحروب الأهلية المتوالية، بين الملوك النصارى، وليعمل في نفس الوقت على إلغاء زواج ألفونسو التاسع من إبنة عمه الأميرة برنجيلا إبنة ألفونسو الثامن، وكان الزواج قد تم قبل ذلك ببضعة أعوام، واعتبرته البابوية باطلا لشدة القرابة بين الزوجين.
وقد أثارت مطالبة البابوية بإلغاء هذا الزواج، مشكلة قومية في ليون، وخصوصاً بعد أن أصدر البابا إنوصان الثالث قراره بالحرمان الكنسى، وانقسم الأحبار في شأنه، بين مؤيد له، ومنكر لصحته. ومع ذلك فقد عاد البابا، ووافق على تخفيف نصوص الحرمان، وسمح بتنصير أول ولد جاء من هذا الزواج في كنيسة ليون الكبرى. وقد كان هذا الإبن هو فرناندو الذي احتفل الكورتيس بتعيينه وليا للعهد (سنة 1204 م)، والذى غدا فيما بعد فرناندو الثالث ملك قشتالة الكبرى، وفاتح قرطبة وإشبيلية. وبعد ذلك ارتضت الملكة برنجيلا الطلاق من زوجها، وألغى البابا قرار الحرمان الكنسى، وانتهت بذلك مشكلة كانت تهدد سلام ليون وسكينتها.
وكاد الخلاف ينشب من جديد بين قشتالة وليون، بسبب طلاق الأميرة القشتالية، ومطالبة أبيها برد ما استولت عليه ليون من الحصون والأراضي مهراً لها، ولكن تغلب صوت العقل والسلم. وكان ألفونسو الثامن، يشعر بأن مهمته الأساسية هي أن يتفرغ لمقارعة الموحدين، وفتوح الإسترداد La Reconquista
وأن يبذل كل ما في وسعه لجمع كلمة الملوك النصارى في شبه الجزيرة، للتعاون في تحقيق هذه المهمة الكبرى، وقد نجح ألفونسو في سعيه. ونحن نعرف أنه كانت تربطه بملك أراجون بيدرو الثاني أواصر التحالف الوثيق، ثم كان أن زاره سانشو السابع (القوي) ملك نافارا في وادي الحجارة (سنة 1207 م)، وتم التفاهم بين الخصمين القديمين، وعقدت بينهما الهدنة والتحالف لمدة خمسة أعوام، ووعد ملك قشتالة بتوسطه لدى بيدرو الثاني لكي يعقد مثل هذه الهدنة مع الملك سانشو (1)، وفي نفس الوقت عقد السلم بين ملكى قشتالة وليون على نسق ما تم في مؤتمر وادي الحجارة، وأخيراً تم التفاهم بين ألفونسو الثامن، وسانشو ملك البرتغال، وتوثق التحالف بينهما بزواج الأميرة أوراكا القشتالية، بألفونسو ولى
عهد البرتغال.
وهكذا اجتمعت الممالك الإسبانية النصرانية كلها في جبهة واحدة، تحت رعاية ملك قشتالة وقيادته.
