الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جنده وهي التي عند القصبة من حضرة فاس حرسها الله تعالى فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعا، ونقش الجص بها لا قدرة لأهل المشرق عليه «130» ويصنع بنيسابور ثياب «131» الحرير من النخ والكمخاء وغيرها، وتحمل منها إلى الهند، وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم القطب العابد قطب الدين النيسابوري أحد الوعاظ العلماء الصالحين، نزلت عنده فأحسن القرى وأكرم، ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.
كرامة له
كنت قد اشتريت بنيسابور غلاما تركيّا فرآه معي، فقال لي: هذا الغلام لا يصلح لك فبعه، فقلت له: نعم، وبعث الغلام في غد ذلك اليوم، واشتراه بعض التجار، ووادعت الشيخ وانصرفت، فلما حللت بمدينة بسطام كتب إلي بعض أصحابي من نيسابور وذكر أنّ الغلام المذكور قتل بعض أولاد الأتراك وقتل به! وهذه كرامة واضحة لهذا الشيخ رضي الله عنه «132» .
وسافرت من نيسابور إلى مدينة بسطام «133» التي ينسب إليها الشيخ العارف أبو
يزيد البسطامي 13»
الشهير رضي الله عنه، وبهذه المدينة قبره ومعه في قبة واحدة أحد أولاد جعفر الصادق «135» رضي الله عنه، وببسطام أيضا قبر الشيخ الصالح الولي أبي الحسن الخرقاني.
وكان «136» نزولي من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي زيد البسطامي، رضي الله عنه ثم سافرت من هذه المدينة على طريق هند خير «137» إلى قندوس «138» وبغلان «139» ، وهي
قرى فيها مشايخ وصالحون، وبها البساتين والأنهار فنزلنا بقندوس على نهر ماء به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر، يسمّى بشير سيّاه ومعنى ذلك الأسد الأسود، وأضافنا بها والي تلك الأرض، وهو من أهل الموصل، وسكناه ببستان عظيم هنالك، وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوما لرعي الجمال والخيل، وبها مراعي طيبة وأعشاب كثيرة، والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الامير بزنطيه «140» ، وقد قدمنا أن أحكام الترك في من سرق فرسا أن يعطي معه تسعة مثله، فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أولاده، فإن لم يكن له أولاده ذبح ذبح الشاة! والناس يتركون دوابّهم مهملة دون راع بعد أن يسم كلّ واحد دوابه في أفخاذها، وكذلك فعلنا في هذه البلاد! واتفق أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها، ففقدنا منها ثلاثة أفراس، ولما كان بعض نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا، خوفا على أنفسهم من الأحكام.
وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين لما عسى أن يقع بالليل، ففقدنا الفرسين ذات ليلة، وسافرنا من هنالك، وبعد اثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا.
وكان أيضا من أسباب إقامتنا خوف الثلج، فإن بأثناء الطريق جبلا يقال له هندوكوش «141» ومعناه قاتل الهنود، لأنّ العبيد والجواري الذين يوتي بهم من بلاد الهند يموت هنالك الكثير منهم لشدّة البرد وكثرة الثلج، وهو مسيرة يوم كامل، وأقمنا حتى تمكّن دخول الحرّ «142» ، وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب، وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال وتطأ عليها لئلا تغرق في الثلج! ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأندر «143» ، وكانت هنالك فيما تقدم مدينة عفى رسمها،
ونزلنا عنده وأكرمنا، وكان متى غسلنا أيدينا من الطعام يشرب الماء الذي غسلناها به لحسن اعتقاده وفضله، وسافر معنا إلى أن صعدنا جبل هندوكوش المذكور ووجدنا بهذا الجبل عين ماء حارة فغسلنا منها وجوهنا فتقشرت وتألّمنا لذلك! ثم نزلنا بموضع يعرف ببنج هير «144» ، ومعنى بنج خمسة، وهير الجبل، فمعناه خمسة جبال، وكانت هنالك مدينة حسنة كثيرة العمارة على نهر عظيم أزرق كأنه بحر ينزل من جبال بدخشان، وبهذه الجبال يوجد الياقوت الذي يعرفه الناس بالبلخش، وخرب هذه البلاد تنكيز ملك التتر فلم تعمر بعد، وبهذه المدينة مزار الشيخ سعيد المكي وهو معظّم عندهم.
ووصلنا إلى جبل بشاي «145» ، وضبطه بفتح الباء المعقودة والشين المعجم وألف وباء ساكنة، وبه زاوية الشيخ الصالح أطا أولياء، وأطا بفتح الهمزة معناه بالتركية الاب، وأولياء باللسان العربي، فمعناه أبو الأولياء، ويسمّى أيضا سيصد صاله. وسيصد بسين مهمل مكسورة وياء مد وصاد مهمل مفتوح ودال مهمل ومعناه بالفارسية ثلاثمائة، وصاله بفتح الصاد المهمل واللام معناه عام، وهم يذكرون أن عمره ثلاثمائة وخمسون عاما ولهم فيه اعتقاد حسن وياتون لزيارته من البلاد والقرى ويقصده السلاطين والخواتين، وأكرمنا وأضافنا، ونزلنا على نهر عند زاويته، ودخلنا إليه فسلّمت عليه وعانقني وجسمه رطب لم أر ألين منه، ويظنّ رائيه أن عمره خمسون سنة، وذكر لي أنه في كلّ مايه سنة ينبت له الشعر والأسنان، وأنه رأى أبارهم الذي قبره بملتان من السند وسألته عن رواية حديث، فأخبرني بحكايات وشككت في حاله والله أعلم بصدقه.
