الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الناس: نعم. فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى، ردّ إليهم كل شيء حتى العقال. قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر:
فردّوا عليه كل شيء حتى إن الرجل ليأتي بالدّلو ويأتي الرجل بالشّنّة والإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردّوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا.
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن أبا العاص بن الربيع لمّا قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال فإنها أموال المشركين؟ فقال أبو العاص: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. قال ابن هشام: وحدثني عبد الوارث بن سعيد التّنّوري [ (1) ] عن [داود] بن أبي هند [ (2) ]، عن أبي عمرو وعامر بن شراحيل الشعبي بنحو من حديث أبي عبيدة عن أبي العاص قلت: هذا سند صحيح، رواه أبو عبد اللَّه الحاكم في الكنى بسند صحيح عن الشعبي رحمه اللَّه تعالى أن المسلمين قالوا لأبي العاص: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصهره، فهل لك أن تسلم وتغنم ما معك من أموال أهل مكة؟ فقال: بئس ما أمرتموني به أن أفتتح ديني بغدرة.
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، والشعبي: ثم احتمل أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه. ثم قام فقال: «يا أهل مكة هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ يا أهل مكة هل أوفيت ذمتي؟» قالوا: اللهم نعم، فجزاك اللَّه خيرا فقد وجدناك وفيّا كريما. قال:
ثم خرج حتى قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة. قال ابن عباس: ردّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئا. وفي رواية عنه ردّها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين. وفي رواية بعدها: ستة بالنكاح الأول وفي الرواية: ولم يحدث نكاحا. رواه ابن جرير.
تنبيهات
الأول: كذا ذكر محمد بن عمر، وابن سعد، والبلاذري، والقطب، والعراقي، وجرى عليه في العيون أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة لأهل هذه العير. واقتضى كلام ابن
[ (1) ] عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري، مولى بني العنر، أحد الحفاظ. روى عن أيوب، ويزيد الرّشك، وطبقتهما. وعنه مسدّد، وحميد بن مسعدة، وأبو معمر المقعد، وخلق. وكان يضرب المثل بفصاحته، وإليه المنتهى في التثبت. إلّا أنه قدري متعصّب لعمرو بن عبيد. وكان حماد بن زيد ينهى المحدثين عن الحمل عنه للقدر. وقال يزيد بن زريع: من أتى مجلس عبد الوارث فلا يقربني. ميزان الاعتدال 2/ 677.
[ (2) ] داود بن أبي هند، القشيري مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد البصري ثقة متقن، كان يهم بآخره من الخامسة مات سنة أربعين وقيل قبلها. التقريب 1/ 235.
إسحاق أن سريّة من السرايا صادفت هذه العير لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرسل السرية لأجلها.
الثاني: صرّح محمد بن عمر ومن ذكر معه أن هذه السرية كانت سنة ست قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرض سرايا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لقريش أصلا، وجزم به الزهري وتبعه موسى بن عقبة كما رواه البيهقي عنهما بأن الذي أخذ هذه العير أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين كانوا بسيف البحر لما وقع صلح الحديبية، ولم يكن ذلك بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا منحازين عنه بسيف البحر، وكان لا يمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها، كما سبق ذلك في غزوة الحديبية. وقول ابن إسحاق إن هذه السرية كانت قبل الفتح يشعر بما ذهب إليه الزهري وصوّبه في زاد المعاد واستظهر في النور.
قلت: ويؤيد قول الزهري
قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما لزينب:«لا يخلص إليك فإنك لا تحلّين له» .
فإن تحريم المؤمنات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية.
الثالث: قول ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «ردّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زينب على أبي العاص بالنكاح» . يأتي الكلام عليه في ترجمة السيدة زينب رضي اللَّه تعالى عنها.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة: واد من ناحية ذي المروة على ليلة منه وعلى أربع من المدينة.
الغابة: بفتح الغين المعجمة فألف فموحدة فتاء تأنيث واد في أسفل سافلة المدينة.
العير: بكسر العين المهملة: الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة، وهي مؤنثة.
أبضعوها معه: بفتح أوله وسكون الموحدة وفتح الضاد المعجمة وضم العين المهملة:
دفعوها.
قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع.
أبو بصير: بموحدة مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فراء.
أبو جندل: بجيم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة مفتوحة فلام.
سيف البحر: بكسر السين المهملة: ساحلة.
صفّة النساء: بضم الصاد المهملة وبالفاء، الموضع المظلّل للجلوس.
المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم.
يجير: بضم الياء وكسر الجيم وسكون التحتية وبالراء، يحمي ويمنع.
أدناهم: أقلهم.
المثوى: بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وفتح الواو: الإقامة.
لا يخلص إليك: لا يطؤك.
العقال: بكسر العين المهملة وبالقاف ما يعقل به البعير.
الشّنّة: بشين معجمة مفتوحة فنون مشددة السّقاء البالي.
الإداوة: بكسر الهمزة وبالدال المهملة: المطهرة التي يتطهر بها.
الشّظاظ: بشين معجمة مكسورة فظاءين معجمتين مشالين بينهما ألف، عود معقّف في عروة الغرارة.
بأسره: بجميعه.
التنور: بفتح الفوقية وتشديد النون وبالراء.
وأنت ابن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أراد بهذين العمومة إذ أن جده عبد شمس بن عبد مناف، فيلتقي معه النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
الغدرة: بضم الغين المعجمة: الغدر وهو نقض العهد وعدم الوفاء.
احتمل: ارتحل.