وكان اجتماع كلمة إسبانيا النصرانية على هذا النحو، لا يقصد به فقط تحقيق سلامها الداخلى، بل كان ينطوي قبل كل شىء على المضي في تحقيق الهدف الرئيسي الذي تدخر له اسبانيا النصرانية كل مواردها وقواها، وهو محاربة اسبانيا المسلمة، ودفع تيار فتوح " الاسترداد " بأقصى ما يستطاع. ولم تكن اسبانيا النصرانية تقف وحدها إزاء هذا الهدف، بل كانت البابوية والنصرانية كلها، تحبو تلك الغاية بعطفها ومؤازرتها الفعلية، ولم تبخل البابوية بأن تسبغ الصفة الصليبية على أية طور من أطوار هذا الصراع، وكان البابا إنوصان الثالث، يشمل بنصحه ورعايته كل حركة تقارب واتحاد بين الملوك الإسبان، وكان فوق ذلك يوعز إلى الأحبار في جنوب فرنسا، أن يبثوا كل دعاية ممكنة، لحشد السادة والفرسان، للتطوع إلى هذه الحرب المقدسة. وقد سبق أن أشرنا في الفصل الذي خصصناه لموقعة العقاب إلى تلك الجهود في حشد قوي النصرانية كلها ضد اسبانيا المسلمة. وكان عبور الخليفة محمد الناصر في جيوشه الجرارة إلى الأندلس في أواخر سنة 607 هـ (1211 م) عاملا جديداً في إذكاء تلك الحركة الصليبية. ولم يلبث ملك قشتالة أن بدأ أهباته لشهر الحرب على الأندلس، وبدأ القشتاليون غزواتهم المخربة للأندلس، وذلك بالرغم من قيام الهدنة بينهم
(1) راجع ص 288 من هذا الكتاب
وبين الموحدين، وكان عبور الناصر رداً على هذا التحدى السافر، وبدأ الناصر بالعمل على وقف هذا العدوان، فزحف أولا نحو منطقة جيان واستولى على قلعة شلبطرّة، ثم عاد إلى إشبيلية وضاعف أهباته وحشوده، وخرج للمرة الثانية، من إشبيلية في المحرم سنة 609 هـ (يونيه 1212 م). وكان ألفونسو الثامن، وحلفاؤه الملوك الإسبان، قد استكملوا أهباتهم عندئذ، ووفد لمؤازرتهم سيل من الأحبار والفرسان، والمتطوعة من وراء البرنيه، واتخذت الحرب الصليبية شكلها الحقيقي، والتقت الجيوش النصرانية المتحدة بالجيوش الموحدية في هضبة العقاب أسفل جبال الشارات (سيرّا مورينا)، وكانت الموقعة المشئومة التي هزمت فيها الجيوش الموحدية شر هزيمة، ومزقت شر ممزق، وذلك في الخامس عشر من صفر سنة 609 هـ (16 يوليه 1212 م)، وذلك كله حسبما فصلناه فيما تقدم تفصيلا شافيا.
وكانت نكبة العقاب، نذير انحلال الجبهة الدفاعية الموحدية للأندلس، ونذير انهيار الأندلس ذاتها، وقد عجل بهذا الانهيار، ما اضطرمت به الأندلس على أثر ذلك من ثورات جديدة، ومن تبدد قواها ومواردها الباقية، في حروب أهلية جديدة، ومنافسات على الزعامة، كان لها أسوأ الأثر في تفكك وحدتها، وفي تمهيد الطريق إلى سقوط قواعدها، واقتطاع أراضيها.
ولم يفت اسبانيا النصرانية، بعد أن خرجت من موقعة العقاب، مكللة بغار الظفر الساحق، أن تعمل لاجتناء الفرصة السانحة، وخرج ألفونسو الثامن في ربيع سنة 1213 م، لغزو أراضي الأندلس، من ناحية قلعة رباح، واستولى على بلدة الكرس، وحول مسجدها إلى كنيسة.
وبالرغم مما حدث هذا العام في قشتالة، من تلف الزروع ونفق الماشية، وانتشار القحط، وموت الكثيرين من الجوع والمرض، فإن ملك قشتالة لم يحجم عن استئناف الغزو، وفي تلك المرة اخترق جبال الشارات، وسار منحدراً نحو بيّاسة، وضرب حولها الحصار، ولكن المسلمين كانوا قد أحكموا تحصينها، وطال الحصار، والمدينة صامدة، وحل القحط في المعسكر النصراني، فاضطر ملك قشتالة إلى رفع الحصار، وعاد في قواته إلى طليطلة. ولم تمض بضعة أشهر حتى غادر العاصمة، وسار غربا بقصد لقاء ملك البرتغال ومفاوضته، ولكنه ما كاد يصل إلى بلدة جوتيرى مونيوس، حتى مرض وتفاقم مرضه
بسرعة، وتوفي في اليوم السادس من أكتوبر سنة 1214 م.
