الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكاية [ملك الهند]
لما مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر «78» بأمره إلى السلطان ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه فأخترم دون ذلك، فلمّا بلغ الخبر إلى الملك أمر أن يبعث إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير، لا أذكره الآن، وأمر أن يعطي لأصحابه ما كان يعطي لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة.
ولملك الهند في كل بلد من بلاده صاحب الخبر يكتب له بكل ما يجري في ذلك البلد من الأمور وبمن يرد عليه من الواردين، وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد ورد، وكتبوا اسمه ونعته وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه وهيئته من الجلوس والماكل وجميع شؤونه وتصرفاته، وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارف بجميع حاله فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه! وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف «79» ، وإليها ينسب أبو حفص عمر النسفي «80» مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافية بين الفقهاء الأربعة «81» رضي الله عنهم. ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ «82» التي ينسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي «83» ، مؤلف الجامع الكبير في السنن، وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق
تخرقها الأنهار، وبها البساتين الكثيرة والعنب، والسفرجل بها كثير متناهي الطيب، واللحوم بها كثيرة، وكذلك الألبان، وأهلها يغسلون رؤوسهم في الحمام باللّبن عوضا من الطّفل «84» ويكون عند كل صاحب الحمام أوعية كبار مملوءة لبنا، فإذا دخل الرجل الحمام أخذ منها في إناء صغير فغسل رأسه وهو يرطب الشعر ويصلقه! وأهل الهند يجعلون في رؤوسهم زيت السّمسم، ويسمونه السيراج ويغسلون الشعر بعده بالطفل فينعم الجسم ويصقل الشعر ويطيله وبذلك طالت لحي أهل الهند ومن سكن معهم! وكانت مدينة التّرمذ القديمة مبنية على شاطىء جيحون فلما خربها تنكيز بنيت هذه الحديثة على ميلين من النهر، وكان نزولنا بها بزاوية الشيخ الصالح عزيزان، من كبار المشايخ وكرمائهم، كثير المال والرباع والبساتين ينفق على الوارد والصادر من ماله.
واجتمعت قبل وصولي إلى هذه المدينة بصاحبها علاء الملك خذاوند زاده، وكتب لي إليها بالضيافة، فكانت تحمل إلينا أيام مقامنا بها في كلّ يوم، ولقيت أيضا قاضيها قوام الدين وهو متوجه لرؤية السلطان طرمشيرين وطالب للاذن له في السفر إلى بلاد الهند، وسيأتي ذكر لقائي له بعد ذلك ولأخويه ضياء الدين وبرهان الدين بملتان، وسفرنا جميعا إلى الهند، وذكر أخويه الآخرين عماد الدين وسيف الدين، ولقاءي لهما بحضرة ملك الهند، وذكر ولديه وقدومهما على ملك الهند بعد قتل أبيهما وتزويجهما ببنتي الوزير خواجه جهان وما جرى في ذلك كله إن شاء الله تعالى! ثم أجزنا نهر جيحون إلى بلاد خراسان، وسرنا بعد انصرافنا من ترمذ وإجازة الوادي يوما ونصف يوم في صحراء ورمال لا عمارة بها إلى مدينة بلخ «85» ، وهي خاوية على