الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جماع أبواب بعض الوفود إليه- صلى الله عليه وسلم وبارك عليه
الباب الأول في بعض فوائد سورة النّصر
قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف، وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه قال ابن هشام رحمه الله تعالى: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمّى سنة الوفود. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى:
وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم [وضريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام] وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال الله عز وجل أفواجا يضربون إليه من كل وجه.
وفي صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: «وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيّ صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم» . وذكر الحديث.
وقد أفرد الحافظ العلّامة الشيخ برهان الدين البقاعي رحمه الله تعالى الكلام على تفسير سورة النّصر إعلاما بتمام الدّين اللازم عن مدلول اسمها، اللازم عن موت النبي- صلى الله عليه وسلم اللازم عنه العلم بأنه ما برز إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض كلمة الشيطان، اللازم عنه أنه- صلى الله عليه وسلم خلاصة الوجود وأعظم عبد للمولى الودود وعلى ذلك دلّ أيضا اسمها على التوديع وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجّة الوداع.
بِسْمِ اللَّهِ الذي له الأمر كله فهو العليم الحكيم، الرَّحْمنِ الذي أرسلك رحمة للعالمين، فعمّهم بعد نعمة الإيجاد بأن بيّن لهم إقامة معاشهم ومعادهم بك طريق النّجاة وغاية البيان بما أنزل عليك من معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله الرَّحِيمِ الذي خصّ من أراده بالإقبال به إلى حزبه وجعله من أهل قربة [بلزوم الصراط المستقيم] لما دلّت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة لهم فيه ولا التفات إليهم، ولا خوف
بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة كأنه قيل فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم [بالمعاركة] فأجاب بهذه الصورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين.
ولكنه لما لم يكن ذلك بالفعل إلا عام حجّة الوداع يعني بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقرّ الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين قبل ذلك. فقال تعالى: جاءَ] ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعيّنة لها، يسوقها إليها سائق القدرة فتقرب منها شيئا فشيئا كانت كأنها آتية إليها فلذلك حصل التّجوّز بالمجيء عن الحصول فقال] : جاءَ أي استقرّ وثبت في المستقبل لمجيء وقته المضروب له في الأزل، [وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها إلى اسم الذات فقال] : نَصْرُ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع النّاس في كل أمر تريده، ولما كان النصر درجات وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الإسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها صرّح به فقال: وَالْفَتْحُ أي الذي نزلت سورته بالحديبية مبشّرة بغلبة حزبه الذي أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم [لا سيما] على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله وفيها مستقرّ عموده وعزّ جنوده، فذلّ بذلك جميع العرب، [وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم] ففرّوا بهذا الذّلّ حتى كان ببعضهم هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ولتحققها عبّر عنه ب إِذا.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ أي العرب كانوا حقيرين عند جميع الأمم فصاروا بك هم الناس وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا. يَدْخُلُونَ شيئا فشيئا محددا دخولهم مستمرا فِي دِينِ اللَّهِ أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال الخلق بقهره لهم على الكفر [الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ] وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطّاعة وعبّر عنه بالدّين الذي معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتمّ الجزاء إلا بها.
أَفْواجاً أي قبائل وزمرا، زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها، أمّة بعد أمة، في خفّة وسرعة ومفاجأة ولين، واحدا واحدا أو نحو ذلك، لأنهم قالوا: أما أذا ظفر بأهل الحرم، وقد كان الله تعالى أجارهم من أصحاب الفيل [الذين لم يقدر أحد على ردّهم] فليس لنا به يدان [فتبيّن من هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصّة أصحاب الفيل ما رتّبه الله إلا إرهاصا لنبوّته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم] . ولما كان التقدير:
فقد سبّح الله تعالى نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشّرك عن جزيرة العرب بالفعل قال: فَسَبِّحْ أي نزّه أنت بقولك وفعلك [بالصلاة وغيرها] موافقة لمولاك لما فعل تسبيحا ملبّسا بِحَمْدِ
أي بكمال رَبِّكَ [الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدّين وقمع المعتدين] المحسن إليك بجميع ذلك لأن كلّه لكرامتك وإلا فهو عزيز حميد على كل حال تعجّبا [لتيسر الله على هذا الفتح ما لم يخطر بالبال] وشكرا لما أنعم به سبحانه عليه من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله ولأن كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها.
«ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص ووصفه بكل كمال مضافا إلى الرّبّ، أمره بما يفهم منه العجز عن الوفاء بحقّه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرّتين بالإسام الأعظم الذي له من الدلالة على العظيم والعلوّ إلى محلّ الغيب الذي لا مطمع في دركه مما تتقطّع الأعناق دونه فقال: وَاسْتَغْفِرْهُ أي اطلب غفرانه إنه كان غفّارا، إيذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدّره حقّ قدره لتقتدي بك أمّتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن الأمان الأول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحلّ الأقدس، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة مطأطئا رأسه حتى أنه ليكاد يمسّ واسطة الرّحل تواضعا للَّه تعالى وإعلاما لأصحابه أن ما وقع إنما هو بحول اللَّه تعالى، لا بكثرة من معه من الجمع وإنما جعلهم سببا لطفا منه بهم، ولذلك نبّه من ظنّ منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلا فيما وقع من الهزيمة في حنين أولا وما وقع بعد من النّصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا. ولما أمر بذلك فأرشد السّياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علّله مؤكدا لأجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الرّدّة ومن غيره بقوله: إِنَّهُ أي المحسن إليك بخلافته لك في أمّتك، ويجوز أن يكون التأكيد دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرّتين على غاية العظمة والفوت على الإدراك بالاحتجاب بأردية الكبرياء والعزّة والتّجبّر والقهر، مع أن المألوف أن من كان على شيء من ذلك بحيث لا يقبل عذرا ولا يقيل نادما. كانَ أي لم يزل تَوَّاباً أي رجّاعا لمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته. فهو الذي رجع بأنصارك عمّا كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف بالعداوات، فأيّدك بدخولهم في الدّين شيئا فشيئا حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى، ويرجع بمن تخلخل من أمّتك في دينه بردّة أو معصية دون ذلك [إلى ما كان عليه من الخير ويسير بهم أحسن سير] .
«فقد رجع آخر السورة إلى أوّلها بأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح، والتحم مقطعها أيّ التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسبّبة عما قبلها، فتوبة اللَّه تعالى على عبيدة نتيجة توبة العبد باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه تبارك وتعالى، وذلك ما دلّ عليه إعلاؤه لدينه وفسّره للداخلين فيه