ويوضع ألفونسو الثامن في ثبت ملوك اسبانيا العظام، وقد أسبغ عليه انتصاره في موقعة العقاب هالة من المجد، وفي ظله احتفظت قشتالة بتفوقها السياسي والعسكرى، على باقي الممالك الإسبانية النصرانية، على نحو ما كانت عليه أيام فرناندو الأول وألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس). وكان هذا التفوق يتخذ أحيانا صفة السيادة على هذه الممالك، وكان يثير لديها كثيراً من المرارة والاحتجاج، ويحملها أحيانا على التحالف ضد قشتالة (1).
وكان ألفونسو الثامن، فضلا عما أحرزه من الظفر العسكرى الباهر، ملكاً مصلحاً، وكان من أثر عنايته بشئون الإصلاح، توسعه في إنشاء البلديات، وتوسيع مهامها واختصاصاتها، وإصداره القوانين الخاصة بذلك Fueros. وقد أنشأ ألفونسو أول جامعة إسبانية هي جامعة بالنسيا، Palencia وذلك في سنة 1209 م، وجلب إليها الأساتذة من فرنسا وإيطاليا. وكان حسبما تصفه الرواية الإسبانية، يتسم بالتقى والورع، وقد أنشأ عدداً من الأسقفيات الجديدة، والأديار الفخمة، وكان من بينها دير برغش الشهير المسمى بالدير الملكي (لاس هويلجاس)، وأسبغ على الكنائس والأديار امتيازات جمة.
وخلف ألفونسو الثامن على عرش قشتالة، ولده هنري الأول (إنريكى) ولما يبلغ الحادية عشرة من عمره، وتولت الوصاية عليه أمه الملكة إلينور، ولكن لأجل قصير فقط، إذ توفيت بعد ذلك بقليل، وعندئذ تولت الوصاية عليه أخته الملكة برنجيلا، مطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، بيد أنها لم تستطع مقاومة أطماع آل لارا الأقوياء في انتزاع الوصاية، وهم الكونت ألبارو نونيز وإخوته، فتنازلت إليهم عنها بشروط خاصة، أقسموا بالعمل على تنفيذها، وخلاصتها ألا يعلن الكونت دي لارا الحرب على أي ملك، ولا أن يعطى أو يتنازل عن الأراضي للاتباع، أو يفرض أية ضرائب دون موافقة الملكة برنجيلا، ولكن الكونت دي لارا لم يحترم عهوده، وكان مقصد آل لارا الأول أن يوطدوا نفوذهم على الملك الصبي، فلما اطمأنوا إلى ذلك، قرروا تزويجه من الأميرة مافالدا إبنة سانشو الأول ملك البرتغال، ولم يكن الملك الصبي قد جاوز
(1) R. Altamira: Historia de Espana y de la Civilizacion Espanola ; T. I. p. 366
الثانية عشرة من عمره، وكانت الأميرة قد جاوزت العشرين، ومع ذلك فقد عقد هذا الزواج بالفعل (سنة 1215)، في انتظار بلوغ الملك الصبي سن الرشد. ولكن الملكة برنجيلا وأكابر قشتالة، اعترضوا على هذا الزواج بشدة، ورفعوا أمره إلى البابا إنوصان الثالث، فأصدر البابا قرارا بإلغائه بسبب القرابة بين الزوجين، وعادت الأميرة البرتغالية إلى وطنها، ودخلت أحد الأديار.
وكان الملك الصبي يتوق إلى التحرر من نير آل لارا والعودة إلى أخته برنجيلا. ولكن الكونت ألبارو نونيز حال دون ذلك. ثم سار فضرب الحصار حول قلعة أوتليو وبها برنجيلا وبعض أنصارها، فاستغاثت برنجيلا بزوجها السابق ألفونسو التاسع ملك ليون، فبعث لإنجادها ولدها وولده فرناندو في بعض قواته، فرفع آل لارا الحصار عن الملكة، وساروا إلى بالنسيا، وكان الملك الصبي قد نزل في قصر أسقف بالنسيا، وكان يلعب في فنائه مع بعض صبية في سنه، فرماه أحدهم بحجر أصابه في رأسه بجرح بالغ، لم يلبث أن توفي منه، وذلك في يوم 6 يونيه سنة 1217 م.
