الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى ابن سعد وابن عساكر عن طاوس قال: سئل عبد الله بن سلام حين قتل عثمان كيف تجدون صفة عثمان في كتبكم؟ قال: «نجده يوم القيامة أميرا على القاتل والخاذل» .
وروى أبو القاسم البغوي عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم قيل لذي قربات الحميري وكان من أعلم يهود: يا ذا قربات، من بعده؟ قال: الأمين يعني أبا بكر، قيل: فمن بعده، قال: قرن من حديد يعني: عمر، قيل: فمن بعده قال: الأزهر يعني عثمان، قيل: فمن بعده قال: الوضاح المنصور يعني معاوية.
وروى إسحاق بن راهويه والطبراني عن عبد الله بن مغفل قال: قال لي ابن سلام: لما قتل عليّ هذا رأس الأربعين، وسيكون بعده صلح.
وروى ابن سعد عن أبي صالح- رضي الله تعالى عنه- قال: كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول:
إن الأمير بعده علي
…
وفي الزبير خلف موضي
فقال كعب: «بل هو معاوية» فأخبر معاوية بذلك، فقال: يا أبا إسحاق، أنى يكون هذا وها هنا أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم علي والزبير، قال: أنت صاحبها.
وروى الطبراني، والبيهقي عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن حرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله.
فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به، فقال كعب:«ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي انزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة» .
الخامس: في وفاته ومن قتله وشيء من آثاره وما فتح في زمنه
.
توفي والنبي- صلى الله عليه وسلم راض عنه وأبو بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة، وقيل: لثماني عشرة خلت منه بعد العصر، ودفن بالبقيع سنة خمس وثلاثين، وقيل: يوم الأربعاء، وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وهو الصحيح.
وقيل: وعشرين، وصلّى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع، وأخفى قبره ذلك الوقت، وإنّما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه، لغلبة قاتليه، وقيل: لم يصل عليه، ودفن بثيابه في دمائه ولم يغسّل وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: المسور بن مخرمة، وقيل: مروان ونائلة وأم البنين زوجتاه وهما اللّتان دلّلتاه، في حفرته على الرجال الذين نزلوا في قبره، ولحدّوا له، وغيّبوا
قبره، وتفرّقوا، وكانت نائلة مليحة الثّغر، فكسرت ثناياها بحجر، وقالت: والله لا يجتليكن أحد بعد عثمان، وخطبها معاوية بالشام فأبت» .
وروى الترمذي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما، لعثمان.
وروى أيضا عن أبي سهلة مولى عثمان، قال: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه- يوم الدار: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه ولم يلبس السّراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتل.
وروى البخاري عن عثمان بن موهب- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله [ (1) ] بن عمر، قال: يا بن عمر إنّي سائلك عن شيء فحدّثني عنه، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال: نعم، قال: تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهد قال: نعم، قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرّضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، فقال ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: تعال، أبيّن لك، أمّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه وغفر له، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إلى قوله عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران 155] ، وأما تغيّبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة،
فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأمّا تغيبه عن بيعة الرّضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان- رضي الله تعالى عنه- إلى مكة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان،
فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» .
وروى أبو يعلى عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن الحسن قام خطيبا، فقال: أيّها النّاس، إني رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت ربّ العزة جل جلاله فوق عرشه فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم عند قائمة من قوائم العرش، ثم جاء أبو بكر وعمر، ثم جاء عثمان فقال: يا رب سل عبادك، فيم قتلوني، فانبعث من السّماء ميزابان من دم الأرض قال: فقيل لعليّ: ألا ترى إلى ما تحدّث به الحسن؟! فقال: يحدّث بما رأى؟!
وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: قتل عثمان مظلوما بالطّعن لعن الله قتلته! وحجّ بالنّاس عشر سنين متوالية، فتح من
[ (1) ] في ج: (عبيد)
العام الذي بويع سنة أربع وعشرين بلاد الرّيّ بكما لها، وفي سنة خمس وعشرين فتحت بلاد أرمينيّة، وفي سنة ستّ وعشرين فتحت اسكندرية ثاني مرّة، والقيروان وغيرها، وفي سنة سبع وعشرين فتحت إفريقية وبلاد المغرب، وفي سنة ثمان وعشرين فتحت إصطخر وما والاها، وفي تسع وعشرين فتحت بلاد فارس ثاني مرّة، وفي سنة ثلاثين كانت غزوة البحر وفتحت بلاد كثيرة بالغرب، وفي سنة إحدى وثلاثين فتحت صقلّيّة وغيرها، وفي اثنتين وثلاثين فتحت قبرص، وفي ثلاث وثلاثين فتحت بعض بلاد الأندلس، وفي أربع وثلاثين كانت غزوة ذي حسب وفتحت أطراف خراسان وما والاها، وفي سنة خمس وثلاثين فتحت بلاد كثيرة من بلاد الهند وغيرها من بلاد الغرب والأندلس، وكان يعتق في كل جمعة عتيقا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين، وقال مولاه حمدان: كان يغتسل كل يوم منذ أسلم، ولم يمس فرجه بيمينه منذ بايع بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم وكان نقش خاتمه «آمنت بالّذي خلق فسوّى» ، وفي رواية أخرى «آمن عثمان بالله العظيم» .
وروى ابن سعد أن امرأة كانت تدخل على عثمان- رضي الله تعالى عنه- وهو محصور، فولدت، ففقدها يوما، فقيل: إنّها قد ولدت غلاما، فأرسل إليها بخمسين درهما سنبلانيّة، وقال: هذا غطاء ابنك وكسوته، فإذا مرّت به سنة رفعناه إلى مائة، وكان يصلّي بالقرآن العظيم في (ركعة)[ (1) ] عند الحجر الأسود أيّام الحج، وكان هذا دأبه، وقال ابن عمر في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر 9] . هو عثمان، وقال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل 76] وقال حسّان- رحمه الله تعالى-:
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود له
…
يقطع اللّيل تسبيحا وقرآنا
وقال الحسن: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه-: لو أنّ قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربّنا سبحانه وتعالى، وإني لأكره أن يأتي يوم لا أنظر في المصحف، وكان إذا قام من اللّيل لا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، وكان يصوم الدّهر، وكان لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه مستويا من شدة حيائه.
ومن مناقبه الكبار: جمع المصحف، وحرق ما سواه.
وروى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه- حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته، وهكذا
[ (1) ] في ج: (زلفة)
رواه أبو داود الطّيالسيّ وعمر بن مسروق عن شعبة،
وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدّرداء، وجماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، وأبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته وكفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود والنّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وشاورهم في ذلك، واتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصديق- رضي الله تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته وجمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة آخر، وآخر إلى مكة، وآخر إلى المدينة، وأقر بالمدينة مصحفا، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته.
وروى البيهقي وغيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، يقولون:
عثمان حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم ولو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، وكان ذلك بإجماع الصّحابة- رضوان الله تعالى عليهم- أجمعين.