الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله- صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا بكر، إنّي رأيتني البارحة على قليب انزع فجئت أنت ففزعت وأنت ضعيف، والله يغفر لك، ثم جاء عمر، فاستحالت غربا وضرب الناس بعطن»
[ (1) ] .
وروى ابن مردويه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- وتعقّب عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، أعطاك الله الرّضوان الأكبر، قال: وما الرّضوان الأكبر؟ قال: «إن الله يتجلّى للخلق عامة ويتجلّى لك خاصّة» .
وروى أبو الشيخ وأبو نعيم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، ألا تحب قوما بلغهم أنك تحبني فأحبّوك بحبّك إيّاهم فأحبّهم؟.
السادس: في قدر عمره ومن صلّى عليه ودفنه
[اختلف في قدر سنه يوم مات وأشهر الأقوال وأكثرها أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر. روى أحمد وابن الجوزي في الصفوة أنه أوحى أن يدفن إلى جانب رسول الله- صلى الله عليه وسلم بين القبر والمنبر] .
السابع: في مرضه ووفاته وذكر بعض ما رثي به:
روى الحاكم عن الشّعبيّ قال: ماذا يتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله- صلى الله عليه وسلم وسم أبو بكر [ (2) ] .
وروى الواقديّ والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة فكان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفى ليلة الثّلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، وكان يأمر عمر بالصّلاة.
وروى ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال: لمّا دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يا خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟، قال: قد نظر إليّ، فقالوا:
ما قال لك؟ قال: إنّي فعّال لما أريد [ (3) ] .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن أبا بكر، لما حضرته الوفاة، قال: أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ في ليلتي هذه فلا تنتظروا بي الغد، فإنّ أحبّ الأيّام إليّ أقربها من رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
[ (1) ] أخرجه الطبراني في الكبير 9/ 74
[ (2) ] أخرجه الحاكم 3/ 64
[ (3) ] أخرجه ابن سعد 3/ 148
وروى الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمن مولى الزبير بن العوام، قال: لما حضر أبو بكر تمثّلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- بهذا البيت:
أعوذك ما بقي العذار عن الفتى
…
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
ورواه ابن سعد وغيره عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
…
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
وروى أبو يعلى برجال الصحيح عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على أبي بكر فرأيت به وهو في الموت وفي لفظ: «فرأيت به الموت» ، فقلت: هيج هيج
من لا يزال دمعه مقنعا
…
فإنه في مرة مدفوق
فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق 19] . ثم قال: في أي يوْم تُوُفِّي رسوُلُ الله- صلى الله عليه وسلم. قلت: يوم الاثْنين، قال:
أرجو فيما بيني وبين اللّيل، فمات ليلة الثّلاثاء، ودفن قبل أن يصبح [ (1) ] .
وروى الإمام أحمد عنها أنها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
…
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فقال: ذاك رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن الأصمعي قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر- رضي الله تعالى عنه-:
ليس لحي فاعلمنه بقا
…
وكلّ دنيا أمرها للفنا
والملك في الأقوام مستودع
…
عارية فالشّرط فيه الأدا
والمرء يسعى وله راصد
…
تندبه العين ونار الصّدا
يهرم أو يقتل أو يقهره
…
يشكوه سقم ليس فيه شفا
أن أبا بكر هو الغيث إن
…
لم تزرع الجوزاء بقلا بما
تالله لا يدرك أيامه
…
ذو مئزر ناش ولا ذو ردا
من يسع كي يدرك أيامه
…
مجتهدا شذّ بأرض فضا
ومن مناقبه أنه قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- في مرضه: أنا مذ وليت أمر
[ (1) ] أخرجه أبو يعلي 7/ 430 والبخاري (1387) والبيهقي 4/ 31
المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا خبز الشعير طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشيّ وهذا البعير النّاضح وهذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بها إلى عمر، قالت عائشة: فقلت، فلما جاء الرّسول إلى عمر بكى، وجعلت دموعه تسيل، ويقول: رحم الله أبا بكر مرّتين، لقد أتعب من بعده. ومن مناقبه ما كان من إنقاذ جيش أسامة، ومخالفته الكافّة في ترك إبعاده وقوله: كأن أخر من السماء فتخطفني الطير، وتنهشني السّباع أحب إلي أن أكون حالا لعقد رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهو يقول عند موته: أنقذوا جيش أسامة.
ومنها قتالة أهل الرّدّة، وخروجه بنفسه.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: وقبل عمر رأيه- رضي الله تعالى عنهما- في قتال أهل الردة.
ومنها عهده إلى عمر- رضي الله تعالى عنهما- لما حضرته الوفاة، وقوله له: اتق الله، يا عمر! واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى لها فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في دار الدّنيا، وثقله عليهم وحقّ لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، وحقّ الميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا، وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت:
إني أخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النّار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكن العبد راغبا وراهبا، ولا يتمنّى على الله، ولا يقنط من رحمته، فإن أنت حفظت وصيّتي فلا تكن الدّنيا أحب إليك من الموت.