فبادرت أخته دونيا برنجيلا باستدعاء ولدها فرناندو وصحبها المخلصين. وسارت إلى بلد الوليد، وهنالك أعلنت نفسها ملكة لقشتالة، ولكنها نزلت في الحال عن العرش لولدها فرناندو، وكان يومئذ فتى في الثامنة عشرة من عمره (أول يوليه 1217) وكان القدر يدخر لهذا الفتى الذي تولى الملك في تلك الظروف المؤسية، مستقبلاً باهراً، حيث غدا هو فرناندو الثالث، قاهر الأندلس، والمستولى على قواعدها الكبرى.
2 -
مملكة ليون
لما توفي القيصر ألفونسو ريمونديس في سنة 1157 م، قسمت مملكته بين ولديه، فاختص ولده الأكبر سانشو بملك قشتالة، واختص ولده الأصغر فرناندو بملك ليون. وتوفي سانشو بعد عام واحد من حكمه في سنة 1158، وخلفه على عرش قشتالة ولده ألفونسو الثامن الذي أتينا على سيرته فيما تقدم. أما فرناندو الثاني فاستمر ملكاً على ليون حتى توفي في سنة 1188 م. وفرناندو الثاني هذا هو الذي تعرفه الرواية الإسلامية (بالببوج) وقد لبث خلال حكمه يتردد بين محالفة الموحدين وبين خصومتهم، وكان له في إنجاد الموحدين ببطليوس، وفي التحول إلى خصومهم مواقف متناقضة، سبق أن أتينا عليها
في مواضعها. وكان من أهم أعماله تصفية الخصومة بين ليون والبرتغال. وكان ألفونسو الثاني ملك البرتغال قد غزا جليقية، واستولى على بعض مواضع فيها، فسعى فرناندو الثاني إلى عقد الصلح، واجتمع الملكان، واتفقا على أن يتزوج فرناندو بالأميرة أوراكا إبنة ألفونسو الثاني، وأن تكون المواضع التي استولى عليها البرتغاليون في جليقية مهرا لها. وكذلك انتهى فرناندو بأن عقد الصلح مع ألفونسو الثامن ملك قشتالة (سنة 1180 م) بمقتضى معاهدة خططت فيها الحدود النهائية بين المملكتين، ونظمت العلائق بينهما، وعقدت محالفة للتعاون على تحقيق فتوح " الاسترداد " وتعهدت كل منهما ألا تعقد أي صلح أو هدنة مع المسلمين. وكان من أبرز أعمال فرناندو العسكرية حصاره لقاصرش، ثم انسحابه عنها ليسير إلى نجدة البرتغاليين، حينما كان الخليفة أبو يعقوب يوسف يحاصر شنترين. وكانت هذه الحركة، وفقا لبعض الروايات، هي السبب الرئيسي في انسحاب الخليفة الموحدي، وفيما تلا ذلك من نكبة الجيش الموحدي (سنة 1184 م).
ولما توفي فرناندو الثاني في سنة 1188 م، خلفه على العرش ولده ألفونسو التاسع. وفي بداية حكمه وقعت في أنحاء ليون، اضطرابات كان يحركها ويغذيها ملك قشتالة، فدعا الملك لمعالجة الحالة إلى عقد مؤتمر بمدينة ليون، مثل فيه الأحبار والأشراف، ونواب المدن. ويعتبر المؤرخون الإسبان أن هذا المؤتمر كان أول " كورتيس " Cortes أو برلمان إسبانى حقيقي. وكان ألفونسو التاسع، يواجه كأبيه، مشكلة العلائق المتوترة مع جارتيه قشتالة والبرتغال. وكانت قشتالة في الواقع تحتل معظم القواعد الأمامية التي تؤلف خط الدفاع عن ليون، فسعى ألفونسو التاسع إلى الاجتماع مع ابن عمه ملك قشتالة، في كريون، حسبما قدمنا، وعقدت أواصر المودة والتفاهم بين الملكين. بيد أن ألفونسو التاسع لم يكن مخلصاً في هذا الاتجاه الودى نحو قشتالة، إذ كان يشعر دائماً أن قشتالة هي المتجنية على بلاده.