ثم سافرنا إلى برون «146» ، وضبطها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخرها نون، وفيها لقيت الأمير برنطيه، وضبط اسمه بضم الباء وضم الراء وسكون النون
وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكّن وهاء، وأحسن إليّ وأكرمني.
وكتب إلى نوابه بمدينة غزنة في إكرامي، وقد تقدم ذكره وذكر ما أعطي من البسطة في الجسم، وكان عنده جماعة من المشايخ والفقراء أهل الزوايا.
ثم سافرنا إلى قرية الجرخ، وضبط اسمها بفتح الجيم المعقود وإسكان الراء وخاء معجم، وهي كبيرة لها بساتين كثيرة، وفواكهها طيبة «147» قدمناها في أيام الصيف ووجدنا بها جماعة من الفقراء والطلبة، وصلّينا بها الجمعة وأضافنا أميرها محمد الجرخي، ولقيته بعد ذلك بالهند ثم سافرنا إلى مدينة غزنة «148» ، وهي بلد السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين الشهير الاسم، وكان من كبار السلاطين يلقب يمين الدولة، وكان كثير الغزو إلى بلاد الهند وفتح بها المدائن والحصون، وقبره بهذه المدينة، عليه زاوية، وقد خرب معظم هذه البلدة ولم يبق منها إلا يسير، وكانت كبيرة وهي شديدة البرد، والساكنون بها يخرجون عنها أيام البرد إلى مدينة القندهار «149» . وهي كبيرة مخصبة ولم أدخلها وبينهما مسيرة ثلاث.
ونزلنا بخارج غزنة في قرية هنالك على نهر ماء تحت قلعتها وأكرمنا أميرها مرذك أغا «150» ، ومرذك بفتح الميم وسكون الراء وفتح الذال المعجم ومعناه الصغير، وأغا بفتح الهمزة والغين المعجم ومعناه الكبير الأصل، ثم سافرنا «151» إلى كابل وكانت فيما سلف مدينة عظيمة «152» ، وبها الآن قرية يسكنها طائفة من الأعاجم يقال لهم الأفغان، ولهم جبال وشعاب، وشوكة قوية، وأكثرهم قطّاع الطريق، وجبلهم الكبير يسمى كوه سليمان «153» ، ويذكر أن نبي الله سليمان عليه السلام صعد ذلك الجبل، فنظر إلى أرض الهند وهي مظلمة فرجع ولم يدخلها فسمي الجبل به، وفيه يسكن ملك الأفغان.
وبكابل زاوية الشيخ إسماعيل الأفغاني «154» تلميذ الشيخ عبّاس من كبار الأولياء، ومنها رحلنا إلى كرماش «155» ، وهي حصين بين جبلين تقطع به الأفغان، وكنا حين جوازنا عليه، نقاتلهم وهم بسفح الجبل ونرميهم بالنّشاب فيفرون، وكانت رفقتنا مخفّة، ومعهم نحو أربعة آلاف فرس، وكانت لي جمال انقطعت عن القافلة لأجلها، ومعي جماعة بعضهم من الأفغان، وطرحنا بعض الزاد، وتركنا أحمال الجمال التي أعيت بالطريق، وعادت إليها خيلنا بالغد فاحتملتها.
ووصلنا إلى القافلة بعد العشاء الآخرة فبتنا بمنزل ششنغار «156» ، وهي آخر العمارة مما يلي بلاد الترك.
ومن هنالك دخلنا البرية الكبرى وهي مسيرة خمس عشرة «157» ، لا تدخل إلّا في فصل واحد وهو بعد نزول المطر بأرض السند والهند وذلك في أوائل شهر يوليه، وتهب في هذه البرية ريح السموم القاتلة التي تعفّن الجسوم حتى أن الرجل إذا مات تفسخ أعضاؤه، وقد ذكرنا أن هذه الريح تهبّ أيضا في البرية بين هرمز وشيراز. «158»
وكانت تقدمت أمامنا رفقة كبيرة فيها خذاوند زاده قاضي التّرمذ فمات لهم جمال وخيل كثيرة، ووصلت رفقتنا سالمة بحمد الله تعالى إلى بنج آب «159» ، وهو ماء السند، وبنج بفتح الباء الموحدة وسكون النون والجيم ومعناه الماء، فمعنى ذلك الأودية الخمسة، وهي تصبّ في النهر الأعظم وتسقي تلك النواحي وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
وكان وصولنا لهذا النهر سلخ ذي الحجة، واستهل علينا تلك الليلة هلال المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، «160» ومن هنالك كتب المخبرون بخبرنا إلى أرض الهند وعرّفوا ملكها بكيفية أحوالنا.
وهاهنا ينتهي بنا الكلام في هذا السفر والحمد لله رب العالمين.