الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرّجلين، فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه- صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، فأرسل يده، وقال: قم يا عثمان، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، وازدحم النّاس يبايعون عثمان وبايعه علي بن أبي طالب أوّلا، ويقال آخرا، هذا الذي يجب الاعتماد إليه، وأمّا ما هو مسطور في كتب المؤرّخين وأرباب السّير فلا يعرّج عليه، ثم إنّ عثمان- رضي الله تعالى عنه- لما بويع رقى إلى منبر النبي- صلى الله عليه وسلم بعد العصر أو قبل الزّوال يومئذ وعبد الرحمن جالس في رأس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله- صلى الله عليه وسلم وقال: أيها الناس: إنكم في بقيّة آجالكم، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، ولا تغرّنّكم الحياة الدّنيا، ولا يغرّنّكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى من القرون وانقضى ثم جدّوا ولا تغفلوا أين أبناء الدنيا وإخوانها؟
أين الذين شيّدوها وعمّروها وتمتّعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله عز وجل، واطلبوا الآخرة حيث رغب الله- عز وجل فيها، فإن الله- سبحانه وتعالى قد ضرب لكلّ مثلا، فقال سبحانه وتعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف 45] .
وفي لفظ: لمّا بويع له خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس، اتّقوا الله، فإن تقوى الله غنم، وإنّ أكيس النّاس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وفي خطبة أخرى: قال ابن آدم اعلم أن ملك الموت الذي وكلّ بك لم يزل يخلفك ويتخطّاك إلى غيرك منذ أتيت في الدّنيا، وكأنّه قد تخطى غيرك إليك وقصدك فخذ حذرك واستعدّ له ولا تغفل، فإنه لا يغفل عنك، واعلم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد فلا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك، والسّلام.
وفي أخرى: إن الله أعطاكم الدّنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطيكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تشتغلوا بالفانية عن الباقية وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإنّ الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، واتّقوا الله فإنّ تقواه جنّة من عذابه ووسيلة عنده، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء، فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.
الثالث: في استحياء النبي- صلى الله عليه وسلم منه
.
روى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد بن العاص أخبره أنّ عائشة- رضي الله تعالى
عنهما- أخبراه أن أبا بكر استأذن على النبي- صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على مرط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته. ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحالة، فقضى إليه حاجته ثم انصرف،
قال عثمان: ثمّ استأذنت عليه فجلس وقال: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليّ حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي أراك لم تفزع لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«إنّ عثمان رجل حييّ وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلى حاجته»
[ (1) ] .
وروى مسلم من حديث الليث بن سعد وصالح بن كيسان عن الزّهريّ ومن حديث محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار وأبي سلمة عن عائشة وأبو يعلى من حديث سهيل عنها، والطبراني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- وهو غريب- قالوا: بينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم جالس وعائشة وراءه استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن أبي وقّاص فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفّان ورسول الله- صلى الله عليه وسلم يتحدث كاشفا عن ركبتيه فغطّاهما حين استأذن عثمان، وقال لعائشة: استأخري فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، قالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتيك ولم تؤخّرني عنك، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم:«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، والذي نفس رسول الله- صلى الله عليه وسلم بيده، إنّ الملائكة تستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريبة منّي لم يتحدّث ولم يرفع رأسه حتى يخرج»
[ (2) ] .
وروى أبو نعيم في الحلية- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أشد الناس حياء عثمان بن عفان، وفي لفظ:«عثمان أحيى أمّتي وأكرمها» .
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ عثمان رجل حييّ» .
وروى أبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «إن عثمان حييّ ستّير» .
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: عثمان حييّ تستحي منه الملائكة.
وروى الطبراني في الكبير وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:
[ (1) ] أخرجه أحمد 1/ 71
[ (2) ] أخرجه مسلم 4/ 1866 (36- 2401)