وأما فيما يتعلق بالبرتغال، وتسوية مشكلة الحدود بينها وبين ليون، فقد رأى ألفونسو التاسع أن يرتبط مع ملك البرتغال سانشو الأول، برباط المصاهرة، بعد أن كان قد قطع مثل هذا الوعد لملك قشتالة، وعقد بالفعل زواج ألفونسو التاسع بالأميرة تريسا إبنة سانشو (سنة 1191 م) وذلك بالرغم من القرابة الوثيقة بين الزوجين، إذ كانت أم ألفونسو دونيا أوراكا، هي أخت سانشو. ومن ثم فإن البابوية لم توافق على هذا الزواج، وأصدر البابا سلستينو قراره بإبطاله، وبالتحريم ضد المملكتين، واضطر
ألفونسو التاسع أخيراً، بعد أن رزق من هذا الزواج، بثلاثة أولاد، أن ينزل عند إرادة البابوية، وأن ينفصل بالطلاق عن زوجته (1194 م).
وعاد ألفونسو التاسع، أسوة بما فعل أبوه إلى التحالف مع الموحدين. وكانت الممالك الإسبانية النصرانية الأخرى، تشعر كلها في الواقع بالنفور من قشتالة، لما يدعيه ملكها من السيطرة الأدبية عليها، وكان الموحدون في تلك الآونة قد عبروا في حشودهم الجرارة إلى اسبانيا بقيادة الخليفة المنصور، ووقع اللقاء في الأرك بين الجيوش القشتالية بقيادة ألفونسو الثامن وبين الموحدين، وأسفر عن هزيمة القشتاليين وظفر الموحدين الساحق (19 يوليه سنة 1195 م). وعلى أثر ذلك عقد التحالف بين ليون ونافارا، وبين ليون والموحدين، وهوجمت قشتالة من الشرق والغرب (ربيع سنة 1196 م)، ولكن ألفونسو استطاع بمعاونة أراجون في الشرق، والبرتغال في الغرب، أن يصمد ضد هذا الهجوم.
وفي ربيع العام التالي (1197 م) قام الموحدون بغزو أراضي طلبيرة والقلعة ومدريد وقونقة، وقام القشتاليون والبرتغاليون بغزو أراضي ليون وجليقية. ورأى ألفونسو التاسع عندئذ أن يعود إلى مسالمة قشتالة، وأن يعقد معها أواصر المودة والتفاهم. وقد تحقق ذلك بزواجه من الأميرة برنجيلا ابنة ألفونسو الثامن، ولكن البابوية عادت فاعترضت على هذا الزواج الثاني لملك ليون، وطالبت بإلغائه بسبب القرابة، وانتهى الأمر بإلغائه حسبما فصلنا ذلك من قبل.
ولبث ألفونسو التاسع يتردد حيناً بين خصومة قشتالة ومسالمتها، وانتهى الأمر، بعد أن بذلت البابوية ما بذلت من ضغط ووعيد، ومن جهود متوالية في التقريب بين الملوك النصارى، إلى أن نجح ألفونسو الثامن ملك قشتالة فيما بذل من سعى لجمع كلمة الملوك النصارى في شبه الجزيرة (سنة 1207 م) ونزل ألفونسو التاسع عند هذا المسعى، وتم التفاهم بينه وبين خصمه القديم ألفونسو الثامن، وكان من أثر ذلك أن وقف إلى جانبه في معركة العقاب (سنة 1212 م).
وكان ملك قشتالة ألفونسو الثامن، قد خرج في العام التالي لموقعة العقاب (1213 م) لغزو أراضي الأندلس الوسطى، وأقام حيناً على حصار مدينة بياسة، وكان قد اتفق مع زميله ملك ليون أن يقوم من جانبه بغزو قطاع إشبيلية، وأمده في ذلك بقوة من الفرسان القشتاليين. ولكن ألفونسو التاسع، بعد أن سار في قواته نحو قاصرش، وحاول الاستيلاء عليها عبثاً، ومضى في تقدمه نحو ماردة، قرر أن يوقف الغزو
نظراً لاقتراب الشتاء، وأن يعود أدراجه. وسار حلفاؤه القشتاليون غاضبين ولحقوا بملكهم، وهو على حصار أبدة، ولكن المدينة المسلمة لبثت صامدة، واضطر القشتاليون بدورهم إلى الانسحاب، والعودة إلى بلادهم (يناير سنة 1214 م).
وفي هذا العام - سنة 1214 م - توفي دون فرناندو ولد ألفونسو التاسع وولي عهده، وهو فتى في الثانية والعشرين من عمره. وكان لألفونسو ولدين آخرين من مطلقته الملكة برنجيلا، هما فرناندو وألفونسو، ولكنه لم يقرر بصفة حاسمة من يخلفه منهما على العرش. ولما توفي ملك قشتالة الصبي هنري الأول في يونيه سنة 1217، بادرت أخته الملكة برنجيلا باستدعاء ولدها فرناندو، وأعلنت في الحال نفسها ملكة لقشتالة، ثم تنازلت على الأثر عن العرش لولدها فرناندو، فأصبح هو ملكاً لقشتالة. وهنا ثارت أطماع ألفونسو التاسع، ورأى وفقاً لنصح بطانته، أن يعلن نفسه إمبراطوراً لقشتالة وليون، وفي الحال دخل قشتالة بجيشه، ولكنه ما كاد يقترب من بلد الوليد، حتى علم بأن ولده فرناندو قد أعلن ملكاً لقشتالة. وبعثت إليه الملكة برنجيلا بعض أكابر الأحبار يرجونه احترام الأمر الواقع، والمحافظة على سلام المملكة، ولكنه لم يصغ إليهم ومضى في سيره نحو برغش. وهنا استعدت الملكة وولدها، وأكابر فرسان قشتالة، لرده، فعندئذ ارتضى ألفونسو، أن يعود أدراجه، بعد أن عقد مع ابنه الهدنة لمدة عامين (نوفمبر 1217 م) وتلتها بعد ذلك معاهدة سلام دائم بين قشتالة وليون عقدت في أغسطس سنة 1218 م. ولما استقر السلام على هذا النحو بين قشتالة وليون، اتجه ألفونسو التاسع إلى العناية بفتوح " الإسترداد " في القطاع الذي خصص من أراضي الأندلس لغزوات ليون. وكانت حملات الغزو من أي الممالك الإسبانية، تتخذ عندئذ صفة الحرب الصليبية، ويشترك فيها بالأخص فرسان الجمعيات الدينية، والمتطوعة الأجانب. ففي أواخر سنة 1217 م، سار ألفونسو التاسع في حملة مختلطة من قوات ليون وقشتالة، وبعض فرسان الجماعات الدينية، وضرب الحصار حول مدينة قاصرش، ولكنه لم يلبث أن رفع الحصار بعد أسابيع قلائل، وكرر ملك ليون وحلفاؤه بعد ذلك حملاتهم لافتتاح هذه القاعدة الإسلامية المنيعة، وانتهى الأمر بسقوطها في أيديهم في صيف سنة 1227 م.
وفي أواخر سنة 1229 م، قام ملك ليون بغزوة جديدة في أراضي الأندلس، واستولى في هذه المرة على حصن منتانجش على مقربة من ماردة، ثم ضرب الحصار حول ماردة، وفي خلال ذلك وصل المتوكل بن هود في قواته لإنجاد
المدينة المحصورة، واشتبك الفريقان في معركة هزم فيها ابن هود وارتد في قواته نحو الشرق، وكان من أثر ذلك أن سقطت ماردة وبطليوس في أيدي الليونيين، وذلك في صيف سنة 1230 م (أواسط 627 هـ).
ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك حتى توفي ألفونسو التاسع ملك ليون، وذلك في يوم 24 سبتمبر سنة 1230 م، وكانت مسألة وراثة عرش ليون، هي أهم المسائل المعلقة في الأعوام الأخيرة من حكمه. ذلك أنه لم يرد أن يوصى بعرش ليون إلى ولده فرناندو الثالث ملك قشتالة، ولكنه أوصى به إلى ابنتيه سانشا ودولثى. ولكن هاتين الأميرتين ما لبثتا أن تنازلتا عن العرش إلى أخيهما فرناندو (أواخر سنة 1230 م)، وبذا وحدت مملكة قشتالة وليون مرة أخرى، كما كانتا قبل وفاة القيصر ألفونسو ريمونديس في سنة 1157 م، وعادت قشتالة كما كانت، أعظم ممالك اسبانيا النصرانية وأقواها.
3 -
قشتالة وعهد فرناندو الثالث
لما جلس فرناندو الثالث على عرش قشتالة في يوليه سنة 1217 م، ثم على عرش ليون (1230 م) وفقاً للظروف التي شرحناها، وعادت قشتالة بذلك إلى حدودها ووحدتها القديمة، كان القدر يدخر لهذا الملك الفتى، عهدا حافلا بصنوف الفخار والظفر.
وكان من غرائب القدر، أن يقوم على عرش أراجون في نفس الوقت ملك فتىّ آخر، يدخر له القدر مثل هذا المستقبل الحافل، هو خايمى الأول، وبينما كان فرناندو يحقق فتوحه العظيمة المتوالية في أواسط الأندلس، كان خايمى يحقق مثل هذه الفتوح في شرقي الأندلس.
وكان أبرز ما في حكم فرناندو الثالث، هو غيرته في متابعة فتوح الإسترداد Reconquista في أراضي الأندلس، وتكريسه لها كل جهوده وموارده. وقد بدأ بها مبكراً، وكانت أحوال الأندلس التي شرحناها، من انهيار سلطان الموحدين بالأندلس، عقب موقعة العقاب، وما تلاها غير بعيد من اضطرام الحرب الأهلية بين بني عبد المؤمن حول الخلافة الموحدية، وما كان من ثورة البياسى وانضوائه تحت لواء ملك قشتالة، وما أقدم عليه الخليفة المأمون من الاستنصار بملك قشتالة، واستعانته على أمره بالجند النصارى، ثم ما كان بعد ذلك من قيام ابن هود في شرقي الأندلس، وابن الأحمر في الأندلس الوسطى،
وتنافس هذين الزعيمين، كل في بسط سلطانه، وفي مصانعة ملك قشتالة وغلبة التفكك والفوضى على شئون الأندلس: كانت هذه الظروف كلها تفسح مجالاً طيباً لنشاط فرناندو ومحاولاته العدوانية ضد الأندلس. ففي سنة 1230 م، غزا فرناندو منطقة أندوجر وجيان، وتوغل في جنوب الأندلس. وفي سنة 1233، غزا أحواز قرطبة وإشبيلية وعاث فيها. وفي نفس هذا العام حاصر مدينة أبدة واستولى عليها. وكان من الواضح أن تضعضع قوي الأندلس، وما يمزقها من المعارك الأهلية، يفسح لأطماع فرناندو أعظم مجال. ومن ثم فإنا نراه، بعد ذلك بعامين يستولي على قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وذلك في شوال سنة 633 هـ (يونيه 1236 م) ثم يستولي على سائر المدن والحصون القريبة منها، مثل إستجة والمدور وإشتبة وغيرها. ثم نرى ابن هود، وابن الأحمر كل يسعى إلى مصانعته والانضواء تحت لوائه. ولما توفي ابن هود في سنة 635 هـ (1237 م) وخلصت القواعد الجنوبية، غرناطة ومالقة وألمرية لابن الأحمر، كان فرناندو الثالث يلقى بكل ثقله ضد هذا الزعيم الأندلسي، خشية أن تلتف حوله كل القوي الباقية في الأندلس، فيغدو حجر عثرة ضد مشاريعه، ومن ثم نراه يكرر غزواته للأندلس الوسطى التي نشأ فيها ابن الأحمر، وبها موطنه ومثوى أسرته، أرجونة، ونراه يدفع غزواته جنوبا حتى غرناطة ذاتها، ونرى ابن الأحمر نزولا على هذا الضغط الخطير، يضطر إلى عقد الصلح مع ملك قشتالة، وإلى الاعتراف بطاعته، وإلى أن يسلمه مدينة جيان، وعدة كبيرة أخرى من القواعد والحصون (643 هـ - 1246 م)، وذلك كله حسبما فصلناه في مواضعه ولا حاجة بنا إلى تكراره. على أن أعظم أعمال فرناندو الثالث، هو افتتاحه لمدينة إشبيلية أعظم حواضر الأندلس، وذلك في سنة 1248 م (646 هـ)، ولم يكن فتح إشبيلية أمراً هيناً كفتح قرطبة، ولكنه كان محاولة عسكرية وبحرية ضخمة، قاومتها الحاضرة الإسلامية العظيمة، بمنتهى البسالة، وصمدت للحصار المرهق خمسة عشر شهراً، قبل أن تستسلم إلى قدرها المحتوم. وقد فصلنا أطوار هذه المأساة كلها في الفصل الذي خصصناه لذلك (1). وفتح إشبيلية هو الذي أسبغ على فرناندو الثالث أروع آيات مجده، الذي تطنب الروايات القشتالية في الإشادة به.
وقد سقطت على أثر افتتاح إشبيلية، في أيدي القشتاليين، سائر القواعد الواقعة في
(1) وهو الفصل الرابع من الكتاب التاسع ص 465
جنوبي الوادي الكبير، مثل أركش وشذونة وشلوقة (سان لوكار) وقادس وغيرها. وبالرغم من أن فرناندو الثالث، أنفق شطراً كبيراً من حكمه، في فتوح القواعد والأراضي الأندلسية، فإنه عنى في نفس الوقت بتنظيم الشئون الداخلية، فأصلح نظم الحكم والإدارة، وأصدر طائفة من القوانين البلدية لعديد من المدن، وعنى بتدعيم الجامعات وتقدمها، وأنشأ جامعة شلمنقة التي لبثت عصورا أعظم الجامعات الإسبانية، والتي ما زالت حتى يومنا تتمتع بكثير من سمعتها العلمية القديمة. ولما افتتح إشبيلية جعل منها عاصمة قشتالة، وأنشأ بها دار صناعة بحرية عظيمة لإنشاء السفن والقطائع الحربية، وفرناندو هو أول من عنى بإنشاء قوة قشتالة البحرية، وقد غدا الأسطول القشتالي منذ أيام ولده ألفونسو العاشر خطراً جديداً، يهدد شواطىء المغرب الشمالية والغربية. بيد أن أهم ما قام به فرناندو في مجال الإصلاح الداخلى، هو تنظيم القوانين وتوحيدها، وقد أنشأ لذلك مجلساً تشريعياً خاصاً من اثنى عشر مشرعاً من أعظم فقهاء الدولة سمى " مجلس قشتالة الملكى " وعهد إليه بأن يضع مجموعة موحدة من القوانين للمملكة كلها، وقطع هذا المجلس في تحقيق المشروع خطوات كبيرة، ولكن فرناندو توفي قبل إتمامه، فقام على إتمامه ولده ألفونسو العاشر، وسميت هذه المجموعة التشريعية " بالبنود السبعة " Siete Partidas وغدت وحدها مرجع التشريع في قشتالة (1).
وتوفي فرناندو الثالث في اليوم الثلاثين من مايو سنة 1254 م، في الرابعة والخمسين من عمره، بعد حكم دام ستة وثلاثين عاما. ويعتبر فرناندو الثالث بما قام به من فتوح واسعة في أراضي الأندلس، وبما استولى عليه من قواعدها العظيمة، ولاسيما قرطبة وإشبيلية، قاهر الأندلس الحقيقي، وتعتبره الرواية القشتالية أعظم ملوك قشتالة، وتشيد بخلاله أعظم إشادة، وقد لبثت سيرته مدى عصور نموذجا للبطولة النصرانية، حتى أن البابوية أسبغت عليه صفة القداسة، وتوج قديساً في سنة 1671 م، على يد البابا كليمنضوس العاشر، وسمى من ذلك التاريخ بالقديس فرناندو (سان فرناندو).
وخلف فرناندو الثالث على عرش قشتالة وليون، ولده ألفونسو العاشر، وهو الملقب بالعالم أو الحكيم El Sabio. وقد تحدثنا عن هذا الملك وعصره وعلائقه مع مملكة غرناطة وبنى مرين، في كتابنا " نهاية الأندلس " فلا حاجة بنا إلى تناوله هنا.
(1) M. Lafuente: ibid ; T. IV. p. 96